من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
خبر الحارث وعمرو بن الإطنابة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وإنما ذكرها هنا لاتّصاله بمقتل خالد بن جعفر، ولأنّ فيما تناقضاه من الأشعار أغاني صالح ذكرها في هذا الموضع.
قال أبو عبيدة: كان عمرو بن الإطنابة الخزرجيّ ملك الحجاز، ولمّا بلغه قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر، وكان خالد مصافيا له، غضب لذلك غضبا شديدا، وقال: واللّه لو لقي الحارث خالدا وهو يقظان لما نظر إليه، ولكنه قتله نائما، ولو أتاني لعرف قدره؛ ثم دعا بشرابه ووضع التاج على رأسه وعلى بقيانه، فتغنّين له:
علّلاني وعلّلا صاحبيّاواسقياني من المروّق ريّا
إنّ فينا القيان يعزفن بالدّفّلفتياننا وعيشا رخيّا
يتبارين في النّعيم ويصببن خلال القرون مسكا ذكيّا
إنّما همّهنّ أن يتحلّين سموطا وسنبلا فارسيّا
من سموط المرجان فضّل بالشّذر فأحسن بجليهنّ حليّا
وفتى يضرب الكتيبة بالسّيف إذا كانت السيوف عصيّا
إنّنا لا نسرّ في غير نجدإنّ فينا بها فتى خزرجيّا
يدفع الضّيم والظّلامة عنهافتجافي عنه لنا يامنيّا
أبلغ الحارث بن ظالم الرّعديد والناذر النّذور عليّا
أنما يقتل النّيام ولا يقتل يقظان ذا سلاح كميّا
ومعي شكّتي معابل كالجمر وأعددت صارما مشرفيّا
لو هبطت البلاد أنسيتك القتل كما ينسىء النّسيء النّسيا
قال: فلمّا بلغ الحارث شعره هذا ازداد حنقا وغيظا، فسار حتى أتى ديار بني الخزرج، ثم دنا من قبّة عمرو بن الإطنابة، ثم نادى: أيّها الملك أغثني فإني جار مكثور وخذ سلاحك، فأجابه وخرج معه. حتى برز له عطف عليه الحارث وقال: أنا أبو ليلى! فاعتركا مليّا من اللّيل. وخشي عمرو أن يقتله الحارث فقال له: يا حار، إني شيخ كبير وإنّي تعتريني سنة، فهل لك في تأخير هذا الأمر إلى غد؟ فقال: هيهات! ومن لي به في غد! فتجاولا ساعة، ثم ألقى عمرو الرّمح من يده وقال: يا حار ألم أخبرك أنّ النّعاس قد يغلبني! قد سقط رمحي فاكفف، فكفّ. قال: أنظرني إلى غد. قال: لا أفعل. قال: فدعني آخذ رمحي. قال: خذه. قال: أخشى أن تعجلني عنه أو تفتك بي إذا أردت أخذه. قال: وذمّة ظالم لا أعجلتك ولا قاتلتك ولا فتكت بك حتى تأخذه. قال: وذمّة الإطنابة لا آخذه ولا أقاتلك. فانصرف الحارث إلى قومه وقال مجيبا له:
اعزفا لي بلذّة قينتيّاقبل أن يبكر المنون عليّا
قبل أن يبكر العواذل إنّيكنت قدما لأمرهنّ عصيّا
ما أبالي أراشد فاصبحانيحسبتني عواذلي أم غويّا
بعد ألّا أصرّ للّه إثمافي حياتي ولا أخون صفيّا
من سلاف كأنها دم ظبيفي زجاج تخاله رازقيّا
بلغتنا مقالة المرء عمروفأنفنا وكان ذاك بديّا
قد هممنا بقتله إذا برزناولقيناه ذا سلاح كميّا
غير ما نائم تعلّل بالحلم معدّا بكفّه مشرفيّا
فمننّا عليه بعد علوّبوفاء وكنت قدما وفيّا
ورجعنا بالصّفح عنه وكان المنّ منا عليه بعد تليّا
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
صوت
علّلاني صاحبيّاواسقياني من المروّق ربّا
إنّ فينا القيان يعزفن بالدفّلفتياننا وعيشا رخيّا
غنّته عزّة الميلاء من رواية حمّاد عن أبيه خفيف رمل بالوسطى. قال حمّاد أخبرني أبي قال بلغني أنّ معبدا قال:
علّلاني وعللا صاحبيّا
على معزفة لها وقد أسنّت، فما سمعت قطّ مثلها وذهبت بعقلي وفتنتني، فقلت: هذا وهي كبيرة مسنّة! فكيف بها لو أدركتها وهي شابّة! وجعلت أعجب منها.
ومنها في شعر الحارث بن ظالم:
صوت
ما أبالي إذا اصطبحت ثلاثاأرشيدا حسبتني أم غويّا
من سلاف كأنها دم ظبيفي زجاج تخاله رازقيّا
غنّاه فليح بن أبي العوراء رملا بالبنصر عن عمرو بن بانة. وغنّاه ابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالخنصر من رواية حبش.
ومنها:
صوت
بلغتنا مقالة المرء عمروفأنفنا وكان ذاك بديّا
قد هممنا بقتله إذا برزناولقيناه ذا سلاح كميّا
غنّاه مالك خفيف رمل بالبنصر من رواية حبش، وذكر إسحاق في مجرّده أنّ الغناء في هذين البيتين ليونس الكاتب، ولم ينسب الطريقة ولا جنّسها.
أخبرني عليّ بن سليمان ومحمد بن العبّاس اليزيديّ في كتاب النقائض قالا قال أبو سعيد الحسن بن الحسين السّكّريّ عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة قال: كان من خبر رحرحان الثاني أنّ الحارث بن ظالم المرّيّ لمّا قتل خالد بن جعفر بن كلاب غدرا عند النّعمان بن المنذر بالحيرة هرب فأتى زرارة بن عدس فكان عنده، وكان قوم الحارث قد تشاءموا به فلاموه، وكره أن يكون لقومه زعم عليه و - الزعم المنّة - فلم يزل في بني تميم عند زرارة حتى لحق بقريش. وكان يقال: إنّ مرّة بن عوف من لؤيّ بن غالب، وهو قول الحارث بن ظالم ينتمي إلى قريش:
رفعت السّيف إذ قالوا قريشوبيّنت الشّمائل والقبابا
فما قومي بثعلبة بن سعدولا بفزارة الشّعر الرّقابا
وأتاهم لذلك النّسب، فكان عند عبد اللّه بن جدعان. فخرجت بنو عامر إلى الحارث بن ظالم حيث لجأ إلى زرارة وعليهم الأحوص بن جعفر، فأصابوا امرأة من بني تميم وجدوها تحتطب، وكان في رأس الخيل التي خرجت في طلب الحارث بن ظالم شريج بن الأحوص، وأصابوا غلمانا يجتنون الكمأة. وكان الذي أصاب تلك المرأة رجلا من غنيّ، فأرادت بنو عامر أخذها منه، فقال الأحوص: لا تأخذوا أخيذة خالي. وكانت أمّ جعفر (يعني أبا الأحوص) خبيّة بنت رياح الغنويّ وهي إحدى المنجبات. ويقال: أتى شريج بن الأحوص بتلك المرأة إليه، فسألها عن بني تميم، فأخبرتهم أنهم لحقوا بقومهم حين بلغهم مجيئكم. فدفعها الأحوص إلى الغنويّ فقال: اعفجها الليلة واحذر أن تنفلت. فوطئها الغنويّ ثم نام، فذهبت على وجهها. فلمّا أصبح دعوا بها فوجدوها قد ذهبت. فسألوه عنها فقال: هذا حري رطبا من زبّها. وكانت المرأة يقال لها حنظلة، وهي بنت أخي زرارة بن عدس. فأتت قومها، فسألها عمّها زرارة عمّا رأت، فلم تستطع أن تنطق. فقال بعضهم: اسقوها ماء حارّا فإن قلبها قد برد من الفرق، ففعلوا وتركوها حتى اطمأنّت. فقالت: يا عمّ! أخذني القوم أمس وهم فيما أرى يريدونكم، فاحذر أنت وقومك. فقال: لا بأس عليك يا بنت أخي، فلا تذعري قومك ولا تروعيهم، وأخبريني ما هيئة القوم وما نعتهم. قالت: أخذني قوم يقبلون بوجوه الظّباء، ويدبرون بأعجاز النّساء. قال زرارة: أولئك بنو عامر، فمن رأيت فيهم؟ قالت: رأيت رجلا قد سقط حاجباه على عينيه فهو يرفع حاجبيه، صغير العينين، عن أمره يصدرون. قال: ذاك الأحوص بن جعفر. قالت: ورأيت رجلا قليل المنطق، إذا تكلّم اجتمع القوم لمنطقه كما تجتمع الإبل لفحلها، وهو من أحسن الناس وجها، ومعه ابنان له لا يدبر أبدا إلّا وهما يتبعانه، ولا يقبل إلّا وهما بين يديه. قال: ذلك مالك بن جعفر، وابناه عامر وطفيل. قالت: ورأيت رجلا أبيض هلقامة جسيما - والهلقامة الأفوه - وقال: ذلك ربيعة بن عبد اللّه بن أبي بكر بن كلاب. قالت: ورأيت رجلا أسود أخنس قصيرا، إذا تكلّم عذم القوم عذم المنخوس. قال: ذلك ربيعة بن قرط بن عبد بن أبي بكر بن كلاب. قالت: ورأيت رجلا صغير العينين، أقرن الحاجبين، كثير شعر السّبلة، يسيل لعابه على لحيته إذا تكلّم. قال: ذلك حندج بن البكّاء. قالت: ورأيت رجلا صغير العينين، ضيّق الجبهة طويلا يقود فرسا له، معه جفير لا يجاوز يده. قال: ذلك ربيعة بن عقيل.
قالت: ورأيت رجلا آدم، معه ابنان له حسنا الوجه أصهبان، إذا أقبلا نظر القوم إليهما حتى ينتهيا، وإذا أدبرا نظروا إليهما. قال: ذلك عمرو بن خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب، وابناه يزيد وزرعة. ويقال قالت: ورأيت فيهم رجلين أحمرين جسيمين ذوي غدائر لا يفترقان في ممشى ولا مجلس، فإذا أدبرا اتّبعهما القوم بأبصارهم، وإذا أقبلا لم يزالوا ينظرون إليهما حتى يجلسا. قال: ذانك خويلد وخالد ابنا نفيل. قالت: ورأيت رجلا آدم جسيما كأنّ رأسه مجزّ غضورة - والغضورة: حشيش دقاق خشن قائم يكون بمكة. تريد أنّ شعره قائم خشن كأنه حشيش قد جزّ -. قال: ذلك عوف بن الأحوص. قالت: ورأيت رجلا كأنّ شعر فخذيه حلق الدّروع. قال: ذلك شريح بن الأحوص. قالت: ورأيت رجلا أسمر طويلا يجول في القوم كأنه غريب. قال: ذلك عبد اللّه بن جعدة. ويقال قالت: ورأيت رجلا كثير شعر الرأس، صخّابا لا يدع طائفة من القوم إلّا أصخبها. قال: ذلك عبد اللّه بن جعدة ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
فسارت بنو عامر نحوهم، والتقوا برحرحان، وأسر يومئذ معبد بن زرارة، أسره عامر بن مالك، واشترك في أسره طفيل بن مالك ورحل من غنيّ يقال له أبو عميلة وهو عصمة بن وهب وكان أخا طفيل بن مالك من الرّضاعة.
وكان معبد بن زرارة رجلا كثير المال. فوفد لقيط بن زرارة على عامر بن مالك في الشهر الحرام. وهو رجب، وكانت مضر تدعوه الأصمّ؛ لأنهم كانوا لا يتنادون فيه يا لفلان ويا لفلان، ولا يتغازون ولا يتنادون فيه بالشّعارات، وهو أيضا منصل الألّ. والألّ: الأسنّة؛ كانوا إذا دخل رجب أنصلوا، الأسنّة من الرّماح حتى يخرج الشهر. وسأل لقيط عامرا أن يطلق أخاه. فقال: أمّا حصّتي فقد وهبتها لك، ولكن أرض أخي وحليفي اللّذين اشتركا فيه. فجعل لقيط لكلّ واحد مائة من الإبل، فرضيا وأتيا عامرا فأخبراه. فقال عامر للقيط: دونك أخاك، فأطلق عنه. فلمّا أطلق فكّر لقيط في نفسه فقال: أعطيهم مائتي بعير ثم تكون لهم النعمة عليّ بعد ذلك! لا واللّه لا أفعل ذلك! ورجع إلى عامر فقال: إنّ أبي زرارة نهاني أن أزيد على مائة دية مضر، فإن أنتم رضيتم أعطيتكم مائة من الإبل. فقالوا: لا حاجة لنا في ذلك؛ فانصرف لقيط. فقال له معبد: مالي يخرجني من أيديهم. فأبى ذلك عليه فقال: إذا يقتسم العرب بني زرارة. فقال معبد لعامر بن مالك: يا عامر! أنشدك اللّه لمّا خلّيت سبيلي، فإنما يريد ابن الحمراء أن يأكل كلّ مالي - ولم تكن أمّه أمّ لقيط -. فقال له عامر: أبعدك اللّه! إن لم يشفق عليك أخوك فأنا أحقّ ألّا أشفق عليك. فعمدوا إلى معبد فشدّوا عليه القدّ وبعثوا به إلى الطائف، فلم يزل به حتى مات. فذلك قول شريح بن الأحوص:
لقيط وأنت امرؤ ماجدولكنّ حلمك لا يهتدي
ولمّا أمنت وساغ الشّراب واحتلّ بيتك في ثهمد
رفعت برجليك فوق الفراش تهدي القصائد في معبد
وأسلمته عند جدّ القتالوتبخل بالمال أن تفتدي
وقال في ذلك عوف بن عطيّة بن الخرع التّيميّ يعيّر بن زرارة:
هلّا فوارس رحرحان هجوتهمعشرا تناوح في سرارة واد
لا تأكل الإبل الغراث نباتهما إن يقوم عماده بعماد
هلّا كررت على أخيّك معبدوالعامريّ يقوده بصفاد
وذكرت من لبن المحلّق شربةوالخيل تعدو بالصّفاح بداد
- بداد: متفرقة. والصّفاح: موضع. والمحلّق: موسومة بحلق على وجوهها. يقول ذكرت لبنها، يعني إبله -
لو كنت إذ لا تستطيع فديتهبهجان أدم طارف وتلاد
لكن تركته في عميق قعرهاجزرا لخامعة وطير عواد
لو كنت مستحيا لعرضك مرّةقاتلت أو لفديت بالأذواد
وفيها يقول نابغة بني جعدة:
هلّا سألت بيومي رحرحان وقدظنّت هوازن أنّ العزّ قد زالا
وفيها يقول مقدام أخو بني عدس بن زيد في الإسلام، وقتلت بنو طهيّة ابنا للقعقاع بن معبد، فتوادوا فأخذت بنو طهيّة منهم الفضل:
وأنتم بنو ماء السماء زعمتمومات أبوكم يا بني معبد هزلا
وقال المخبّل السّعديّ يذكر معبدا:
فإن تك نالتنا كليب بقرّةفيومك فيهم بالمصيفة أبرد
هم قتلوا يوم المصيفة مالكاوشاط بأيديهم لقيط ومعبد
وفيها يقول عياض بن مرثد بن أسيد بن قريط بن لبيد في الإسلام:
نحن أسرنا معبدا يوم معبدفما افتكّ حتّى مات من شدّة الأسر
ونحن قتلنا بالصّفا بعد معبدأخاه بأطراف الرّدينيّة السّمر
وهذا يوم شعب جبلة: السبب في يوم جبلة: قال أبو عبيدة: وأمّا يوم جبلة، وكان من عظام أيّام العرب؛ وكان عظام أيّام العرب ثلاثة: يوم كلاب ربيعة، ويوم جبلة، ويوم ذي قار. وكان الذي هاج ويوم جبلة أنّ بني عبس بن بغيض حين خرجوا هاربين من بني ذبيان بن بغيض وحاربوا قومهم خرجوا متلدّدين. فقال الربيع بن زياد العبسيّ: أما واللّه لأرمينّ العرب بحجرها، اقصدوا لبني عامر؛ فخرج حتى نزل مضيقا من وادي بني عامر ثم قال: امكثوا. فخرج ربيع وعامر ابنا زيد والحارث بن خليف حتى نزلوا على ربيعة بن شكل بن كعب بن الحريش، وكان العقد من بني عامر إلى بني كعب بن ربيعة وكانت الرياسة في بني كلاب بن ربيعة. فقال ربيعة بن شكل: يا بني عبس، شأنكم جليل، وذحلكم الذي يطلب منكم عظيم، وأنا أعلم واللّه أنّ هذه الحرب أعزّ حرب حاربتها العرب قطّ. ولا واللّه ما بدّ من بني كلاب، فأمهلوني حتى أستطلع طلع قومي. فخرج في قوم من بني كعب حتى جاءوا بني كلاب، فلقيهم عوف بن الأحوص فقال: يا قوم، أطيعوني في هذا الطّرف من غطفان، فاقتلوهم واغنموهم لا تفلح غطفان بعده أبدا. وو اللّه إن تزيدون على أن تسمّنوهم وتمنعوهم ثم يصيروا لقومكم أعداء. فأبوا عليه، وانقلبوا حتى نزلوا على الأحوص بن جعفر فذكروا له من أمرهم. فقال لربيعة بن شكل: أظلّلتهم ظلّك وأطعمتهم طعامك؟ قال نعم. قال: قد واللّه أجرت القوم!. فأنزلوا القوم وسطهم بحبوحة دارهم.
وذكر بشر بن عبد اللّه بن حيّان الكلابيّ أنّ عبسا لمّا حاربت قومها أتوا بني عامر وأرادوا عبد اللّه بن جعدة وابن الحريش ليصيروا حلفاءهم دون كلاب؛ فأتى قيس بن زهير وأقبل نحو بني جعفر هو والربيع بن زياد حتى انتهيا إلى الأحوص جالسا قدام بيته. فقال قيس للربيع: إنه لا حلف ولا ثقة دون أن أنتهي إلى هذا الشيخ. فتقدّم إليه قيس فأخذ بمجامع ثوبه من وراء فقال: هذا مقام العائذ بك! قتلتم أبي فما أخذت له عقلا ولا قتلت به أحدا، وقد أتيتك لتجيرنا. فقال الأحوص: نعم! أنا لك جار مما أجير منه نفسي، وعوف بن الأحوص عن ذلك غائب. فلما سمع عوف بذلك أتى الأحوص وعنده بنو جعفر فقال: يا معشر بين جعفر، أطيعوني اليوم واعصوني أبدا، وإن كنت واللّه فيكم معصيّا. إنّهم واللّه لو لقوا بني ذبيان لولّوكم أطراف الأسنّة إذا نكهوا في أفواههم بكلام!. فابدءوا بهم فاقتلوهم واجعلوهم مثل البرغوث دماغه في دمه. فأبوا عليه وحالفوهم. فقال: واللّه لا أدخل في هذا الحلف!. قال: وسمعت بهم حيث قرّ قرارهم بنو ذبيان، فحشدوا واستعدّوا وخرجوا وعليهم حصن بن حذيفة بن بدر ومعه الحليفان أسد وذبيان يطلبون بدم حذيفة، وأقبل معهم شرحبيل بن أخضر بن الجون - والجون هو معاوية؛ سمي بذلك لشدّة سواده - ابن آكل المرار الكنديّ في جمع من كندة، وأقبلت بنو حنظلة بن مالك والرّباب عليهم لقيط بن زرارة يطلبون بدم معبد بن زرارة ويثربيّ بن عدس، وأقبل معهم حسّان بن عمرو بن الجون في جمع عظيم من كندة وغيرهم، فأقبلوا إليهم بوضائع كانت تكون بالحيرة مع الملوك وهم الرابطة. وكان في الرّباب رجل من أشرافهم يقال له النّعمان بن قهوس التّيميّ، وكان معه لواء من سار إلى جبلة، وكان من فرسان العرب. وله تقول دختنوس بنت لقيط بن زرارة يومئذ:
قرّ ابن قهوس الشّجاع بكفّه رمح متلّ
يعدو به خاظي البضيع كأنّه سمع أزلّ
إنّك من تيم فدعغطفان إن ساروا وحلّوا
- متلّ: مستقيم، يتلّ به كلّ شيء. الخاظي: الشيء المكتنز. والسّمع: ولد الضّبع من الذّئب.
والعسبار: ولد الذّئب من الكلبة -.
لا منك عدّهم ولاآباك إن هلكوا وذلّوا
فخر البغيّ بحدج ربّتها إذا النّاس استقلّوا
لاحدجها ركبت ولالرغال فيه مستظلّ
ولقد رأيت أباك وسط القوم يربق أو يجلّ
متقلّدا ربق الفرار كأنه في الجيد غلّ
- يجلّ: يلقط البعر. والفرار: أولاد الغنم، واحدها فرارة -.
قال: وكان معهم رؤساء بني تميم: حاجب بن زرارة ولقيط بن زرارة وعمرو بن عمرو وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وتبعهم غثاء من غثاء الناس يريدون الغنيمة، فجمعوا جمعا لم يكن الجاهليّة قطّ مثله أكثر كثرة، فلم تشكّ العرب في هلاك بني عامر. فجاءوا حتى مرّوا ببني سعد بن زيد مناة، فقالوا لهم: سيروا معنا إلى بني عامر. فقالت لهم بنو سعد: ما كنّا لنسير معكم ونحن نزعم أنّ عامر بن صعصعة ابن سعد بن زيد مناة. فقالوا: أمّا إذا أبيتم أن تسيروا معنا فاكتموا علينا. فقالوا: أمّا هذا فنعم. فلمّا سمعت بنو عامر بمسيرهم اجتمعوا إلى الأحوص بن جعفر، وهو يومئذ شيخ كبير قد وقع حاجباه على عينية وقد ترك الغزو غير أنه يدبّر أمر الناس، وكان مجرّبا حازما ميمون النّقيبة، فأخبروه الخبر. فقال لهم الأحوص: قد كبرت، فما أستطيع أن أجيء بالحزم وقد ذهب الرأي منّي. ولكنّي إذا سمعت عرفت، فأجمعوا آراءكم ثم بيتوا ليلتكم هذه ثم اغدوا عليّ فاعرضوا عليّ آراءكم، ففعلوا. فلمّا أصبحوا غدوا عليه، فوضعت له عباءة بفتنائه فجلس عليها. ورفع حاجبيه عن عينيه بعصابة ثم قال: هاتوا ما عندكم. فقال قبس بن زهير العبسيّ: بات في كنانتي الليلة مائة رأي. فقال له الأحوص يكفينا منها رأي واحد حازم صليب مصيب، هات فانثر كنانتك. فجعل يعرض كلّ رأي رآه حتى أنفد. فقال له الأحوص: ما رأي بات في كنانتك الليلة رأي واحد!. وعرض الناس آراءهم حتى أنفدوا. فقال: ما أسمع شيئا وقد صرتم إليّ، احملوا أثقالكم وضغفاءكم ففعلوا، ثم قال: احملوا ظعنكم فحملوها، ثم قال: اركبوا فركبوا، وجعلوه في محفّة، وقال: انطلقوا حتى تعلوا في اليمين، فإن أدرككم أحد كررتم عليه، وإن أعجزتموهم مضيتم. فسار الناس حتى أتوا وادي بحار ضحوة، فإذا الناس يرجع بعضهم على بعض. فقال الأحوص: ما هذا؟ قيل هذا عمرو بن عبد اللّه بن جعدة في فتيان من بني عامر يعقرون بمن أجاز بهم ويقطعون بالنّساء حواياهنّ.
فقال الأحوص: قدّموني، فقدّموه حتى وقف عليهم فقال: ما هذا الذي تصنعون؟! قال عمرو: أردت أن تفضحنا وتخرجنا هاربين من بلادنا ونحن أعزّ العرب، وأكثرهم عددا وجلدا وأحدّهم شوكة! تريد أن تجعلنا موالي في العرب إذ خرجت بنا هاربا!. قال: فكيف أفعل وقد جاءنا ما لا طاقة لنا به! فما الرأي؟ قال: نرجع إلى شعب جبلة فتحرز النساء والضّعفة والذّراريّ والأموال في رأسه ونكون في وسطه ففيه ثمل (أي خصب وماء). فإن أقام من جاءك أسفل أقاموا على غير ماء ولا مقام لهم، وإن صعودا عليك قاتلتهم من فوق رؤوسهم بالحجارة، فكنت في حرز وكانوا في غير حرز، وكنت على قتالهم أقوى منهم على قتالك. قال: هذا واللّه الرأي، فأين كان هذا عنك حين استشرت الناس؟ قال: إنما جاءني الآن. قال الأحوص للناس: ارجعوا فرجعوا. ففي ذلك يقول نابغة لبني جعدة:
ونحن حبسنا الحيّ عبسا وعامرالحسّان وابن الجون إذ قيل أقبلا
وقد صعدت وادي بحار نساؤهمكإصعاد نسر لا يرومون منزلا
عطفنا لهم عطف الضّروس فصادفوامن الهضبة الحمراء عزّا ومعقلا
- الضّروس: الناقة العضوض - فدخلوا شعب جبلة. وجبلة: هضبة حمراء بين الشّريف والشّرف.
والشّريف: ماء لبني نمير. والشّرف: ماء لبني كلاب. وجبلة: جبل عظيم له شعب عظيم واسع، لا يؤتى الجبل إلا من قبل الشّعب، والشّعب متقارب المدخل وداخله متّسع، وبه اليوم عرينة من بجيلة.
فدخلت بنو عامر شعبا منه يقال له مسلّح، فحصّنوا النساء والذراريّ والأموال في رأس الجبل، وحلّوا الإبل عن الماء، واقتسموا الشّعب بالقداح فأقرع بين القبائل في شظاياه، فخرجت بنو تميم ومعهم بارق (حيّ من الأزد حلفاء يومئذ لبني نمير. وبارق هو سعد بن عديّ بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء. وسمّي مزيقياء لأنه كان يمزّق عليه كلّ يوم حلّة) فولجوا الخليف (والخليف: الطريق بين الشّعبين شبه الزّقاق) لأنّ سهمهم تخلّف. وفيه يقول معقّر بن أوس بن حمار البارقيّ:
ونحن الأيمنون بنو نميريسيل بنا أمامهم الخليف
قال: وكان معقّر يومئذ شيخا كبيرا ومعه هؤلاء ابنة له تقود به جمله. فجعل يقول لها: من أسهل من الناس؟
فتخبره وتقول هؤلاء بنو فلان، وهؤلاء بنو فلان، حتى إذ تناهى الناس قال: اهبطي، لا يزال الشّعب منيعا سائر هذا اليوم، وهبط. وكانت كبشة بنت عروة الرّحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب يومئذ حاملا بعامر بن الطّفيل، فقالت: ويلكم يا بني عامر ارفعوني! فو اللّه إنّ في بطني لعزّ بني عامر. فصفّوا القسيّ على عواتقهم ثم حملوها حتى أثووها بالقنّة (يقال قنّة وقنان). فوعموا أنها ولدت عامرا يوم فرغ الناس من القتال.
فشهدت بنو عامر كلّها جبلة إلّا هلال بن عامر وعامر بن ربيعة بن عامر، وشهدها مع بني عامر من العرب بنو عبس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سليم وكان لهم بأس وحزم وعليهم مرداس بن أبي عامر، وهو أبو العبّاس بن مرداس. وكانت بنو عبس بن رفاعة حلفاء بني عمرو بن كلاب.
وزعم بعض بني عامر أنّ مرداسا كان مع أخواله غنيّ، وكانت أمّه فاطمة بنت جلهمة الغنويّة.
وشهدتها غنيّ وباهلة وناس من بني سعد بن بكر وقبائل بجيلة كلّها إلا قسرا لحرب كانت بين قسر وقومها، فارتحلت بجيلة فتفرقت في بطون بني عامر، فكانت عادية بن عامر بن قداد من بجيلة في بني عامر بن ربيعة، وكانت سحمة من بجيلة في بني جعفر بن كلاب - ويقال: عمرو بن كلاب - وكانت عرينة من بجيلة في عمرو بن كلاب وكانت بنو قيس كبّة (لفرس يقال لها كبّة) من بجيلة في بني عامر بن ربيعة وكانت فتيان في بني عامر بن ربيعة، وبنو قطيعة من بجيلة في بني أبي بكر بن كلاب، ونصيب بن عبد اللّه من بجيلة في بني نمير، وكانت ثعلبة والخطام من بجيلة، في بني عامر بن ربيعة، وبنو عمرو بن معاوية بن زيد من بجيلة في بني أبي بكر بن كلاب معهم يومئذ نفير من عكل، فبلغ جمعهم ثلاثين ألفا. وعمي على بني عامر الخبر. فجعلوا لا يدرون ما قرب القوم من بعدهم.
وأقبلت تميم وأسد وذبيان ولفهم نحو جبلة، فلقوا كرب بن صفوان بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة، فقالوا له: أين تذهب؟ أتريد أن تنذر بنا بني عامر؟ قال لا. قالوا: فأعطنا عهدا وموثقا ألّا تفعل؛ فأعطاهم فخلّوا سبيله. فمضى مسرغا على فرس له عري، حتى إذا نظر إلى مجلس بني عامر وفيهم الأحوص نزل تحت شجرة حيث يرونه؛ فأرسلوا إليه يدعونه، قال: لست فاعلا، ولكن إذا رحلت فأتوا منزلي فإنّ الخبر فيه.
فلما جاءوا منزله إذا فيه تراب في صرّة وشوك قد كسر رؤوسه وفرّق جهته، وإذا حنظلة موضوعة، وإذا وطب معلّق فيه لبن. فقال الأحوص: هذا رجل قد أخذ عليه المواثيق ألّا يتكلّم، وهو يخبركم أنّ القوم مثل التّراب كثرة، وأنّ شوكتهم كليلة وهم متفرّقون، وجاءتكم بنو حنظلة. أنظروا ما في الوطب، فاصطبّوه فإذا فيه لبن حزر (قرص). فقال: القوم منكم على قدر حلاب اللّبن إلى أن يحزر. فقال رجل من بني يربوع - ويقال قالته دختنوس بنت لقيط بن زرارة -
كرب بن صفوان بن شجنة لم يدعمن دارم أحدا ولا من نهشل
أجعلت يربوعا كقورة دائرولتحلفن باللّه أن لم تفعل
وذلك قول عامر بن الطّفيل بعد جبلة بحين:
ألا أبلغ لديك جموع سعدفبتوا لن نهيجكم نياما
نصحتم بالمغيب ولم تعينواعلينا إنكم كنتم كراما
ولو كنتم مع ابن الجون كنتمكمن أودى وأصبح قد ألاما
فلمّا استيقنت بنو عامر بإقبالهم صعدوا الشّعب، وأمر الأحوص بالإبل التي ظمّئت قبل ذلك فقال: اعقلوها كلّ بعير بعقالين في يديه جميعا. وأصبح لقيط والناس نزول به، وكانت مشورتهم إلى لقيط؛ فاستقبلهم جمل عود أجرب أخذ أعصل كاشر عن أنيابه؛ فقال الحزاة من بني أسد - والحازي العائف - اعقروه. فقال لقيط: واللّه لا يعقر حتّى يكون فحل إبلي غدا -. وكان البعير من عصافير المنذر التي أخذها قرّة بن هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير. والعصافير: إبل كانت للملوك نجائب - ثم استقبلهم معاوية بن عبادة بن عقيل وكان أعسر فقال:
أنا الغلام الأعسرالخير فيّ والشّر
والشرّ فيّ أكثر
فتشاءمت بنو أسد وقالوا: ارجعوا عنهم وأطيعونا. فرجعت بنو أسد فلم تشهد جبلة مع لقيط إلا نفيرا يسيرا، منهم شأس بن أبي بليّ أبو عمرو بن شأس الشاعر، ومعقل بن عامر بن موءلة المالكيّ. وقال الناس للقيط: ما ترى؟ فقال: أرى أن تصعدوا إليهم. فقال شأس: لا تدخلوا على بني عامر؛ فإني أعلم النّاس بهم، قد قاتلتهم وقاتلوني وهزمتهم وهزموني، فما رأيت قوما قطّ أقلق بمنزل من بني عامر! واللّه ما وجدت لهم مثلا إلّا الشّجاع؛ فإنه لا يقرّ في حجره قلقا، وسيخرجون إليكم. واللّه لئن بتّم هذه الليلة لا تشعرون بهم إلّا وهم منحدرون عليكم. فقال لقيط. واللّه لندخلنّ عليهم. فأتوهم وقد أخذوا حذرهم. وجعل الأحوص ابنه شريحا على تعبئة الناس. فأقبل لقيط وأصحابه مدلّين فأسندوا إلى الجبل حتى ذرّت الشمس. فصعد لقيط في الناس وأخذ بحافتي الشّجن. فقالت بنو عامر للأحوص: قد أتوك. فقال: دعوهم. حتى إذا نصفوا الجبل وانتشروا فيه، قال الأحوص: حلّوا عقل الإبل ثم احدروها واتّبعوا آثارهم، وليتبع كلّ رجل منكم بعيره حجرين أو ثلاثة، ففعلوا ثم صاحوا بها، فلم يفجأ الناس إلّا الإبل تريد الماء والمرعى، وجعلوا يرمونهم بالحجارة والنّبل؛ وأقبلت الإبل تحطم كلّ شيء مرّت به، وجعل البعير يدهدي بيديه كذا وكذا حجرا. وقد كان لقيط وأصحابه سخروا منهم حين صنعوا بالإبل ما صنعوا. فقال رجل من بني أسد:
زعمت أنّ العير لا تقاتلبلى إذا تقعقع الرحائل
واختلف الهنديّ والذّوابلوقالت الأبطال من ينازل
بلى وفيها حسب ونائل
فانحطّ الناس منهزمين من الجبل حتى السّهل. فلمّا بلغ الناس السّهل لم يكن لأحد منهم همّة إلا أن يذهب على وجهه، فجعلت بنو عامر يقتلونهم ويصرعونهم بالسيوف في آثارهم، فانهزموا شرّ الهزيمة. فجعل رجل من بني عامر يومئذ يرتجز ويقول:
لم أر يوما مثل يوم جبلهيوم أتتنا أسد وحنظله
وغطفان والملوك أزفلهنضربهم بقضب منتخله
لم تعد أن أفرش عنها الصّقلهحتى حدوناهم حداء الزّومله
وجعل معقل بن عامر يرتجز ويقول:
نحن حماة الشّعب يوم جبلهبكلّ عضب صارم ومعبله
وهيكل نهد معا وهيكله
المعبلة: السهم إذا كان نصله عريضا فهو معبلة، والرقيق: القطبة.
وخرجت بنو تميم من الخليف على الخيل فكركروا الناس (يعني ردّوهم) وانقطع شريح بن الأحوص في فرسان حتى أخذ الجرف فقاتل الناس قتالا شديدا هناك، وجعل لقيط يومئذ وهو على برذون له مجفّف بديباج أعطاه إيّاه كسرى - وكان أوّل عربيّ جفّف - يقول:
عرفتكم والدمع العين يكفلفارس أتلفتموه ما خلف
إنّ النّشيل والشّواء والرّغفوالقينة الحسناء والكأس الأنف
وصفوة القدر وتعجيل اللّقفللطاعنين الخيل والخيل قطف
وجعل لا يمرّ به أحد من الجيش إلّا قال له: أنت واللّه قتلتنا وشتمتنا. فجعل يقول:
يا قوم قد أحرقتموني باللّؤمولم أقاتل عامرا قبل اليوم
فاليوم إذ قاتلتهم فلا لومتقدّموا وقدّموني للقوم
شتّان هذا والعناق والنّوموالمضجع البارد في ظلّ الدّوم
وقال شأس بن أبي بليّ يجيبه:
لكن أنا قاتلتها قبل اليومإذ كنت لا تعصي أموري في القوم
وجعل لقيط يقول: من كرّ فله خمسون ناقة، وجعل يقول:
أكلّكم يزجركم أرحب هلاولن تروه الدّهر إلّا مقبلا
يحمل زغفا ورئيسا حجفلاوسائلا في أهله ما فعلا
وجعل يقول أيضا:
أشقر إن لم تتقدّم تنحروإن تأخّر عن هياج تعقر
ثم عاد يقول:
إنّ الشواء والنّشيل والرّغف
فأجابه شريح بن الأحوص:
إن كنت ذا صدق فأقحمه الجرفوقرّب الأشقر حتى تعترف
وبينه وبينه جرف منكر، فضرب لقيط فرسه وأقحمه عليه الجرف؛ فطعنه شريح فسقط. وقد اختلفوا في ذلك، فذكروا أنّ الذي طعنه جزء بن خالد بن جعفر، وبنو عقيل تزعم أنّ عوف بن المنتفق العقيليّ قتله يومئذ وأنشأ يقول:
ظلّت تلوم لما بها عرسيجهلا وأنت حليمة أمس
إن تقتلوا بكري وصاحبهفلقد شفيت بسيفه نفسي
فقتلته في الشّعب أوّل فارسفي الشّرق قبل ترحّل الشمس
فزعموا أن عوفا هذا قتل يومئذ ستّة نفر، وقتل ابن له وابن أخ له. وأمّ العلماء فلا يشكّون أن شريحا قتله، وارتثّ وبه طعنات - والارتثاث أن يحمل وهو مجروح، فإن حمل ميّتا فليس بمرتثّ - فبقي يوما ثم مات. فجعل لقيط يقول عند موته:
يا ليت شعري عنك دختنوسإذا أتاك الخبر المرسوس
أتحلق القرون أم تميسلا بل تميس إنّها عروس
دختنوس بنت لقيط بن زرارة، وكانت تحت عمرو بن عمرو بن عدس. وجعلت بنو عبس يضربونه وهو ميّت، فقالت دختنوس:
ألا يا لها الويلات ويلات من بكىلضرب بني عبس لقيطا وقد قضى
لقد ضربوا وجها عليه مهابةوما تحفل الصّمّ الجنادل من ردى
فلو أنّكم كنتم غداة لقيتملقيطا صبرتم للأسنّة والقنا
غدرتم ولكن كنتم مثل خضّبأصاب لها القنّاص من جانب الشّرى
فما ثأره فيكم ولكنّ ثأرهشريح وأردته الأسنّة إذ هوى
فإن تعقب الأيّام من عامر يكنعليهم حريقا لا يرام إذا سما
ليجزيهم بالقتل قتلا مضعّفاوما في دماء الحمس يا مال من بوا
ولو قتلتنا غالب كان قتلهاعلينا من العار المجدّع للعلا
لقد صبرت كعب وحافظتكلاب وما أنتم هناك لمن رأى
وقالت دختنوس أيضا:
لعمري لئن لاقت من الشرّ دارمعناء لقد آبت حميدا ضرابها
فما جبنوا بالشّعب إذ صبرت لهمربيعة يدعى كعبها وكلابها
عصوا بسيوف الهند واعتكرت لهمبراكاء موت لا يطير غرابها
براكاء: مباركة القتال وهو الجدّ في القتال. يقال للرجل إذا وقع في خطب لا يطير غرابه. وقالت دختنوس:
بكر النّعيّ بخير خندف كهلها وشبابها
وبخيرها نسبا إذاعدّت إلى أنسابها
فرّت بنو أسد حرود الطير عن أربابها
لم يحفلوا نسبا ولميلووا لفيء عقابها
وقتل يومئذ قريظ بن معبد بن زرارة، وزيد بن عمرو بن عدس قتله الحارث بن الأبرص بن ربيعة بن عامر بن عقيل، وقتل الفلتان بن المنذر بن سلمى بن جندل بن نهشل، وقتل أبو إياس بن حرملة بن جعدة بن العجلان بن حشورة بن عجب بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان وهو يقول:
أقدم قطين إنهم بنو عبسالمعشر الحلّة في القوم الحمس
الحلّة: لم يكونوا يتشدّدون في دينهم. قال: واستلحم عمرو بن حسحاس بن وهب بن أعياء بن طريف الأسديّ، فاستنقذه معقل بن عامر بن موءلة فداواه وكساه. فقال معقل في ذلك:
يديت على ابن حسحاس بن وهببأسفل ذي الجذاة يد الكريم
قصرت له من الدّهماء لمّاشهدت وغاب من له من حميم
ولو أنّي أشاء لكنت منهمكان الفرقدين من النّجوم
أخبّره بأن الجرح يشويوأنّك فوق عجلزة جموم
يقول: إن الجرح الذي بك شوّى لم يصب منك مقتلا -
ذكرت تعلّة الفتيان يوماوإلحاق الملامة بالمليم
قال: وحمل معاوية بن يزيد الفزاريّ فأخذ كبشة بنت الحجّاج بن معاوية بن قشير، وكانت عند مالك بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، فحمل معاوية بن خفاجة أخو مالك على معاوية بن يزيد فقتله واستنقذ كبشة، وقال: يا بني عامر، إنهم يموتون، وقد كان قيل لهم إنهم لا يموتون. ونزل حسّان بن عامر بن الجون وصاح: يا آل كندة! فحمل عليه شريح بن الأحوص؛ فاعترض دون ابن الجون رجل من كندة يقال له حوشب، فضربه شريح بن الأحوص في رأسه فانكسر السيف فيه، فخرج يعدو بنصف السيف وكان مما رعب الناس مكانه. وشدّ طفيل بن مالك بن جعفر فأسر حسّان بن الجون، وشدّ عوف بن الأحوص على معاوية بن الجون فأسره وجزّ ناصيته وأعتقه على الثواب، فلقيته بنو عبس، فأخذه قيس بن زهير فقتله. فأتاهم عوف فقال: قتلتم طليقي فأحيوه أو ائتوني بملك مثله. فتخوّفت بنو عبس شرّه وكان مهيبا، فقالوا: أمهلنا.
فانطلقوا حتى أتوا أبا براء عامر بن مالك بن جعفر يستغيثونه على عوف، فقال: دونكم سلمى بن مالك فإنه نديمه وصديقه - وكانا مشتبهين أحمرين أشقرين ضخمة أنوفهما، وكان في سلمى حياء - فأتوه فقال: سأكلّم لكم طفيلا حتى يأخذ أخاه فإنه لا ينجيكم من عوف إلّا ذلك، وايم اللّه ليأتينّ شحيحا.
فانطلقوا إليه، فقال طفيل: قد أتوني بك، ما أعرفني بما جئتم له! أتيتموني تريدون منّي ابن الجون تقيدون به من عوف، خذوه، فأعطاهم إيّاه؛ فأتوا به عوفا فجزّ ناصيته وأعتقه؛ فسمّي الجزّاز. فذلك قول نافع بن الخنجر ابن الحكم بن عقيل بن طفيل بن مالك في الإسلام:
قضينا الجون عن عبس وكانتمنيّة معبد فينا هزالا
قال: وشهدها لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر وهو ابن تسع سنين، ويقال: كان ابن بضع عشرة سنة، وعامر بن مالك يقول له: اليوم يتمت من أبيك إن قتل أعمامك. وقتل يومئذ زهير بن عمرو بن معاوية، وجد مقتولا بين ظهراني صفوف بني عامر حيث لم يبلغ القتال؛ وهو معاوية الضّباب بن كلاب. فقال أخوه حصين للذي قتله:
يا ضبعا عثواء لا تستأنسيتلتقم الهبر من السّقب الرّذي
أقسم باللّه وما حجّت بليوما على العزّى تعزّه غني
وقد حلفت عند منحر الهديأعطيكم غير صدور المشرفي
فليس مثلي عن زهير بغنىهو الشّجاع والخطيب اللّوذعي
والفارس الحازم والشهم الأبيوالحامل الثّقل إذا ينزل بي
وذكروا أنّ طفيل بن مالك لما رأى القتال يوم جبلة قال: ويلكم! وأين نعم هؤلاء! فأغار على نعم عمرو وإخوته وهم من بني عبد اللّه بن غطفان ثم من بني الثّرماء، فاستاق ألف بعير. فلقيه عبيدة بن مالك فاستجداه، فأعطاه مائة بعير، وقال: كأنّي بك قد لقيت ظبيان بن مرّة بن خالد فقال لك: أعطاك من ألفه مائة! فجئت مغضبا. فلقى عبيدة ظبيان، فقال له: كم أعطاك؟ قال: مائة. فقال: أمائة من ألف! فغضب عبيدة. قال: وذكر أن عبيدة تسرّع يومئذ إلى القتال، فنهاه أخواه عامر وطفيل أن يفعل حتى يرى مقاتلا، فعصاهما وتقدّم، فطعنه رجل في كتفه حتى خرج السّنان من فوق ثديه فاستمسك فيه السنان، فأتى طفيلا فقال له: دونك السّنان فانزعه، فأبى أن يفعل ذلك غضبا، فأتى عامرا فلم ينزعه منه غضبا، فأتى سلمى بن مالك فانتزعنه منه، وألقي جريحا مع النساء حتى فرغ القوم من القتال. وقتلت بنو عامر يومئذ من تميم ثلاثين غلاما أغرل. وخرج حاجب بن زرارة منهزما، وتبعه الزّهدمان زهدم وقيس ابنا حزن بن وهب بن عويمر بن رواحة العبسيان، فجعلا يطردان حاجبا ويقولان له: استأسر وقد قدرا عليه، فيقول: من أنتما؟ فيقولان: الزّهدمان، فيقول: لا أستأسر اليوم لموليين. فبينما هم كذلك إذ أدركهم مالك ذو الرّقيبة بن سلمة بن قشير، فقال لحاجب: استأسر. قال:
ومن أنت؟ قال: أنا مالك ذو الرّقيبة. فقال: أفعل، فلعمري ما أدركتني حتى كدت أن أكون عبدا. فألقى إليه رمحه؛ واعتنقه زهدم فألقاه عن فرسه. فصاح حاجب: يا غوثاه. وندر السيف، وجعل زهدم يريغ قائم السيف. فنزل مالك فاقتلع زهدما عن حاجب. فمضى زهدم وأخوه حتى أتيا قيس بن زهير بن جذيمة فقالا: أخذ مالك أسيرنا من أيدينا. قال: ومن أسيركما؟ قالا: حاجب بن زرارة. فخرج قيس يتمثّل قول حنظلة بن الشّرقيّ القينيّ أبي الطّمحان رافعا صوته يقول:
أجدّ بني الشّرقيّ أولع أنّنيمتى أستجر جارا وإن عزّ يغدر
إذا قلت أوفى أدركته دروكةفيا موزع الجيران بالغيّ أقصر
حتى وقف على بني عامر فقال: إنّ صاحبكم أخذ أسيرنا. قالوا: من صاحبنا؟ قال: مالك ذو الرّقيبة أخذ حاجبا من الزّهدمين. فجاءهم مالك فقال: لم آخذه منهما، ولكنه استأسر لي وتركهما. فلم يبرحوا حتى حكّموا حاجبا في ذلك وهو في بيت ذي الرّقيبة، فقالوا: من أسرك يا حاجب؟ فقال: أمّا من ردّني عن قصدي ومنعني أن أنجو ورأى منّي عورة فتركها فالزهدمان. وأمّا الذي استأسرت له فمالك؛ فحكّموني في نفسي. قال له القوم: قد جعلنا إليك الحكم في نفسك. فقال: أمّا مالك فله ألف ناقة، وللزهدمين مائة. فكان بين قيس بن زهير وبين الزهدمين مغاضبة بعد ذلك؛ فقال قيس:
جزاني الزهدمان جزاء سوءوكنت المرء يجزى بالكرامه
وقد دافعت قد علمت معدّبني قرط وعمّهم قدامه
ركبت بهم طريق الحقّ حتّىأثبتهم بها مائة ظلامه
وقال جرير في ذلك:
ويوم الشّعب قد تركوا لقيطاكأنّ عليه حلّة أرجوان
وكبّل حاجب بشمام حولافحكّم ذا الرّقيبة وهو عاني
وأمّا عمرو بن عمرو بن عدس فأفلت يومئذ. فزعمت بنو سليم أنّ الخيل عرضت على مرداس بن أبي عامر يوم جبلة، وكان أبصر الناس بالخيل، فعرضت عليه فرس لغلام من بني كلاب، فقال: واللّه لا أعجزها ولا أدركها ذكر ولا أنثى؛ فهذا ردائي بها وخمس وعشرون ناقة. فلمّا انهزم الناس يوم جبلة خرج الكلابيّ على فرسه تلك يطلب عمرو بن عمرو. قال الكلابيّ: فراكضته نهارا على السّواء، واللّه ما علمت أنه سبقني بمقدار أعرفه، ثم زاد مكانه ونقصت. فقلت: قمر واللّه مرداس. وهوى عمرو إلى فرسه فضربها بالسّوط فانكشفت، فإذا هي خنثى، لا ذكر ولا أنثى، فأخبرتهم أنّي سبقت. فقالوا: قمر السّلميّ. فقلت لا، ثم أخبرتهم الخبر. فقال مرداس:
تمطّت كميت كالهراوة ضامرلعمرو بن عمرو بعد ما مسّ باليد
فلو لا مدى الخنثى وبعد جرائهالقاظ ضعيف النّهض حقّ مقيّد
تذكّر ربطا بالعراق وراحةوقد خفق الأسياف فوق المقلّد
وزعم علماء بني عامر أنه لمّا انهزم الناس خرجت بنو عامر وحلفاؤهم في آثارهم يقتلون ويأسرون ويسلبون، فلحق قيس بن المنتفق بن عامر بن طفيل بن عقيل بن عمرو بن عمرو فأسره. فأقبل الحارث بن الأبرص بن ربيعة بن عقيل في سرعان الخيل، فرآه عمرو مقبلا فقال لقيس: إن أدركني الحارث قتلني وفاتك ما تلتمس عندي، فهل أنت محسن إليّ وإلى نفسك! تجزّ ناصيتي فتجعلها في كنانتك، ولك العهد لأفينّ لك، ففعل.
وأدركهما الحارث وهو ينادي قيسا ويقول: اقتل اقتل. فلحق عمرو بقومه. فلمّا كان الشهر الحرام خرج قيس إلى عمرو ويستثيبه، وتبعه الحارث بن الأبرص حتّى قدما على عمرو بن عمرو؛ فأمر عمرو بن عمر ابنة أخيه آمنة بنت زيد بن عمرو فقال: اضربي على قيس الذي أنعم على عمّك هذه القبّة. وقد كان الحارث قتل أباها زيدا يوم جبلة. فجاءت بالقبّة فرأت الحارث أهيأهما، وأجملهما، فظنّته قيسا فضربت القبّة على رأسه وهي تقول: هذا واللّه رجل لم يطّلع الدّهر عليه بما اطّلع به عليّ. فلمّا رجعت إلى عمّها عمرو قال: يابنة أخي، على من ضربت القبّة؟ فنعتت له نعت الحارث. فقال: ضربتها واللّه على رجل قتل أباك وأمر بقتل عمّك. فجزعت مما قال لها عمّها. فقال الحارث بن الأبرص:
أما تدرين يابنة آل زيدأمين بما أجنّ اليوم صدري
فكم من فارس لم ترزئيهفتى الفتيان في عيص وقصر
رأيت مكانه فصددت عنهفأعيا أمره وشدددت أزري
لقد امرته فعصى إماريبأمّ عزيمة في جنب عمرو
أمرت به لتخمش حنّتاهفضيّع أمره قيس وأمري
- الحنّة: الزوجة. يقال حنّته، وطلّته -. ثم إن عمرا قال: يا حار، ما الذي جاء بك! فو اللّه ما لك عندي نعمة، ولقد كنت سيّ ء الرأي فيّ، قتلت أخي وأمرت بقتلي. فقال: بل كففت عنك، ولو شئت إذا أدركتك لقتلتك. قال: ما لك عندي من يد، ثم تذمّم منه فأعطاه مائة من الإبل، ثم انطلق فذهب الحارث فلمّا جاء عمرا قيس أعطاه إبلا كثيرة، فخرج قيس بها، حتى إذا دنا من أهله سمع به الحارث بن الأبرص فخرج في فوارس من بني أبيه عرض لقيس فأخذ ما كان معه. فلمّا أتى قيس بني أبيه بني المنتفق اجتمعوا إليه وأرادوا الخروج. فقال: مهلا! لا تقاتلوا إخوتكم؛ فإنه يوشك أن يرجع وأن يؤول إلى الحق فإنه رجل حسود. فلمّا رأى الحارث أن قيسا قد كفّ عنه ردّ إليه ما أخذ منه.
وأمّا عتيبة بن الحارث بن شهاب فإنه أسر يومئذ فقيّد في القدّ، وكان يبول على قدّه حتى عفن. فلمّا دخل الشهر الحرام هرب فأفلت منهم بغير فداء.
وغنم مرداس بن أبي عامر غنائم وأخذ رجلا فأخذ منه مائة ناقة، فانتزعها منه بنو أبي بكر بن كلاب؛ فخرج مرداس إلى يزيد بن الصّعق، وكان له خليلا، فانتهى إليه مرداس وهو يقول:
لعمرك ما ترجو معدّ ربيعهارجائي يزيدا بل رجائي أكثر
يزيد بن عمرو خير من شدّ ناقةبأقتادها إذا الرياح تصرصر
تداعت بنو بكر عليّ كأنماتداعت عليّ بالأحزّة بربر
تداعوا عليّ أن رأوني بخلوةوأنتم بأحدان الفوارس أبصر
ويروى «بوحدان». فركب يزيد حتى أخذ الإبل من بني أبي بكر فردّها إليه. فطرقه البكريّون فسقوه الخمر حتى سكر، ثم سألوه الإبل فأعطاهم إيّاها. فلمّا أصبح ندم، فخرج إلى يزيد فوجد الخبر قد جاءه. فقال له يزيد: أصاح أنت أم سكران؟! فانصرف فاطّرد إبلا من إبل بني جعفر فذهب بها وأنشأ يقول:
أجنّ بليلى قلبه أم تذكّرامنازل منها حول قرّى ومحضرا
تخرّ الهدال فوق خيمات أهلهاويرسون حسّا بالعقال مؤطّرا
- الحسّ: الفرس الخفيفة. والمؤطّر: المعطوف -
سآبى وأستغني كما قد أمرتنيوأصرف عنك العسر لست بأفقرا
وإنّ سليما والحجاز مكانهامتى آتهم أجد لبيتي مهجرا
- المهجر: الموضع الصالح؛ يقال: هذا أهجر من هذا إذا كان أجود منه وأصلح -
يفرّج عنّي حدّهم وعديدهموأسرج لبدي خارجيّا مصدّرا
قصرت عليه الحالبين فجودهإذا ما عدا بلّ الحزام وأمطرا
- الحالبين: الراعيين. يقول احتبستهما -
فخذ إبلا إنّ العتاب كما ترىعلى خذم ثم ارم للنصر جعفرا
فإنّ بأكناف البحار إلى الملاوذي النّخل مصحى إن صحوت ومسكرا
وأرعى من الأظلاف أثلا وحمضةوترعى من الأطواء أثلا وعرعرا
وانصرف يومئذ سنان بن أبي حارثة المرّيّ في بني ذبيان على حاميته، فلحق بهم معاوية بن الصّموت بن الكامل الكلابيّ، وكان يسمّى الأسد المجدّع، ومعه حرملة العكليّ ونفر من النّاس، فلحق بسنان بن أبي حارثة ومالك بن حمار الفزاريّ في سبعين فارسا من بني ذبيان. فقال سنان: يا مالك كرّ واحمنا ولك خولة بنت سنان ابنتي أزوّجكها. فكرّ مالك فقتل معاوية، ثم اتّبعه حرملة العكليّ وهو يقول:
لأيّ يوم يخبأ المرء السّعهمودّع ولا ترى فيه الدّعه
فكّر عليه مالك فقتله، ثم اتّبعه رجل من بني كلاب، فكرّ عليه مالك فقتله، ثم اتّبعه رجلان من قيس كبّة من بجيلة، فكرّ عليهما فقتلهما، ومضى مالك وأصحابه. فقال مالك في ذلك:
ولقد صددت عن الغنيمة حرملاولقيته لددا وخيلي تطرد
أقبلته صدر الأغرّ وصارماذكرا فخرّ على اليدين الأبعد
وابن الصموت تركت حين لقيتهفي صدر مارنة يقوم ويقعد
وابنا ربيعة في الغبار كلاهماوابنا غنيّ عامر والأسود
حتى تنفّس بعد نكظ مجحراأذهبت عنه والفرائص ترعد
- النكظ الجهد. قال: -
يعدو ببزّي سابح ذو ميعةنهد المراكل ذو تليل أقود
فخطب إليه مالك خولة فأبى أن يزوّجه.
وأمّا بنو جعفر فيزعمون أن عروة الرّحّال بن عتبة بن جعفر وجد سنان بن أبي حارثة وابنيه هرما ويزيد على غدير قد كاد العطش أن يهلكهم، فجرّ نواصيهم وأعتقهم. ثم إن عروة أتى سنانا بعد ذلك يستثيبه ثوابا يرضاه فلم يثبه شيئا.
فقال عروة في ذلك:
ألا من مبلغ عنّي سناناألوكا لا أريد بها عتابا
أفي الخضراء تقسم هجمتيكموعروة لم يثب إلا التّرابا
فلو كان الجعافر طاوعونيغداة الشّعب لم تذق الشّرابا
أتجزي القين نعمتها عليكمولا تجزي بنعمتها كلابا
وأمّا بنو عامر فيزعمون أن سنانا انصرف ذات يوم هو وناس من طيّىء وغيرهم قبل الوقعة، فبلغه أنّ بني عامر يقولون: مننّا عليه؛ فأنشأ يقول:
واللّه ما منّوا ولكن شكّتيمنّت وحادرة المناكب صلدم
بخرير شول يوم يدعى عامرلا عاجز ورع ولا مستسلم
وأمّا بارق فتدّعي أسر سنان يومئذ على الثّواب، ثم أتوه فلم يصنع بهم خيرا. فقال معقّر بن أوس بن حمار البارقيّ:
متى تك في ذبيان منك صنيعةفلا تحمدنها الدّهر بعد سنان
يظلّ يمنّينها بحسن ثوابهلكم مائة يحدو بها فرسان
مخاض أؤدّيها وجلّ لقائحوأكرم مثوى منكم من أتاني
فجئناه للنّعمى فكان ثوابهرغوث ووطبا حازر مذقان
وظللّ ثلاثا يسأل الحيّ ما يرىيؤامرهم فيناله أملان
فإن كنت هذا الدهر لا بدّ شاكرافلا تثقن بالشكر في غطفان
قال: وكان جبلة قبل الإسلام بتسع وخمسين سنة قبل مولد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بتسع عشرة سنة. وولد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عام الفيل، ثم أوحى اللّه إليه بعد أربعين سنة، وقبض وهو ابن ثلاث وستّين سنة، وقدم عليه عامر بن الطّفيل في السنة التي قبض فيها صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: وهو ابن ثمانين سنة.
وقال المعقّر بن أوس بن حمار البارقيّ حليف بني نمير بن عامر:
أمن آل شعثاء الحمول البواكرمع اللّيل أم زالت قبيل الأباعر
وحلت سليمى في هضاب وأيكةفليس عليها يوم ذلك قادر
وألقت عصاها واستقرّت بها النّوىكما قرّ عينا بالإياب المسافر
وصبّحها أملاكها بكتيبةعليها إذا أمست من اللّه ناظر
معاوية بن الجون ذبيان حولهوحسّان في جمع الرّباب مكاثر
فمرّوا بأطناب البيوت فردّهمرجال بأطراف الرماح مساعر
وقد جمعوا جمعا كأن زهاءهجراد هوى في هبوة متطاير
فباتوا لنا ضيفا وبتنا بنعمةلنا مسمعات بالدّفوف وسامر
ولم نقرهم شيئا ولكنّ قصدهمصبوح لدينا مطلع الشّمس حازر
صبحناهم عند الشّروق كتائباكأركان سلمى شبرها متواتر
كأنّ نعام الدّوّ باض عليهموأعينهم تحت الحبيك جواحر
- الحبيك في البيض إحكام عملها وطرائقها -
من الضاربين الكبش يمشون مقدماإذا غصّ بالريق القليل الحناجر
وظنّ سراة القوم ألّا يقتّلواإذا دعيت بالسّفح عبس وعامر
ضربنا حبيك البيض في غمر لجّةفلم يبق في الناجين منهم مفاخر
ولم ينج إلّا من يكون طمرّةيوائل أو نهد ملحّ مثابر
هوى زهدم تحت الغبار لحاجبكما انقضّ أقنى ذو جناحين ماهر
هما بطلان يعثران كلاهماأراد رئاس السيف والسيف نادر
ولا فضل إلا أن يكون جراءةوذبيان تسمو والرؤوس حواسر
ينوء وكفّا زهدم من ورثهوقد علقت ما بينهن الأظافر
يفرّج عنّا كلّ ثغر نخافهمسحّ كسرحان القصيمة ضامر
- القصيدة من الرمل: ما أنبتت الغضى والرّمث -
وكلّ طموح في العنان كأنّهاإذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر
لها ناهض في المهد قد مهدت لهكما مهدت للبعل حسناء عاقر
- وبهذا البيت سمّي معقّرا واسمه سفيان بن أوس. وإنما خصّ العاقر لأنها أقلّ دلّا على الزوج من الولود فهي تصنع له وتداريه -
تخاف نساء يبتدرن حليلهامحرّدة قد خرّدتها الضراء
وقال عامر بن الطّفيل بعد ذلك بدهر:
ويوم الجمع لاقينا لقيطاكسونا رأسه عضبا حساما
أسرنا حاجبا فثوى بقدّولم نترك لنسوته سواما
وجمع الجون إذ دلفوا إليناصبحنا جمعهم جيشا لهاما
وقال لبيد بن ربيعة في ذلك:
وهم حماة الشّعب يوم تواكلتأسد وذبيان الصّفا وتميم
فارتثّ كلماهم عشيّة هزمهمحيّ بمنعرج المسيل مقيم
تم اليوم والحمد للّه.
صوت
أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكموأنتم رجال فيكم عدد النّمل
فلو أننا كنا رجالا وكنتمنساء حجال لم نقرّ بذا الفعل
الشعر لعفيرة بنت عفار - وقيل بنت عبّاد - الجديسيّة التي يقال لها الشّموس. والغناء لعريب خفيف ثقيل أوّل
مطلق في مجرى البنصر. وفيه لحن من الثقيل الأوّل قديم.
أخبرني بهذا الشعر والسبب الذي من أجله قيل عليّ بن سليمان الأخفش عن السّكّريّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضّل أن عمليقا ملك طسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وجديس بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وكانت منازلهم في موضع اليمامة، كان في أوّل مملكته قد تمادى في الظّلم والغشم والسّيرة بغير الحقّ، وأنّ امرأة من جديس كان يقال لها هزيلة، وكان لها زوج يقال له قرقس، فطلّقها وأراد أخذ ولدها منها، فخاصمته إلى عمليق، فقالت: «يأيها الملك إنّي حملته تسعا، ووضعته دفعا، وأرضعته شفعا، حتى إذا تمّت أوصاله، ودنا فصاله، أراد أن يأخذه منّي كرها، ويتركني من بعده ورها». فقال لزوجها: ما حجّتك؟ قال: «حجّتي أيها الملك أنّي قد أعطيتها المهر كاملا، ولم أصب منها طائلا، إلّا وليدا خاملا، فافعل ما كنت فاعلا. فأمر بالغلام أن ينزع منهما جميعا ويجعل في غلمانه، وقال لهزيلة: «ابغيه ولدا، ولا تنكحي أحدا، واجزيه صفدا». فقالت هزيلة: «أمّا النكاح فإنما يكون بالمهر، وأمّا السّفاح فإنما يكون بالقهر، وما لي فيهما من أمر». فلما سمع ذلك عمليق أمر بأن تباع هي وزوجها، فيعطى زوجها خمس ثمنها، وتعطى هزيلة عشر ثمن زوجها. فأنشأت تقول:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننافأنفذ حكما في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكّمت لا متورّعاولا كنت فيما تبرم الحكم عالما
ندمت ولم أندم وأنّى بعثرتيوأصبح بعلي في الحكومة نادما
فلمّا سمع عمليق قولها أمر ألّا تزوّج بكر من جديس وتهدى إلى زوجها حتى يفترعها هو قبل زوجها، فلقوا من ذلك بلاء وجهدا وذلّا. فلم يزل يفعل هذا حتى زوّجت الشّموس وهي عفيرة بنت عبّاد أخت الأسود الذي وقع إلى جبل طيّىء فقتلته طيىء وسكنوا الجبل من بعده. فلمّا أرادوا حملها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق لينالها قبله، ومعها القيان يتغنّين:
ابدي بعمليق وقومي فاركبيوبادري الصّبح لأمر معجب
فسوف تلقين الذي لم تطلبيوما لبكر عنده من مهرب
فلمّا أن دخلت عليه افترعها وخلّى سبيلها. فخرجت إلى قومها في دمائها شاقّة درعها من قبل ومن دبر والدّم يسيل وهي في أقبح منظر، وهي تقول:
لا أحد أذلّ من جديسأهكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومي حرّأهدى وقد أعطى وسيق المهر
لأخذة الموت كذا لنفسهخير من ان يفعل ذا بعرسه
وقالت تحرّض قومها فيما أتي إليها:
أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكموأنتم رجال فيكم عدد النّمل
وتصبح تمشي في الدّماء عفيرةجهارا وزفّت في النساء إلى بعل
ولو أننا كنا رجالا وكنتمنساء لكنّا لا نقرّ بذا الفعل
فموتوا كراما أو أميتوا عدوّكمودبّوا لنار الحرب بالحطب الجزل
وإلا فخلّوا بطنها وتحمّلواإلى بلد قفر وموتوا من الهزل
فللبين خير من مقام على أذىوللموت خير من مقام على الذّلّ
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذهفكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكم طيب العروس فإنماخلقتم لأثواب العروس وللغسل
فبعدا وسحقا للذي ليس دافعاويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فلمّا سمع الأسود أخوها ذلك وكان سيّدا مطاعا قال لقومه: يا معشر جديس! إن هؤلاء القوم ليسوا بأعزّ منكم في داركم إلّا بما كان من ملك صاحبهم علينا وعليهم، ولو لا عجزنا وإدهاننا ما كان له فضل علينا. ولو امتنعنا لكان لنا منه النّصف. فأطيعوني فيما آمركم به، فإنّه عزّ الدهر، وذهاب الذلّ العمر، واقبلوا رأيي. قال: وقد أحمى جديسا ما سمعوا من قولها فقالوا: نطيعك، ولكنّ القوم أكثر وأحمى وأقوى. قال فإنّي أصنع للملك طعاما ثم أدعوهم له جميعا. فإذا جاءوا يرفلون في الحلل ثرنا إلى سيوفنا وهم عارّون فأهمدناهم بها. قالوا: نفعل.
فصنع طعاما كثيرا وخرج به إلى ظهر بلدهم، ودعا عمليقا وسأله أن يتغدى عنده هو وأهل بيته، فأجابه إلى ذلك وخرج مع أهله يرفلون في الحلي والحلل، حتى إذا أخذوا مجالسهم ومدّوا أيديهم إلى الطعام، أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم فشدّ الأسود على عمليق فقتله، وكلّ رجل منهم على جليسه حتى أماتوهم. فلمّا فرغوا من الأشراف شدّوا على السّفلة فلم يدعوا منهم أحدا. فقال الأسود في ذلك:
ذوقي ببغيك يا طسم مجلّلةفقد أتيت لعمري أعجب العجب
إنّا أبينا فلم ننفكّ نقتلهموالبغي هيّج منّا سورة الغضب
ولن يعود علينا بغيهم أبداولن يكونوا كذى أنف ولا ذنب
وإن رعيتم لنا قربى مؤكّدةكنّا الأقارب في الأرحام والنسب
ثم إن بقيّة طسم لجئوا إلى حسّان بن تبّع، فغزا جديسا فقتلها وأخرب بلادها. فهرب الأسود قاتل عمليق، فأقام بجبلي طيّىء قبل نزول طيىء إيّاهما. وكانت طيىء تسكن الجرف من أرض اليمن، وهو اليوم محلّة مراد وهمدان، وكان سيّدهم يومئذ أسامة بن لؤيّ بن الغوث بن طيّى ء، وكان الوادي مسبعة، وهم قليل عددهم، وقد كان ينتابهم بعير في أزمان الخريف ولم يدر أين يذهب ولم يروه إلى قابل، وكانت الأزد قد خرجت من اليمن أيام العرم، فاستوحشت طيّىء لذلك وقالت: قد ظعن إخواننا فصاروا إلى الأرياف. فلما همّوا بالظّعن قالوا لأسامة: إنّ هذا البعير يأتينا من بلد ريف وخصب، وإنّا لنرى في بعره النّوى. فلو أننا نتعهّده عند انصرافه فشخصنا معه لكنا نصيب مكانا خيرا من مكاننا هذا. فأجمعوا أمرهم على ذلك. فلمّا كان الخريف جاء البعير فضرب في إبلهم، فلمّا انصرف احتملوا واتّبعوه يسيرون بسيره ويبيتون حيث يبيت حتى هبط على الجبلين. فقال أسامة بن لؤيّ:
اجعل طريبا كحبيب ينسىلكل قوم مصبح وممسى
قال: وطريب اسم الموضع الذي كانوا ينزلون به. فهجمت طيىء على النخل في الشّعاب وعلى مواش كثيرة، وإذا هم برجل في شعب من تلك الشّعاب وهو الأسود بن عبّاد، فهالهم ما رأوا من عظم خلقه وتخوّفوه، وقد نزلوا ناحية من الأرض واستبروها هل يرون بها أحدا غيره فلم يروا. فقال أسامة بن لؤيّ لابن له يقال له الغوث: أي بنيّ! إنّ قومك قد عرفوا فضلك عليهم في الجلد والبأس والرمي، فإن كفيتنا هذا الرجل سدت قومك آخر الدهر، وكنت الذي أنزلتنا هذا البلد. فانطلق الغوث حتى أتى الرجل فكلّمه وساءله. فعجب الأسود بن صغر خلق الغوث فقال له: من أين أقبلتم؟ قال: من اليمن، وأخبره خبر البعير ومجيئهم معه، وأنهم رهبوا ما رأوا من عظم خلقه وصغرهم عنه، وشغلوه بالكلام، فرماه الغوث بسهم فقتله، وأقامت طيىء بالجبلين بعده، فهم هنالك إلى اليوم.
صوت
إذا قبّل الإنسان آخر يشتهيثناياه لم يحرج وكان له أجرا
فإن زاد زاد اللّه في حسناتهمثاقيل يمحو اللّه عنه بها وزرا
الشعر لرجل من عذرة. والغناء لعريب ثقيل أوّل بالوسطى.
نسخت هذا الخبر من كتاب محمد بن موسى بن حمّاد قال ذكر الرّياشيّ قال قال حماد الراوية. أتيت مكة فجلست في حلقة فيها عمر بن أبي ربيعة، فتذاكروا من العذريّين، فقال عمر بن أبي ربيعة: كان لي صديق من عذرة يقال له الجعد بن مهجع، وكان أحد سلامان، وكان يلقى مثل الذي ألقى من الصّبابة بالنساء والوجد بهن، على أنه كان لا عاهر الخلوة ولا سريع السّلوة، وكان يوافي الموسم في كلّ سنة؛ فإذا راث عن وقته ترجّمت عنه الأخبار، وتوكفّت له الأسفار حتى يقدم. فغمّني ذات سنة إبطاؤه حتى قدم حجّاج عذرة، فأتيت القوم أنشد صاحبي، وإذا غلام قد تنفّس الصّعداء ثم قال: أعن أبي المسهر تسأل؟ قلت: عنه أسأل وإيّاه أردت. قال: هيهات هيهات! أصبح واللّه أبو المسهر لا مؤيسا فيهمل ولا مرجوا فيعلّل، أصبح واللّه كما قال القائل:
لعمرك ما حبّي لأسماء تاركيأعيش ولا أقضي به فأموت
قال قلت: وما الذي به؟ قال: مثل الذي بك من تهوّركما في الضّلال، وجرّكما أذيال الخسار، فكأنكما لم تسمعا بجنّة ولا نار. قلت: من أنت منه يابن أخي؟ قال: أخوه. قلت: أما واللّه يابن أخي ما يمنعك أن تسلك مسلك أخيك من الأدب وأن تركب منه مركبه إلا أنّك وأخاك كالبرد والبجاد لا ترقعه ولا يرقعك، ثم صرفت وجه ناقتي وأنا أقول:
أرائحة حجّاج عذرة وجهةولمّا يرح في القوم جعد بن مهجع
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوىمتى ما يقل أسمع وإن قلت يسمع
ألا ليت شعري أيّ شيء أصابهفلى زفرات هجن ما بين أضلعي
فلا يبعدنك اللّه خلّا فإننيسألقى كما لا قيت في كلّ مصرع
ثم انطلقت حتى وقفت موقفي من عرفات. فبينا أنا كذلك إذ أنا بإنسان قد تغيّر لونه وساءت هيئته، فأدنى ناقته من ناقتي حتى خالف بين أعناقهما، ثم عانقني وبكى حتى اشتدّ بكاؤه. فقلت: ما وراءك؟ فقال: برح العذل، وطول المطل، ثم أنشأ يقول:
لئن كانت عديّة ذات لبّلقد علمت بأنّ الحبّ داء
ألم تنظر إلى تغيير جسميوإنّي لا يفارقني البكاء
ولو أنّي تكلّفت الذي بيلقفّ الكلم وانكشف الغطاء
فإنّ معاشري ورجال قوميحتوفهم الصّبابة واللّقاء
إذا العذريّ مات خليّ ذرعفذاك العبد يبكيه الرّشاء
فقلت: يا أبا المسهر إنها ساعة تضرب إليها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها، فلو دعوت اللّه كنت قمنا أن تظفر بحاجتك وأن تنصر على عدوّك. قال: فتركني وأقبل على الدعاء. فلمّا نزلت الشمس للغروب وهمّ الناس أن يفيضوا سمعته يتكلّم بشيء، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول:
يا ربّ كلّ غدوة وروحهمن محرم يشكو الضّحى ولوحه
فقلت له: وما يوم الدوحة؟ قال: واللّه لأخبرنّك ولو لم تسألني: فيمّمنا نحو مزدلفة، فأقبل عليّ وقال: إني رجل ذو مال كثير من نعم وشاء، وذو المال لا يصدره ولا يرويه الثّماد. وقطر الغيث أرض كلب، فانتجعت أخوالي منهم، فأوسعوا لي عن صدر المجلس وسقوني جمّة الماء، وكنت فيهم في خير أخوال. ثم إنّي عزمت على موافقة إبلي بماء لهم يقال له الحوذان، فركبت فرسي وسمطت خلفي شرابا كان أهداه إليّ بعضهم ثم مضيت، حتى إذا كنت بين الحيّ ومرعى النّعم رفعت لي دوحة عظيمة، فنزلت عن فرسي وشددته بغصن من أغصانها وجلست في ظلّها. فبينا أنا كذلك إذ سطع غبار من ناحية الحيّ ورفعت لي شخوص ثلاثة، ثم تبيّنت فإذا فارس يطرد مسحلا وأتانا، فتأمّلته فإذا عليه درع أصفر وعمامة خزّ سوداء، وإذا فروع شعره تضرب خصريه، فقلت: غلام حديث عهد بعرس أعجلته لذّة الصيد فترك ثوبه ولبس ثوب امرأته. فما جاز عليّ إلا يسيرا حتى طعن المسحل وثنّى طعنة للأتان فصرعهما، وأقبل راجعا نحوي وهو يقول:
نطعنهم سلكى ومخلوجةكرّك لأمين على نابل
فقلت: إنك قد تعبت وأتعبت، فلو نزلت! فثنى رجله فنزل فشدّ فرسه بغصن من أغصان الشجرة وألقى رمحه وأقبل حتى جلس، فجعل يحدّثني حديثا ذكرت به قول أبي ذؤيب:
وإنّ حديثا منك لو تبذلينهجنى النّحل في ألبان عوذ مطافل
فقمت إلى فرسي فأصلحت من أمره ثم رجعت، وقد حسر العمامة عن رأسه، فإذا غلام كأنّ وجهه الدينار المنقوش. فقلت: سبحانك اللّهمّ! ما أعظم قدرتك وأحسن صنعتك! فقال: ممّ ذاك؟ قلت: مما راعني من جمالك وبهرني من نورك. قال: وما الذي يروعك من حبيس التّراب، وأكيل الدوابّ، ثم لا يدري أينعم بعد ذلك أم يبأس. قلت: لا يصنع اللّه بك إلّا خيرا. ثم تحدّثنا ساعة، فأقبل عليّ وقال: ما هذا الذي أرى قد سمعت في سرجك؟ قلت: شراب أهداه إليّ بعض أهلك، فهل لك فيه من أرب؟ قال: أنت وذاك. فأتيته به، فشرب منه وجعل ينكت أحيانا بالسّوط على ثناياه، فجعل واللّه يتبيّن لي ظلّ السوط فيهن. فقلت: مهلا فإني خائف أن تكسرهنّ، فقال: ولم؟ قلت: لأنهن رقاق وهنّ عذاب. قال: رفع عقيرته يتغنّى:
إذا قبّل الإنسان آخر يشتهيثناياه لم يأثم وكان له أجرا
فإن زاد زاد اللّه في حسناتهمثاقيل يمحو اللّه عنه بها الوزرا
ثم قام إلى فرسه فأصلح من أمره ثم رجع. قال: فبرقت لي بارقة تحت الدّرع. فإذا ثدي كأنه حقّ عاج. فقلت: نشدتك اللّه أمرأة؟ قالت: إي واللّه إلّا أنّي أكره العشير وأحبّ الغزل. ثم جلست فجعلت تشرب معي ما أفقد من أنسها شيئا حتى نظرت إلى عينيها كأنّهما عينا مهاة مذعورة. فو اللّه ما راعني إلّا ميلها على الدوحة سكرى. فزيّن لي واللّه الغدر وحسن في عيني، ثم إنّ اللّه عصمني منه، فجلست حجرة منها. فما لبثت إلّا يسيرا حتى انتبهت فزعة، فلاثت عمامتها برأسها، وجالت في متن فرسها، وقالت: جزاك اللّه عن الصّحبة خيرا. قلت: أو ما تزوّدينني منك زادا؟ فناولتني يدها، فقبّلتها فشممت واللّه منها ريح المسك المفتوت، فذكرت قول الشاعر:
كأنها إذ تقضّى النوم وانتبهتسحابة مالها عين ولا أثر
قلت: وأين الموعد؟ قالت: إنّ لي إخوة شرسا وأبا غيورا. وو اللّه لأن أسرّك أحبّ إليّ من أن أضرّك، ثم انصرفت.
فجعلت أتبعها بصري حتى غابت، فهي واللّه يابن ربيعة أحلّتني هذا المحلّ وأبلغتني. فقلت له: يا أبا المسهر إنّ الغدر بك مع ما تذكر لمليح. فبكى واشتدّ بكاؤه. فقلت: لا تبك؛ فما قلت لك ما قلت إلا مازحا، ولو لم أبلغ في حاجتك بمالي لسعيت في ذلك حتى أقدر عليه، فقال لي: خيرا. فلمّا انقضى الموسم شددت على ناقتي وشدّ على ناقته، ودعوت غلامي فشدّ على بعير له، وحملت عليه قبّة حمراء من أدم كانت لأبي ربيعة المخزوميّ، وحملت معي ألف دينار ومطرف خزّ، وانطلقنا حتى أتينا بلاد كلب، فنشدنا عن أبي الجارية فوجدناه في نادي قومه، وإذا هو سيّد الحيّ وإذا الناس حوله. فوقفت على القوم فسلّمت، فردّ الشيخ السلام، ثم قال: من الرجل؟
قلت: عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة. فقال: المعروف غير المنكر، فما الذي جاء بك؟ قلت: خاطبا. قال: الكف، والرّغبة. قلت: إني لم آت ذلك لنفسي عن غير زهادة فيك ولا جهالة بشرفك، ولكني أتيت في حاجة ابن أختكم العذريّ، وها هو ذاك. فقال: واللّه إنّه لكفيء الحسب رفيع البيت، غير أنّ بناتي لم يقعن إلّا في هذا الحيّ من قريش. فوجمت لذلك، وعرف التغيّر في وجهي فقال: أما إنّي صانع بك ما لم أصنعه بغيرك. قلت: وما ذاك فمثلي من شكر؟ قال: أخيّرها فهي وما اختارت. قلت: ما أنصفتني إذ تختار لغيري وتولي الخيار غيرك. فأشار إليّ، العذريّ أن دعه يخيّرها. فأرسل إليها: إنّ من الأمر كذا وكذا. فأرسلت إليه: ما كنت لأستبدّ برأي دون القرشيّ، فالخيار في قوله، حكمه. فقال لي: إنها قد ولّتك أمرها فاقض ما أنت قاض. فحمدت اللّه عزّ وجلّ وأثنيت عليه وقلت: اشهدوا أنّي قد زوّجتها من الجعد بن مهجع وأصدقتها هذا الألف الدّينار، وجعل تكرمتها العبد والبعير والقبّة، وكسوت الشيخ المطرف، وسألته أن يبني بها عليه في ليلته. فأرسل إلى أمّها، فقالت: أتخرج ابنتي كما تخرج الأمة!. فقال الشيخ: هجّري في جهازها، فما برحت حتى ضربت القبّة في وسط الحريم، ثم أهديت إليه ليلا، وبتّ أنا عند الشيخ. فلمّا أصبحت أتيت القبّة فصحت بصاحبي، فخرج إليّ وقد أثّر السرور فيه، فقلت: كيف كنت بعدي وكيف هي بعدك؟ فقال لي: أبدت لي واللّه كثيرا مما كانت أخفته عنّي يوم لقيتها. فسألتها عن ذلك فأنشأت تقول:
صوت
كتمت الهوى لما رأيتك جازعاوقلت فتى بعض الصديق يريد
وأن تطرحنّي أو تقول فتيّةيضرّبها برح الهوى فتعود
فورّيت عمّا بي وفي داخل الحشىمن الوجد برح فاعملنّ شديد
فقلت: أقم على أهلك، بارك اللّه لك فبهم، وانطلقت وأنا أقول:
كفيت أخي العذريّ ما كان نابهوإني لأعباء النوائب حمّال
أما استحسنت منّي المكارم والعلاإذا طرحت! إنّي لمالي بذّال
وقال العذريّ:
إذا ما الخطّاب خلّى مكانهفأفّ لدنيا ليس من أهلها عمر
فلا حىّ فتيان الحجازين بعدهولا سقيت أرض الحجازين بالمطر
صوت
إنّ الخليط قد ازمعوا تركيفوقفت في عرصاتهم أبكي
جنّيّة برزت لتقتلنيمطليّة الأصداغ بالمسك
عجبا لمثلك لا يكون لهخرج العراق ومنبر الملك
الشعر لابن قيس الرّقيّات يقوله في عائشة بنت طلحة. والغناء لمعبد، ثقيل أوّل السبّابة في مجرى البنصر.
والسبب في قول ابن قيس هذا الشعر فيها يذكر في أخبارها إن شاء اللّه تعالى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع