من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار الأعشى وبني عبد المدان، وأخبارهم مع غيره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية عن سماك بن حرب عن يونس بن متّى راوية الأعشى قال: كان لبيد مجبّرا حيث يقول:
من هداه سبل الخير اهتدىناعم البال ومن شاء أضلّ
وكان الأعشى قدريّا حيث يقول:
استأثر اللّه بالوفاء وبالعدل وولّى الملامة الرّجلا
فقلت له: من أين أخذ هذا؟ فقال: أخذه من أساقفة نجران. وكان يعود في كلّ سنة إلى بني عبد المدان، فيمدحهم ويقيم عندهم يشرب الخمر معهم وينادمهم، ويسمع من أساقفة نجران قولهم؛ فكلّ شيء في شعره من هذا فمنهم أخذه.
فأمّا خبر مباهلتهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فأخبرني به عليّ بن العبّاس بن الوليد البجليّ المعروف بالمقانعيّ الكوفيّ قال أنبأنا بكّار بن أحمد بن اليسع الهمداني قال حدّثنا عبد اللّه بن موسى عن أبي حمزة عن شهر بن حوشب.
قال بكّار وحدّثنا إسماعيل بن أبان العامريّ عن عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن عليّ عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليه السلام، وحديثه أتم الأحاديث. وحدّثني به جماعة آخرون بأسانيد مختلفة وألفاظ تزيد وتنقص: فممن حدّثنى به عليّ بن أحمد بن حامد التميميّ قال حدّثنا الحسن بن عبد الواحد قال حدّثنا حسن بن حسين عن حيّان بن علي عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس، وعن الحسن بن الحسين عن محمد بن بكر عن محمد بن عبد اللّه بن عليّ بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه عن أبي رافع. وأخبرني عليّ بن موسى الحميريّ في كتابه قال حدّثنا جندل بن والق قال حدّثنا محمد بن عمر عن عبّاد الكليبيّ عن كامل أبي العلاء عن أبي صالح عن ابن عبّاس. وأخبرني أحمد بن الحسين بن سعد بن عثمان إجازة قال حدّثنا أبي قال حدّثنا حصين بن مخارق عن عبد الصمد بن عليّ عن أبيه عن ابن عبّاس. قال الحصين وحدّثني أبو الجارود وأبو حمزة الثّماليّ عن أبي جعفر، قال: وحدّثني حمد بن سالم وخليفة بن حسان عن زيد بن عليّ عليه السلام. قال حصين وحدّثني سعيد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس. وممن حدّثني أيضا بهذا الحديث عليّ بن العباس عن بكّار عن إسماعيل بن أبان عن أبي أويس المدني عن جعفر بن محمد وعبد اللّه والحسن ابني الحسن. وممن حدّثني به أيضا محمد بن الحسين الأشنانيّ قال حدّثنا إسماعيل بن إسحاق الراشديّ قال حدّثني يحيى بن سالم عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام. وممن أخبرني به أيضا الحسين بن حمدان بن أيوب الكوفيّ عن محمد بن عمرو الخشّاب عن حسين الأشقر عن شريك عن جابر عن أبي جعفر، وعن شريك عن المغيرة عن الشعبيّ، واللفظ للحديث الأوّل. قالوا: قدم وفد نصارى نجران وفيهم الأسقفّ، والعاقب وأبو حبش، والسّيّد، وقيس، وعبد المسيح، وابن عبد المسيح الحارث وهو غلام - وقال شهر بن حوشب في حديثه: وهم أربعون حبرا - حتى وقفوا على اليهود في بيت المدراس، فصاحوا بهم: يا بن صوريّا يا كعب بن الأشرف، انزلوا يا إخوة القرود والخنازير. فنزلوا إليهم؛ فقالوا لهم: هذا الرجل عندكم منذ كذا وكذا سنة قد غلبكم! أحضروا الممتحنة لنمتحنه غدّا. فلمّا صلّى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الصبح، قاموا فبركوا بين يديه، ثم تقدّمهم الأسقفّ فقال: يا أبا القاسم، موسى من أبوه؟ قال: عمران.
قال: فيوسف من أبوه؟ قال: يعقوب. قال: فأنت من أبوك؟ قال: أبي عبد اللّه بن عبد المطلّب. قال: فعيسى من أبوه؟ فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآله؛ فانقضّ عليه جبريل عليه السلام فقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
فتلاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ فنزا الأسقفّ ثم دير به مغشيّا عليه، ثم رفع رأسه إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال له: أتزعم أنّ اللّه جلّ وعلا أوحي إليك أنّ عيسى خلق من تراب! ما نجد هذا فيما أوحي إليك، ولا نجده فيما أوحي إلينا؛ ولا تجد هؤلاء اليهود فيما أوحي إليهم. فأوحى اللّه تبارك وتعالى إليه: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
فقال: أنصفتنا يا أبا القاسم، فمتى نباهلك؟ فقال: بالغداة إن شاء اللّه تعالى. وانصرف النصارى، وانصرفت اليهود وهي تقول: واللّه ما نبالي أيّهما أهلك اللّه الحنفيّة أو النّصرانيّة. فلمّا صارت النصارى إلى بيوتها قالوا؛ واللّه إنّكم لتعلمون أنّه نبيّ، ولئن باهلناه إنّا لنخشى أن نهلك، ولكن استقيلوه لعلّه يقيلنا. وغدا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من الصّبح وغدا معه بعليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات اللّه عليهم. فلمّا صلّى الصبح، انصرف فاستقبل الناس بوجهه، ثم برك باركا، وجاء بعليّ فأقامه بين يديه، وجاء بفاطمة فأقامها بين كتفيه، وجاء بحسن فأقامه عن يمينه، وجاء بحسين فأقامه عن يساره. فأقبلوا يستترون بالخشب والمسجد فرقا أن يبدأهم بالمباهلة إذا رآهم، حتى بركوا بين يديه، ثم صاحوا: يا أبا القاسم، أقلنا أقالك اللّه عثرتك. فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم: نعم - قال: ولم يسأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم شيئا قطّ إلّا أعطاه - فقال: قد أقلتكم فولّوا. فلّما ولّوا قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم: «أما والّذي بعثني بالحقّ لو باهلتهم ما بقي على وجه الأرض نصرانيّ ولا نصرانية إلّا أهلكهم اللّه تعالى». وفي حديث شهر بن حوشب أنّ العاقب وثب فقال: أذكّركم اللّه أن نلاعن هذا الرجل! فو اللّه لئن كان كاذبا ما لكم في ملاعنته خير، ولئن كان صادقا لا يحول الحول ومنكم نافخ ضرمة فصالحوه ورجعوا.
وأمّا خبر القبّة الأدم التي ذكرها الأعشى فأخبرني بخبرها عمّي وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عليّ بن عمرو الأنصاريّ عن هشام بن محمد عن أبيه قال: كان عبد المسيح بن دارس بن عربيّ بن معيقر من أهل نجران، وكانت له قبّة من ثلاثمائة جلد أديم، وكان على نهر بنجران يقال النّحيردان. قال: ولم يأت القبّة خائف إلّا أمن، ولا جائع إلا شبع؛ وكان يستغلّ من ذلك النهر عشرة آلاف دينار، وكانت القبّة تستغرق ذلك كله. وكان أوّل من نزل نجران من بني الحارث بن كعب يزيد بن عبد المدان بن الدّيّان. وذلك أنّ عبد المسيح بن دارس زوّج يزيد بن عبد المدان ابنته رهيمة، فولدت له عبد اللّه بن يزيد، فهم بالكوفة. ومات عبد المسيح، فانتقل ماله الى يزيد؛ فكان أوّل حارثيّ حلّ في نجران. وفي ذلك يقول أعشى قيس بن ثعلبة:
فكعبة نجران حتم عليك حتّى تناحي بأبوابها
نزور يزيد وعبد المسيحوقيسا هم خير أربابها
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثني عمّي عن العباس بن هشام عن أبيه قال حدّثني بعض بني الحارث بن كعب، وأخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد اللّه بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ عن أبيه قال: اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطّفيل بموسم عكاظ، وقدم أمية بن الأسكر الكنانيّ ومعه ابنة له من أجمل أهل زمانها، فخطبها يزيد وعامر. فقالت أمّ كلاب امرأة أميّة بن الأسكر: من هذان الرجلان؟ فقال: هذا يزيد ابن عبد المدان بن الديّان، وهذا عامر بن الطّفيل. فقالت: أعرف بني الديّان ولا أعرف عامرا. فقال: هل سمعت بملاعب الأسنّة؟ فقالت نعم. قال: فهذا ابن أخيه. وأقبل يزيد فقال: يا أمية، أنا ابن الديّان صاحب الكثيب، ورئيس مذحج، ومكلّم العقاب، ومن كان يصوّب أصابعه فتنظف دما، ويدلك راحتيه فتخرجان ذهبا. فقال أميّة: بخ بخ. فقال عامر: جدّي الأخرم، وعمّي ملاعب الأسنّة، وأبي فارس قرزل. فقال أمية: بخ بخ! مرعى ولا كالسّعدان. فأرسلها مثلا. فقال يزيد: يا عامر. هل تعلم شاعرا من قومي رحل بمدحة إلى رجل من قومك؟ قال: اللّهم لا. قال: فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدائحهم إلى قومي؟ قال: اللّهم نعم. قال: فهل لكم نجم يمان أو برد يمان أو سيف يمان أو ركن يمان؟ قال لا. قال: فهل ملكناكم ولم تملكونا؟ قال نعم. فنهض يزيد وأنشأ يقول:
أميّ يابن الأسكر بن مدلجلا تجعلن هوازنا كمذحج
إنّك إن تلهج بأمر تلججما النبع في مغرسه كالعوسج
ولا الصّريح المحض كالممزّج
قال: فقال مرّة بن دودان النّفيليّ وكان عدوّا لعامر:
يا ليت شعري عنك يا يزيدماذا الّذي من عامر تريد
لكلّ قوم فخركم عتيدأمطلقون نحن أم عبيد
لا بل عبيد زادنا الهبيد
قال: فزوّج أمية يزيد بن عبد المدان ابنته. فقال يزيد في ذلك:
يا للرجال لطارق الأحزانولعامر بن طفيل الوسنان
كانت إتاوة قومه لمحرّقزمنا وصارت بعد للنّعمان
عدّ الفوارس من هوازن كلّهافخرا عليّ وجئت بالديّان
فإذا لي الشّرف المبين بوالدصخم الدّسيعة زانني ونماني
يا عام إنّك فارس ذو ميعةغضّ الشّباب أخو ندى وقيان
واعلم بأنك بابن فارس قرزلدون الذي تسعى له وتداني
ليست فوارس عامر بمقرّةلك بالفضيلة في بني عيلان
فإذا لقيت بني الحماس ومالكوبني الضّباب وحيّ آل قنان
فاسأل عن الرّجل المنوّه باسمهوالدافع الأعداء عن نجران
يعطى المقادة في فوارس قومهكرما لعمرك والكريم يماني
فقال عامر بن الطّفيل:
عجبا لواصف طارق الأحزانولما يجيء به بنو الدّيّان
فخروا عليّ بحبوة لمحرّقوإتاوة سيقت إلى النّعمان
ما أنت وابنّ محرّق وقبيلّهوإتاوة اللّخميّ في عيلان
فاقصد بفخرك قصد قومك قصرةودع القبائل من بني قحطان
إن كان سالفة الإتاوة فيكمأو لا ففخرك فخر كلّ يماني
وافخر برهط بني الحماس ومالكوبني الضّباب وزعبل وقنان
فأنا المعظّم وابن فارس قرزلوأبو براء زانني ونماني
وأبو جزيء ذو الفعال ومالكمنعا الذّمار صباح كلّ طعان
وإذا تعاظمت الأمور هوازنكنت المنوّه باسمه والباني
فلمّا رجع القوم إلى بني عامر، وثبوا على مرّة بن دودان وقالوا له: أنت من بني عامر، وأنت شاعر، ولم تهج بني الدّيّان! فقال مرّة:
تكلّفني هوازن فخر قوميقولون: الأنام لنا عبيد
أبونا مذحج وبنو أبيهإذا ما عدّت الآباء هود
وهل لي إن فخرت بغير حقّمقال والأنام لهم شهود
فأنّى تضرب الأعلام صفحاعن العلياء أم من ذا يكيد
فقولوا يا بني عيلان كنّالهم قنّا، فما عنها محيد
وقال ابن الكلبيّ في هذه الرواية: قدم يزيد بن عبد المدان وعمرو بن معد يكرب ومكشوح المراديّ على ابن جفنة زوّارا، وعنده وجوه قيس: ملاعب الأسنّة عامر بن مالك، ويزيد بن عمرو بن الصّعق، ودريد بن الصّمّة.
فقال ابن جفنة ليزيد بن عبد المدان: ماذا كان يقول الدّيّان إذا أصبح فإنه كان ديّانا. فقال: كان يقول: آمنت بالذي رفع هذه (يعني السماء)، ووضع هذه (يعني الأرض)، وشقّ هذه (يعني أصابعه)، ثم يخرّ ساجدا ويقول: سجد وجهي للّذي خلقه وهو عاشم، وما جشّمني من شيء فإنّي جاشم. فإذا رفع رأسه قال:
إن تغفر اللّهم تغفر جمّاوأيّ عبد لك ما ألمّا
فقال ابن جفنة: إنّ هذا لذو دين. ثم مال على القيسيين وقال: ألا تحدّثوني عن هذه الرياح: الجنوب والشّمال والدّبور والصّبا والنّكباء، لم سمّيت بهذه الأسماء؛ فإنه قد أعياني علمها؟ فقال القوم: هذه أسماء وجدنا العرب عليها لا نعلم غير هذا فيها. فضحك يزيد بن عبد المدان ثم قال: يا خير الفتيان، ما كنت أحسب أنّ هذا يسقط علمه على هؤلاء وهم أهل الوبر. إنّ العرب تضرب أبياتها في القبلة مطلع الشمس، لتدفئهم في الشّتاء وتزول عنهم في الصيف. فما هبّ من الرّياح عن يمين البيت فهي الجنوب، وما هبّ عن شماله فهي الشّمال، وما هبّ من أمامه فهي الصّبا، وما هبّ من خلفه فهي الدّبور، وما استدار من الرياح بين هذه الجهات فهي النّكباء.
فقال ابن جفنة: إنّ هذا للعلم يابن عبد المدان.
وأقبل على القيسيّين يسألهم عن النّعمان بن المنذر. فعابوه وصغّروه. فنظر ابن جفنة الى يزيد فقال له: ما تقول يابن عبد المدان؟ فقال يزيد: يا خير الفتيان. ليس صغيرا من منعك العراق، وشركك في الشام، وقيل له: أبيت اللّعن. وقيل لك: يا خير الفتيان، وألفى أباه ملكا كما ألفيت أباك ملكا؛ فلا يسرّك من يغرّك؛ فإن هؤلاء لو سألهم عنك النّعمان لقالوا فيك مثل ما قالوا فيه. وأيم اللّه ما فيهم رجل إلّا ونعمة النّعمان عنده عظيمة! فغضب عامر بن مالك وقال له: يابن الديّان! أما واللّه لتحتلبنّ بها دما! فقال له: ولم؟ أزيد في هوازن من لا أعرفه؟
فقال: لا! بل هم الذين تعرف. فضحك يزيد ثم قال: ما لهم جرأة بني الحارث، ولا فتك مراد، ولا بأس زبيد، ولا كيد جعفيّ، ولا مغارطيّ ء. وما هم ونحن يا خير الفتيان بسواء، ما قتلنا أسيرا قطّ ولا اشتهينا حرّة قط، ولا بكينا قتيلا حتى نبىء به. وإن هؤلاء ليعجزون عن ثأرهم، حتى يقتل السّميّ بالسميّ. والكنيّ بالكنيّ، والجار بالجار. وقال يزيد بن عبد المدان فيما كان بينه وبين القيسيّين شعرا غدا به على ابن جفنة:
تمالا على النّعمان قوم إليهمموارده في ملكه ومصادره
على غير ذنب كان منه إليهمسوى أنّه جادت عليهم مواطره
فباعدهم من كلّ شرّ يخافهوقرّبهم من كلّ خير يبادره
فظنّوا - وأعراض الظنون كثيرة -بأنّ الّذي قالوا من الأمر ضائره
فلم ينقصوه بالّذي قيل شعرةولا فلّلت أنيابه وأظافره
وللحارث الجفنيّ أعلم بالّذيينوء به النّعمان إن خفّ طائره
فيا حار كم فيهم لنعمان نعمةمن الفضل والمنّ الذي أنا ذاكره
ذنوبا عفا عنها ومالا أفادهوعظما كسيرا قوّمته جوابره
ولو سأل عنك العائبين ابن منذرلقالوا له القول الذي لا يحاوره
قال: فلمّا سمع ابن جفنة هذا القول عظم يزيد في عينه، وأجلسه معه على سريره، وسقاه بيده، وأعطاه عطيّة لم يعطها أحدا ممن وفد عليه قطّ.
فلما قرّب يزيد ركائبه ليرتحل سمع صوتا إلى جانبه، وإذا هو رجل يقول:
أما من شفيع من الزائرينيحبّ الثّناء زنده ثاقب
يريد ابن جفنة إكرامهوقد يمسح الضّرّة الحالب
فينقذني من أظافيرهوإلّا فإنّي غدا ذاهب
فقد قلت يوما على كربةوفي الشّرب في يثرب غالب
ألا ليت غسّان في ملكهاكلخم، وقد يخطىء الشارب
وما في ابن جفنة من سبّةوقد خفّ حلمي بها العازب
كأنّي غريب من الأبعدينوفي الحلق منّي شجا ناشب
فقال يزيد: عليّ بالرجل، فأتي به. فقال: ما خطبك؟ أنت تقول هذا الشعر؟ قال: لا! بل قاله رجل من جذام جفاه ابن جفنة، وكان له عند النّعمان منزلة، فشرب فقال على شرابه شيئا أنكره عليه ابن جفنة فحبسه، وهو مخرجه غدا فقاتله. فقال له يزيد: أنا أغنيك. فقال له: ومن أنت حتى أعرفك؟ فقال: أنا يزيد بن عبد المدان. فقال: أنت لها وأبيك؟ قال: أجل! قد كفيتك أمر صاحبك، فلا يسمعنّك أحد تنشد هذا الشعر.
وغدا يزيد على ابن جفنة ليودّعه؛ فقال له: حيّاك اللّه يابن الديّان! حاجتك. قال: تلحق قضاعة الشأم بغسّان، وتؤثر من أتاك من وفود مذحج، وتهب لي الجذاميّ الذي لا شفيع له إلّا كرمك. قال: قد فعلت. أما إنّي حبسته لأهبه لسيّد أهل ناحيتك، فكنت ذلك السيّد، ووهبه له. فاحتمله يزيد معه، ولم يزل مجاورا له بنجران في بني الحارث بن كعب. وقال ابن جفنة لأصحابه: ما كانت يميني لتفي إلا بقتله أو هبته لرجل من بني الديّان؛ فإنّ يميني كانت على هذين الأمرين. فعظم بذلك يزيد في عين أهل الشأم ونبه ذكره وشرف.
وقال ابن الكلبيّ في هذه الرواية عن أبيه: جاور رجلان من هوازن، يقال لهما عمرو وعامر، في بني مرّة بن عوف بن ذبيان، وكانا قد أصابا دما في قومهما. ثم إنّ قيس بن عاصم المنقريّ أغار على بني مرّة بن عوف بن ذبيان، فأصاب عامرا أسيرا في عدّة أسارى كانوا عند بني مرّة، ففدى كلّ قوم أسيرهم من قيس بن عاصم وتركوا الهوازنيّ، فاستغاث أخوه بوجوه بني مرّة: سنان بن أبي حارثة والحارث بن عوف والحارث بن ظالم وهاشم بن حرملة والحصين بن الحمام فلم يغيثوه، فركب إلى موسم عكاظ، فأتى منازل مذحج ليلا فنادى:
دعوت سنانا وابن عوف وحارثاوعاليت دعوى بالحصين وهاشم
أعيّرهم في كلّ يوم وليلةبترك أسير عند قيس بن عاصم
حليفهم الأدنى وجار بيوتهمومن كان عما سرّهم غير نائم
فصمّوا وأحداث الزمان كثيرةوكم في بني العلّات من متصامم
فيا ليت شعري من لإطلاق غلّهومن ذا الذي يحظى به في المواسم
قال: فسمع صوتا من الوادي ينادي بهذه الأبيات:
ألا أيّهذا الّذي لم يجبعليك بحيّ يجلّي الكرب
عليك بذا الحيّ من مذحجفإنّهم للرّضا والغضب
فناد يزيد بن عبد المدانوقيسا وعمرو بن معديكرب
يفكّوا أخاك بأموالهموأقلل بمثلهم في العرب
أولاك الرؤوس فلا تعدهمومن يجعل الرأس مثل الذّنب!
قال: فاتبّع الصوت فلم ير أحدا، فغدا على المكشوح، واسمه قيس بن عبد يغوث المراديّ، فقال له: إنّي وأخي رجلان من بني جشم بن معاوية أصبنا دما في قومنا، وإنّ قيس بن عاصم أغار على بني مرّة وأخي فيهم مجاور فأخذه أسيرا، فاستغثت بسنان بن أبي حارثة والحارث بن عوف والحارث بن ظالم وهاشم بن حرملة فلم يغيثوني. فأتيت الموسم لاصيب به من يفكّ أخي، فانتهيت إلى منازل مذحج، فناديت بكذا وكذا، فسمعت من الوادي صوتا أجابني بكذا وكذا، وقد بدأت بك لتفكّ أخي. فقال له المكشوح: واللّه إنّ قيس بن عاصم لرجل ما قارضته معروفا قطّ ولا هو لي بجار، ولكن اشتر أخاك منه وعليّ الثمن، ولا يمنعك غلاؤه. ثم أتى عمرو بن معديكرب فقال له مثل ذلك؛ فقال: هل بدأت بأحد قبلي؟ قال: نعم! بقيس المكشوح. قال: عليك بمن بدأت به. فتركه، وأتى يزيد بن عبد المدان فقال له: يا أبا النّضر، إنّ من قصّتي كذا وكذا. فقال له: مرحبا بك وأهلا، أبعث إلى قيس بن عاصم؛ فإن هو وهب لي أخاك شكرته، وإلا أغرت عليه حتى يتّقيني بأخيك؛ فإن نلتها وإلّا دفعت إليك كلّ أسير من بني تميم بنجران فاشتريت بهم أخاك. قال: هذا الرضا. فأرسل يزيد إلى قيس بن عاصم بهذه الأبيات:
يا قيس أرسل أسيرا من بني جشمإنّي بكلّ الذي تأتي به جازي
لا تأمن الدّهر أن تشجى بغصّتهفاختر لنفسك إحمادي وإعزازي
فافكك أخا منقر عنه وقل حسنافيما سئلت وعقّبه بإنجاز
قال: وبعث بالأبيان رسولا إلى قيس بن عاصم؛ فأنشده إياها، ثم قال له: يا أبا عليّ، إنّ يزيد بن عبد المدان يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنّ المعروف قروض، ومع اليوم غد. فأطلق لي هذا الجشميّ؛ فإنّ أخاه قد استغاث بأشراف بني مرّة وبعمرو بن معديكرب وبمكشوح مراد فلم يصب عندهم حاجته فاستجار بي. ولو أرسلت إليّ في جميع أسارى مضر بنجران لقضيت حقّك. فقال قيس بن عاصم لمن حضره من بني تميم: هذا رسول يزيد بن عبد المدان سيّد مذحج وابن سيّدها ومن لا يزال له فيكم يد، وهذه فرصة لكم، فما ترون؟ قالوا: نرى أن نغليه عليه ونحكم فيه شططا؛ فإنه لن يخذله أبدا ولو أتى ثمنه على ماله. فقال قيس: بئس ما رأيتم! أما تخافون سجال الحروب ودول الأيّام ومجازاة القروض! فلمّا أبوا عليه قال: بيعونيه، فأغلوه عليه، فتركه في أيديهم، وكان أسيرا في يد رجل من بني سعد، وبعث إلى يزيد فأعلمه بما جرى، وأعلمه أنّ الأسير لو كان في يده أو في بني مقر لأخذه وبعث به، ولكنه في يد رجل من بني سعد. فأرسل يزيد الى السعديّ أن سر إليّ بأسيرك ولك فيه حكمك. فأتى به السعديّ يزيد بن عبد المدان؛ فقال له: احتكم. فقال: مائة ناقة ورعاؤها. فقال له يزيد: إنّك لقصير الهمّة قريب الغنى جاهل بأخطار بني الحارث. أما واللّه لقد غبنتك يا أخا بني سعد، ولقد كنت أخاف أن يأتي ثمنه على جلّ أموالنا، ولكنكم يا بني تميم قوم قصار الهمم. وأعطاه ما احتكم. فجاوره الأسير وأخوه حتى ماتا عنده بنجران.
وقال ابن الكلبيّ: أغار عبد المدان على هوازن يوم السّلف في جماعة من بني الحارث بن كعب، وكانت حمته على بني عامر خاصّة. فلمّا التقى القوم حمل على وبر بن معاوية النّميريّ فصرعه، وثنّى بطفيل بن مالك فأجرّه الرمح، وطار به فرسه قرزل فنجا، واستحرّ القتل في بني عامر، وتبعت خيل بني الحارث من انهزم من بني عامر، وفي هذه الخيل عمير ومعقل وكانا من فرسان بني الحارث بن كعب، فلم يزالوا بقيّة يومهم لا يبقون على شيء أصابوه، فقال في ذلك عبد المدان:
عفا من سليمى بطن غول فيذبلفغمرة فيف الرّيح فالمتنخّل
ديار الّتي صاد الفؤاد دلالهاوأغرت بها يوم النّوى حين ترحل
فإن تك صدّت عن هواي وراعهانوازل أحداث وشيب مجلّل
فيا ربّ خيل قد هديت بشطبةيعارضها عبل الجزارة هيكل
سبوح إذا جال الحزام كأنّهإذا انجاب عنه النّقع في الخيل أجدل
يواغل جردا كالقنا حارثيّةعليها قنان والحماس وزعبل
معاقلهم في كلّ يوم كريهةصدور العوالي والصّفيح المصقّل
وزغف من الماذي بيض كأنّهانهاء مرتها بالعشيّات شمأل
فما ذرّ قرن الشمس حتى تلاحقتفوارس يهديها عمير ومعقل
فجالت على الحي الكلابيّ جولةفباكرهم ورد من الموت معجل
فغادرن وبرا تحجل الطير حولهونجّى طفيلا في العجاجة قرزل
فلم ينج إلّا فارس من رجالهميخفّف ركضا خشية الموت أعزل
وليزيد بن عبد المدان أخبار مع دريد بن الصّمّة قد ذكرت مع أخبار دريد في صنعة المعتضد مع أغاني الخلفاء، فاستغني عن إعادتها في هذا الموضع.
أخبرني عليّ بن سليمان قال أخبرني أبو سعيد السّكّري قال حدّثني محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ وأبي عبيدة وابن الكلبيّ، قالوا: أغار يزيد بن عبد المدان ومعه بنو الحارث بن كعب على بني عامر، فأسر عامر بن مالك ملاعب الأسنّة أبا براء وأخاه عبيدة بن مالك ثم أنعم عليهما. فلمّا مات يزيد بن عبد المدان - واسم عبد المدان عمرو، وكنيته أبو يزيد، وهو ابن الديّان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب بن عمرو - قالت زينب بنت مالك بن جعفر بن كلاب أخت ملاعب الأسنّة ترثي يزيد بن عبد المدان:
بكيت يزيد بن عبد المدان حلّت به الأرض أثقالها
شريك الملوك ومن فضلهيفضل في المجد أفضالها
فككت أسارى بني جعفروكندة إذ نلت أقوالها
ورهط المجالد قد جلّلتفواضل نعماك أجبالها
وقالت أيضا ترثيه:
سأبكي يزيد بن عبد المدانعلى أنّه الأحلم الأكرم
رماح من العزم مركوزةملوك إذا برزت تحكم
قال: فلامها قومها في ذلك وعيّروها بأن بكت يزيد؛ فقالت زينب:
ألا أيّها الزاري عليّ بأنّنينزاريّة أبكي كريما يمانيا
ومالي لا أبكي يزيد وردّنيأجرّ جديدا مدرعي وردائيا
صوت
أطل حمل الشّناءة لي وبغضيوعش ما شئت فانظر من تضير
إذا أبصرتني أعرضت عنّيكأن الشمس من قبلي تدور
الشعر لعبد اللّه بن الحشرج الجعدي. والغناء لابن سريح ثقيل أوّل بالبنصر عن الهشاميّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع