تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار مروان الأصغر

فيه ٣٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

قد مرّ نسبه ونسب أبيه وأهله وأخبارهم متقدّما. وكان مروان هذا آخر من بقي منهم يعدّ في الشعراء، وبقي بعده منهم متوّج. وكان ساقطا بارد الشّعر. فذكر لي عن أبي هفّان أنه قال: شعر آل أبي حفصة بمنزلة الماء الحارّ.

ابتداؤه في نهاية الحرارة ثم تلين حرارته، ثم يفتر ثم يبرد، وكذا كانت أشعارهم، إلا أنّ ذلك الماء لمّا انتهى إلى متوّج جمد.

وهذا الشعر يقوله مروان في المنتصر، وكان قد أقصاه وجفاه، وأظهر خلافا لأبيه في سائر مذاهبه حتى في التشيّع، فطرد مروان لنصبه، وأخرجه عن جلسائه. فقال هذه الأبيات وسأل بنان بن عمرو فغنّى فيها المنتصر ليستعطفه. وخبره في ذلك يذكر في هذا الموضع من الكتاب.

أخبرني عمّي وحبيب بن نصر المهلّبي قالا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني حمّاد بن أحمد بن سليمان الكلبي قال حدّثني أبو السّمط مروان الأصغر قال: لمّا دخلت إلى المتوكّل مدحته ومدحت ولاة العهود الثلاثة، وأنشدته:

سقى اللّه نجدا والسلام على نجدويا حبّذا نجد على النّأي والبعد
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
نظرت إلى نجد وبغداد دونهالعلّي أرى نجدا وهيهات من نجد
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
ونجد بها قوم هواهم زيارتيولا شيء أحلى من زيارتهم عندي
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

قال: فلمّا فرغت منها أمر لي بمائة وعشرين ألف درهم وخمسين ثوبا وثلاثة من الظّهر فرس وبغلة وحمار، ولم أبرح حتّى قلت قصيدتي التي أشكره فيها وأقول:

تخيّر ربّ النّاس للنّاس جعفراوملّكه أمر العباد تخيّرا
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

فلما صرت إلى هذا البيت:

فأمسك ندى كفّيك عنّي ولا تزدفقد كدت أن أطغى وأن أتجبّرا
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

قال لي لا واللّه لا أمسك حتّى أغرّقك بجودي.

وحدّثني عمّي بهذا الخبر قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني حماد بن أحمد بن يحي قال حدّثني مروان بن أبي الجنوب، فذكر مثل هذا الخبر سواء، وقال بعد قوله: «لا واللّه لا أمسك حتّى أغرّقك»: سلني حاجتك. فقلت: يا أمير المؤمنين، الضّيعة التي أمرت أن أقطعها باليمامة - ذكر ابن المدبّر أنّها وقف المعتصم على ولده - فقال: قد قبّلتك إيّاها مائة سنة بمائة درهم. فقلت: لا يحسن أن تضمن ضيعة بدرهم في السنة. فقال ابن المدّبر: فبألف درهم في كلّ سنة. فقلت نعم. فأمر ابن المدبّر أن ينفد ذلك لي، وقال: ليست هذه حاجة، هذه قبالة، فسلني حاجتك. فقلت: ضيعة يقال لها السّيوح أمر الواثق بإقطاعي إيّاها، فمنعنيها ابن الزيّات؛ فأمر بامضاء الإقطاع لي.

حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني علي بن يحي المنجّم قال: كان عليّ بن الجهم يطعن على مروان بن أبي الجنوب ويثلبه حسدا له على موضعه من المتوكّل. فقال له المتوكّل يوما: يا عليّ، أيّما أشعر أنت أو مروان؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين. فأقبل على مروان فقال له: قد سمعت، فما عندك؟ قال: كلّ أحد أشعر منّي يا أمير المؤمنين، وما أصف نفسي ولا أزكّيها. وإذا رضيني أمير المؤمنين فما أبالي من زيّفني. فقال له: قد صدّقتك، عليّ يزعم سرا وجهرا أنّه أشعر منك. فالتفت إليه مروان فقال له: يا عليّ! أأنت أشعر منّي؟ فقال: أو تشكّ في ذاك؟ قال: نعم! أشكّ وأشكّ وهذا أمير المؤمنين بيننا. فقال له عليّ: إنّ أمير المؤمنين يحابيك. فقال المتوكل: هذا عيّ منك يا عليّ؛ ثم قال لابن حمدون: احكم بينهما. فقال: طرحتني واللّه يا أمير المؤمنين بين أنياب ومخالب أسدين. قال: واللّه لتحكمّن بينهما. فقال له: أمّا إذ حلفت يا أمير المؤمنين فأشعرهما عندي أعرفهما في الشّعر. فقال له المتوكل: قد سمعت يا عليّ. قال: قد عرف ميلك إليه فمال معه. فقال: دعنا منك، هذا كلّه عيّ، فإن كنت صادقا فاهج مروان. قال: قد سكرت ولا فضل فيّ.

فقال المتوكل لمروان: اهجه أنت، وبحياتي لا تبق غاية. فقال مروان:

إن ابن جهم في المغيب يعيبنيويقول لي حسنا إذا لاقاني
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
صغرت مهابته وعظّم بطنهفكأنّما في بطنه ولدان
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
ويح ابن جهم ليس يرحم أمّهلو كان يرحمها لما عاداني
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
فإذا التقينا ناك شعري شعرهونزا على شيطانه شيطاني
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

قال: فضحك المتوكل والجلساء منه، وانخزل ابن الجهم، فلم يكن عنده أكثر من أن قال: جمع حيلة الرّجال وحيلة النساء. فقال له المتوكل: هذا أيضا من عيك وبردك، إن كان عندك شيء فهاته؛ فلم يأت بشيء.

فقال لمروان: بحياتي إن حضرك شيء فهاته، ولا تقصّر في شتمك. فقال مروان:

لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعروهذا عليّ بعده يدّعي الشّعراء
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
ولكن أبي قد كان جارا لأمّهفلمّ أدّعى الأشعار أوهمني أمرا
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

قال: فضحك المتوكل وقال: زده بحياتي. فقال فيه:

يابن بدر يا عليّهقلت إنّي قرشيّه
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
قلت ما ليس بحقّفاسكتي يا نبطيّه
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
اسكتي يا بنت جهماسكتي يا حلقيّه
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

فأخذ عبّادة هذه الأبيات فغنّاها على الطّبل وجاوبه من كان يغنّي، والمتوكل يضحك ويضرب بيديه ورجليه، وعليّ مطرق كأنّه ميّت، ثم قال: عليّ بالدواة فأتي بها، فكتب:

بلاء ليس يشبهه بلاءعداوة غير ذي حسب ودين
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة
يبيحك منه عرضا لم يصنهويرتع منك في عرض مصون
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

أخبرني عليّ بن العبّاس بن أبي طلحة قال حدّثني جعفر بن هارون بن زياد قال حدّثني محمد بن السّريّ قال: لمّا مدح عليّ بن الجهم وهو محبوس المتوكل بقوله

توكّلنا على ربّ السماءوسلمنا لأسباب القضاء
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وذكر فيها جميع النّدماء وسبعهم وهجاهم، انتدب له مروان بن أبي الجنوب فعارضه فيها، وقد كان المتوكل رقّ له، فلما أنشده مروان هذه القصيدة اعتورته ألسنة الجلساء فثلبوه واغتابوه وضربوا عليه، فتركه في محبسه. والقصيدة:

ألم تعلم بأنّك يابن جهمدعيّ في أناس أدعياء
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
أعبد اللّه تهجو وابن عمروبختيشوع أصحاب الوفاء
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
هجوت الأكرمين وأنت كلبحقيق بالشّتيمة والهجاء
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
أترمي بالزّناء بني حلالوأنت زنيم أولاد الزّناء
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
أسامة من جدودك يا بن جهم!كذبت وما بذلك من خفاء
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا الحسين بن يحيى قال حدّثني إبراهيم بن الحسن قال: لمّا كان من أمر العبّاس بن المأمون وعجيف ما كان، أنشد مروان بن أبي الجنوب المعتصم قصيدة أوّلها:

ألا يا دولة المعصوم دوميفإنّك قلت للدّنيا استقيمي
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

فلمّا بلغ إلى قوله:

هوى العبّاس حين أراد غدرافوافى إذ هوى قعر الجحيم
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة
كذاك هوى كمهواه عجيففأصبح في سواء لظى الحميم

قال المعتصم: أبعده اللّه!

حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثنا أبو العيناء قال: دخل مروان الأصغر بن أبي الجنوب على أشناس وقد مدحه بقصيدة فأنشده إيّاها، فجعل أشناس يحرّك رأسه ويومىء بيديه ويظهر طربا وسرورا، وأمر له بصلة. فلمّا خرج قال له كاتبه: رأيت الأمير قد طرب وحرّك رأسه ويديه لما كان يسمعه، فقد فهمه؟ قال نعم. قال: فأيّ شيء كان يقول؟ قال: ما زال يقول علي رقية الخبز حتّى حصّل ما أراد وانصرف.

حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال: كان المتوكّل يعابثني كثيرا، فقال في يوم من الأيّام لمروان بن أبي الجنوب: أهج عليّ بن يحيى؛ فقال مروان:

ألا إنّ يحيى لا يقاس إلى أبيوعرض ابن يحيى لا يقاس إلى عرضي

وهي أبيات تركت ذكرها صيانة لعليّ بن يحيى. قال: فأجبته عنها فقلت:

صدقت لعمري ما يقاس إلى أبيأبوك، ومن قاس الشّواهق بالخفض
وهل لك عرض طاهر فتقيسهإذا قيست الأعراض يوما إلى عرضي
ألستم موالي للّعين ورهطهأعادي بني العبّاس ذي الحسب المحض
توالون من عادى النبيّ ورهطهفترمون من والى أولي الفضل بالرّفض
وليس عجيبا أن أرى لك مبغضالأنّك أهل للعداوة والبغض

حدّثني جحظة قال حدّثني عليّ بن يحيى قال: أنشد مروان بن أبي الجنوب المتوكّل ذات يوم:

إنّي نزلت بساحة المتوكّلونزلت في أقصى ديار الموصل

فقال له بعض من حضر: فكيف الاتّصال بين هؤلاء والمراسلة؟ فقال أبو العنبس الصّيمري: كان له حمام هدىّ يبعث بها إليه من الموصل حتّى يكاتبه على أجنحتها. فضحك المتوكّل حتى استلقى، وخجل مروان وحلف بالطلاق لا يكلّم أبا العنبس أبدا، فماتا متهاجرين. كذا أكبر حفظي أنّ جحظة حدّثني به عن عليّ بن يحيى؛ فإنّي كتبته عن حفظي.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال قرأت في كتاب قديم: قال عوف بن محلّم لعبد اللّه بن طاهر في علّة اعتلّها:

فإن تك حمّى الرّبع شفّك وردهافعقباك منها أن يطول لك العمر
وقيناك لو نعطى المنى فيك والهوىلكان بنا الشّكوى وكان لك الأجر

قال: ثم حمّ المتوكّل حمّى الرّبع، فدخل عليه مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة، فأنشده قصيدة له على هذا الرّويّ، وأدخل البيتين فيها، فسرّ بها المتوكل. فقال له عليّ بن الجهم: يا أمير المؤمنين، هذا شعر مقول، والتفت إليّ وقال: هذا يعلم. فالتفت إليّ المتوكّل وقال: أتعرفه؟ فقلت: ما سمعته قبل اليوم. فشتم عليّ بن الجهم وقال له: هذا من حسدك وشرّك وكذبك. فلمّا خرجنا قال عليّ بن الجهم: ويحك! مالك قد جننت! أما تعرف هذا الشعر؟ قلت: بلى! وأنشدته إيّاه. فلّما عدت إلى المتوكّل من غد قال له: يا أمير المؤمنين، قد اعترف لي بالشّعر وأنشدنيه،. فقال لي: أكذاك هو؟ فقلت: كذب يا أمير المؤمنين! ما سمعت به قطّ فازداد عليه غيظا وله شتما. فلمّا خرجنا قال لي: ما في الأرض شرّ منك. فقلت له: أنت أحمق، تريد منّي أن أجيء إلى شعر قد قاله فيه شاعر يحبّه ويعجبه شعره فأقول له: إنّي أعرفه فأوقع نفسي وعرضي في لسان الشاعر لترتفع أنت عنده، ويسقط ذاك ويبغضني أنا!

صوت

ما لأبراهيم في العلم بهذا الشّأن ثان
إنّما عمر أبي إسحاق زين للزّمان
فإذا غنّى أبو اسحاق أجابته المثاني
منه يجنى ثمر اللّهوو ريحان الجنان
جنّة الدّنيا أبو إسحاق في كلّ مكان

عروضه من الرّمل. الشّعر لابن سيابة. والغناء لإبراهيم الموصليّ خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق ابنه.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»