تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار أبي النّضير ونسبه

فيه ٥٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أبو النضير اسمه عمر بن عبد الملك، بصريّ، مولى لبني جمح.

أخبرنا بذلك عمّي عن ابن مهروية عن إسحاق بن محمد النّخعيّ عن إسحاق بن خلف الشاعر قال: قلت لأبي النّضير بن أبي الياس: لمن أنت؟ فقال: لبني جمح.

وذكر أبو يحيى اللّاحقيّ أنّ اسمه الفضل بن عبد الملك. شاعر من شعراء البصريّين، صالح المذهب، ليس من المعدودين المتقدّمين ولا من المولّدين الساقطين. وكان يغنّي بالبصرة على جوار له مولّدات، ويظهر الخلاعة والمجون والفسق، ويعاشر جماعة ممن يعرف بذلك الشأن. وكان أبان اللّاحقيّ يعاشره ثم تصارما، وهجاه وهجا جواريه وافترقا على قلّى، ثم انقطع أبو النّضير إلى البرامكة فأغنوه إلى أن مات.

أخبرنا ابن أبي الأزهر عن حمّاد بن إسحاق قال سمعت أبي يقول: لو قيل لي من أظرف من رأيته قطّ أو عاشرته، لقلت: أبو النّضير.

أخبرني عيسى الورّاق عن الفضل اليزيدي عن إسحاق، وأخبرني محمد بن مزيد عن حمّاد عن أبيه قال: ولد للفضل بن يحيى مولود، فوفد عليه أبو النّضير ولم يكن عرف الخبر فيعدّ له تهنئة، فلمّا مثل بين يديه ورأى الناس يهنّئونه نثرا ونظما قال ارتجالا:

ويفرح بالمولود من آل برمكبغاة النّدى والسّيف والرّمح والنّصل

وتنبسط الآمال فيه لفضله…

ثم أرتج عليه فلم يدر ما يقول. فقال الفضل يلقّنه

ولا سيّما إن كان من ولد الفضل

فاستحسن الناس بديهة الفضل في هذا، وأمر لأبي النّضير بصلة.

وأخبرني حبيب بن نصر عن هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني بعض الموالي قال: حضرت الفضل بن يحيى وقد قال لأبي النّضير: يا أبا النضير أنت القائل فيّا:

إذا كنت من بغداد في رأس فرسخوجدت نسيم الجود من آل برمك

لقد ضيّقت علينا جدّا. قال: أفلأجل ذلك أيها الأمير ضاقت عليّ صلتك وضاقت عنّي مكافأتك وأنا الذي أقول:

تشاغل النّاس ببنيانهموالفضل في بنيانه جاهد
كلّ ذوي الفضل وأهل النّهىللفضل في تدبيره حامد

وعلى ذلك فما قلت البيت الأوّل كما بلغ الأمير، وإنّما قلت:

إذا كنت من بغداد منقطع الثّرىوجدت نسيم الجود من آل برمك

فقال الفضل: إنّما أخّرت عنك لأمازحك، وأمر له بثلاثين ألف درهم.

أخبرني ابن عمّار عن أبي إسحاق الطّلحيّ عن أبي سهيل قال: كان أبو النضير يهوى عنان جارية النّاطفيّ، وكتب إليها:

إنّ لي حاجة فرأيك فيهالك نفسي الفدا من الأوصاب
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة
وهي ليست ممّا يبلّغه غيري ولا أستطيعه بكتاب
غير أنّي أقولها حين ألقاك رويدا أسرّها من ثيابي

فأجابته وقالت:

أنا مشغولة بمن لست أهواه وقلبي من دونه في حجاب
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
فإذا ما أردت أمرا فأسرره ولا تجعلنّه في كتاب
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

قال: وقال أبو النّضير فيها:

صوت

أنا واللّه أهواكوأهواك وأهواك
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «فؤاد الصب إياكا»
وأهوى قبلة منكعلى برد ثناياك
وأهوى لك ما أهوىلنفسي وكفى ذاك
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «فؤاد الصب إياكا»
فهل ينفعني ذلك يوما حين ألقاك
أنا واللّه أهواكوما يشعر مولاك
فإيّاك بأن يعلم إيّاك وإيّاك

فيه لعلّى بن المارقيّ رمل بالبنصر عن الهشاميّ.

حدّثنا ابن عمّار عن الطّلحيّ عن أبي سهيل قال: كان أبو النضير يغنّي غناء صالحا، فغنّى ذات يوم صوتا كان استفاده ببغداد. فقالت له قينة كانت ببغداد يقال لها مكتومة: اطرح عليّ هذا الصوت يا أبا النّضير. فقال: لا تطيب نفسي به محابيا، ولكنّي أبيعك إيّاه. قالت: بكم؟ قال: برأس ماله. قالت: وما رأس ماله؟ قال: ناكني فيه الذي أخذته منه. فغطّت وجهها وقالت: عليك وعلى هذا الصوت الدّمار.

أخبرني ابن عمّار الطّلحيّ عن أبي سهيل قال: قال أبو النضير، وفيه غناء لإبراهيم،:

صوت

أيصحو فؤادك أم يطربوكيف وقد شحطت زينب
جرى الناس قبل أبي جعفرزمانا فلم يدر من غلّبوا
فلمّا جرى بأبي جعفربنو تغلب سبقت تغلب

قال أبو سهيل: وأبو جعفر الذي عناه أبو النّضير هو عبد اللّه بن هشام بن عمرو التّغلبيّ الذي يذكره العتّابيّ في شعره ورسائله، وكان جوادا سخيّا. وكان ابن هشام ولي السّند، وفيه يقول أبو النّضير:

ألا أيّها الغيث الّذي سحّ وبلهكأنّك تحكي راحة ابن هشام
كأنّك تحكيها ولكنّ جودهيدوم وقد تأتي بغير دوام
وفيك جهام ربّما كان مخلفاوراحته تغدو بغير جهام

أخبرني ابن عمّار عن الطّلحيّ عن أبي سهيل قال: كان أبو النّضير يزعم أنّ الغناء على تقطيع العروض، ويقول: هكذا كان الذين مضوا يقولون، وكان مستهزئا بالغناء حتى تعاطى أن يغنّي، وكان إبراهيم الموصليّ يخالفه في ذلك ويقول: العروض محدث، والغناء قبله بزمان.

فقال إسحاق بن إبراهيم ينصر أباه:

سكتّ عن الغناء فلا أماريبصيرا لا ولا غير البصير
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
مخافة أن أجنّن فيه نفسيكما قد جنّ فيه أبو النّضير
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

أخبرني الحسن بن عليّ عن ابن مهروية قال حدّثني أبو طلحة الخزاعيّ عن اللّاحقيّ قال: كان جدّي أبان يشرب مع إخوان له على شاطيء دجلة بعد مصارمته أبا النّضير، وكان القوم أصدقاء له ولأبي النضير، فذكروه. فقال جدي: إن حضر آنصرفت، فأمسكوا. فقال جدي فيه:

ربّ يوم بشطّ دجلة لذّوليال نعمت فيها لذاذ
للشاعر أبان اللاحقي، من قصيدة «غيبة لم تطل عليّ وماذا»
غيبة لم تطل عليّ وماذاخير قرب المطرمذ الملّاذ
للشاعر أبان اللاحقي، من قصيدة «غيبة لم تطل عليّ وماذا»
ترك الأشربات ليس بعاطلرساطونها ولا الرّاقياذ
للشاعر أبان اللاحقي، من قصيدة «غيبة لم تطل عليّ وماذا»
وحكى الأحمق الذي ليس يدريأنّ خير الشراب هذا اللذاذ
للشاعر أبان اللاحقي، من قصيدة «غيبة لم تطل عليّ وماذا»
ضلّ رأي أراه ذاك كما ضلّ غواة لا ذوا بشرّ ملاذ
للشاعر أبان اللاحقي، من قصيدة «غيبة لم تطل عليّ وماذا»
أنت أعمى فيما ادّعيت كما لست لصوغ الألحان بالأستاذ
للشاعر أبان اللاحقي، من قصيدة «غيبة لم تطل عليّ وماذا»
كان ذنبا أتوب منه إلى الله اختياريك صاحبا واتّخاذي
للشاعر أبان اللاحقي، من قصيدة «غيبة لم تطل عليّ وماذا»
إنّ للّه صوم شهرين شكراأن قضى منك عاجلا إنقاذي
للشاعر أبان اللاحقي، من قصيدة «غيبة لم تطل عليّ وماذا»
لا لدين ولا لدنيا ولا يصلح في علم ما ادّعى بنفاذ
للشاعر أبان اللاحقي، من قصيدة «غيبة لم تطل عليّ وماذا»

حدّثني ابن عمّار عن الطّلحيّ عن أبي سهيل قال: كتب أبو النّضير إلى الحمّاد عجرد يسأل عن حاله في الشّراب وشربه إيّاه ومن يعاشر عليه. فكتب إليه حمّاد:

أبا النّضير اسمع كلامي ولاتجعل سوى الإنصاف من بالكا
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
سألت عن حالي، وما حال منلم يلق إلّا عابدا ناسكا
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
يظهر لي ذا فمتى يفترصشيئا تجده عاديا فاتكا

يعني حريث بن عمرو. وكان حمّاد نزل عليه، وكان حريث هذا مشهورا بالزّندقة، وكذلك حمّاد هذا كان مشهورا بها، فنزل عليه لذلك.

أخبرني الحسن بن عليّ عن ابن مهروية عن أبي طلحة الخزاعيّ عن أبي يحيى اللّاحقيّ قال: كتب أبو النضير إلى عمّي حمدان بن أبان، وكان له صديقا، يشكو إليه عمر ابن يحيى الزّياديّ وكان عربد عليه وشتمه:

أقر حمدان سلام اللّه من فضل وقل له
يا فتى لست بحمد اللّه أخشى أن أملّه
ذاك أنّ اللّه قد أنهله الظّرف وعلّه
وذرابيت رقاشوعلاها قد أحلّه
إنّ شتم السّفلة الكشخان ذي القرنين ضلّه
ولو انّ القلب هاجىعمرا يوما لغلّه
ذاك أنّ اللّه قد أخزى ابن يحيى وأذلّه
من يهاجي رجلا يستوعب الجردان كلّه
ما يسيل الأير إلّاأدخل الأير وبلّه
وإذا عاين أيراوافي الفيشة غلّه
هذه قصّة من قدجعل المردان شغله

حدّثني عمّي عن أبي العيناء عن أبي النّضير قال: دخلت على الفضل بن الرّبيع فقال: هل أحدثت بعدي شيئا؟ قلت: نعم، قلت أبياتا في امرأة تزوّجتها وطلّقتها لغير علّة إلّا بغضي لها، وأنّها لبيضاء بضّة، كأنّها سبيكة فضّة. فقال لي: وما قلت فيها؟ فقلت قلت:

رحلت سكينة بالطّلاقفأرحت من غلّ الوثاق
رحلت فلم تألم لهانفسي ولم تدمع مآقي
لو لم تبن بطلاقهالأبنت نفسي بالإباق
وشفاء ما لا تشتهيه النّفس تعجيل الفراق

فقال: يا غلام، الدواة والقرطاس، فأتي بهما، فأمرني فكتبت له الأبيات، ثم قلت له: أنت واللّه تبغض بنت أبي العبّاس الطّوسيّ. فقال: اسكت أخزاك اللّه! ثم ما لبث أن طلّقها.

صوت

ما بال عينك جائلا أقذاؤهاشرقت بعبرتها وطال بكاؤها
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة
ذكرت عشيرتها وفرقة بينهافطوت لذلك غلّة أحشاؤها
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة

الشعر لعبد اللّه بن عمر العبليّ. والغناء لأبي سعيد مولى فائد، رمل مطلق في مجرى الوسطى عن ابن المكيّ، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد، وقيل: إنه من منحول يحيى إلى أبي سعيد.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»