من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب زهير وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو زهير بن أبي سلمى. واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح بن قرّة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن ثور بن هرمة بن الأصمّ بن عثمان بن عمرو بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار. ومزينة أمّ عمرو بن أدّ هي بنت كلب بن وبرة.
وهو أحد الثلاثة المقدّمين على سائر الشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه. فأمّا الثلاثة فلا اختلاف فيهم، وهم امرؤ القيس وزهير والنّابغة الذّبيانيّ.
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلّام عن أبي قيس عن عكرمة بن جرير عن أبيه قال: شاعر أهل الجاهليّة زهير.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا هارون بن عمر قال حدّثنا أيّوب بن سويد قال حدّثنا يحيى بن يزيد عن عمر بن عبد اللّه اللّيثيّ عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب ليلة مسيره إلى الجابية: أين ابن عبّاس؟ فأتيته؛ فشكا تخلّف عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه. فقلت: أولم يعتذر إليك؟ قال بلى، قلت: فهو ما اعتذر به. ثم قال: أوّل من ريّثكم عن هذا الأمر أبو بكر. إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوّة - ثم ذكر قصّة طويلة ليست من هذا الباب فتركتها أنا - ثم قال: هل تروي لشاعر الشعراء؟ قلت: ومن هو؟ قال: الذي يقول:
ولو أنّ حمدا يخلد الناس أخلدواولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد
قلت: ذاك زهير. قال: فذاك شاعر الشعراء. قلت: وبم كان شاعر الشعراء؟ قال: لأنه كان لا يعاظل في الكلام وكان يتجنّب وحشيّ الشعر، ولم يمدح أحدا إلّا بما فيه. قال الأصمعيّ: يعاظل بين الكلام: يداخل فيه. ويقال: يتّبع حوشيّ الكلام، ووحشيّ الكلام، والمعنى واحد.
أخبرنا أبو خليفة قال قال ابن سلّام وأخبرني عمر بن موسى الجمحيّ عن أخيه قدامة بن موسى - وكان من أهل العلم -: أنه كان يقدّم زهيرا. قلت: فأيّ شيء كان أعجب إليه؟ قال: الذي يقول فيه:
قد جعل المبتغون الخير من هرموالسائلون إلى أبوابه طرقا
قال ابن سلّام وأخبرني أبو قيس العنبريّ - ولم أر بدويّا يفي به - عن عكرمة بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت من أشعر الناس؟ قال: أعن الجاهلية تسألني أم عن الإسلام؟ قلت: ما أردت إلّا الإسلام. فإذا ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها. قال: زهير أشعر أهلها. قلت: فالإسلام؟ قال: الفرزدق نبعة الشعر. قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد مدح الملوك ويصيب وصف الخمر. قلت فما تركت لنفسك؟ قال: نحرت الشعر نحرا.
أخبرني الحسن بن عليّ قال أخبرنا الحارث بن محمد عن المدائنيّ عن عيسى بن يزيد قال: سأل معاوية الأحنف بن قيس عن أشعر الشعراء، فقال: زهير. قال: وكيف؟ قال: ألقى عن المادحين فضول الكلام. قال: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله:
فما يك من خير أتوه فإنّماتوارثه آباء آبائهم قبل
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عبد اللّه بن عمرو القيسيّ قال حدّثنا خارجة بن عبد اللّه بن سليمان عن زيد بن ثابت عن عبد اللّه بن أبي سفيان عن أبيه عن ابن عبّاس، قال: وحدّثنيه غيره وهو أتمّ من حديثه، قال قال ابن عبّاس: خرجت مع عمر في أوّل غزاة غزاها. فقال لي ذات ليلة: يا بن عبّاس أنشدني لشاعر الشعراء. قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: ابن أبي سلمى. قلت: وبم صار كذلك؟ قال: لأنه لا يتّبع حوشي الكلام، ولا يعاظل من المنطق، ولا يقول إلّا ما يعرف، ولا يمتدح الرجل إلّا بما يكون فيه. أليس الذي يقول:
إذا ابتدرت قيس بن عيلان غايةمن المجد من يسبق إليها يسوّد
سبقت إليها كلّ طلق مبرّزسبوق إلى الغايات غير مزنّد
كفعل جواد يسبق الخيل عفوه السّراع وإن يجهد ويجهدن يبعد
ولو كان حمد يخلد الناس لم تمتولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد
أنشدني له، فأنشدته حتى برق الفجر. فقال: حسبك الآن، إقرأ القرآن. قلت: وما أقرأ؟ قال: اقرأ الواقعة، فقرأتها ونزل فأذّن وصلّى.
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال حدّثني أبي قال حدّثنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا أبو عبيدة عن عيسى بن يزيد بن بكر قال قال ابن عبّاس: خرجت مع عمر، ثم ذكر الحديث نحو هذا.
وجدت في بعض الكتب عن عبد اللّه بن شبيب عن الزّبير بن بكّار عن حميد بن محمد بن عبد العزيز الزّهريّ عن أخيه إبراهيم بن محمد يرفعه: أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نظر إلى زهير بن أبي سلمى وله مائة سنة فقال: «اللهم أعذني من شيطانه» فما لاك بيتا حتى مات.
كان من حديث زهير وأهل بيته أنهم كانوا من مزينة، وكان بنو عبد اللّه بن غطفان جيرانهم، وقدما ولدتهم بنو مرّة. وكان من أمر أبي سلمى أنه خرج وخاله أسعد بن العدير بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض وابنه كعب بن أسعد في ناس من بني مرّة يغيرون على طيء، فأصابوا نعما كثيرة وأموالا فرجعوا حتى انتهوا إلى أرضهم. فقال أبو سلمى لخاله أسعد وابن خاله كعب: أفردا لي سهمي، فأبيا عليه ومنعاه حقّه، فكفّ عنهما؛ حتى إذا كان الليل أتى أمّه فقال: والذي أحلف به لتقومنّ إلى بعير من هذه الإبل فلتقعدنّ عليه أو لأضربنّ بسيفي تحت قرطيك. فقامت أمّه إلى بعير منها فاعتنقت سنامه، وساق بها أبو سلمى وهو يرتجز ويقول:
ويل لأجمال العجوز منّيإذا دنوت ودنون منّي
كأنّني سمعمع من جنّ
- سمعمع: لطيف الجسم قليل اللحم - وساق الإبل وأمّه حتى انتهى إلى قومه مزينة.
فذلك حيث يقول:
ولتغدون إبل مجنّبةمن عند أسعد وابنه كعب
- مجنّبة: مجنوبة -
الآكلين صريح قومهماأكل الحبارى برعم الرّطب
البرعم: شجرة ولها نور - قال: فلبث فيهم حينا، ثم أقبل بمزينة مغيرا على بني ذبيان. حتى إذا مزينة أسهلت وخلّفت بلادها ونظروا إلى أرض غطفان، تطايروا عنه راجعين، وتركوه وحده. فذلك حيث يقول:
من يشتري فرسا لخير غزوهاوأبت عشيرة ربّها أن تسهلا
يعني أن تنزل السّهل. قال: وأقبل حين رأى ذلك من مزينة حتى دخل في أخواله بني مرّة. فلم يزل هو وولده في بني عبد اللّه بن غطفان إلى اليوم.
أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدرللحرب دائرة على ابني ضمضم
ويمدح بها هرم بن سنان والحارث بن عوف بن سعد بن ذبيان المرّيّين لأنهما احتملا ديته في مالهما؛ وذلك قول زهير:
سعى ساعيا غيظ بن مرّة بعدماتبزّل ما بين العشيرة بالدّم
يعني بني غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان.
قال الأثرم أبو الحسن حدّثني أبو عبيدة قال: كان ورد بن حابس العبسيّ قتل هرم بن ضمضم المرّيّ، فتشاجر عبس وذبيان قبل الصلح، وحلف حصين بن ضمضم ألّا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلا من بني عبس ثم من بني غالب، ولم يطلع على ذلك أحدا، وقد حمل الحمالة الحارث بن عوف بن أبي حارثة، وقيل بل أخوه حارثة بن سنان.
فأقبل رجل من بني عبس ثم أحد بني مخزوم، حتى نزل بحصين بن ضمضم. فقال له حصين: من أنت أيّها الرجل؟ قال: عبسيّ. قال: من أيّ عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى بني غالب، فقتله حصين. وبلغ ذلك الحارث بن عوف وهرم بن سنان فاشتدّ عليهما، وبلغ بني عبس فركبوا نحو الحارث. فلمّا بلغه ركوبهم إليه وما قد اشتدّ عليهم من قتل صاحبهم وأنّهم يريدون قتل الحارث، بعث إليهم بمائة من الإبل معها ابنه، وقال للرسول: قل لهم: الإبل أحبّ إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ذلك. فقال لهم الرّبيع بن زياد: يا قوم إنّ أخاكم قد أرسل إليكم: «الإبل أحبّ إليكم أم ابني تقتلونه مكان قتيلكم». فقالوا نأخذ الإبل ونصالح قومنا، ونتمّ الصّلح. فذلك حين يقول زهير يمدح الحارث وهرما:
أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم
وهي أوّل قصيدة مدح بها هرما، ثم تابع ذلك بعد.
وقد أخبرني الحسن بن عليّ بهذه القصة، وروايته أتمّ من هذه، قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا محمد بن إسحاق المسيّبيّ قال حدّثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: قال الحارث بن عوف بن أبي حارثة: أتراني أخطب إلى أحد فيردّني؟ قال نعم. قال: ومن ذاك؟ قال: أوس بن حارثة بن لأم الطّائيّ. فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، ففعل. فركبا حتى أتيا أوس بن حارثة في بلاده فوجداه في منزله. فلمّا رأى الحارث بن عوف قال: مرحبا بك يا حار. قال: وبك. قال: ما جاء بك يا حار؟
قال: جئتك خاطبا. قال: لست هناك. فانصرف ولم يكلّمه. ودخل أوس على امرأته مغضبا وكانت من عبس فقالت: من رجل وقف عليك فلم يطل ولم تكلّمه؟ قال: ذاك سيّد العرب الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّيّ. قالت: فما لك لم تستنزله؟ قال: إنه استحمق. قالت: وكيف؟ قال: جاءني خاطبا. قالت: أفتريد أن تزوّج بناتك؟ قال نعم. قالت: فإذا لم تزوّج سيّد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك. قالت: فتدارك ما كان منك. قال بماذا؟ قالت: تلحقه فتردّه. قال: وكيف وقد فرط منّي ما فرط إليه؟ قالت تقول له: إنك لقيتني مغضبا بأمر لم تقدّم فيه قولا، فلم يكن عندي فيه من الجواب إلا ما سمعت، فانصرف ولك عندي كلّ ما أحببت فإنه سيفعل. فركب في أثرهما. قال خارجة بن سنان: فو اللّه إني لأسير إذ حانت منّي التفاتة فرأيته، فأقبلت على الحارث وما يكلّمني غمّا فقلت له: هذا أوس بن حارثة في أثرنا. قال: وما نصنع به! امض! فلمّا رآنا لا نقف عليه صاح: يا حار اربع عليّ ساعة. فوقفنا له فكلّمه بذلك الكلام فرجع مسرورا. فبلغني أن أوسا لمّا دخل منزله قال لزوجته أدعي لي فلانة (لأكبر بناته) فأتته، فقال: يا بنية، هذا الحارث بن عوف سيّد من سادات العرب، قد جاءني طالبا خاطبا، وقد أردت أن أزوّجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأني امرأة في وجهي ردّة، وفي خلقي بعض العهدة، ولست بابنة عمّه فيرعى رحمي، وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى منّي ما يكره فيطلّقني فيكون عليّ في ذلك ما فيه. قال: قومي بارك اللّه عليك.
ادعي لي فلانة (لابنته الوسطى)؛ فدعتها، ثم قال لها مثل قوله لأختها؛ فأجابته بمثل جوابها وقالت: إني خرقاء وليست بيدي صناعة، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلّقني فيكون عليّ في ذلك ما تعلم، وليس بابن عمّي فيرعى حقّي، ولا جارك في بلدك فيستحييك. قال: قومي بارك اللّه عليك. أدعي لي بهيسة (يعني الصغرى)، فأتي بها فقال لها كما قال لهما. فقالت: أنت وذاك. فقال لها: إني قد عرضت ذلك على أختيك فأبتاه. فقالت - ولم يذكر لها مقالتيهما - لكنّي واللّه الجميلة وجها، الصّناع يدا، الرفيعة خلقا، الحسيبة أبا، فإن طلّقني فلا أخلف اللّه عليه بخير.
فقال: بارك اللّه عليك. ثم خرج إلينا فقال: قد زوّجتك يا حارث بهيسة بنت أوس. قال: قد قبلت. فأمر أمّها أن تهيّئها وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له، وأنزله إيّاه. فلمّا هيّئت بعث بها إليه. فلمّا أدخلت إليه لبث هنيهة ثم خرج إليّ. فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا واللّه. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لمّا مددت يدي إليها قالت: مه! أعند أبي وإخوتي!! هذا واللّه ما لا يكون. قال: فأمر بالرّحلة فارتحلنا ورحلنا بها معنا، فسرنا ما شاء اللّه. ثم قال لي: تقدّم فتقدمت، وعدل بها عن الطريق، فما لبث أن لحق بي. فقلت: أفرغت؟ قال لا واللّه. قلت: ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة أو السبيّة الأخيذة! لا واللّه حتى تنحر الجزر، وتذبح الغنم وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل لمثلي. قلت: واللّه إني لأرى همّة وعقلا، وأرجو أن تكون المرأة منجبة إن شاء اللّه. فرحلنا حتى جئنا بلادنا، فأحضر الإبل والغنم، ثم دخل عليها وخرج إليّ. فقلت: أفرغت؟ قال لا. قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها أريدها، وقلت لها قد أحضرنا من المال ما قد ترين، فقالت: واللّه لقد ذكرت لي من الشرف ما لا أراه فيك.
قلت: وكيف؟ قالت: أتفرغ لنكاح النّساء والعرب تقتل بعضها! (وذلك في أيام حرب عبس وذبيان). قلت: فيكون ماذا؟ قالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك. فقلت: واللّه إني لأرى همّة وعقلا، ولقد قالت قولا. قال: فاخرج بنا. فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا فيما بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحتسبوا القتلى؛ فيؤخذ الفضل ممن هو عليه، فحملنا عنهم الدّيات، فكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين، فانصرفنا بأجمل الذّكر. قال محمد بن عبد العزيز: فمدحوا بذلك، وقال فيه زهير بن أبي سلمى قصيدته:
أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم
فذكرهما فيها فقال:
تداركتما عبسا وذبيان بعد ماتفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم
فأصبح يجري فيهم من تلادكممغانم شتّى من إفال المرنّم
ينجّمها قوم لقوم غرامةولم يهريقوا بينهم ملء محجم
وذكر قيامهم في ذلك فقال:
«صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»
وهي قصيدة يقول فيها:
تداركتما الأحلاف قد ثلّ عرشهاوذبيان قد زلّت بأقدامها النّعل
وهذه لهم شرف إلى الآن، ورجع فدخل بها، فولدت له بنين وبنات.
ومما مدح به هرما وأباه وإخوته وغنّي فيه قوله:
صوت
إنّ الخليط أجدّ البين فانفرقاوعلق القلب من أسماء ما علقا
وأخلفتك ابنة البكريّ ما وعدتفأصبح الحبل منها واهنا خلقا
قامت تبدّى بذي ضال لتحزننيولا محالة أن يشتاق من عشقا
بجيد مغزلة أدماء خاذلةمن الظباء تراعي شادنا خرقا
انفرق: انفعل، من الفرقة. وأجدّ وجدّ بمعنى واحد، من الجدّ خلاف اللعب. والواهن والواهي واحد.
والحبل: السّبب في المودّة. والضّال: السّدر الصّغار، واحدتها ضالة. والجيد: العنق. والمغزلة: الظبية التي لها غزال. والأدماء: البيضاء. والخاذلة: المقيمة على ولدها ولا تتبع الظباء. والشّادن: الذي قد شدن أي تحرّك ولم يقو بعد. والخرق: الدّهش.
جامع بالبنصر. وفي الثالث والرابع لابن المكّيّ رمل صحيح من روايتي بذل والهشاميّ.
وفي هذه القصيدة يقول يمدح هرما:
قد جعل المبتغون الخير من هرموالسائلون إلى أبوابه طرقا
من يلق يوما على علّاته هرمايلق السماحة منه والنّدى خلقا
ليث بعثر يصطاد اللّيوث إذاما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطّعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
ومن مدائحه إيّاهم قوله يمدح أبا هرم سنان بن أبي حارثة. وذكر ابن الكلبيّ أنه هوي امرأة فاستهيم بها؛ وتفاقم به ذلك حتى فقد فلم يعرف له خبر. فتزعم بنو مرّة أنّ الجنّ استطارته فأدخلته بلادها، واستعجلته لكرمه. وذكر أبو عبيدة أنّه قد كان هرم حتى بلغ مائة وخمسين سنة؛ فهام على وجهه خرقا ففقد. قال: فزعم لي شيخ من علماء بني مرّة أنه خرج لحاجته بالليل فأبعد، فلمّا رجع ضلّ فهام طول ليلته حتى سقط فمات، وتبع قومه أثره فوجدوه ميّتا فرثاه زهير بقوله:
إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلهاما تبتغي غطفان يوم أضلّت
إنّ الرّكاب لتبتغي ذا مرّةبجنوب نجد إذا الشهور أحلّت
ينعين خير الناس عند شديدةعظمت مصيبته هناك وجلّت
ومدفّع ذاق الهوان ملعّنراخيت عقدة حبله فانحلّت
ولنعم حشو الدّرع كان إذا سطانهلت من العلق الرّماح وعلّت
أشعار له غنّى فيها: والذي فيه غناء من مدائح زهير قوله:
صوت
أمن أمّ سلمى عرفت الطّلولابذي حرض ما ثلاث مثولا
بلين وتحسب آياتهنعلى فرط حولين رقّا محيلا
الماثل هاهنا: اللاطىء بالأرض، وفي موضع آخر: المنتصب القائم. وذو حرض: موضع. والحرض: الأشنان. وآياتهنّ: علاماتهنّ. وفرط حولين: تقدّم حولين، والفارط: المتقدّم.
غنّى في هذين البيتين إسحاق، وله فيهما لحنان: أحدهما ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، من كتابه. والآخر ما خوريّ من مجموع غنائه، وروايته عن الهشاميّ. وفيهما للزّبير بن دحمان خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو. يقول فيها:
إليك سنان الغداة الرّحيل أعصي النّهاة وأمضي الفؤولا
جمع فأل، أي لا أتطيّر.
فلا تأمني غزو أفراسهبني وائل واحذريه جديلا
وكيف اتقاء امرىء لا يؤوب بالقوم في الغزو حتى يطيلا
ومن الغناء في مدائح هرم قوله:
صوت
قف بالدّيار التي لم يعفها القدمبلى وغيّرها الأرواح والدّيم
كأنّ عيني وقد سال السّليل بهموعبرة ما هم لو أنّهم أمم
غرب على بكرة أو لؤلؤ قلقفي السّلك خان به ربّاته النّظم
الدّيم: جمع ديمة وهو المطر الذي يدوم يوما أو يومين مع سكون. سال السّليل بهم: أي ساروا فيه سيرا سريعا. والسّليل: واد. وقوله وعبرة ما هم أي هم عبرة، وما هاهنا صلة. لو أنهم أمم أي قصد كنت أزوهم. والأمم: بين القريب والبعيد. والقلق: الذي لم يستقرّ لما انقطع الخيط. والنّظم: جمع واحدها نظام، شبّه دموعه بلؤلؤ انقطع سلكه، وبماء سال من الغرب.
الغناء في هذه الأبيات رمل لابن المكيّ بالوسطى عن عمرو. وذكر عمرو أن لإسحاق فيها لحنا أيضا.
وذكر يونس أن فيها لحنا لمالك.
صوت
لمن الدّيار بقنّة الحجرأقوين مذحجج ومذدهر
لعب الرّياح بها وغيّرهابعدي سوافي الرّيح والقطر
دع ذا وعدّ القول في هرمخير الكهول وسيّد الحضر
لو كنت من شيء سوى بشركنت المنوّر ليلة البدر
القنّة: الجبل الذي ليس بمنتشر. أقوين: خلون. والسّوافي: ما تسفي الرياح. قال: والقطر مخفوضة بنسقه على الرّيح، والقطر لا سوافي له. وهذا تفعله العرب في المجاورة، وهو مثل قولهم: حجر ضبّ خرب.
غنّى في هذه الأبيات سائب خائر من رواية حمّاد عن أبيه، ولم يجنّسه. وفيه ثقيل أوّل بالبنصر نسبه عمرو بن بانة إلى معبد، ونسبه غيره إلى سائب، وإلى الأوسيّة مما ذكر حبش. قال: وهي من قيان الحجاز القدائم مولاة للأوس.
ومنها قوله يمدح سنان بن أبي حارثة:
صوت
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلووأقفر من سلمى التّعانيق فالثّقل
وقد كنت من سلمى سنين ثمانياعلى صير أمر ما يمرّ وما يحلو
وكنت إذا ما جئت يوما لحاجةمضت وأجمّت حاجة الغد ما تخلو
وكلّ محبّ أحدث النأي عندهسلوّ فؤاد غير حبّك ما يسلو
تأوّبني ذكر الأحبّة بعد ماهجعت ودوني قلّة الحزن فالرّمل
فأقسمت جهدا بالمنازل من منىوما سحفت فيه المقاديم والقمل
لأرتحلن بالفجر ثم لأدأبنإلى الليل إلّا أن يعرّجني طفل
وهل ينبت الخطّيّ إلّا وشيجهوتغرس إلّا منابتها النّخل
التّعانيق والثّقل: موضعان. ويروى: فالنّخل. وقوله على صير أمر: أي على شرف أمر. وأجمّت: دنت. وتأوّبني: أتاني ليلا. والتأويب: سير يوم إلى الليل. سحفت: حلقت، يقال سحف رأسه وسبته وجلطه: حلقه. وقوله «يعرّجني طفل» قال يقال الطّفل: الليل، ويقال الطّفل: مغيب الشمس، وقال أبو عبيدة: الطفل: الحزن، وإيقاده نار التّحيير. والخطّيّ: رماح نسبها إلى الخطّ وهي من جزيرة بالبحرين ترفأ إليها سفن الرماح. والوشيج: القنا واحدها وشيجة. والوشوج: دخول الشيء بعضه في بعض.
غنّى إبراهيم الموصليّ في الأوّل والثاني ثقيلا أوّل بالبنصر من رواية الهشاميّ وعمرو. وغنّى إبراهيم أيضا في السادس والسابع والثامن خفيف ثقيل. وفي الثالث لمعبد خفيف ثقيل. ولعلّويه في السابع والثامن خفيف رمل. وذكر حبش أن لإبراهيم في الثامن لحنا ماخوريّا.
ومن الغناء في مدائحه هرما قوله:
صوت
لمن طلل برامة لا يريمعفا وأحاله عهد قديم
تطالعني خيالات لسلمىكما يتطالع الدّين الغريم
غنّاه دحمان ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. وعفا: درس ها هنا، وفي موضع آخر: كثر، وهو من الأضداد.
وخيالات: جمع خيال.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة، وقال المهلّبيّ في خبر له عن الأصمعيّ قال: أنشد عمر بن الخطاب قول زهير في هرم بن سنان يمدحه:
دع ذا وعدّ القول في هرمخير الكهول وسيّد الحضر
لو كنت من شيء سوى بشركنت المنوّر ليلة البدر
ولأنت أوصل منح سمعت بهلشوابك الأرحام والصّهر
ولنعم حشو الدّرع أنت إذادعيت نزال ولجّ في الذّعر
وأراك تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
أثني عليك بما علمت وماأسلفت في النّجدات من ذكر
والسّتر دون الفاحشات ولايلقاك دون الخير من ستر
فقال عمر: ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
قال وقال عمر لبعض ولد هرم: أنشدني بعض مدح زهير أباك، فأنشده. فقال عمر: إن كان ليحسن فيكم القول. قال: ونحن واللّه إن كنّا لنحسن له العطاء. فقال: قد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.
قال: وبلغني أنّ هرما كان قد حلف ألّا يمدحه زهير إلّا أعطاه، ولا يسأله إلّا أعطاه، ولا يسلّم عليه إلّا أعطاه: عبدا أو وليدة أو فرسا. فآستحيا زهير مما كان يقبل منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحا غير هرم، وخيركم استثنيت. وروى المهلّبيّ: وخيركم تركت.
أخبرني الجوهريّ والمهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّه قال: قال عمر لابن زهير: ما فعلت الحلل التي كساها هرم أباك؟ قال: أبلاها الدهر. قال: لكنّ الحلل التي كساها أبوك هرما لم يبلها الدهر. وقد ذكر الهيثم بن عديّ أن عائشة خاطبت بهذه المقالة بعض بنات زهير.
وقال أبو زيد عمر بن شبّة: ومما سبق فيه زهير في مدح هرم ولم يسبقه إليه أحد قوله:
قد جعل المبتغون الخير من هرموالسائلون إلى أبوابه طرقا
من يلق يوما على علّاته هرمايلق السّماحة منه والنّدى خلقا
يطلب شأو امر أين قدّما حسبابذّا الملوك وبذّا هذه السّوقا
هو الجواد فإن يلحق بشأوهماعلى تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهلفمثل ما قدّما من صالح سبقا
أخبرني الجوهريّ والمهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال قال المدائنيّ: قال عبد الملك بن مروان: ما يضرّ من مدح بما مدح به زهير آل أبي حارثة من قوله:
على مكثريهم رزق من يعتريهموعند المقلّين السّماحة والبذل
ألّا يملك أمور الناس (يعني الخلافة). قال ثم قال: ما ترك منهم زهير غنيّا ولا فقيرا إلّا وصفه ومدحه.
وقال ابن الأعرابيّ قال أبو زياد الكلابيّ: أنشد عثمان بن عفّان قول زهير:
ومنهما تكن عند امرىء من خليقةوإن خالها تخفى على النّاس تعلم
فقال: أحسن زهير وصدق، لو أنّ رجلا دخل بيتا في جوف بيت لتحدّث به الناس. قال وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم: «لا تعمل عملا تكره أن يتحدّث عنك به».
أنّ عروة بن الزّبير لحق بعبد الملك بن مروان بعد قتل أخيه عبد اللّه بن الزّبير. فكان إذا دخل إليه منفردا أكرمه، وإذا دخل عليه وعنده أهل الشام استخفّ به. فقال له يوما: يا أمير المؤمنين، بئس المزور أنت؛ تكرم ضيفك في الخلا، وتهينه في الملا، وقال: للّه درّ زهير حيث يقول:
فقرّي في بلادك إنّ قومامتى يدعوا بلادهم يهونوا
ثم استأذنه في الرّجوع إلى المدينة، فقضى حوائجه وأذن له. وهذا البيت من قصيدة لزهير قالها في بني تميم، وقد بلغه أنها حشدت لغزو غطفان؛ أوّلها:
ألا أبلغ لديك بني تميموقد يأتيك بالخبر الظّنون
الظّنون: الذي لست منه على ثقة. والظنين: المتّهم.
كان الحارث بن ورقاء الصّيداوي من بني أسد أغار على بني عبد اللّه بن غطفان فغنم فاستاق إبل زهير وراعيه يسارا. فقال زهير: بان
الخليط ولم يأووا لمن تركواوزوّدوك اشتياقا أيّة سلكوا
وهي طويلة يقول فيها:
لئن حللت بجوّ في بني أسدفي دين عمرو وحالت بيننا فدك
ليأتينّك مني منطق قذعباق كما دنّس القبطيّة الودك
فاردد يسارا ولا تعنف عليه ولاتمعك بعرضك إنّ الغادر المعك
ولا تكونن كأقوام علمتهميلوون ما عندهم حتى إذا نهكوا
طابت نفوسهم عن حقّ خصمهممخافة الشّرّ وارتدّوا لما تركوا
وفي هذه القصيدة مما يغنّى فيه:
صوت
أهوى لها أسفع الخدّين مطّرقريش القوادم لم ينصب له شرك
وقد أكون أمام الحيّ تحملنيجرداء لا فحج فيها ولا صكك
أهوى لها - يعني القطاة تقدّم وصفه إيّاها - صقر. ورواه الأصمعيّ: «هوى لها» وقال: هوى: انقضّ، وأهوى: أوفى. ومطّرق: ريشه بعضه على بعض ليس بمنتشر، وهو أعتق له. وقوله لم ينصب له شرك: أي لم يصطد ولم يذلّل. والقوادم: العشر المتقدّمات. والفحج: تباعد ما بين الفخذين. والصّكك: اصطكاك العرقوبين في الدوابّ، وفي الناس الركبتين. قال: فلمّا أنشد الحارث هذا الشعر بعث بالغلام إلى زهير. وقيل: بل أنشد قول زهير:
تعلّم أنّ شرّ النّاس حيّينادى في شعارهم يسار
ولو لا عسبه لرددتموهوشرّ منيحة أير معار
إذا جمحت نساؤكم إليهأشظّ كأنّه مسد مغار
يبربر حين يعدو من بعيدإليها وهو قبقاب قطار
فردّه عليه. فلامه قومه وقالوا له: اقتله ولا ترسل به إليه، فأبى عليهم. فقال زهير عند ذلك:
أبلغ لديك بني الصّيداء كلّهمأنّ يسارا أتانا غير مغلول
ولا مهان ولكن عند ذي كرموفي حبال وفيّ العهد مأمول
وهي قصيدة. فقال الحارث لقومه: أيّما أصلح: ما فعلت أو ما أردتم؟ قالوا: بل ما فعلت.
أنّ زهيرا وأباه وولده كانوا في بني عبد اللّه بن غطفان، ومنزلهم اليوم بالحاجر، وكانوا فيه في الجاهلية.
وكان أبو سلمى تزوّج إلى رجل من بني فهر بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان يقال له الغدير - والغدير هو أبو بشامة الشاعر - فولدت له زهيرا وأوسا، وولد لزهير من امرأة من بني سحيم. وكان زهير يذكر في شعره بني مرّة وغطفان ويمدحهم. وكان زهير في الجاهلية سيّدا كثير المال حليما معروفا بالورع.
أنه بلغه أنّ زهيرا هجا آل بيت من كلب من بني عليم بن جناب، وكان بلغه عنهم شيء من وراء وراء، وكان رجل من بني عبد اللّه بن غطفان أتى بني عليم، وأكرموه لمّا نزل بهم وأحسنوا جواره، وكان رجلا مولعا بالقمار فنهوه عنه، فأبى إلّا المقامرة. قمر مرة فردّوا عليه، ثم قمر أخرى فردّوا عليه، ثم قمر الثالثة فلم يردّوا عليه، فترحّل عنهم وشكا ما صنع به إلى زهير، والعرب حينئذ يتّقون الشعراء اتقاء شديدا. فقال: ما خرجت في ليلة ظلماء إلّا خفت أن يصيبني اللّه بعقوبة لهجائي قوما ظلمتهم. قال: والذي هجاهم به قوله:
عفا من آل فاطمة الجواءفيمن فالقوام فالحساء
فذو هاش فميث عريتناتعفتها الرّيح بعدك والسماء
جرت سنحا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللّقاء
كأنّ أو ابد الثّيران فيهاهجائن في مغابنها الطّلاء
لقد طالبتها ولكلّ شيءوإن طالت لجاجته انتهاء
وقد أغدو على شرب كرامنشاوى واجدين لما نشاء
لهم طاس وراووق ومسكتعلّ به جلودهم وماء
الجواء: أرض. ويمن والقوادم: في بلاد غطفان. والميث: جمع ميثاء. قال أبو عمرو: إذا كان مسيل الماء مثل نصف الوادي أو ثلثيه فهي ميثاء. والسماء ها هنا: المطر. والسّانح: ما أقبل من شمالك يريد يمينك. والبارح: ضدّه. وقال أبو عبيدة: سمعت يونس بن حبيب يسأل رؤبة عن السانح والبارح فقال: السانح: ما ولّاك ميامنه. والبارح: ما ولّاك مشائمه. وأجيزي: انفذي. قال الأصمعيّ: يقال أجزت الوادي إذ قطعته وخلّفته، وجزته: إذا سرت فيه فتجاوزته. والأوابد: الوحشية. والهجائن: إبل بيض. والمغابن: الأرفاغ، واحدها مغبن.
ومشمولة: سريعة الانكشاف. أخذه من الريح الشّمال إذا كانت مع السحاب لم يلبث أن يذهب. وجعل مشمولة ها هنا في النوى لأن نيّتهم كانت سريعة، فأحرى ذلك مجرى الذّمّ، فهذه السّنح.
غنّى في الأوّل والثاني والسابع معبد ثقيلا أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وذكر عليّ بن يحيى أنّ للغريض فيها خفيف ثقيل. وذكر حبش أن فيه للهذليّ ثاني ثقيل بالوسطى. وفي الثالث والرابع مع بيت ليس لزهير أضيف إلى الشعر وهو:
بنفسي من تذكّره سقامأعالجه ومطلبه عناء
في هذه الأبيات الثلاثة خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها، ذكر إسحاق أنه للغريض، وغيره ينسبه إلى ابن سريج وإلى ابن عائشة. وفي الرابع والخامس لعلّويه رمل لا يشكّ فيه من عنائه.
وقال ابن الأعرابيّ حدّثني أبو زياد، وذكر بعض هذا الخبر إسحاق الموصليّ عن حمّاد الرواية وعن ابن الكلبيّ عن أبيه قال: وكان بشامة بن الغدير خال زهير بن أبي سلمى، وكان زهير منقطعا إليه وكان معجبا بشعره. وكان بشامة رجلا مقعدا ولم يكن له ولد، وكان مكثرا من المال، ومن أجل ذلك نزل إلى هذا البيت في غطفان لخئولتهم. وكان بشامة أحزم الناس رأيا، وكانت غطفان إذا أرادوا أن يغزوا أتوه فاستشاروه وصدروا عن رأيه، فإذا رجعوا قسموا له مثل ما يقسمون لأفضلهم، فمن أجل ذلك كثر ماله. وكان أسعد غطفان في زمانه. فلما حضره الموت جعل يقسم ماله في أهل بيته وبين بني إخوته. فأتاه زهير فقال: يا خالاه لو قسمت لي من مالك!! فقال: واللّه يابن أختي لقد قسمت لك أفضل ذلك وأجزله. قال: وما هو؟ قال: شعري ورثتنيه، وقد كان زهير قبل ذلك قال الشعر، وقد كان أوّل ما قال. فقال له زهير: الشعر شيء ما قلته فكيف تعتدّ به عليّ؟
فقال له بشامة: ومن أين جئت بهذا الشعر! لعلك ترى أنّك جئت به من مزينة، وقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر لهذا الحيّ من غطفان ثم لي منهم، وقد رويته عنّي. وأحذاه نصيبا من ماله ومات.
وبشامة شاعر مجيد وهو الذي يقول:
صوت
ألا ترين وقد قطّعتني قطعاماذا من الفوت بين البخل والجود
إلّا يكن ورق يوما أراح بهللخابطين فإنّي ليّن العود
الغناء لإسحاق ثقيل أوّل بالبنصر، وقيل: إنه لإبراهيم.
أمّ أوفى التي ذكرها زهير في شعره كانت امرأته، فولدت منه أولادا ماتوا، ثم تزوّج بعد ذلك امرأة أخرى، وهي أمّ ابنيه كعب وبجير؛ فغارت من ذلك وآذته، فطلّقها ثم ندم فقال فيها:
لعمرك والخطوب مغيّراتوفي طول المعاشرة التّقالي
لقد باليت مظعن أمّ أوفىولكن أمّ أوفى ما تبالي
فأمّا إذ نأيت فلا تقوليلذي صهر أذلت ولم تذالي
أصبت بنيّ منك ونلت منّيمن اللّذات والحلل الغوالي
وقال ابن الأعرابيّ: كان لزهير ابن يقال له سالم، جميل الوجه حسن الشّعر. فأهدى رجل إلى زهير بردين، فلبسهما الفتى وركب فرسا له، فمرّ بامرأة من العرب بماء يقال له النّتاءة، فقالت: ما رأيت كاليوم قطّ رجلا ولا بردين ولا فرسا. فعثر به الفرس فاندقّت عنقه وعنق الفرس وانشقّ البردان. فقال زهير يرثيه:
رأت رجلا لاقى من العيش غبطةوأخطأه فيها الأمور العظائم
وشبّ له فيها بنون وتوبعتسلامة أعوام له وغنائم
فأصبح محبورا ينظّر حولهبغبطته لو أنّ ذلك دائم
وعندي من الأيّام ما ليس عندهفقلت تعلّم أنّما أنت حالم
لعلّك يوما أن تراعى بفاجعكما راعني يوم النّتاءة سالم
كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، وكان أبوه شاعرا، وخاله شاعرا، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة، وهي القائلة ترثيه:
وما يغني توقّي الموت شيئاولا عقد التّميم ولا الغضار
- والغضار: كان أحدهم إذا خشي على نفسه يعلّق في عنقه خزفا أخضر -
إذا لاقى منيّته فأمسىيساق به وقد حقّ الحذار
ولا قاه من الأيّام يومكما من قبل لم يخلد قدار
وابن ابنه المضرّب بن كعب بن زهير شاعر، وهو القائل:
إني لأحبس نفسي وهي صاديةعن مصعب ولقد بانت لي الطّرق
رعوى عليه كما أرعى على هرمجدّي زهير وفينا ذلك الخلق
مدح الملوك وسعي في مسرّتهمثم الغنى ويد الممدوح تنطلق
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: من قدّم زهيرا احتجّ بأنه كان أحسنهم شعرا، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من الألفاظ، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالا في شعره.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الأصمعيّ قال: كان لزهير ابن يقال له سالم، وكان من أمّ كعب بن زهير؛ فمات أو قتل، فجزع عليه كعب جزعا شديدا، فلامته امرأته وقالت: كأنه لم يصب غيرك من الناس! فقال:
رأت رجلا لاقى من العيش غبطةوأخطأه فيها الأمور العظائم
وشبّ له فيها بنون وتوبعتسلامة أعوام له وغنائم
فأصبح محبورا ينظّر حولهبغبطته لو أنّ ذلك دائم
وعندي من الأيّام ما ليس عندهفقلت له مهلا فإنك حالم
لعلك يوما أن تراعي بفاجعكما راعني يوم النّتاءة سالم
صوت
عزفت ولم تصرم وأنت صروموكيف تصابي من يقال حليم
صددت فأطولت الصدود ولا أرىوصالا على طول الصّدود يدوم
عروضه من الطويل. عزفت عن الشي ء: إذا تركته وأبته نفسك. قال ابن الأعرابيّ: يقول لم تصرم صرم بتات. ولكن صرمت صرم دلال. وأطولت الصدود أي أطلته. وإنما قال هذا ضرورة. الشعر للمرّار بن سعيد الفقعسيّ. والغناء لإسحاق رمل.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع