من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
مقتل زهير بن جذيمة العبسيّ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قتله خالد بن جعفر بن كلاب. قال أبو عبيدة قال أبو حيّة النّميريّ: كان بين انصراف حديث شأس وحديث قتل خالد بن جعفر زهير بن جذيمة ما بين العشرين سنة إلى الثلاثين سنة. قال أبو عبيدة: وهوازن بن منصور لا ترى زهير بن جذيمة إلّا ربّا. قال: وهوازن يومئذ لا خير فيها؛ ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد، فهم أذلّ من يد في رحم، وأنّما هم رعاء الشّاء في الجبال. قال: وكان زهير يعشرهم، وكان إذا كان أيّام عكاظ أتاها زهير ويأتيها النّاس من كل وجه، فتأتيه هوازن بالإتاوة التي كانت له في أعناقهم فيأتونه بالسّمن والأقط والغنم؛ وذلك بعد ما خلع ذلك من أبي الجنّاد أخي بني أسيّد بن عمرو بن تميم. ثم إذا تفرّق الناس عن عكاظ نزل زهير بالنفرات.
قال أبو عبيدة عن عبد الحميد وأبي حيّة النّميريّ قالا: فأتته عجوز رهيش من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن - وقال أبو حيّة: بل أتته عجوز من هوازن - بسمن في نحي، واعتذرت إليه وشكت السنين التي تتابعن على الناس. فذاقه فلم يرض طعمه، فدعّها بقوس في يده عطل في صدرها، فاستلقت لحلاوة القفا فبدت عورتها؛ فغضب من ذلك هوازن وحقدت عليه إلى ما كان في صدرها من الغيظ والدّمن وأوحرها من الحسك. قال: وقد أمرت عامر بن صعصعة يومئذ؛ فآلى خالد بن جعفر فقال: واللّه لأجعلنّ ذراعي وراء عنقه حتى أقتل أو يقتل. قال: وفي ذلك يقول خالد بن جعفر بن كلاب:
أديروني إدارتكم فإنّيوحذفة كالشّجا تحت الوريد
مقرّبة أسوّيها بجزءوألحفها ردائي في الجليد
وأوصي الرّاعيين ليؤثرهالها لبن الخليّة والصّعود
تراها في الغزاة وهنّ شعثكقلب العاج في الرّسغ الجديد
يبيت رباطها بالليل كفّيعلى عود الحشيش وغير عود
لعل اللّه يمكنني عليهاجهارا من زهير أو أسيد
فإمّا تثقفوني فاقتلونيفمن أثقف فليس إلى خلود
وقيس في المعارك غادرتهقناتي في فوارس كالأسود
ويربوع بن غيظ يوم ساقتركناهم كجارية وبيد
تركت بها نساء بني عصيمأرامل ما تحنّ إلى وليد
يلذن بحارث جزعا عليهيقلن لحارث لو لا تسود
ومنّي بالظّويلم قارعاتتبيد المخزيات ولا تبيد
وحكّت بركها ببني جحاشوقد أجروا إليها من بعيد
تركت ابني جذيمة في مكرّونصرا قد تركت لها شهودي
قال أبو عبيدة وحدّثني أبو سرّار الغنويّ قال: كان زهير رجلا عدوسا، فانتقل من قومه ببنيه وبني أخويه زنباع وأسيد بركبة يريغ الغيث في عشراوات له وشول. قال: وبنو عامر قريب منهم ولا يشعر بهم. قال عبد الحميد وأبو حيّة: بل بنو عامر بدمخ وزهير بالنفرات وبينهم ليلتان أو ثلاث. قال فقال أبو سرّار: فأتى الحارث بني عامر، واللّه ما تغيّر طعم اللّبن الذي زوّده الحارث بن عمرو بن الشّريد السّلميّ حتى أتى بني عامر فأخبرهم. قال أبو عبيدة أخبرني سليمان بن المزاحم المازنيّ عن أبيه قال: بل كانت بنو عامر بالجريثة وزهير بالنفرات، وكانت تماضر بنت عمرو بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف السّلميّ امرأة زهير بن جذيمة وهي أمّ ولده. فمرّ بها أخوها الحارث بن عمرو. فقال زهير لبنيه: إنّ هذا الحمار لطليعة عليكم فأوثقوه. فقالت أخته لبنيها: أيزوركم خالكم فتوثقوه وتحرموه! فخلّوه. فقالت تماضر لأخيها الحارث: إنه ليريبني اكبئنانك وقروبك، فلا يأخذنّ فيك ما قال زهير؛ فإنه رجل بيذارة غيذارة شنوءة. قال: ثم حلبوا له وطبا وأخذوا منه يمينا ألّا يخبر عنهم ولا ينذر بهم أحدا. قال أبو عبيدة: وزعم أبو حيّة النّميريّ أنه لمّا أتوه بقراهم أراهم أنه يشربه في الظّلمة وجعل يهوي به إلى جيبه فيصبّه بين سرباله وصدره أسفا وغيظا. قال: وكان الذي حلب له الوطب وقراه الحارث بن زهير، وبه سمّي. قال: فخرج يطير حتّى أتى عامرا عند ناديهم، فأتى حاذة أو شجرة غيرها فألقى الوطب تحتها والقوم ينظرون، ثم قال: أيتها الشجرة الذليلة أشربي من هذا اللبن فانظري ما طعمه. فقال أهل المجلس: هذا رجل مأخوذ عليه عهد وهو يخبركم خبرا. فأتوه فإذا هو الحارث بن عمرو، وذاقوا اللّبن فإذا هو حلو لم يقرص بعد، فقالوا: إنه ليخبرنا أنّ طلبنا قريب. فركب معه ستّة فوارس لينظروا ما الخبر، وهم خالد بن جعفر بن كلاب على حذفة، وحندج بن البكّاء، ومعاوية بن عبادة بن عقيل فارس الهرّار وهو الأخيل جدّ ليلى الأخيلية - قال: والأخيل هو معاوية، قال: وهو يومئذ غلام له ذؤابتان، وكان أصغر من ركب - وثلاثة فوارس من سائر بني عامر؛ فاقتصّوا أثر السير، حتى إذا رأوا إبل بني جذيمة نزلوا عن الخيل. فقالت النساء: إنا لنرى حرجة من عضاه أو غابة رماح بمكان لم نكن نرى به شيئا، ثم راحت الرّعاء فأخبروا بمثل ما للنساء. قال: وأخبرت راعية أسيد بن جذيمة أسيدا بمثل ذلك؛ فأتى أسيد أخاه زهيرا فأخبره بما أخبرته به الرّاعية وقال: إنما رأت خيل بني عامر ورماحها. فقال زهير: «كلّ أزبّ نفور» - فذهبت مثلا؛ وكان أسيد كثير الشّعر خناسيا - وأين بنو عامر! أمّا بنو كلاب فكالحيّة إن تركتها تركتك، وإن وطئتها عضّتك. وأمّا بنو كعب فإنهم يصيدون الّلأي (يريد الثور الوحشيّ). وأمّا بنو نمير فإنهم يرعون إبلهم في رؤوس الجبال. وأمّا بنو هلال فيبيعون العطر. قال: فتحمّل عامّة بني رواحة، وآلي زهير لا يبرح مكانه حتى يصبح. وتحمّل من كان معه غير ابنيه ورقاء والحارث.
قال: وكان لزهير ربيئة من الجنّ فحدّثه ببعض أمرهم حتى أصبح، وكانت له مظلّة دوج يربط فيها أفراسه لا تريمه حذرا من الحوادث. قال: فلمّا أصبح صهلت فرس منها حين أحسّت بالخيل وهي القعساء. فقال زهير: ما لها؟! فقال ربيئته: أحسّت الخيل فصهلت إليهن. فلم تؤذنهم بهم إلا والخيل دوائس محاضير بالقوم غديّة. فقال زهير وظنّ أنهم أهل اليمن: يا أسيد ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين تعمّي حديثهم منذ اللّيلة.
قال: وركب أسيد فمضى ناجيا. قال: ووثب زهير وكان شيخا نبيلا فتدثّر القعساء فرسه، وهو يومئذ شيخ قد بدن وهو يومئذ عقوق متّهم، واعرورى ورقاء والحارث ابناه فرسيهما، ثم خالفوا جهة ما لهم ليعمّوا على بني عامر مكان ما لهم فلا يأخذوه. فهتف هاتف من بني عامر: يا ليحامر - يريد يحامر وهو شعار لأهل اليمن - لأن يعمّي على الجذميّين من القوم. فقال زهير: هذه اليمن، قد علمت أنها أهل اليمن! وقال لابنه ورقاء: أنظر يا ورقاء ما ترى؟ قال ورقاء: أرى فارسا على شقراء يجهدها ويكدّها بالسّوط قد ألحّ عليها (يعني خالدا). فقال زهير: «شيئا مّا يريد السّوط إلى الشّقراء» فذهبت مثلا، وقال في المرة الثانية: «شيئا ما يطلب السّوط إلى الشقراء» وهي حذفة فرس خالد بن جعفر، والفارس خالد بن جعفر. قال: وكانت الشقراء من خيل غنيّ. قال: وتمرّدت القعساء بزهير؛ وجعل خالد يقول: لا نجوت إن نجا مجدّع (يعني زهيرا). فلمّا تمعّطت القعساء بزهير ولم تتعلّق بها حذفة، قال خالد لمعاوية الأخيل بن عبادة وكان على الهرّار (حصان أعوج): أدرك معاوي، فأدرك معاوية زهيرا، وجعل ابناه ورقاء والحارث يوطّشان عنه (أي عن أبيهما). قال فقال خالد: اطعن يا معاوية في نساها، فطعن في إحدى رجليها فانخذلت القعساء بعض الانخذال وهي في ذلك تمعّط. فقال زهير: اطعن الأخرى، يكيده بذلك لكي تستوي رجلاها فتحامل. فناداه خالد: يا معاوية أفدّ طعنتك (أي اطعن مكانا واحدا)، فشعشع الرّمح في رجلها فانخذلت. قال: ولحقه خالد على حذقة فجعل يده وراء عنق زهير، فاستخفّ به عن الفرس حتى قلبه، وخرّ خالد فوقع فوقه، ورفع المغفر عن رأس زهير وقال: يا لعامر اقتلونا معا! فعرفوا أنّهم بنو عامر. فقال ورقاء: وا انقطاع ظهراه! إنها لبنو عامر! سائر اليوم. وقال غيره: فقال بعض بني جذيمة: وا انقطاع ظهري!. قال: ولحق حندج بن البكّاء وقد حسر خالد المغفر عن رأس زهير فقال: نحّ رأسك يا أبا جزء، لم يحن يومك. قال: فنحّى خالد رأسه وضرب حندج رأس زهير، وضرب ورقاء بن زهير رأس خالد بالسيف وعليه درعان، وكان أسجر العينين، أزبّ أقمر، مثل الفالج، فلم يغن شيئا. قال: وأجهض ابنا زهير القوم عن زهير فانتزعاه مرتثّا. فقال خالد حين استنقذ زهيرا ابناه. والهفتاه! قد كنت أظنّ أن هذا المخرج سيسعكم! ولام حندجا. فقال حندج وكان لجلالته غصة إذا تكلم. السيف حديد، والساعد شديد، وقد ضربته ورجلاي متمكّنتان في الركابين وسمعت السيف قال قب حين وقع برأسه، ورأيت على ظبته مثل ثمر المرار، وذقته فكان حلوا. فقال خالد: قتلته بأبي أنت!. ونظر بنو زهير فإذا الضربة قد بلغت الدّماغ. ونهي بنو زهير أن يسقوا أباهم الماء، فاستسقاهم فمنعوه حتى نهك عطشا. قال: وذلك أنّ المأموم يخاف عليه الماء، حتى بلغ منه العطش، فجعل يهتف: أميّت أنا عطشا، وينادي: يا ورقاء - قال أبو حيّة: فجعل ينادي يا شأس - فلمّا رأوا ذلك سقوه فمات لثالثة، فقال ورقاء بن زهير:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالدفأقبلت أسعى كالعجول أبادر
إلى بطلين ينهضان كلاهمايريغان نصل السّيف والسيف نادر
فشلّت يميني إذ ضربت ابن جعفروأحرزه منّي الحديد المظاهر
قال أبو عبيدة: وسمعت أبا عمرو بن العلاء ينشد هذا البيت فيها:
وشلّت يميني يوم أضرب خالداوشلّ بناناها وشلّ الخناصر
قال أبو عبيدة: وأنشدني أبو سرّار أيضا فيها:
فيا ليتني من قبل أيّام خالدويوم زهير لم تلدني تماضر
تماضر بنت عمرو بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف السّلميّ امرأة زهير بن جذيمة. قال أبو عبيدة: أنشدني أبو سرّار فيها:
لعمري لقد بشّرت بي إذ ولدتنيفماذا الذي ردّت عليك البشائر
وقال خالد بن جعفر يمنّ على هوازن بقتله زهيرا ويصدق الحديث - قال أبو عبيدة أنشدنيه مالك بن عامر بن عبد اللّه بن بشر بن عامر ملاعب الأسنّة -:
بل كيف تكفرني هوازن بعد ماأعتقهم فتوالدوا أحرارا
وقتلت ربّهم زهيرا بعد ماجدع الأنوف وأكثر الأوتارا
وجعلت حزن بلادهم وجبالهمأرضا فضاء سهلة وعشارا
وجعلت مهر بناتهم ودمائهمعقل الملوك هجائنا أبكارا
قال أبو عبيدة: ألا ترى أنه ذكر في شعره أنّ زهيرا كان ربّهم وقد كان جدعهم، وأنه قتله من أجلهم لا من أجل غنيّ، وأن غنيّا ليسوا من ذلك في ذكر ولا لهم فيه معنى.
قال: وقال ورقاء بن زهير:
أمّا كلاب فإنّا نسالمهاحتى يسالم ذئب الثّلّة الرّاعي
بنو جذيمة حاموا حول سيّدهمإلّا أسيدا نجا إذ ثوب الداعي
قال: ثم نعى الفرزدق على بني عبس ضربة ورقاء خالدا، واعتذر بها إلى سليمان بن عبد الملك فقال:
إن يك سيف خان أو قدر أبىلتأخير نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا بهنبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهاوتقطع أحيانا مناط القلائد
ولو شئت قدّ السيف ما بين عنقهإلى علق تحت الشّراسيف جامد
قال: وكان ضلع بني عبس مع جرير، فقال الفرزدق فيهم هذه الأبيات. هذه رواية أبي عبيدة.
وأمّا الأصمعيّ فإنه ذكر، فيما رواه الأثرم عنه، قال حدّثني غير واحد من الأعراب أنّ سبب مقتل زهير العبسيّ أنّ ابنه شأس بن زهير وفد إلى بعض الملوك فرجع ومعه حباء قد حبي به، فمرّ بأبيات من بني عامر بن صعصعة وأبيات من بني غنيّ على ماء لبني عامر أو غيرهم - الشكّ من الأصمعيّ -. قال: فاغتسل، فناداه الغنويّ: استتر، فلم يحفل بما قال. فقال: استتر ويحك! البيوت بين يديك؛ فلم يحفل. فرماه الغنويّ رياح بن الأسكّ بسهم أو ضربه فقتله والحيّ خلوف، فاتّبعه أصحاب شأس وهم في عدّة، فركب الفلاة واتّبعوه فرهقوه، فقتل حصينا وأخاه حصينا، ثم نجا على وجهه حتى أدركه العطش، فلجأ إلى منزل عجوز من بني إنسان (وبنو إنسان حيّ من بني جشم). فقالت له العجوز: لا تبرح حتى يأتي بنيّ فيأسروك. قال الأصمعيّ: فأخبرني مخبران اختلفا؛ فقال أحدهما: إنه أخذ سكّينا فقطع عصبتي يديها، وقال الآخر: أخذ حجرا فشدخ به رأسها، ثم أنشأ يقول:
ولأنت أشجع من أسامة أومنّي غداة وقفت للخيل
إذ الحصين لدى الحصين كماعدل الرّجازة جانب الميل
وإذا أنهنهها لأفتلهاجاشت ليغلب قولها قولي
قال: فضرب للزمان ضربانه، فالتقى خالد بن جعفر بن كلاب وزهير بن جذيمة العبسيّ. فقال خالد لزهير: أما أن لك أن تشتفي وتكفّ؟ - قال الأصمعيّ: يعني مما قتل بشأس - قال: فأغلظ له زهير وحقّره. قال الأصمعيّ: وأخبرني طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيّب أنّ ذلك الكلام بينهما كان بعكاظ عند قريش. فلمّا حقّره زهير وسبّه قال خالد: عسى إن كان! يتهدّده ثم قال: اللّهمّ أمكن يدي هذه الشقراء القصيرة من عنق زهير بن جذيمة ثم أعنيّ عليه. فقال زهير: اللهم أمكن يدي هذه البيضاء الطويلة من عنق خالد ثم خلّ بيننا. فقالت قريش: هلكت واللّه يا زهير!. فقال: إنكم واللّه الذين لا علم لكم.
قال الأصمعيّ: ثم نرجع إلى حديث العبسيّين والعامريّين، وبعضه من حديث أبي عمرو بن العلاء. قال: فجاء أخو امرأة زهير - وكانت امرأته فاطمة بنت الشّريد السّلميّة، وهي أمّ قيس بن زهير، وكان زهير قد أساء إليهم في شي ء - فجاء أخوها إلى بني عامر فقال: هل لكم في زهير بن جذيمة ينتج إبله ليس معه أحد غير أخيه أسيد بن جذيمة وعبد راع لإبله! وجئتكم من عنده، وهذا لبن حلبوه لي. فذاقوه فإذا هو ليس بحازر، فعلموا أنّه قريب. فخرج حندج بن البكّاء وخالد بن جعفر ومعاوية بن عبادة بن عقيل، ليس على أحدهم درع غير خالد كانت عليه درع أعاره إيّاها عمرو بن يربوع الغنويّ، وكانت درع ابن الأجلح المراديّ كان قتله فأخذها منه. وكان يقال لها ذات الأزمّة. وإنما سميت بذلك لأنها كانت لها عرى تعلّق فضولها بها إذا أراد أن يشمّرها. قال: فطلعوا. فقال أسيد بن جذيمة - قال الأصمعيّ: وكان أسيد شيخا كبيرا، وكان كثير شعر الوجه والجسد - أتيت وربّ الكعبة. فقال زهير: «كلّ أزبّ نفور» فذهبت مثلا. فلم يشعر بهم زهير إلّا في سواد اللّيل، فركب فرسه ثم وجّهها، فلحقه قوم أحدهم حندج أو العقيليّ - واختلفوا فيهما - فطعن فخذ الفرس طعنة خفيفة، ثم أراد أن يطعن الرّجل الصحيحة، فناداه خالد: يا فلان لا تفعل فيستويا، أقبل على السقيمة. قال: فطعنها فانخذلت الفرس فأدركوه. فلما أدركوه رمى بنفسه، وعانقه خالد فقال: اقتلوني ومجدّعا!. فجاء حندج - وكان أعجم اللّسان - فقال لخالد وهو فوق زهير: نحّ رأسك يا أبا جزء، فنحّى رأسه، فضرب حندج زهيرا ضربة على دهش، ثم ركبوا وتركوه. قال فقال خالد: ويحك يا حندج ما صنعت؟ فقال: ساعدي شديد، وسيفي حديد، وضربته ضربة فقال السيف قب، وخرج عليه مثل ثمرة المرار، فطعمته فوجدته حلوا (يعني دماغه). قال: إن كنت صدقت فقد قتلته. قال: فجاء قوم زهير فاحتملوه ومنعوه الماء كراهة أن يبتلّ دماغه فيموت. فقال: يا آل غطفان أأموت عطشا! فسقي فمات، وذلك بعد أيّام. ففي ذلك يقول ورقاء بن زهير وكان قد ضرب خالدا ضربة فلم يصنع شيئا، فقال:
رأيت زهيرا تحت كلحكل خالدفأقبلت أسعى كالعجول أبادر
إلى بطلين ينهضان كلاهمايريدان نصل السّيف والسيف نادر
قال الأصمعيّ: فضرب الدهر من ضربانه إلى أن التقى خالد بن جعفر والحارث بن ظالم.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع