تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر مقتل خالد بن جعفر بن كلاب

فيه ١٤٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

قتله الحارث بن ظالم المرّيّ. قال أبو عبيدة: كان الذي هاج من الأمر بين الحارث بن ظالم وخالد بن جعفر أنّ خالد بن جعفر أغار على رهط الحارث بن ظالم من بني يربوع بن غيظ بن مرّة وهم في واد يقال له حراض، فقتل الرجال حتى أسرع، والحارث يومئذ غلام، وبقيت النساء. وزعموا أنّ ظالما هلك في تلك الوقعة من جراحة أصابته يومئذ. وكانت نساء بني ذبيان لا يحلبن النّعم، فلمّا بقين بغير رجال طفقن يدعون الحارث، فيشدّ عصاب الناقة ثم يحلبنها، ويبكين رجالهن ويبكي الحارث معهن، فنشأ على بغض خالد. وأردف ذلك قتل خالد زهير بن جذيمة؛ فاستحقّ العداوة في غطفان. فقال خالد بن جعفر في تلك الوقعة:

تركت نساء يربوع بن غيظأرامل يشتكين إلى وليد
يقلن لحارث جزعا عليهلك الخيرات مالك لا تسود
تركت بني جذيمة في مكرّونصرا قد تركت لدى الشهود
ومنّي سوف تأتي قارعاتتبيد المخزيات ولا تبيد
وقيس ابن المعارك غادرتهقناتي في فوارس كالأسود
وحلّت بركها ببني جحاشوقد مدّوا إليها من بعيد
وحيّ بني سبيع يوم ساقتركناهم كجارية وبيد

قال أبو عبيدة. فمكث خالد بن جعفر برهة من دهره، حتى كان من أمره وأمر زهير بن جذيمة ما كان، وخالد يومئذ رأس هوازن. فلمّا استحقّ عداوة عبس وذبيان أتى النّعمان بن المنذر ملك الحيرة لينظر ما قدره عنده، وأتاه بفرس؛ فألفى عنده الحارث بن ظالم قد أهدى له فرسا فقال: أبيت اللّعن، نعم صباحك، وأهلي فداؤك! هذا فرس من خيل بني مرّة، فلن تؤتى بفرس يشقّ غباره، إن لم تنسبه انتسب، كنت ارتبطته لغزو بني عامر بن صعصعة؛ فلمّا أكرمت خالدا أهديته إليك. وقام الربيع بن زياد العبسيّ فقال: أبيت اللّعن! نعم صباحك، وأهلي فداؤك! هذا فرس من خيل بني عامر ارتبطت أباه عشرين سنة لم يخفق في غزوة ولم يعتلك في سفر، وفضله على هذين الفرسين كفضل بني عامر على غيرهم. قال: فغضب النّعمان عند ذلك وقال: يا معشر قيس، أرى خيلكم أشباها! أين اللواتي كأنّ أذنابها شقاق أعلام وكأنّ مناخرها وجار الضّباع، وكأنّ عيونها بغايا النساء، رقاق المستطعم تعالك اللّجم في أشداقها، تدور على مذاودها كأنما يقضمن حصى. قال خالد: زعم الحارث - أبيت اللّعن - أنّ تلك الخيل خيله وخيل آبائه. فغضب النعمان عند ذلك على الحارث بن ظالم. فلمّا أمسوا اجتمعوا عند قينة من أهل الحيرة يقال لها بنت عفزر يشربون. فقال خالد: تغنّي:

دار لهند والرّباب وفرتنىولميس قبل حوادث الأيّام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بِسحام»

وهنّ خالات الحارث بن ظالم، فغضب الحارث بن ظالم حتى امتلأ غيظا وغضبا، وقال: ما تزال تتبع أولى بآخره!. قال أبو عبيدة: ثم إنّ النّعمان بن المنذر دعاهم بعد ذلك وقدّم لهم تمرا؛ فطفق خالد بن جعفر يأكل ويلقي نوى ما يأكل من التمر بين يدي الحارث. فلمّا فرغ القوم قال خالد بن جعفر: أبيت اللعن! انظر إلى ما بين يدي الحارث بن ظالم من النّوى! ما ترك لنا تمرا إلّا أكله. فقال الحارث: أمّا أنا فأكلت التمر وألقيت النّوى، وأمّا أنت فأكلته بنواه. فغضب خالد وكان لا ينازع، فقال: أتنازغني يا حارث وقد قتلت حاضرتك وتركتك يتيما في حجور النساء!. فقال الحارث: ذلك يوم لم أشهده، وأنا مغن اليوم بمكاني. قال خالد: فهلّا تشكر لي إذا قتلت زهير بن جذيمة وجعلتك سيّد غطفان!. قال: بلى أشكرك على ذلك. فخرج الحارث بن ظالم إلى بنت عفزر، فشرب عندها وقال لها تغنّي:

تعلّم أبيت اللّعن أنّي فاتكمن اليوم أو من بعده بابن جعفر
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «تعلم أبيت اللعن أني فاتك»
أخالد قد نبّهتني غير نائمفلا تأمنن فتكي يد الدهر واحذر
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «تعلم أبيت اللعن أني فاتك»
أعيّرتني أن نلت منّا فوارساغداة حراض مثل جنّان عبقر
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «تعلم أبيت اللعن أني فاتك»
أصابهم الدّهر الختور بخترهومن لا يق اللّه الحوادث يعثر
فعلّك يوما أن تنوء بضربةبكفّ فتى من قومه غير جيدر
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «تعلم أبيت اللعن أني فاتك»
يغصّ بها عليا هوازن، والمنىلقاء أبي جزء بأبيض مبتر

قال: فبلغ خالد بن جعفر قوله فلم يحفل به. فقال عبد اللّه بن جعدة - وهو ابن أخت خالد، وكان رجل قيس رأيا - لابنه: يا بنيّ ائت أبا جزء فأخبره أنّ الحارث بن ظالم سفيه موتور، فأخف مبيتك الليلة؛ فإنه قد غلبه الشراب. فإن أبيت فاجعل بينك وبينه رجلا ليحرسك. فوضعوا رجلا بإزائه، ونام ابن جعدة دون الرجل، وخالد من خلف الرجل.

وعرف أنّ ابن عتبة وابن جعدة يحرسان خالدا. فأقبل الحارث فانتهى إلى ابن جعدة فتعدّاه، ومضى إلى الرجل وهو يحسبه خالدا فعجنه بكلكله حتى كسره وجعل يكدمه لا يعقل، فخلّى عنه والرجل تحته، ومضى إلى خالد وهو نائم، فضربه بالسّيف حتى قتله. فقال لعروة: أخبر الناس أنّي قتلت خالدا. وقال في ذلك:

ألا سائل النّعمان إن كنت سائلاوحيّ كلاب هل فتكت بخالد
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا سائل النعمان إن كنت سائلا»
عشوت عليه وابن جعدة دونهوعروة يكلا عمّه غير راقد
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا سائل النعمان إن كنت سائلا»
وقد نصبا رجلا فباشرت جوزهبكلكل مخشيّ العداوة حارد
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا سائل النعمان إن كنت سائلا»
فأضربه بالسّيف يأفوخ رأسهفصمّم حتى نال نوط القلائد
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا سائل النعمان إن كنت سائلا»
وأفلت عبد اللّه منّي بذعرهوعروة من بعد ابن جعدة شاهدي
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا سائل النعمان إن كنت سائلا»

فلمّا أبت غطفان أن تجيره غضبت لذلك بنو عبس. وبعث إليه قيس بن زهير بن جذيمة بهذه الأبيات:

جزاك اللّه خيرا من خليلشفى من ذي تبولته الخليلا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «جزاك الله خيرا من خليل»
أزحت بها جوّى ودخيل حزنتمخّخ أعظمي زمنا طويلا
كسوت الجعفريّ أبا جزيءولم تحفل به سيفا صقيلا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «جزاك الله خيرا من خليل»
أبأت به زهير بني بغيصوكنت لمثلها ولها حمولا
كشفت له القناع وكنت ممنيجلّي العار والأمر الجليلا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «جزاك الله خيرا من خليل»

فأجابه الحارث بن ظالم:

أتاني عن قييس بني زهيرمقالة كاذب ذكر التّبولا
فلو كنتم كما قلتم لكنتملقاتل ثأركم حرزا أصيلا
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «أتاني عن قيس بني زهير»
ولكن قلتم جاور سوانافقد جلّلتنا حدثا جليلا
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «أتاني عن قيس بني زهير»
ولو كانوا هم قتلوا أخاكملما طردوا الذي قتل القتيلا

قال أبو عبيدة: فلمّا منعته غطفان لحق بحاجب بن زرارة، فأجاره ووعده أن يمنعه من بني عامر. وبلغ بني عامر مكانه في بني تميم، فساروا في عليا هوازن. فلمّا كانوا قريبا من القوم في أوّل واد من أوديتهم، خرج رجل من بني غنيّ ببعض البوادي، فإذا هو بامرأة من بني تميم ثم من بني حنظلة تجتني الكمأة، فأخذها فسألها عن الخبر، فأخبرته بمكان الحارث بن ظالم عند حاجب بن زرارة وما وعده من نصرته ومنعه. فانطلق بها الغنويّ إلى رحله؛ فانسلّت في وسط من الليل، فأتى الغنويّ الأحوص بن جعفر، فأخبره أنّ المرأة قد ذهبت وقال: هي منذرة عليك.

فقال له الأحوص: ومتى عهدك بها؟ قال: عهدي بها والمنيّ يقطر من فرجها. قال: وأبيك إنّ عهدك بها لقريب.

وتبع المرأة عامر بن مالك يقصّ أثرها حتى انتهى إلى بني زرارة والمرأة عند حاجب وهو يقول لها: أخبريني أيّ قوم أخذوك؟ قالت: أخذني قوم يقبلون بوجوه الظّباء، ويدبرون بأعجاز النّساء. قال: أولئك بنو عامر. قال: فحدّثيني من في القوم؟ قالت: رأيتهم يغدون على شيخ كبير لا ينظر بمأقيه حتى يرفعوا له من حاجبيه. قال: ذلك الأحوص بن جعفر. قالت: ورأيت شابا شديد الخلق، كأنّ شعر ساعديه حلق الدّرع يعذم القوم بلسانه عذم الفرس العضوض. قال: ذلك عتبة بن بشير بن خالد. قالت: ورأيت كهلا إذا أقبل معه فتيان، يشرف القوم إليه، فإذا نطق أنصتوا. قال: ذلك عمرو بن خويلد، والفتيان ابناه زرعة ويزيد. قالت: ورأيت شابّا طويلا حسنا، إذا تكلّم بكلمة أنصتوا لها ثم يؤلّون إليه كما تؤلّ الشّول إلى فحلها. قال: ذلك عامر بن مالك. قال أبو عبيدة: فدعا حاجب الحارث بن ظالم فأخبره برأيه وخبر القوم وقال: يا بن ظالم، هؤلاء بنو عامر قد أتوك، فما أنت صانع؟ قال الحارث: ذلك إليك، إن شئت أقمت فقاتلت القوم، وإن شئت تنحّيت. قال حاجب: تنحّ عنّي غير ملوم. فغضب الحارث من ذلك وقال:

لعمري لقد جاورت في حيّ وائلومن وائل جاورت في حيّ تغلب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «لعمري لقد جاورت في حي وائل»
فأصبحت في حيّ الأراقم لم يقللي القوم يا حار بن ظالم اذهب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «لعمري لقد جاورت في حي وائل»
وقد كان ظنّي إذ عقلت إليكمبني عدس ظنّي بأصحاب يثرب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «لعمري لقد جاورت في حي وائل»
غداة أتاهم تبّع في جنودهفلم يسلموا المرين من حيّ يحصب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «لعمري لقد جاورت في حي وائل»
فإن تك في عليا هوازن شوكةتخاف ففيكم حدّ ناب ومحلب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «لعمري لقد جاورت في حي وائل»
وإن يمنع المرء الزّراريّ جارهفأعجب بها من حاجب ثم أعجب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «لعمري لقد جاورت في حي وائل»

فغضب حاجب فقال:

لعمر أبيك الخير يا حار إننيلأمنع جارا من كليب بن وائل
وقد علم الحيّ المعدّيّ أنّناعلى ذاك كنّا في الخطوب الأوائل
وأنّا إذا ما خاف جار ظلامةلبسنا له ثوبي وفاء ونائل
وأنّ تميما لم تحارب قبيلةمن النّاس إلا أولعت بالكواهل
ولو حاربتنا عامر يا بن ظالملعضت علينا عامر بالأنامل
ولاستيقنت عليا هوازن أنّناسنوطئها في دارها بالقنابل
ولكنّني لا أبعث الحرب ظالماولو هجتها لم ألف شحمة آكل

قال: فتنحّى الحارث بن ظالم عن بني زرارة فلحق بعروض اليمامة. ودعا معبدا ولقيطا ابني زرارة فقال: سيرا في الظّعن، فموعدكما رحرحان؛ فإنّا مقيمون في حامية الخيل حتى تأتينا بنو عامر. وخرج عامر بن مالك إلى قومه بالخبر. فقالوا: ما ترى؟ قال: أن ندعهم بمكانهم ونسبقهم إلى الظّعن. قال: فلقوها برحرحان، فاقتتلوا قتالا شديدا فأصابوها، وأسر معبد وجرح لقيط. فبعثوا بمعبد إلى رجل بالطائف كان يعذّب الأسرى. فقطّعه إربا إربا حتى قتله. وقال عامر بن مالك يردّ على حاجب قوله:

ألكني إلى المرء الزّراريّ حاجبرئيس تميم في الخطوب الأوائل
وفارسها في كلّ يوم كريهةوخير تميم بين حاف وناعل
لعمري لقد دافعت عن حيّ مالكشآبيب من حرب تلقّح حائل
على كل جرداء السّراة طمرّةوأجرد خوّار العنان مناقل
نصحت له إذ قلت إن كنت لاحقابقوم فلا تعدل بأبناء وائل
ولو ألجأته عصبة تغلبيّةلسرنا إليهم بالقنا والقنابل
ولو رمتم أن تمنعوه رأيتمهناك أمورا غيّها غير طائل
لشاب وليد الحيّ قبل مشيبهوعضّت تميم كلّها بالأنامل
وقامت رجال منكم خندقيّةينادون جهرا ليتنا لم نقاتل

قال: فخرج الحارث بن ظالم من فوره ذلك حتى أتى سلمى بنت ظالم وفي حجرها ابن النّعمان، فقال لها: إنه لن يجيرني من النّعمان إلا تحرّمي بابنه، فادفعيه إليّ. وقد كان النّعمان بعث إلى جارات للحارث بن ظالم فسباهنّ؛ فدعاه ذلك إلى قتل الغلام فقتله.

فوثب النّعمان على عم الحارث بن ظالم فقال له: لأقتلنّك أو لتأتينّي بابن أخيك. فاعتذر إليه فخلّى عنه.

فأقبل ينطلق فقال:

يا حار إنّي أحيا من مخبّأةوأنت أجرأ من ذي لبدة ضاري
قد كان بيتي فيكم بالعلاء فقدأحللت بيتي بين السّيل والنار
مهما أخفك على شيء تجيء بهفلم أخفك على أمثالها حار
ولم أخفك على ليث لن تخاتلهعبل الذّراعين للأقران هصّار
وقد علمت بأنّي لن ينجّينيمما فعلت سوى الإقرار بالعار
فقد عدوت على النّعمان ظالمةفي قتل طفل كمثل البدر ومعطار
فاعلم بأنّك منه غير منفلتوقد عدوت على ضرغامة شاري

وقال الحارث بن ظالم في ذلك:

قفا فاسمعا أخبركما إذ سألتمامحارب مولاه، وثكلان نادم
حسبت أبا قابوس أنّك سابقيولمّا تذق فتكي وأنفك راغم
أخصي حمار بات يكدم نحمةأتؤكل جاراتي وجارك سالم
تمنّيته جهرا على غير ريبةأحاديث طسم، إنما أنت حالم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «قفا فاسمعا أخبركما إذا سألتما»
فإن تك أذوادا أصبت ونسوةفهذا ابن سلمى أمره متفاقم
علوت بذي الحيّات مفرق رأسهوكان سلاحي تجتويه الجماجم
فتكت به فتكا كفتكي بخالدوهل يركب المكروه إلا الأكارم
بدأت بهذي ثم أثني بمثلهاوثالثة تبيضّ منها المقادم
شفيت غليل الصدر منه بضربةكذلك يأبى المغضبون القماقم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «قفا فاسمعا أخبركما إذا سألتما»

فقال النعمان بن المنذر: ما يعني بالثالثة غيري. قال سنان بن أبي حارثة المرّيّ - وهو يومئذ رأس غطفان -: أبيت اللّعن! واللّه ما ذمّة الحارث لنا بذمّة، ولا جاره لنا بجار، ولو أمّنته ما أمّناه. فبلغ ابن ظالم قول سنان بن أبي حارثة، فقال في ذلك:

ألا أبلغ النّعمان عنّي رسالةفكيف بخطّاب الحطوب الأعاظم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا أبلغ النعمان عني رسالة»
وأنت طويل البغي أبلخ معورفزوع إذا ما خيف إحدى العظائم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا أبلغ النعمان عني رسالة»
فما غرّه والمرء يدرك وترهبأروع ماضي الهمّ من آل ظالم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا أبلغ النعمان عني رسالة»
أخي ثقة ماضي الجنان مشيّعكميش التّوالي عند صدق العزائم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا أبلغ النعمان عني رسالة»
فأقسم لو لا من تعرّض دونهلعولي بهنديّ الحديدة صارم
فأقتل أقواما لئاما أذلّةيعضّون من غيظ أصول الأباهم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «ألا أبلغ النعمان عني رسالة»
تمنّى سنان ضلّة أن يخيفنيويأمن، ما هذا بفعل المسالم
تمنّيت جهدا أن تضيع ظلامتيكذبت وربّ الراقصات الرّواسم
يمين امرىء لم يرضع اللّؤم ثديهولم تتكنّفه عروق الألائم

قال: فأمّنه النعمان، وأقام حينا. ثم إنّ مصدّقا للنّعمان أخذ إبلا لامرأة من بني مرّة يقال لها ديهث؛ فأتت الحارث فعلّقت دلوها بدلوه ومعها بنيّ لها، فقالت: أبا ليلى! إني أتيتك مضافة. فقال الحارث: إذا أورد القوم النّعم فنادي بأعلى صوتك:

دعوت باللّه ولم تراعيذلك راعيك فنعم الرّاعي
وتلك ذود الحارث الكساعيمشي لها بصارم قطّاع
يشفي به مجامع الصّداع

وخرج الحارث في أثرها يقول:

أنا أبو ليلى وسيفي المعلوبكم قد أجرنا من حريب محروب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب»
وكم رددنا من سليب مسلوبوطعنة طعنتها بالمنصوب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب»
ذاك جهيز الموت عند المكروب

ثم قال لها: لا تردنّ عليك ناقة ولا بعير تعرفينه إلا أخذتيه ففعلت؛ فأتت على لقوح لها يحلبها حبشيّ، فقالت: يا أبا ليلى! هذه لي. فقال الحبشيّ: كذبت. فقال الحارث: أرسلها لا أمّ لك! فضرط الحبشيّ. فقال الحارث: «است الحالب أعلم»، فسارت مثلا. قال أبو عبيدة: ففي ذلك يقول في الإسلام الفرزدق:

كما كان أوفى إذ ينادي ابن ديهثوصرمته كالمغنم المتنهّب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه»
فقام أبو ليلى إليه ابن ظالموكان متى ما يسلل السّيف يضرب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه»
وما كان جارا غير دلو تعلّقتبحبلين في مستحصد القدّ مكرب

قال أبو عبيدة حدّثني أبو محمد عصام العجليّ قال: فلمّا قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر في جوار الملك خرج هاربا حتى أتى صديقا له من كندة يحلّ شعبي - قال: شعبي غير ممدود - فلمّا ألحّ الأسود في طلب الحارث قال له الكنديّ: ما أرى لك نجاة إلّا أن ألحقك بحضرموت ببلاد اليمن فلا يوصل إليك. فسار معه يوما وليلة، فلمّا غرّبه قال: إنّني أنقطع ببلاد اليمن فأغترب بها، وقد برئت منك خفارتي.

فرجع حتّى أتى أرض بكر بن وائل، فلجأ إلى بني عجل بن لجيم، فنزل على زبّان فأجاره وضرب عليه قبّة.

وفي ذلك يقول العجليّ:

ونحن منعنا بالرّماح ابن ظالمفظلّ يغنّي آمنا في خبائنا

قال أبو عبيدة: فجاءته بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا: أخرج هذا المشئوم من بين أظهرنا، لا يعرّنا بشرّ؛ فإنّا لا طاقة بالملحاء (والملحاء كتيبة الأسود) فأبت عجل أن تخفره، فقاتلوه فامتنعت بنو عجل. فقال الحارث بن ظالم في الكنديّ وفيهم:

يكلّفني الكنديّ سير تنوفةأكابد فيها كلّ ذي صبّة مثري
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «يكلفني الكندي سير تنوفة»

- الصّبّة: قطعة من الغنم أو بقيّة منها -

وأقبل دوني جمع ذهل كأنّنيخلاة لذهل والزّعانف من عمرو
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «يكلفني الكندي سير تنوفة»
ودوني ركب من لجيم مصمّموزبّان جاري والخفير على بكر
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «يكلفني الكندي سير تنوفة»
لعمري لا أخشى ظلامة ظالموسعد بن عجل مجمعون على نصري
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «يكلفني الكندي سير تنوفة»

قال أبو عبيدة: ثم قال لهم الحارث: إنّي قد اشتهر أمري فيكم ومكاني، وأنا راحل عنكم. فارتحل فلحق بطيى ء. فقال الحارث في ذلك:

لعمري لقد حلّت بي اليوم ناقتيإلى ناصر من طيّىء غير خاذل
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «لعمري لقد حلت بي اليوم ناقتي»
فأصبحت جارا للمجرّة منهمعلى باذخ يعلو على المتطاول

قال أبو عبيدة وحدّثني أبو حيّة أنّ الأسود حين قتل الحارث خالدا سأل عن أمر يبلغ منه. فقال له عروة بن عتبة: إنّ له جارات من بليّ بن عمرو، ولا أراك تنال منه شيئا أغيظ له من أخذهنّ وأخذ أموالهنّ، فبعث الأسود فأخذهنّ واستاق أموالهنّ. فبلغ ذلك الحارث، فخرج من الحين فانساب في غمار الناس حتى عرف موضع جاراته ومرعى إبلهنّ، فأتى الإبل فوجد حالبين يحلبان ناقة لهنّ يقال لها اللّفاع، وكانت لبونا كأغزر الإبل، إذا حلبت اجترّت، ودمعت عيناها، وأصغت برأسها، وتفاجّت تفاجّ البائل، وهجمت في المحلب هجما حتى تسنّمه، وتجاوبت أحاليلها بالشّخب هثّا وهثيما حتى تصفّ بين ثلاثة محالب. فصاح الحارث بهما ورجز فقال:

إذا سمعت حنّة اللّفاعفادعي أبا ليلى ولا تراعي
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «إذا سمعت حنّة اللفاع»
ذلك راعيك فنعم الرّاعييجبك رحب الباع والذّراع
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «إذا سمعت حنّة اللفاع»
منطّقا بصارم قطّاع

خليّا عنها! فعرفاه فضرط البائن. فقال الحارث: «است الضارط أعلم» فذهبت مثلا - قال الأثرم: البائن الحالب الأيمن، والمستعلي الحالب الأيسر - ثم عمد إلى أموال جاراته وإلى جاراته فجمعهنّ وردّ أموالهن وسار معهنّ حتى اشتلاهنّ (أي أنقذهنّ).

قال أبو عبيدة: ولحق الحارث ببلاد قومه مختفيا. وكانت أخته سلمى بنت ظالم عند سنان بن أبي حارثة المرّيّ. قال أبو عبيدة: وكان الأسود بن المنذر قد تبنّى سنان بن أبي حارثة المرّيّ ابنه شرحبيل، فكانت سلمى بنت كثير بن ربيعة من بني غنم بن دودان امرأة سنان بن أبي حارثة المرّيّ ترضعه وهي أمّ هرم، وكان هرم غنيّا يقدر على ما يعطي سائليه. فجاء الحارث، وقد كان اندسّ في بلاد غطفان، فاستعار سرج سنان، ولا يعلم سنان، وهم نزول بالشّربّة، فأتى به سلمى ابنة ظالم فقال: يقول لك بعلك: ابعثي بابن الملك مع الحارث حتى أستأمن له ويتخفّر به، وهذا سرجه آية إليك. فزيّنته ثم دفعته إلى الحارث، فأتى بالغلام، ناحية من الشّربّة فقتله، ثم أنشأ يقول:

قفا فاسمعا أخبركما إذ سألتمامحارب مولاه، وثكلان نادم

- ثكلان نادم: يعني الأسود لأنه قتل ابنه شرحبيل. محارب مولاه: يعني الحارث نفسه. ومولاه: سنان -

أخصيي حمار بات يكدم نجمةأتؤكل جاراتي وجارك سالم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «قفا فاسمعا أخبركما إذا سألتما»
حسبت أبيت اللّعن أنك فائتولمّا تذق ثكلا وأنفك راغم
فإن تك أذوادا أصبت ونسوةفهذا ابن سلمى رأسه متفاقم
علوت بذي الحيّات مفرق رأسهوكان سلاحي تجتويه الجماجم
فتكت به كما فتكت بخالدولا يركب المكروه إلّا الأكارم
بدأت بتلك وانثنيت بهذهوثالثة تبيضّ منها المقادم

قال: ففي ذلك يقول عقيل بن علّفة في الإسلام وهو من بني يربوع بن غيظ بن مرّة لمّا هاجى شبيب بن البرصاء، وأبوه يزيد، وهو من بني نشبة بن غيظ بن مرّة ابن عمّ سنان بن أبي حارثة، فعيّره بقتل الحارث بن ظالم شرحبيل لأنه ربيب بني حارثة بن مرّة بن نشبة بن غيظ رهط شبيب، ففي ذلك يقول عقيل:

قتلنا شرحبيلا ربيب أبيكمبناصية المعلوب ضاحية غصبا
فلم تنكروا أن يغمز القوم جاركمبإحدى الدّواهي ثم لم تطلعوا نقبا

قال أبو عبيدة: وهرب الحارث، فغزا الأسود بني ذبيان إذ نقضوا العهد وبني أسد بشطّ أريك. قال أبو عبيدة: وسألته عنه فقال: هما أريكان الأسود والأبيض، ولا أدري بأيّهما كانت الوقعة. قال أبو عبيدة وقال آخرون: إنّ سلمى امرأة سنان التي أخذ الحارث شرحبيل من عندها من بني أسد. قال: فإنّما غزا الأسود بني أسد لدفع الأسديّة سلمى ابنه إلى الحارث، فقتل فيهم قتلا ذريعا وسبى واستاق أموالهم. وفي ذلك يقول الأعشى ميمون:

وشيوخ صرعى بشطّي أريكونساء كأنّهن السّعالي
من نواصي دودان إذ نقضوا العهد وذبيان والهجان الغوالي
ربّ رفد هرقته ذلك اليوم وأسرى من معشر أقتال
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ما بكاء الكبير بالأطلال»
هؤلاء ثم هؤلاء كلّا احذيت نعالا محذوّة بمثال
ورأى من عصاك أصبح مخذولا وكعب الذي يطيعك عالي

قال: ووجد نعل شرحبيل عند أضاخ. وهو من الشّربّة في بني محارب بن خصفة بن قيس عيلان. قال: فاحمي لهم الأسود الصّفا التي بصحراء أضاخ وقال لهم: إنّي أحذيكم نعالا، فأمشاهم على الصّفا المحمى فتساقط لحم أقدامهم. فلمّا كان الإسلام قتل جوشن الكنديّ رجلا من بني محارب فأقيد به جوشن بالمدينة. وكان الكنديّ من رهط عبّاس بن يزيد الكنديّ، فهجا بني محارب فعيّرهم بتحريق الأسود أقدامهم فقال:

على عهد كسرى نعّلتكم ملوكناصفا من أضاخ حاميا يتلهّب

قال أبو عبيدة: وصار ذلك مثلا يتوعّد به الشعراء من هجوه ويحذّرونهم مثل ذلك. ومن ذلك أن ابن عتّاب الكلبي ورد على بني النوس من جديلة طيى ء، فسرقوا سهاما له؛ فقال يحذّرهم:

بني النوس ردّوا أسهمي إن أسهميكنعل شرحبيل التي في محارب

وقال في الجاهليّة ابن أمّ كهف الطائيّ في مدحه لمالك بن حمار الشّمخيّ، فذكر نعل شرحبيل فقال:

ومولاك الذي قتل ابن سلمىعلانية شرحبيل ابن نعل

لأنه لو لا النعل لم يعرف، وإنما عرف بما صنع أبوه ببني محارب من أجل نعله التي وجدت في بني محارب.

قال أبو عبيدة: وأخذ الأسود سنان بن أبي حارثة؛ فأتاه الحارث بن سفيان أحد بني الصارد، وهو الحارث بن سفيان بن مرّة بن عوف بن الحارث بن سفيان أخو سيّار بن عمرو بن جابر الفزاريّ لأمّه، فاعتذر إلى الأسود أن يكون سنان بن أبي حارثة علم أو اطّلع، ولقد كان أطرد الحارث من بلاد غطفان، وقال: عليّ دية ابنك ألف بعير دية الملوك، فحمّلها إيّاه وخلّى عن سنّان، فأدى إلى الأسود منها ثمانمائة بعير ثم مات. فقال سيّار بن عمرو أخوه لأمّه: أنا أقوم فيما بقي مقام الحارث بن سفيان. فلم يرض به الأسود. فرهنه سيّار قوسه، فأدّى البقيّة.

فلمّا مدح قراد بن حنش الصارديّ بني فزارة جعل الحمالة كلّها لسيّار بن عمرو فقال:

ونحن رهنّا القوس تمّت فوديتبألف على ظهر الفزاري أقرعا
بعشر مئين للملوك سعى بهاليوفي سيّار بن عمرو فأسرعا
رمينا صفاه بالمئين فأصبحتثناياه للساعين في المجد مهيعا

قال ويقال: بل قالها ربيع بن قعنب، فردّ عليه قراد فقال:

ما كان ثعلب ذي عاج ليحملهاولا الفزاريّ جوفان بن جوفان
لكن تضمّنها ألفا فأخرجهاعلى تكاليفها حار بن سفيان

وقال عويف القوافي بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في الإسلام يفخر على أبي منظور الوبريّ حين هاجاه أحد بني وبر بن كلاب:

فهل وجدتم حاملا كحامليإذ رهن القوس بألف كامل
بدية ابن الملك الحلاحلفافتكّها من قبل عام قابل

قال أبو عبيدة: فلمّا قتل الحارث شرحبيل لحق ببني دارم فلجأ إلى بني ضمرة. قال: وبنو عبد اللّه بن دارم يقولون: بل جاور معبد بن زرارة فأجاره، فجرّ جواره يوم رحرحان، وجرّ يوم رحرحان يوم جبلة. وطلبه الأسود ابن المنذر بخفرته.

فلمّا بلغه نزوله ببني دارم أرسل فيه إليهم أن يسلموه فأبوا. فقال يمنّ على بني قطن بن نهشل بن دارم بما كان من النّعمان بن المنذر في أمر بني رشيّة وهي رميلة حين طلبهم من لقيط بن زرارة حتى استنقذهم. ورشيّة أمة كانت لزرارة بن عدس بن زيد المجاشعيّ، فوطئها رجل من بني نهشل فأولدها؛ وكان زرارة يأتي بني نهشل يطلب الغلمة التي ولدت، وولدت الأشهب بن رميلة والرّباب بن رميلة وغيرهما، وكانوا يسمعونه ما يكره، فيرجع إلى ولده فيقول: أسمعني بنو عمّي خيرا وقالوا: سنبعث بهم إليك عاجلا، حتى مات زرارة. فقام لقيط ابنه بأمرهم؛ فلمّا أتاهم أسمعوه ما كره، ووقع بينهم شرّ. فذهب النهشليّ إلى الملك فقال: أبيت اللّعن! لا تصلني وتصل قومي بأفضل من طلبتك إلى لقيط الغلمة ليكفّ عنّي. فدعاه فشرب معه، ثم استوهبهم منه فوهبهم له. فقال الأسود بن المنذر في ذلك:

كأيّن لنا من نعمة في رقابكمبني قطن فضلا عليكم وأنعما
وكم منّة كانت لنا في بيوتكموقتل كريم لم تعدّوه مغرما
فإنكم لا تمنعون ابن ظالمولم يمس بالأيدي الوشيج المقوّما

فأجابه ضمرة بن ضمرة فقال:

سنمنع جارا عائذا في بيوتكمبأسيافنا حتى يؤوب مسلّما
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة
إذا ما دعونا دارما حال دونهعوابس يعلكن الشّكيم المعجّما
ولو كنت حربا ما وردت طويلعاولا حوفه إلّا خميسا عرمرما
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة
تركت بني ماء السماء وفعلهموأشبهت تيسا بالحجاز مزنّما
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة
ولن أذكر النّعمان إلّا بصالحفإنّ له فضلا علينا وأنعما
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة

قال: وبلغ ذلك بني عامر، فخرج الأحوص عازيا لبني دارم طالبا بدم أخيه خالد بن جعفر حين انطووا على الحارث وقاموا دونه، فغزاهم فالتقوا برحرحان، فهزمت بنو دارم، وأسر معبد بن زرارة، فانطلقوا به حتى مات في أيديهم، وحديثه في يوم رحرحان يأتي بعد.

ثم أسر بنو هزّان الحارث بن الظالم. وقال أبو عبيدة: خرج الحارث من عندهم، فجعل يطوف في البلاد حتى سقط في ناحية من بلاد ربيعة، ووضع سلاحه وهو في فلاة ليس فيها أثر ونام، فمرّ به نفر من بني قيس ابن ثعلبة ومعهم قوم من بني هزّان من عنزة وهو نائم، فأخذوا فرسه وسلاحه ثم أوثقوه، فانتبه وقد شدّوه فلا يملك من نفسه شيئا. فسألوه من أنت؟ فلم يخبرهم وطوى عنهم الخبر، فضربوه ليقتلوه على تأن يخبرهم من هو فلم يفعل. فاشتراه القيسيّون من الهزّانيّين بزقّ خمر وشاة - ويقال: اشتراه رجل من بني سعد بإغلاق بكرة وعشرين من الشاء - ثم انطلقوا به إلى بلادهم. فقالوا له: من أنت؟ وما حالك؟ فلم يخبرهم.

فضربوه ليموت فأبى. قال: وهو قريب من اليمامة. قال: فبينما هم على تلك الحال وهم يريغونه ضربا مرّة وتهدّدا أخرى ولينا مرّة ليخبرهم بحاله وهو يأبى، حتى ملّوه، فتركوه في قيده حتى انفلت ليلا، فتوجّه نحو اليمامة وهي قريب منه، فلقي غلمة يلعبون، فنظر إلى غلام منهم أخلقهم للخير عنده فقال: من أنت؟ قال: أنا بجير بن أبجر العجليّ، وله ذؤابة يومئذ وأمّه امرأة قتادة بن مسلمة الحنفيّ. فأتاه وأخذ بحقويه والتزمه وقال: أنا لك جار.

فيقال: إنّ عجلا أجارته في هذا اليوم لا في اليوم الأوّل الذي ذكرناه في أوّل الحديث. فأتى الغلام أباه فأخبره وأجاره وقال: ائت عمّك قتادة بن مسلمة الحنفيّ فأخبره؛ فأتى قتادة فأخبره فأجاره.

قال أبو عبيدة: وأمّا فراس فزعم أنه أفلت من بني قيس فأقبل شدّا حتى أتى اليمامة، واتّبعوه حتى انتهى إلى نادي بني حنيفة وفيه قتادة بن مسلمة. فلمّا رأوه يهوي نحوهم قال: إنّ هذا لخائف، وبصر بالقوم خلفه فصاح به: الحصن الحصن! فأقبل حتى ولج الحصن. وجاءت بنو قيس، فحال دونه وقال: لو أخذتموه قبل دخوله الحصن لأسلمته إليكم، فأمّا إذ تحرّم بي فلا سبيل إليه. قال فقالوا: أسيرنا اشتريناه بأموالنا، وما هو لك بجار ولا تعرفه، وإنما أتاك هاربا من أيدينا، ونحن قومك وجيرنك. قال: أمّا أن أسلمه أبدا فلا يكون ذلك، ولكن اختاروا منّي: إن شئتم فانظروا ما اشتريتموه به فخذوه منّي، وإن شئتم أعطيته سلاحا كاملا وحملته على فرس ودعوه حتى يقطع الوادي بيني وبينه ثم دونكموه. فقالوا: رضينا. فقال ذلك للحارث فقال نعم. فألبسه سلاحا كاملا وحمله على فرسه وقال له: إن أفلّتهم فردّ إليّ الفرس والسلاح لك. قال: فخرج، وتركوه حتى جاز الوادي، ثم اتّبعوه ليأخذوه، فلم يزل يقاتلهم ويطاردهم حتى ورد بلاد بني قشير، وهو قريب من اليمامة أيضا بينهما أقلّ من يوم. فلمّا صار إلى بلاد بني قشير يئسوا منه فرجعوا عنه. وعرفه بنو قشير فانطووا عليه وأكرموه. وردّ إلى قتادة بن مسلمة فرسه وأرسل إليه بمائة من الإبل، لا أدري أأعطاه إيّاها بنو قشير من أموالهم ليكافىء بها قتادة أم كانت له، لم يفسّر أبو عبيدة أمرها ولا سألته عنها. فقال الحارث بن ظالم في ابني حلاكة وهما من الذين باعوه من القيسيّين وفيما كان من أمره - قال أبو عبيدة: ويقال أسره راعيان من بني هزّان يقال لهما ابنا حلاكة -:

أبلغ لديك بني قيس مغلغلةأنّي أقسّم في هزّان أرباعا
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «أبلغ لديك بني قيس مغلغلة»
ابنا حلاكة باعاني بلا ثمنوباع ذو آل هزان بما باعا
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «أبلغ لديك بني قيس مغلغلة»
يا بني حلاكة لمّا تأخذا ثمنيحتّى أقسّم أفراسا وأدراعا
قتادة الخير نالتني حذيّتهوكان قدما إلى الخيرات طلّاعا

وقال في ذلك أيضا:

همّت عكابة أن تضيم لجيمافأبت لجيم ما تقول عكابه
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «همت عكابة أن تضيم لجيما»
فاسقي بجيرا من رحيق مدامةوالسقي الخفير وطهّري أثوابه
جاءت حنيفة قبل جيئة يشكركلّا وجدنا أوفياء ذؤابه
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «همت عكابة أن تضيم لجيما»

وزعم أبو عبيدة أنّ الحارث لمّا هزمت بنو تميم يوم رحرحان مرّ برجل من بني أسد بن خزيمة؛ فقال: يا حار إنك مشئوم وقد فعلت ما فعلت، فانظر إذا كنت بمكان كذا وكذا من برقة رحرحان فإنّ لي به جملا أحمر فلا تعرض له. وإنما يعرّض له ويكره أن يصرّح فيبلغ الأسود فيأخذه. فلمّا كان الحارث بذلك المكان أخذ الجمل فنجا عليه، وإذا هو لا يساير من أمامه ولا يسبق من ورائه. فبلغ ذلك الأسود، فأخذ الأسود الأسديّ وناسا من قومه.

وبلغ ذلك الحارث بن ظالم فقال كأنه يهجوهم لئلا يتّهمهم الأسود:

أراني اللّه بالنّعم المندّىببرقة رحرحان وقد أراني
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «أراني الله بالنعم المندى»
لحيّ الأنكدين وحيّ عبسوحيّ نعامة وبني غدان
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «أراني الله بالنعم المندى»

قال: فلمّا بلغ قوله الأسود خلّى عنهم. ولحق الحارث بمكة وانتمى إلى قريش؛ وذلك قوله:

وما قومي بثعلبة بن سعدولا بفزارة الشّعر الرّقابا
وقومي إن سألت بنو لؤيّبمكّة علّموا مضر الضّرابا

قال: فزوّده وحمله رواحة الجمحيّ على ناقة؛ فذلك قوله:

وهشّ رواحة الجمحيّ رحليبناجية ولم يطلب ثوابا
كأنّ الرّحل والأنساع منهاوميثرتي كسين أقبّ جابا

- يروى «حشّ» و «هشّ» وهما لغتان. وحشّ سوّى - قال: فلحق الحارث بالشأم بملك من ملوك غسّان - يقال

هو النّعمان، ويقال بل هو يزيد بن عمرو الغسّانيّ - فأجاره. وكانت للملك ناقة محمّاة في عنقها مدية وزناد وصرّة ملح، وإنما يختبر بذلك رعيّته هل يجترىء عليه أحد منهم. ومع الحارث امرأتان، فوحمت إحدى امرأتيه - قال أبو عبيدة: وأصابت الناس سنة شديدة - فطلبت الشّحم إليه. قال: ويحك! وأنّي لي بالشحم والودك! فألحت عليه، فعمد إلى الناقة فأدخلها بطن واد فلبّ في سبلتها (أي طعن). فأكلت امرأته ورفعت ما بقي من الشحم في عكّتها. قال: وفقدت الناقة فوجدت نحيرا لم يؤخذ منها إلّا السّنام، فأعلموا ذلك الملك، وخفي عليهم من فعله. فأرسل إلى الخمس التّغلبيّ - وكان كاهنا - فقال: من نحر الناقة؟ فذكر أنّ الحارث نحرها. فتذمّم الملك وكذّب عنه. فقال: إن أردت أن تعلم علم ذلك فدسّ امرأة تطلب إلى امرأته شحما، ففعل. فدخل الحارث وقد أخرجت امرأته إليها شحما، فعرف الداء فقتلها ودفنها في بيته. فلمّا فقدت المرأة قال الخمس: غالها ما غال الناقة، فإن كره الملك أن يفتّشه عن ذلك فليأمر بالرحيل، فإذا ارتحل بحث بيته، ففعل. واستثار الخمس مكان بيته؛ فوثب عليه الحارث فقتله؛ فأخذ الحارث فحبس. فاستسقى ماء فأتاه رجل بماء فقال: أتشرب؟ فأنشأ الحارث يقول:

لقد قال لي عند المجاهد صاحبيوقد حيل دون العيش هل أنت شارب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «لقد قال لي عند المجاهد صاحبي»
وددت بأطراف البنان لو انّنيبدى أرونى ترمي ورائي الثّعالب
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «لقد قال لي عند المجاهد صاحبي»

- الثعالب: من مرّة وهم رماة. أرونى: مكان. وقال مرّة أخرى: الثعالب بنو ثعلبة. يقول: كانوا يرمون عنّي ويقومون بأمري - قال: فأمر الملك بقتله. فقال: إنك قد أجرتني فلا تغدرني. فقال: لا ضير! إن غدرت بك مرّة فقد غدرت بي مرارا. فأمر مالك بن الخمس التغلبيّ أن يقتله بأبيه. فقال: يا بن شرّ الأظماء أنت تقتلني! فقتله. وقال ابن الكلبيّ: لمّا قام ابن الخمس إلى الحارث ليقتله قال: من أنت؟ قال: ابن الخمس. قال: أنت ابن شرّ الأظماء. قال: وأنت ابن شرّ الأسماء؛ فقتله فقال رجل من ضريّ - وهم حيّ من جرهم - يرثي الحارث بن ظالم:

يا حار حنّيّاحرّا قطاميّا
ما كنت ترعيّافي البيت ضجعيّا
أدعى لباخيّامملّأ عيّا

وأخذ ابن الخمس سيف الحارث بن ظالم المعلوب، فأتى به سوق عكاظ في الحرم، فجعل يعرضه على البيع ويقول: هذا سيف الحارث بن ظالم. فاسترآه إيّاه قيس بن زهير بن جذيمة فأراه إيّاه، فعلاه به حتى قتله في الحرم. فقال قيس بن زهير يرثي الحارث بن ظالم:

ما قصرت من حاضن ستر بيتهاأبرّ وأوفى منك حار بن ظالم
أعزّ وأحمى عند جار وذمّةوأضرب في كاب من النّقع قاتم
للشاعر جرمانوس فرحات، من قصيدة «وما قصرت من حاضن ستر بيتها»

هذه رواية أبي عبيدة والبصريّين. وأمّا الكوفيون فإنهم يذكرون أنّ النّعمان بن المنذر هو الذي قتله. أخبرني بذلك عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أبو سعيد عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل قال: لمّا هرب الحارث إلى مكة أسف النّعمان بن المنذر على فوته إيّاه، فلطف له وراسله وأعطاه الأمان، وأشهد على نفسه وجوه العرب من ربيعة ومضر واليمن أنه لا يطلبه بذحل ولا يسوءه في حال، وأرسل به مع جماعة ليسكن الحارث إليهم، وأمرهم أن يتكفلوا له بالوفاء ويضمنوا له عنه أنه لا يهجيه، ففعلوا ذلك. وسكن إليه الحارث، فأتى النعمان وهو في قصر بني مقاتل، فقال للحاجب: استأذن لي، والناس يومئذ عند النعمان متوافرون، فاستأذن له، فقال النعمان: ائذن له وخذ سيفه. فقال له: ضع سيفك وادخل. فقال الحارث: ولم أضعه؟ قال: ضعه، فلا بأس عليك. فلمّا ألحّ عليه وضعه ودخل ومعه الأمان. فلمّا دخل قال: انعم صباحا أبيت اللّعن. قال: لا أنعم اللّه صباحك!. فقال الحارث: هذا كتابك!. قال النّعمان: كتابي واللّه ما أنكره، أنا كتبته لك، وقد غدرت وفتكت مرارا، فلا ضير أن غدرت بك مرّة. ثم نادى: من يقتل هذا؟ فقام ابن الخمس التغلبيّ - وكان الحارث فتك بأبيه - فقال: أنا أقتله. وذكر باقي الخبر في قصّته مع ابن الخمس مثل ما ذكره أبو عبيدة.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»