تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار أبي زبيد ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو حرملة بن المنذر، وقيل المنذر بن حرملة. والصحيح حرملة بن المنذر بن معد يكرب بن حنظلة بن النّعمان بن حيّة بن سعنة بن الحارث بن ربيعة بن مالك بن سكر بن هنىء بن عمرو بن الغوث بن طيّ ء بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان.

وكان أبو زبيد نصرانيا وعلى دينه مات. وهو ممن أدرك الجاهليّة والإسلام فعدّ في المخضرمين.

وألحقه ابن سلام بالطبقة الخامسة من الإسلاميّين، وهم العجير السّلوليّ وذووه وقد مضى أكثر أخباره مع أخبار الوليد بن عقبة بن أبي معيط.

أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ إجازة قال: حدّثني محمد بن سلّام الجمحيّ قال حدّثني أبو الغرّاف قال: كان أبو زبيد الطائيّ من زوّار الملوك وخاصّة ملوك العجم، وكان عالما بسيرهم. وكان عثمان بن عفّان رضي اللّه تعالى عنه يقرّبه على ذلك ويدني مجلسه، وكان نصرانيّا. فحضر ذات يوم عثمان وعنده المهاجرون والأنصار، فتذاكروا مآثر العرب وأشعارها.

قال: فالتفت عثمان إلى أبي زبيد وقال: يا أخا تبّع المسيح أسمعنا بعض قولك؛ فقد أنبئت أنّك تجيد.

فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

من مبلغ قومنا النائين إذ شحطواأنّ الفؤاد إليهم شيّق ولع
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

ووصف فيها الأسد. فقال عثمان رضي اللّه تعالى عنه: تاللّه تفتأ تذكر الأسد ما حييت. واللّه إنّي لأحسبك جبانا هدانا. قال: كلا يا أمير المؤمنين، ولكنّي رأيت منه منظرا وشهدت منه مشهدا لا يبرح ذكره يتجدّد ويتردّد في قلبي، ومعذور أنا يا أمير المؤمنين غير ملوم. فقال له عثمان رضي اللّه عنه: وأنّى كان ذلك؟ قال: خرجت في صيّابة أشراف من أفناء قبائل العرب ذوي هيئة وشارة حسنة، ترتمي بنا المهارى بأكسائها، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ ملك الشأم؛ فاخروّط بنا السير في حمارّة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشّفاه، وشالت المياه، وأذكت الجوزاء المعزاء، وذاب الصّيهد، وصرّ الجندب، وضاف العصفور الضّبّ وجاوره في حجره، قال قائل: أيّها الرّكب غوّروا بنا في ضوج هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا كثير الدّغل، دائم الغلل؛ شجراؤه مغنّة، وأطياره مرنّة. فحططنا رحالنا بأصول دوحات كتهبلات فأصبنا من فضلات الزّاد وأتبعناها الماء البارد. فإنّا لنصف حرّ يومنا ومماطلته، إذ صرّ أقصى الخيل أذنيه، وفحص الأرض بيديه. فو اللّه ما لبث أن جال، ثم حمحم فبال، ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدا فواحدا، فتضعضعت الخيل، وتكعكعت الإبل، وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله، وناهض بعقاله؛ فعلمنا أن قد أتينا وأنّه السّبع؛ ففزع كلّ رجل منّا إلى سيفه فاستلّه من جربّانه، ثم وقفنا له رزدقا (أي صفّا).

وأقبل أبو الحارث من أجمته يتظالع في مشيته من نعته كأنه مجنوب، أو في هجار معصوب؛ لصدره نحيط، ولبلاعمه غطيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض؛ كأنما يخبط هشيما، أو يطأ صريما، وإذا هامة كالمجنّ، وخدّ كالمسنّ، وعينان سجراوان كأنّهما سراجان يقدان وقصره ربلة، ولهزمة رهلة وكتد مغبط، وزور مفرط؛ وساعد مجدول، وعضد مفتول؛ وكفّ شثنة البراثن، إلى مخالب كالمحاجن. فضرب بيده فأرهج، وكشّر فأفرج، عن أنياب كالمعاول مصقولة، غير مفلولة؛ وفم أشدق كالغار الأخرق؛ ثم تمطّى فأسرع بيديه، وحفز وركيه برجليه، حتى صار ظلّه مثليه؛ ثم أقعى فاقشعرّ، ثم مثل فاكفهرّ، ثم تجهّم فازبأرّ. فلاوذو بيته في السماء ما اتّقيناه إلا بأوّل أخ لنا من فزارة، كان ضخم الجزارة، فوقصه ثم نفضه نفضة فقضقض متنيه، فجعل يلغ في دمه. فذمرت أصحابي، فبعد لأي ما استقدموا. فهجهجنا به، فكرّ مقشعرّا بزبرته، كأنّ به شيهما حوليّا، فاختلج رجلا أعجر ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت منها مفاصله، ثم نهم ففرفر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ، فو اللّه لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، من عن شماله ويمينه. فأرعشت الأيدي، واصطكّت الأرجل، وأطّت الأضلاع، وارتجّت الأسماع، وشخصت العيون، وتحقّقت الظّنون، وانخزلت المتون. فقال له عثمان: اسكت قطع اللّه لسانك! فقد أرعبت قلوب المسلمين.

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثني العمريّ قال حدّثني شعبة قال: قلت للطّرمّاح بن حكيم: ما شأن أبي زبيد وشأن الأسد؟ فقال: إنّه لقيه بالنّجف، فلمّا رآه سلح من فرقه - وقال مرة أخرى: فسلّحه - فكان بعد ذلك يصفه كما رأيت.

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال حدّثني أبي عمن يثق به أنّ رجلا من طيّىء من بني حيّة نزل به رجل من بني الحارث بن ذهل بن شيبان يقال له المكّاء؛ فذبح له شاة وسقاه الخمر، فلما سكر الطائيّ قال: هلمّ أفاخرك: أبنو حيّة أكرم أم بنو شيبان؟ فقال له الشيباني: حديث حسن، ومنادمة كريمة أحبّ إلينا من المفاخرة. فقال الطائي: واللّه ما مدّ رجل قطّ يدا أطول من يدي. فقال الشيبانيّ: واللّه لئن أعدتها لأخضبنّها من كوعها. فرفع الطائيّ يده، فضربها الشيباني بسيفه فقطعها. فقال أبو زبيد في ذلك:

خبّرتنا الرّكبان أن قد فخرتموفرحتم بضربة المكّاء
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
ولعمري لعارها كان أدنىلكم من تقى وحقّ وفاء
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
ظلّ ضيفا أخوكم لأخينافي صبوح ونعمة وشواء
ثم لما رآه رانت به الخمر وأن لا يريبه باتّقاء
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
لم يهب حرمة النّديم وحقّتيا لقوم للسّوءة السوءاء
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمي عبيد اللّه عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال: كان لأبي زبيد كلب يقال له أكدر، وكان له سلاح يلبسه أيّاه، فكان لا يقوم له الأسد، فخرج ليلة قبل أن يلبسه سلاحه، فلقيه الأسد فقتله، ويقال: أخذه فأفلت منه، فقال عند ذلك أبو زبيد:

أحال أكدر مختالا كعادتهحتى إذا كان بين البئر والعطن
لاقى لدى ثلل الأطواء داهيةأسرت وأكدر تحت الليل في قرن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
حطّت به شيمة ورهاء تطردهحتى تناهى إلى الحولات في السّنن
إلى مقابل خطو السّاعدين لهفوق السّراة كذفرى الفالج القمن
رئبال غاب فلا قحم ولا ضرعكالبغل يحتطم العلجين في شطن

وهي قصيدة طويلة. فلامه قومه على كثرة وصفه للأسد، وقالوا له: قد خفنا أن تسبّنا العرب بوصفك له.

قال: لو رأيتم منه ما رأيت أو لقيكم ما لقي أكدر لما لمتموني. ثم أمسك عن وصفه فلم يصفه بعد ذلك في شعره حتى مات.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني أبو سعيد السكّريّ قال حدّثني هارون بن مسلم بن سعدان أبو القاسم قال حدّثنا هشام ابن الكلبيّ قال: كان الأجلح الكنديّ يحدّث عن عمارة بن قابوس قال: لقيت أبا زبيد الطائيّ فقلت له: يا أبا زبيد هل أتيت النّعمان بن المنذر؟ قال إي واللّه لقد أتيته وجالسته. قال قلت: فصفه لي. فقال: كان أحمر أزرق أبرش قصيرا. فقلت له: باللّه أخبرني أيسرّك أنه سمع مقالتك هذه وأنّ لك حمر النّعم؟ قال: لا واللّه ولا سودها؛ فقد رأيت ملوك حمير في ملكها، ورأيت ملوك غسّان في ملكها، فما رأيت أحدا قطّ كان أشدّ عزّا منه. وكان ظهر الكوفة ينبت الشقائق، فحمى ذلك المكان، فنسب إليه فقيل «شقائق النّعمان».

فجلس ذات يوم هناك وجلسنا بين يديه كأنّ على رؤوسنا الطّير، وكأنه باز. فقام رجل من الناس فقال له: أبيت اللعن! أعطني فإنّي محتاج. فتأمّله طويلا ثم أمر به فأدنى حتّى قعد بين يديه، ثم دعا بكنانة فاستخرج منها مشاقص فجعل يجأبها في وجهه حتى سمعنا قرع العظام، وخضبت لحيته وصدره بالدم، ثم أمر به فنحّي.

ومكثنا مليّا.

ثم نهض آخر فقال له: أبيت اللّعن! أعطني. فتأمّله ساعة ثم قال: أعطوه ألف درهم، فأخذها وانطلق.

ثم التفت عن يمينه ويساره وخلفه، فقال: ما قولكم في رجل أزرق أحمر يذبح على هذه الأكمة، أترون دمه سائلا حتى يجري في هذا الوادي؟ فقلنا له: أنت - أبيت اللعن - أعلى برأيك عينا. فدعا برجل على هذه الصّفة فأمر به فذبح.

ثم قال: ألا تسألوني عما صنعت؟ فقلنا: ومن يسألك - أبيت اللعن - عن أمرك وما تصنع؟ فقال: أما الأوّل فإني خرجت مع أبي نتصيّد، فمررت به وهو بفناء بابه وبين يديه عسّ من شراب أو لبن، فتناولته لأشرب منه، فثار إليّ فهراق الإناء فملا وجهي وصدري، فأعطيت اللّه عهدا لئن أمكنني منه لأخضبنّ لحيته وصدره من دم وجهه.

وأما الآخر فكانت له عندي يد كافأته بها، ولم أكن أثبته، فتأمّلته حتى عرفته.

وأما الذي ذبحته فإنّ عينا لي بالشام كتب إليّ: إنّ جبلة بن الأيهم قد بعث إليك برجل صفته كذا وكذا ليغتالك. فطلبته أياما فلم أقدر عليه، حتى كان اليوم.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان لأبي زبيد نديم يشرب معه بالكوفة، فغاب أبو زبيد غيبة، ثم رجع فأخبر بوفاته، فعدل إلى قبره قبل دخوله منزله، فوقف عليه ثم قال:

يا هاجري إذا جئت زائرهما كان من عاداتك الهجر
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
يا صاحب القبر السّلام علىمن حال دون لقائه القبر
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

ثم انصرف. وكان بعد ذلك يجيء إلى قبره فيشرب عنده ويصبّ الشراب على قبره.

والأبيات التي فيها الغناء المذكور يقولها في غلام له قتلته تغلب، وكان مجاورا فيهم، فدلّ بهراء على عورتهم وقاتلهم معهم فقتل.

أخبرني بخبره أبو خليفة قال حدّثني محمد بن سلام. وأخبرني محمد بن العباس اليزيديّ عن عمه عبيد اللّه عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال: كان أخوال أبي زبيد بني تغلب، وكان يقيم فيهم أكثر أيامه، وكان له غلام يرعى إبله، فغزت بهراء بني تغلب، فمرّوا بغلامه، فدفع إليهم إبل أبي زبيد وقال: انطلقوا أدلّكم على عورة القوم وأقاتل معكم. ففعلوا، والتقوا، فهزمت بهراء وقتل الغلام، فقال أبو زبيد هذه القصيدة وهي:

هل كنت في منظر ومستمععن نصر بهراء غير ذي فرس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
تسعى إلى فتية الأراقم واسستعجلت قبل الجمان والقبس
للشاعر حرملة بن المنذر بن معد يكرب، من قصيدة «هل كنت في منظرٍ ومستمعٍ»
في عارض من جبال بهرائها الأولى مرين الحروب عن درس
للشاعر حرملة بن المنذر بن معد يكرب، من قصيدة «هل كنت في منظرٍ ومستمعٍ»
فبهرة من لقوا حسبتهمأحلى وأشهى من بارد الدّبس
للشاعر حرملة بن المنذر بن معد يكرب، من قصيدة «هل كنت في منظرٍ ومستمعٍ»
لا ترة عندهم فتطلبهاولا هم نهزة لمختلس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
جود كرام إذا هم ندبواغير لئام ضجر ولا كسس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
صمت عظام الحلوم إن قعدواعن غير عيّ بهم ولا خرس
تقود أفراسهم نساؤهميزجون أجمالهم مع الغلس
للشاعر حرملة بن المنذر بن معد يكرب، من قصيدة «هل كنت في منظرٍ ومستمعٍ»
صادفت لمّا خرجت منطلقاجهم المحيّا كباسل شرس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
تخال في كفّه مثقّفةتلمع فيها كشعلة القبس
للشاعر حرملة بن المنذر بن معد يكرب، من قصيدة «هل كنت في منظرٍ ومستمعٍ»
بكفّ حرّان ثائر بدمطلّاب وتر في الموت منغمس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
إمّا تقارن بك الرماح فلاأبكيك إلّا للدّلو والمرس
حمدت أمري ولمت أمرك إذأمسك جلز السّنان بالنفس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
وقد تصلّيت حرّ نارهمكما تصلّى المقرور من قرس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
تذبّ عنه كفّ بها رمقطيرا عكوفا كزوّر العرس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
عما قليل علون جثّتهفهنّ من والغ ومنتهس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

فلما فرغ أبو زبيد من قصيدته بعثت إليه بنو تغلب بدية غلامه وما ذهب من إبله، فقال في ذلك:

ألا أبلغ بني عمرو رسولافإنّي في مودّتكم نفيس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

هكذا ذكر ابن سلّام في خبره، والقصيدة لا تدلّ على أنها قيلت فيمن أحسن إليه وودى غلامه وردّ عليه ماله. وفي رواية ابن حبيب:

ألا أبلغ بني نصر بن عمرو

وقوله أيضا فيها:

فما أنا بالضعيف فتظلمونيولا جافي اللقاء ولا خسيس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
أفي حقّ مواساتي أخاكمبمالي ثم يظلمني السريس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

- السريس: الضعيف الذي لا ولد له - وهذا ليس من ذلك الجنس. ولعل ابن سلام وهم.

وأبو زبيد أحد المعمّرين، ذكر ابن الكلبي أنه عمر مائة وخمسين سنة.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن ابن الكلبيّ عن أبيه قال: كان طول أبي زبيد ثلاثة عشر شبرا.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز وأحمد بن عبيد اللّه بن عمار قالا حدثنا محمد بن عبد اللّه العبديّ أبو بكرة قال حدّثني أبو مسعر الجشميّ عن ابن الكلبيّ قال: كان أبو زبيد الطائيّ ممّن إذا دخل مكّة دخلها متنكرا لجماله.

وأخبرني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن مسلم قال: لما صار الوليد بن عقبة إلى الرّقّة واعتزل عليّا عليه السلام ومعاوية، صار أبو زبيد إليه، فكان ينادمه، وكان يحمل في كل أحد إلى البيعة مع النصارى. فبينا هو يوم أحد يشرب والنصارى حوله رفع بصره إلى السماء فنظر ثم رمى بالكأس من يده وقال:

إذا جعل المرء الذي كان حازمايحلّ به حلّ الحوار ويحمل
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
فليس له في العيش خير يريدهوتكفينه ميتا أعفّ وأجمل
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

ومات فدفن هناك على البليخ. فلما حضرت الوليد بن عقبة الوفاة أوصى أن يدفن إلى جنب أبي زبيد. وقد قيل: إن أبا زبيد مات بعد الوليد؛ فأوصى أن يدفن إلى جنب الوليد.

قال ابن الكلبيّ في خبره الذي ذكره إسحاق عنه: هرب أبو زبيد من الإسلام فجاور بهراء فاستأجر منهم أجيرا لإبله فكان يقبّله حلب الجمان والقيس، وهما ناقتان كانتا له. فلما كان يوم حابس، وهو اليوم الذي التقت فيه بهراء وتغلب خرج أجير أبي زبيد مع بهراء، فقتل وانهزمت بهراء، فمرّ أبو زبيد به وهو يجود بنفسه، فقال فيه هذه القصيدة.

أخبرني محمد بن يحيى ويحيى بن علي الأبوابيّ المدائنيّ قالا حدّثنا عقبة المطرفيّ قال: كنا في الحمام ومعي ابن السّعديّ وأنا أقرأ القرآن، فدخل سعد الرّواسي فغنى:

قد كنت في منظر ومستمععن نصر بهراء غير ذي فرس

فقال ابن السعديّ: اسكت اسكت! فقد جاء حديث يأكل الأحاديث.

أخبرني عمي والحسن بن عليّ قالا حدّثني العمري قال حدّثني أحمد بن حاتم قال حدّثني محمد بن عمرو الجمّاز قال حدّثني أبو عبيدة عن يونس وأبي الخطّاب النحوي: أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط أوصى لما احتضر لأبي زبيد بما يصلحه في فصحه وأعياده، من الخمر ولحوم الخنازير وما أشبه ذلك. فقال أهله وبنوه لأبي زبيد: قد علمت أنّه لا يحلّ لنا هذا في ديننا، وإنما فعله إكراما لك وتعظيما لحقّك، فقدّره لنفسك ما شئت أن تعيش، وقوّم ما أوصى به لك حتّى نعطيك قيمته ولا تفضحنا وتفضح آباءنا بهذا، واحفظه واحفظنا فيه، ففعل أبو زبيد ذلك، وقبله منهم.

صوت

هل تعرف الدار من عامين أو عامدار لهند بجزع الحرج فالدام
تحنو لأطلائها عين ملمّعةسفع الخدود بعيدات من الرامي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»

الحرج والدام: موضعان، ويروي «مذ عامين». وهذا الأجود، وكلاهما رومي. وعين: بقر. وأطلاؤها: أولادها، واحدها طلا. ويروى: «بعيدات من الذام» هو الذي يذم.

الشعر للحطيئة يمدح به أبا موسى الأشعريّ لما ولّاه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه العراق. والغناء لمالك، خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. وذكر أنّ فيه لابن جامع أيضا صنعة.

قال محمد بن حبيب: أتى الحطيئة أبا موسى يسأله أن يكتبه معه، فأخبره أنّ العدّة قد تمت، فمدحه الحطيئة بهذه القصيدة التي ذكرتها، وأوّلها:

هل تعرف الدار من عامين أو عامدار لهند بجزع الحرج فالدام

وفيها يقول:

وجحفل كسواد الليل منتجعأرض العدوّ ببؤس بعد إنعام
جمعت من عامر فيه ومن أسدومن تميم ومن جاء ومن حام
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»

- حاء من مذحج، وحام من خثعم -

وما رضيت لهم حتى رفدتهممن وائل رهط بسطام بأصرام
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»
فيه الرماح وفيه كلّ سابغةجدلاء محكمة من نسج سلّام
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»
- يعني سليمان النبي -
وكلّ أجرد كالسّرحان أضمرهمسح الأكفّ وسقى بعد إطعام
مستحقبات رواياها جحافلهايسمو بها أشعريّ طرفه سام
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»

- الروايا: الإبل التي تحمل أثقالهم وأزوادهم، وتجنب الخيل إليها فتضع حجافلها على أعجاز الإبل -

لا يزجر الطّير إن مرّت به سنحاولا يفيض على قدح بأزلام
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»

وقال المدائني: لما مدح الحطيئة أبا موسى رضي اللّه عنه بهذه القصيدة وصله أبو موسى - وقد كان كتب من أراد وكملت العدّة - فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فكتب يلومه، فكتب إليه: إني اشتريت منه عرضي، فكتب إليه: أحسنت. قال: وزاد فيه حمّاد الراوية أنه - يعني نفسه - أنشدها بلال بن أبي بردة ولم يكن عرفها فوصله.

أخبرني القاضي أبو خليفة إجازة قال حدّثنا محمد بن سلام قال أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال: قدم حماد الراوية البصرة على بلال بن أبي بردة وهو عليها فقال له: ما أطرفتني شيئا يا حمّاد! فعاد إليه فأنشده قول الخطيئة في أبي موسى، فقال له: ويحك! يمدح الحطيئة أبا موسى وأنا أروي شعره كله ولا أعلم بهذه؟

أدعها تذهب في الناس.

وكانت ولاية أبي موسى الكوفة بعد أن أخرج أهلها سعيد بن العاصي عنها، وتحالفوا ألا يولّوا عليها إلا من يريدون.

أخبرني بالسبب في ذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثنا المدائني عن أبي مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق قال: كان قوم من وجوه أهل الكوفة من القرّاء يختلفون إلى سعيد بن العاص ويسألونه، فتذاكروا يوما السهل والجبل، فقال حسان بن محدوج: سهلنا خير من جبلنا: أكثر برّا وشعيرا، فيه أنهار مطّردة، ونخل باسقات، وقلّت فاكهة ينبتها الجبل إلا والسهل ينبت مثلها. فقال له عبد الرحمن بن حبيش: صدقتم، وددت أنه للأمير وأنّ لكم أفضل منه. فقال الأشتر: تمنّ للأمير أفضل ولا تتقرّب إليه بأموالنا، فقال: ما ضرّك ذلك. واللّه لو يشاء أن يكون له لكان. قال كذبت واللّه لو أراد ذلك ما قدر عليه. فقال سعيد: واللّه ما السواد إلا بستان لقريش، ما شئنا أخذنا منه، وما شئنا تركنا. فقال له الأشتر: أنت تقول هذا أصلحك اللّه وهذا من مركز رماحنا وفيئنا! ثم ضربوا عبد الرحمن ابن حبيش حتى سقط.

قال المدائني فحدّثني عليّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الشعبي ومجالد بن حمزة بن بيض عن الشعبيّ قال: بينا القرّاء عند سعيد بن العاص وهم يأكلون تمرا وزبدا إذ قال سعيد: السواد بستان قريش، فما شئنا أخذنا منه وما شئنا تركنا. فقال له عبد الرحمن بن حبيش وكان على شرطة سعيد: صدق الأمير. فوثب عليه القرّاء فضربوه، وقالوا له: يا عدوّ اللّه، يقول الباطل وتصدقه! فقال سعيد: اخرجوا من داري. فخرجوا، فلما أصبحوا أتو المسجد فداروا على الحلق فقالوا: إن أميركم زعم أنّ السواد بستان له ولقومه وهو فيئنا ومركز رماحنا، فو اللّه ما على هذا بايعنا ولا عليه أسلما. فكتب سعيد إلى عثمان رضي اللّه عنه: إنّ قبلي قوما يدعون القرّاء وهم السفهاء، وثبوا على صاحب شرطتي فضربوه واستخفوا بي. ومنهم عمرو بن زرارة، وكميل بن زياد، والأشتر وحرفوص بن هبيرة، وشريح بن أوفى، ويزيد بن المكفّف، وزيد وصعصعة ابنا صوحان وجندب بن عبد اللّه.

فكتب إليهم عثمان رضي اللّه عنه يأمرهم أن يخرجوا إلى الشام ويغروا مغازيهم. وكتب إلى سعيد: قد كفيتك الذي أردت فأقرئهم كتابي فإني أراهم لا يخالفون إن شاء اللّه، واتق اللّه جلّ وعز وأحسن السيرة. فأقرأهم الكتاب، فخرجوا إلى دمشق فأكرمهم معاوية وقال: إنكم قدمتم بلدا لا يعرف أهله إلا الطاعة فلا تجادلوهم فتدخلوا الشكّ قلوبهم. فقال له الأشتر: إنّ اللّه جل وعز قد أخذ على العلماء في علمهم ميثاقا أن يبيّنوه للناس ولا يكتموه. فإن سألنا سائل عن شيء نعلمه لم نكتمه. فقال: قد خفت أن تكونوا مرصدين للفتنة، فاتقوا اللّه وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ

فقال عمرو بن زرارة: نحن الذين هدى اللّه. فأمر معاوية بحبسهم.

فقال له زيد بن صوحان: إن الذين أشخصونا إليك لم يعجزوا عن حبسنا لو أرادوا. فأحسنوا جوارنا، وإن كنا ظالمين فنستغفر اللّه، وإن كنا مظلومين فنسأل اللّه العافية. فقال له معاوية: إني لا أرى حبسك أمرا صالحا، فإن أحببت أن آذن لك فترجع إلى مصرك وأكتب إلى أمير المؤمنين بإذنك فعلت. قال حسبي أن تأذن لي وتكتب إلى سعيد. فكتب إليه، فأذن له، فلما أراد زيد الشخوص كلّمه في الأشتر وعمرو بن زرارة فأخرجهما. وأقام القوم بدمشق لا يرون أمرا يكرهونه؛ ثم أشخصهم معاوية إلى حمص، فكانوا بها، حتى أجمع أهل الكوفة على إخراج سعيد فكتبوا إليهم فقدموا.

قال أبو زيد قال المدائني حدّثني الوقاصي عن الزّهري: أن أهل الكوفة لما قدموا على عثمان يشكون سعيدا قال لهم: أكتب إليه فأجمع بينكم وبينه. ففعل، فلم يحقّقوا عليه شيئا إلا قوله: «السواد بستان قريش»، وأثنى الآخرون عليه. فقال عثمان: أرى أصحابكم يسألون إقراره، ولم يثبتوا عليه إلا كلمة واحدة، لم ينتهك بها لأحد حرمة. ولا أرى عزله إلا أن تثبتوا عليه ما لا يحلّ لأحد تركه معه. فانصرفوا إلى مصركم. فرجع سعيد والفريقان معه، وتقدّمهم عليّ بن الهيثم السدوسيّ حتى دخل رحبة المسجد فقال: يا أهل الكوفة إنا أتينا خليفتنا فشكونا إليه عاملنا، ونحن نرى أنه سيصرفه عنا، فردّه إلينا وهو يزعم أن السواد بستان له. وأنا امرؤ منكم أرضى إذا رضيتم. فقالوا لا نرضى.

وجاء الأشتر فصعد المنبر فخطب خطبة ذكر فيها النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما، وذكر عثمان رضي اللّه عنه فحرّض عليه ثم قال: من كان يرى أنّ للّه جل وعز حقا فليصبح بالجرعة، ثم قال لكميل بن زياد: انطلق فأخرج ثابت بن قيس بن الخطيم، فأخرجه. واستعمل أهل الكوفة. أبا موسى الأشعريّ.

أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثنا عفّان قال حدّثنا أبو محصن قال حدّثنا حصين بن عبد الرحمن قال حدّثني جهيم قال: أنا شاهد للأمر، قالوا لعثمان: إنك استعملت أقاربك. قال: فليقم أهل كلّ مصر فليسلموا صاحبهم. فقام أهل الكوفة فقالوا: اعزل عنا سعيدا واستعمل علينا أبا موسى الأشعريّ. ففعل.

قال أبو زيد: وكان سعيد قد أبغضه أهل الكوفة لأمور: منها أن عطاء النساء بالكوفة كان مائتين مائتين فحطّه سعيد إلى مائة مائة. فقالت امرأة من أهل الكوفة تذمّ سعيدا وتثني على سعد بن أبي وقّاص:

فليت أبا إسحاق كان أميرناوليت سعيدا كان أول هالك
يحطّط أشراف النساء ويتقيبأبنائهن مرهفات النّيازك

حدّثني العباس بن علي بن العباس ومحمد بن جرير الطبري قالا حدّثنا يحيى بن معين قال حدّثنا أبو داود وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو داود قال حدّثنا شعبة بن عمرو بن مرّة قال سمعت أبا وائل يحدّث عن الحارث بن حبيش قال: بعثني سعيد بن العاص بهدايا إلى المدينة وبعثني إلى علي عليه السلام وكتب إليه: إني لم أبعث إلى أحد بأكثر مما بعثت به إليك إلا شيئا في خزائن أمير المؤمنين. قال: فأتيت عليّا فأخبرته، فقال: لشدّ ما تحظر بنو أمية تراث محمد صلى اللّه عليه وسلم. أما واللّه لئن وليتها لأنفضنّها نفض القصّاب لتراب الوذمة.

قال أبو جعفر: هذا غلط إنما هو لوذام التّربة.

قال أبو زيد وحدّثني عبد اللّه بن محمد بن حكيم الطائي عن السعدي عن أبيه قال: بعث سعيد بن العاص مع ابن أبي عائشة مولاه بصلة إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام: فقال: واللّه لا يزال غلام من غلمان بني أميّة يبعث إلينا مما أفاء اللّه على رسوله بمثل قوت الأرملة، واللّه لئن بقيت لأنفضنّها نفض القصّاب لوذام التربة. هكذا في هذه الرواية.

صوت

ربّ وعد منك لا أنساه ليأوجب الشّكر وإن لم تفعلي
للشاعر محمد بن أبي أمية، اقرأ القصيدة
أقطع الدّهر بظنّ حسنوأجلّي غمرة ما تنجلي
للشاعر محمد بن أبي أمية، اقرأ القصيدة
كلّما أمّلت يوما صالحاعرض المكروه لي في أملي
للشاعر محمد بن أبي أمية، اقرأ القصيدة
وأرى الأيّام لا تدني الّذيأرتجي منك وتدني أجلي
للشاعر محمد بن أبي أمية، اقرأ القصيدة

عروضه من الرمل؛ الشّعر لمحمد بن أميّة، والغناء لأبي حشيشة، رمل طنبوريّ وفيه لحن لحسين بن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عن أبي عبد اللّه الهشاميّ.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»