تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عبد الله بن الحشرج

فيه ٩٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو عبد اللّه بن الحشرج بن الأشهب بن ورد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. وكان عبد اللّه بن الحشرج سيّدا من سادات قيس وأميرا من أمرائها، ولي أكثر أعمال خراسان، ومن أعمال فارس، وكرمان. وكان جوادا ممدّحا. وفيه يقول زياد الأعجم:

إنّ السماحة والشّجاعة والنّدىفي قبّة ضربت على ابن الحشرج

وله يقول أيضا:

إذا كنت مرتاد السّماحة والنّدىفسائل تخبّر عن ديار الأشاهب
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

نسبه إلى الأشهب جدّه. وفي بني الأشهب يقول نابغة بني جعدة:

أبعد فوارس يوم الشّريف آسى وبعد بني الأشهب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

وكان أبوه الحشرج بن الأشهب سيّدا شاعرا وأميرا كبيرا. وكان غلب على قهستان في زمن عبد اللّه بن خازم، فبعث إليه عبد اللّه بن خازم المسيّب بن أوفى القشيريّ، فقتل الحشرج وأخذ قهستان. وكان عمّه زياد بن الأشهب أيضا شريفا سيّدا، وكان قد سار إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - يصلح بينه وبين معاوية على أن يولّيه الشأم فلم يجبه. وفي ذلك يقول نابغة بني جعدة يعتدّ على معاوية:

وقام زياد عند باب ابن هاشميريد صلاحا بينكم ويقرّب

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال: حدّثنا العمريّ عن عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان قال: جاء الى عبد اللّه بن الحشرج وهو بقهستان رجل من قشير يقال له قدامة بن الأحرز، فدخل عليه وأنشأ يقول:

أخ وابن عمّ جاءكم متحرّمابكم فارأبوا خلّاته يابن حشرج
فأنت ابن ورد سدت غير مدافعمعدّا على رغم المنوط المعلهج
فبرّزت عفوا إذا جريت ابن حشرجوجاء سكيتا كلّ أعقد أفحج
سبقت ابن ورد كلّ حاف وناعلبجدّ إذا حار الأضاميم ممعج
بورد بن عمر فتّهم إنّ مثلهقليل ومن يشر المحامد يفلج
هو الواهب الأموال والمشتري اللّهاوضرّاب رأس المستميت المدجّج

قال: فأعطاه أربعة آلاف درهم، وقال: أعذرني يابن عمّي؛ فإنّي في حالة اللّه بها عليم من كثرة الطّلّاب، وأنت أحقّ من عذرني. قال: واللّه لو لم تعطني شيئا مع ما أعلمه من جميل رأيك في عشيرتك ومن انقطع إليك لعذرتك، فكيف وقد أجزلت العطاء، وأرغمت الأعداء!

وكان لابن الحشرج ابن عمّ يقول للقشيريّ: ويحك! ليس عنده خير، وهو يكذبك ويملذك. فبلغ ذلك عبد اللّه بن الحشرج فقال:

أطل حمل الشّناءة لي وبغضيوعش ما شئت فانظر من تضير
فما بيديك خير أرتجيهوغير صدودك الخطب الكبير
إذا أبصرتني أعرضت عنّيكأنّ الشمس من قبلي تدور
للشاعر عنترة الطائي، اقرأ القصيدة
وكيف تعيب من تمسي فقيراإليه حين تحزبك الأمور
ومن إن بعت منزلة بأخرىحللت بأمره وبه تسير
أتزعم أنّني ملذ كذوبوأنّ المكرمات لديّ بور
وكيف أكون كذّابا ملوذاوعندي يطلب الفرج الضّرير
أواسي في النّوائب من أتانيويجبر بي أخو الضرّ الفقير

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا أحمد بن الهيثم عن العمريّ عن عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان قال: أعطى عبد اللّه بن الحشرج بخراسان حتى أعطى منشفة كانت عليه وأعطى فراشة ولحافه. فقالت له امرأته: لشدّ ما تلاعب بك الشيطان، وصرت من إخوانه مبذّرا؛ كما قال اللّه عزّ وجل: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ

فقال عبد اللّه بن الحشرج لرفاعة بن زويّ النّهدي وكان أخا له وصديقا: يا رفاعة، ألا تسمع إلى ما قالت هذه الورهاء وما تتكلّم به؟! فقال: صدقت واللّه وبرّت! إنّك لمبذّر، وإنّ المبذّرين لإخوان الشياطين. فقال ابن الحشرج في ذلك:

متى يأتنا الغيث المغيث تجد لنامكارم ما تعيا بأموالنا التّلد
مكارم ما جدنا به إذ تمنّعترجال وضنّت في الرّخاء وفي الجهد
أردنا بما جدنا به من تلادناخلاف الّذي يأتي خيار بني نهد
تلوم على اتلافي المال طلّتيويسعدها نهد بن زيد على الزّهد
أنهد بن زيد لست منكم فتشفقواعليّ ولا منكم غواتي ولا رشدي

- أراد «غوايتى» فحذف الياء ضرورة -

أبيت صغيرا ناشئا ما أردتموكهلا وحتّى تبصروني في اللّحد
سأبذل مالي إنّ مالي ذخيرةلعقبي وما أجني به ثمر الخلد
ولست بمبكاء على الزّاد باسليهرّ على الأزواد كالأسد الورد
ولكنّني سمح بما حزت باذللما كلّفت كفّاي في الزّمن الجحد
بذلك أوصاني الرّقاد وقبلهأبوه بأن أعطي وأوفي بالعهد

الرّقاد: ابن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب وهو من عمومته، وكان شجاعا سيّدا جوادا.

قال عطاء بن مصعب: وقال عبد اللّه بن الحشرج أيضا في هذه القصيدة - وقد ذكر ابن الكلبيّ وأبو اليقظان شيئا من هذه القصيد في كتابيهما المصنّفين ونسبا ها إليه -:

سأجعل مالي دون عرضي وقايةمن الذّمّ؛ إن المال يفنى وينفد
ويبقي لي الجود اصطناع عشيرتيوغيرهم والجود عزّ مؤبّد
ومتّخذ ذنبا عليّ سماحتيبمالي، ونار البخل بالذّمّ توقد
يبيد الفتى والحمد ليس ببائدولكنّه للمرء فضل مؤكّد
ولا شيء يبقى للفتى غير جودهبما ملكت كفّاه والقوم شهّد
ولائمة في الجود نهنهت غربهاوقلت لها بني المكارم أحمد
فلمّا ألحّت في الملامة واعترتبذلك غيظي واعتراها التّبلّد
عرضت عليها خصلتين سماحتيوتطليقها والكفّ عنّي أرشد
فلجّت وقالت أنت غاو مبذّرقرينك شيطان مريد مفنّد
فقلت لها بيني فما فيك رغبةولي عنك في النّسوان ظلّ ومقعد
وعيش أنيق والنّساء معادنفمنهنّ غلّ شرّها يتمرّد
لها كلّ يوم فوق رأسي عارضمن الشّرّ برّاق يد الدهر يرعد
وأخرى يلدّ العيش منها، ضجيعهاكريم يغاديه من الطير أسعد
فيا رجلا حرّا خذ القصد واترك البلايا فإنّ الموت للنّاس موعد
فعش ناعما واترك مقالة عاذليلومك في بذل النّدى ويفنّد
وجد باللّها إنّ السماحة والنّدىهي الغاية القصوى وفيها التّمجّد
وحسب الفتى مجدا سماحة كفّهوذو المجد محمود الفعال محسّد

قال فقالت له امرأته: واللّه ما وفّقك اللّه لحظّك! أنهبت مالك وبذرته وأعطيته هيّان بن بيّان ومن لا تدري من أيّ هافية هو! قال: فغضب فطلّقها، وكان لها محبّا وبها معجبا. فعنّفه فيها ابن عمّ لها يقال له حنظلة بن الأشهب بن رميلة، وقال له: نصحتك فكافأتها بالطّلاق! فو اللّه ما وفّقت لرشدك، ولا نلت حظّك، ولقد خاب سعيك بعدها عند ذوي الألباب. فهلّا مضيت لطيّتك، وجريت على ميدانك، ولم تلتفت الى امرأة من أهل الجهالة والطّيش لم تخلق للمشورة ولا مثل رأيها يقتدى به! فقال ابن الحشرج لحنظلة:

أحنظل دع عنك الّذي نال مالهليحمده الأقوام في كلّ محفل
فكم من فقير بائس قد جبرتهومن عائل أغنيت بعد التّعيّل
ومن مترف عن منهج الحقّ جائرعلوت بعضب ذي غرارين مقصل
وزار عليّ الجود والجود شيمتيفقلت له دعني وكن غير مفضل
فمثلك قد عاصيت دهرا ولم أكنلأسمع أقوال اللئيم المبخّل
أبى لي جدّي البخل مذ كنت يافعاصغيرا ومن يبخل يلم ويضلّل
ويستغن عنه الناس، فاركب محجّة الكرام ودع ما أنت عنه بمعزل
فإنّي امرؤ لا أصحب الدهر باخلالئيما وخير النّاس كلّ معذّل
ومستحمق غاو أتته نذيرتيفلجّ ولم يعرف معرّة مقولي
نفحت ببيت يملأ الفم شاردله حبر كأنّه حبر مغول
فكفّ - ولو لم أرمه شاع قوله -وصار كدرياق الذّعاف المثمّل
وليل دجوجيّ سريت ظلامهبناجية كالبرج وجناء عيهل
إلى ملك من آل مروان ماجدكريم المحيّا سيّد متفضّل
يجود إذا ضنّت قريش برفدهاويسبقها في كلّ يوم تفضّل
أبوه أبو العاصي إذا الحرب شمّرتمراها بمسنون الغرارين منجل
وقور إذا هاجت به الحرب مرجمصبور عليها غير نكس مهلّل
أقام لأهل الأرض دين محمدوقد أدبروا وارتاب كلّ مضلّل
فما زال حتّى قوم الدّين سيفهوعزّ بحزم كلّ قرم محجّل
وغادر أهل الشّك شتّى، فمنهمقتيل وناج فوق أجرد هيكل
نجا من رماح القوم قدما وقد بداتباشيره في العارض المتهلّل

قال عاصم: يعني بهذا المدح محمد بن مروان لمّا قتل مصعب بن الزّبير بدير الجاثليق. وكان محمد بن مروان يقوم بأمره، ويولّيه الأعمال، ويشفع له إلى أخيه عبد الملك.

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا أحمد بن الهيثم قال حدّثنا العمريّ عن عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان قال: قال عبد اللّه بن الحشرج لابن عمّ له لامه في إنهاب ماله وتبذيره إيّاه، وقال له فيما يقول: امرأتك كانت أعلم بك، نصحتك فكافأتها بالطلاق. فقال له: يابن عمّ، إنّ المرأة لم تخلق للمشورة، وإنما خلقت وثارا للباءة.

وواللّه إنّ الرّشد واليمن لفي خلاف المرأة. يابن عمّ، إيّاك واستماع كلام النساء والأخذ به؛ فإنك إن أخذت به ندمت. فقال له ابن عمّه: واللّه ليوشكنّ أن تحتاج يوما إلى بعض ما أتلفت فلا تقدر عليه ولا يخلفه عليك هن وهن. فقال ابن الحشرج:

وعاذلة هبّت بليل تلومنيوتعذلني فيما أفيد وأتلف
تلوّمتها حتّى إذا هي أكثرتأتيت الذي كانت لديّ توكّف
وقلت عليك الفجّ أكثرت في النّدىومثلي تحاماه الألدّ المغطرف
أبي لي ما قد سمتني غير واحدأب وجدود مجدها ليس يوصف
كهول وشبّان مضوا لسبيلهمإذا ذكروا فالعين منّي تذرف
هم الغيث إن ضنّت سماء بقطرهاوعندهم يرجو الحيا متلهّف
وحرب يخاف النّاس شدّة عرّهاتظلّ بأنواع المنيّة تصرف
حموها وقاموا بالسّيوف لحميهاإذا فنيت أضحت لهم وهي تعصف
فلّما أبت إلا طماحا تّنمّروابأسيافهم والقوم فيهم تعجرف
فذلّت وأعطت بالقياد وأذعنتإذا ما اشتهى قومي وذو الذّلّ ينصف
وكانت طموح الرّأس يصرف نابهامن الشّرّ تارات وطورا تقفقف
فلمّا امترينا بالسيّوف خلوفهاتأبّت علينا والأسنّة ترعف
فدرّت طباقا وارعوت بعد جهلهاوكنّا رماما للّذي يتصلّف

قال: وقال عبد اللّه بن الحشرج لرفاعة بن زويّ النهديّ فيما كان يلومه فيه من التبذير والجود:

ألام على جودي وما خلت أنّنيببذلي وجودي جرت عن منهج القصد
فيا لائمي في الجود أقصر فإنّنيسأبذل مالي في الرّخاء وفي الجهد
وجدت الفتى يفنى وتبقى فعالهولا شيء خير في الحديث من الحمد
وإنّي وبالله احتيالي وحرفتيأصيّر جاري بين أحشاي والكبد
أرى حقّه في الناس ما عشت واجباعليّ وآتي ما أتيت على عمد
وصاحب صدق كان لي ففقدتهوصيّرني دهري إلى مائق وغد
يلوم فعالي كلّ يوم وليلةويعدو على الجيران كالأسد الورد
يخالفني في كلّ حقّ وباطلويأنف أن يمشي على منهج الرّشد
فلّما تمادى قلت غير مسامحله: النّهج فاركب يا عسيف بني نهد

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل العتكيّ قال حدّثنا ابن عائشة قال: وفد زياد الأعجم على عبد اللّه بن الحشرج الجعديّ وهو بسابور أمير عليها، فأمر بإنزاله وألطفه وبعث إليه ما يحتاج إليه. ثم غدا عليه زياد فأنشده:

إنّ السّماحة والمروءة والنّدىفي قبّة ضربت على ابن الحشرج
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
ملك أغرّ متوّج ذو نائلللمعتفين يمينه لم تشنج
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
يا خير من صعد المنابر بالتّقىبعد النبيّ المصطفى المتحرّج
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
لمّا أتيتك راجيا لنوالكمألفيت باب نوالكم لم يرتج
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

قال: فأمر له بعشر آلاف درهم.

وقد قيل: إنّ الأبيات التي ذكرتها وفيها الغناء ونسبتها إلى عبد اللّه بن الحشرج لغيره. والقول الأصحّ هو الأوّل. أخبرني بذلك محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمري عن هشام بن الكلبيّ: أنه سمع أبا باسل الطائيّ ينشد هذا الشعر، فقلت: لمن هو؟ فقال: لعمّي عنترة بن الأخرس. قال: وكان جدّي أخرس، فولد له سبعة أو ثمانية كلّهم شاعر أو خطيب. ولعلّ هذا من أكاذيب ابن الكلبيّ، أو حكاه عن رجل ادّعى فيه ما لا يعلم.

صوت

أصاح ألا هل من سبيل إلى نجدوريح الخزامى غضّة من ثرى جعد
وهل لليالينا بذي الرّمث مرجعفنشفي جوى الأحزان من لاعج الوجد

عروضه من الطويل. الشعر للطّرمّاح بن حكيم. والغناء ليحيى المكيّ، ثقيل أوّل بالبنصر من كتابه.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»