من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عليّة بنت المهديّ ونسبها ونتف من أحاديثها
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عليّة بنت المهديّ أمّها أمّ ولد مغنّية يقال لها مكنونة، كانت من جواري المروانيّة المغنيّة.
نسخت من كتاب محمد بن هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات أن ابن القدّاح حدّثه قال: كانت مكنونة جارية المروانيّة - وليست من آل مروان بن الحكم، هي زوجة الحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عبّاس - مغنّية، وكانت أحسن جارية بالمدينة وجها، وكانت رسحاء، وكان بعض من يمازحها يعبث بها فيصيح: طست طست. وكانت حسنة الصدر والبطن، فكانت توضح بهما وتقول: ولكن هذا!.
فاشتريت للمهديّ في حياة أبيه بمائة ألف درهم، فغلبت عليه، حتى كانت الخيزران تقول: ما ملك امرأة أغلظ عليّ منها. واستتر أمرها عن المنصور حتى مات، فولدت له عليّة بنت المهديّ.
أخبرني عمّي قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن عمّه قال: كانت عليّة بنت المهديّ من أحسن الناس وأظرفهم تقول الشّعر الجيّد وتصوغ فيه الألحان الحسنة، وكان بها عيب، كان في جبينها فضل سعة حتى تسمج، فاتّخذت العصائب المكلّلة بالجوهر لتستر بها جبينها، فأحدثت واللّه شيئا ما رأيت فيما ابتدعته النساء وأحدثته أحسن منه.
أخبرني الحسين بن يحيى ووكيع قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال سمعت إبراهيم بن إسماعيل الكاتب يقول: كانت عليّة حسنة الدّين، وكانت لا تغنّي ولا تشرب النّبيذ إلّا إذا كانت معتزلة الصلاة، فإذا طهرت أقبلت على الصلاة والقرآن وقراءة الكتب، فلا تلذّ بشيء غير قول الشعر في الأحيان، إلّا أن يدعوها الخليفة إلى شيء فلا تقدر على خلافه. وكانت تقول: ما حرّم اللّه شيئا إلّا وقد جعل فيما حلّل منه عوضا، فبأيّ شيء يحتجّ عاصيه والمنتهك لحرماته!. وكانت تقول: لا غفر اللّه لي فاحشة ارتكبتها قطّ، ولا أقول في شعري إلا عبثا.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني عون بن محمد الكنديّ قال سمعت عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع يقول: ما اجتمع في الإسلام قطّ أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهديّ وأخته عليّة، وكانت تقدّم عليه.
أخبرني محمد قال حدّثنا عون بن محمد الكنديّ قال حدّثنا سعيد بن إبراهيم قال: كانت عليّة تحب أن تراسل بالأشعار من تختصّه، فاختصّت خادما يقال له «طلّ» من خدم الرشيد، فكانت تراسله بالشعر، فلم تره أيّاما، فمشت على ميزاب وحدّثته وقالت في ذلك:
قد كان ما كلّفته زمنايا طلّ من وجد بكم يكفي
حتى أتيتك زائرا عجلاأمشي على حتف إلى حتف
فحلف عليها الرشيد ألّا تكلّم طلّا ولا تسمّيه باسمه، فضمنت له ذلك. واستمع عليها يوما وهي تدرس آخر سورة البقرة حتى بلغت إلى قوله عزّ وجلّ: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ
وأرادت أن تقول: «فطلّ» فقالت: فالذي نهانا عنه أمير المؤمنين. فدخل فقبّل رأسها وقال: قد وهبت لك طلّا، ولا أمنعك بعد هذا من شيء تريدينه. ولها في طلّ هذا عدّة أشعار فيها لها صنعة. منها:
صوت
يا ربّ إني قد غرضت بهجرهافإليك أشكو ذاك يا ربّاه
مولاة سوء تستهين بعبدهانعم الغلام وبئست المولاه
«طلّ» ولكنّي حرمت نعيمهووصاله إن لم يغثني اللّه
يا ربّ إن كانت حياتي هكذاضرّا عليّ فما أريد حياه
الشعر والغناء لها خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى. وقد ذكر ابن خرداذبه أن الشعر والغناء لنبيه الكوفيّ، وأنه هوي جارية تغنّي، فتعلّم الغناء من أجلها وقال الشعر، ولم يزل يتوصّل إليها بذلك حتى صار مقدّما في المغنّين، وأنّ هذا الشعر له فيها والصنعة أيضا.
أخبرني أحمد بن محمد أبو الحسن الأسديّ قال حدّثني محمد بن صالح بن شيخ بن عمير عن أبيه قال:
أيا سروة البستان طال تشوّقيفهل لي إلى ظلّ لديك سبيل
متى يلتقي من ليس يقضى خروجهوليس لمن يهوى إليه دخول
عسى اللّه أن نرتاح من كربة لنافيلقى اغتباطا خلّة وخليل
عروضه من الطويل. الشعر والغناء لعليّة خفيف رمل. كذا ذكر ميمون بن هارون، وذكر عمرو بن بانة أنه لسلسل خفيف رمل بالوسطى. وأوّل الصوت:
متى يلتقي من ليس يقضى خروجه
وذكر حبش أنه للهذليّ خفيف رمل بالبنصر.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق الطّالقانيّ قال حدّثني أبو عبد اللّه أحمد بن الحسين الهشاميّ قال: قالت عليّة في طلّ وصحّفت اسمه في هذا الشعر وغنّت فيه:
صوت
سلّم على ذاك الغزالالأغيد الحسن الدّلال
سلّم عليه وقل لهيا غلّ ألباب الرجال
خلّيت جسمي ضاحياوسكنت في ظلّ الحجال
وبلغت منّي غايةلم أدر فيها ما احتيالي
الشعر والغناء لعليّة خفيف رمل. وذكر غير هذا أن الغناء لأحمد بن المكيّ في هذه الطريقة.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني ميمون بن هارون عن محمد بن عليّ بن عثمان الشّطرنجيّ:
صوت
وجد الفؤاد بزينباوجدا شديدا متعبا
أصبحت من كلفي بهاأدعى سقيما منصبا
ولقد كنيت عن اسمهاعمدا لكي لا تغضبا
وجعلت زينب سترةوكتمت أمرا معجبا
قالت وقد عزّ الوصال ولم أجد لي مذهبا
واللّه لا نلت المودّةأو تنال الكوكبا
هكذا ذكر ميمون بن هارون، وروايته فيه عن المعروف بالشّطرنجيّ ولم يحصّل ما رواه. وهذا الصوت شعره لابن رهيمة المدنيّ. والغناء ليونس الكاتب، ولحنه من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وهو من زيانب يونس المشهورات وقد ذكرته معها. والصحيح أنّ عليّة غنّت فيه لحنا من الثقيل الأوّل بالوسطى، حكى ذلك ابن المكيّ عن أبيه، وأخبرني به ذكاء عن القاسم بن زرزور.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني الحسين بن يحيى الكاتب أو الجماز قال حدّثني عبيد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ قال: لمّا علم من عليّة أنها تكني عن رشأ بزينب قالت:
صوت
القلب مشتاق إلى ريبيا ربّ ما هذا من العيب
قد تيّمت قلبي فلم أستطعإلّا البكايا عالم الغيب
خبأت في شعري اسم الذيأردته كالخب ء في الجيب
قال: وغنّت فيه لحنا من طريقه خفيف الرّمل الأوّل فصحّفت اسمها في ريب.
قال: وكانت لأم جعفر جارية يقال لها طغيان، فوشت بعليّة إلى رشأ وحكت عنها ما لم تقل، فقالت عليّة:
لطغيان خفّ مذ ثلاثين حجّةجديد فلا يبلى ولا يتخرّق
وكيف بلى خفّ هو الدّهر كلّهعلى قدميها في الهواء معلّق
فما خرقت خفّا ولم تبل جورباوأمّا سراويلاتها فتمزّق
قال: وحلف رشأ ألّا يشرب النبيذ سنة، فقالت:
صوت
قد ثبت الخاتم في خنصريإذ جاءني منك تجنّيك
حرّمت شرب الراح إذ عفتهافلست في شيء أعاصيك
فلو تطوّعت لعوّضتنيمنه رضاب الرّيق من فيك
فيالها عندي من نعمةلست بها ما عشت أجزيك
يا زينبا قد أرّقت مقلتيأمتعني اللّه بحبّيك
غنّت فيه عليّة هزجا.
أخبرني جحظة ومحمد بن يحيى قالا حدّثنا ميمون بن هارون قال حدّثني الحسن بن إبراهيم بن رباح قال: قال لي محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي: كنت عند المعتصم وعنده مخارق وعلّويه ومحمد بن الحارث وعقيد، فتغنّى عقيد وكنت أضرب عليه:
صوت
نام عذّالي ولم أنمواشتفى الواشون من سقمي
وإذا ما قلت بي ألمشكّ من أهواه في ألمي
فطرب المعتصم وقال: لمن هذا الشعر والغناء؟ فأمسكوا. فقلت: لعليّة، فأعرض عنّي، فعرفت غلطي وأنّ القوم أمسكوا عمدا، فقطع بي. وتبيّن حالي، فقال: لا ترع يا محمد؛ فإنّ نصيبك فيها مثل نصيبي.
الغناء لعليّة خفيف رمل. وقد قال قوم: إنّ هذا اللحن للعبّاس بن أشرس الطّنبوريّ مولى خزاعة، وإن الشعر لخالد الكاتب.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني أحمد بن يزيد قال حدّثني أبي قال: كنّا عند المنتصر، فغنّاه بنان لحنا من الرمل الثاني وهو خفيف الرمل:
صوت
يا ربّة المنزل بالبركوربّة السلطان والملك
تحرّجي باللّه من قتلنالسنا من الدّيلم والتّرك
فضحكت. فقال لي: ممّ ضحكت؟ قلت: من شرف قائل هذا الشعر، وشرف من عمل اللّحن فيه، وشرف مستمعه. قال: وما ذاك؟ قلت: الشعر فيه للرشيد، والغناء لعليّة بنت المهديّ. وأمير المؤمنين مستمعه. فأعجبه ذلك وما زال يستعيده.
حدّثني إبراهيم بن محمد بن بركشة قال سمعت شيخا يحدّث أبي وأنا غلام فحفظت عنه ما حدّثه به ولم أعرف اسمه، قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ قال: عملت في أيام الرّشيد لحنا وهو:
صوت
سقيا لأرض إذا ما نمت نبّهنيبعد الهدوّ بها قرع النّواقيس
كأنّ سوسنها في كلّ شارقةعلى الميادين أذناب الطّواويس
قال: فأعجبني وعملت على أن أباكر به الرّشيد. فلقيني في طريقي خادم لعليّة بنت المهديّ، فقال: مولاتي تأمرك بدخول الدّهليز لتسمع من بعض جواريها غناء أخذته عن أبيك وشكّت فيه الآن. فدخلت معه إلى حجرة قد أفردت لي كأنها كانت معدّة فجلست، وقدّم لي طعام وشراب فنلت حاجتي منهما، ثم خرج إليّ خادم فقال لي: تقول لك مولاتي: أنا أعلم أنك قد غدوت إلى أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث، فأسمعنيه ولك جائزة سنيّة تتعجّلها، ثم ما يأمر به لك بين يديك، ولعله لا يأمر لك بشيء أو لا يقع الصوت منه بحيث توخّيت، فيذهب سعيك باطلا. فاندفعت فغنّيتها إيّاه، ولم تزل تستعيده مرارا، ثم أخرجت إليّ عشرين ألف درهم وعشرين ثوبا، وقالت: هذه جائزتك، ولم تزل تستعيده مرارا. ثم قالت: اسمعه منّي الآن؛ فغنّته غناء ما خرق سمعي مثله. ثم قالت: كيف تراه؟ قلت: أرى واللّه ما لم أر مثله. قالت: يا فلانة أعيدي له مثل ما أخذ؛ فأحضرت لي عشرين ألفا أخرى وعشرين ثوبا. فقالت: هذا ثمنه، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين، أبدأ أتغنّى به، وأخبر أنّه من صنعتي. وأعطي اللّه عهدا لئن نطقت أنّ لك فيه صنعة لأقتلنّك! هذا إن نجوت منه إن علم بمصيرك إليّ. فخرجت من عندها وو اللّه إنّي لكالموقن بما أكره من جائزتها أسفا على الصوت، فما جسرت واللّه بعد ذلك أن أتنغّم به في نفسي فضلا عن أن أظهره حتى ماتت. فدخلت على المأمون في أوّل مجلس جلسه للّهو بعدها، فبدأت به أوّل ما غنّيت. فتغيّر لون المأمون وقال: من أين لك ويلك هذا؟! قلت: ولي الأمان على الصدق؟ قال: ذلك لك. فحدّثته الحديث. فقال: يا بغيض! فما كان في هذا من النفاسة حتى شهرته وذكرت هذا منه مع ما قد أخذته من العوض! وهجّنني فيه هجنة وددت معها أنّي لم أذكره. فآليت ألّا أغنّيه بعدها أبدا. الشعر في هذا الصوت لإسماعيل بن يسار النّسائي، وقيل: إنه لإسحاق. ولحنه من الثقيل الأوّل مطلق في مجرى الوسطى. وذكر حبش أنه للهذليّ، ولم يحصّل ما قاله.
أخبرني عمّي قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال قال لي ينشو المغنّي حدّثني أبو أحمد بن الرشيد قال: كنت يوما عند المأمون وإلى جانبي منصور وإبراهيم عمّاي، فجاء ياسر دخلة فسارّ المأمون. فقال المأمون لإبراهيم: إن شئت يا إبراهيم فانهض، فنهض. فنظرت إلى ستر قد رفع مما يلي دار الحرم، فما كان بأسرع من أن سمعت شيئا أقلقني. فنظر إليّ المأمون وأنا أميل فقال لي: يا أبا أحمد مالك تميل؟ فقلت: إني سمعت شيئا ما سمعت بمثله. فقال: هذه عمّتك عليّة تطارح عمّك إبراهيم:
مالي أرى الأبصار بي جافيه
نسبة هذا الصوت:
صوت
ما لي أرى الأبصار بي جافيهلم تلتفت منّي إلى ناحيه
لا ينظر الناس إلى المبتلىوإنّما الناس مع العافيه
صحبي سلوا ربّكم العافيهفقد دهتني بعدكم داهيه
صارمني بعدكم سيّديفالعين من هجرانه باكيه
الشعر لأبي العتاهية، وذكر ابن المعتز أنّه لعليّة وأنّ اللحن لها خفيف رمل. وذكر أنه لغيرها خفيف رمل مطلق، ولحن عليّة مزموم.
أخبرني عمّي قال حدّثني أبو العبّاس أن بشرا المرثديّ قال قالت لي ريّق: كنت يوما بين يدي الرشيد وعنده أخوه منصور وهما يشربان، فدخلت إليه خلوب (جارية لعليّة) ومعها كأسان مملوءتان وتحيّتان، ومع خادم يتبعها عود، فغنّتهما قائمة والكأسان في أيديهما والتحيتان بين أيديهما:
صوت
حيّا كما اللّه خليليّاإن ميّتا كنت وإن حيّا
إن قلتما خيرا فخير لكمأو قلتما غيّا فلا غيّا
فشربا. ثم دفعت إليهما رقعة فإذا فيها: «صنعت يا سيّديّ أختكما هذا اللّحن اليوم، وألقته على الجواري، واصطبحت فبعثت لكما به، وبعثت من شرابي إليكما ومن تحياتي وأحذق جواريّ لتغنّيكما. هنأكما اللّه وسرّكما وأطاب عيشكما وعيشي بكما».
أخبرني عمّي قال حدّثني بنحو من هذا أبو عبد اللّه المرزبان قال حدّثني إبراهيم بن أبي دلف العجليّ قال: كنّا مع المعتصم بالقاطول وكان إبراهيم بن المهديّ في حرّاقته بالجانب الغربيّ، وأبي وإسحاق بن إبراهيم الموصليّ في حرّاقتيهما بالجانب الشرقيّ. فدعاهما في يوم جمعة، فعبرا إليه من زلال وأنا معهما وأنا صغير، عليّ أقبية ومنطقة فلما دنونا من حرّاقة إبراهيم فرآنا نهض ونهضت بنهوضه صبيّة له يقال لها «غضّة» وإذا في يديها كأسان وفي يده كأس. فلما صعدا إليه اندفع فغنّى:
حيّا كما اللّه خليليّاإن ميّتا كنت وإن حيّا
إن قلتما خيرا فأهلا بهأو قلتما غيّا فلا غيّا
ثم ناول كلّ واحد منهما كأسا، وأخذ هو الكأس الثالث الذي في يد الجارية وقال: هلمّ نشرب على ريقنا قدحا. ثم دعا بالطعام فأكلنا، ووضع النبيذ فشربنا، وغنّياه وغنّاهما وضربا معه وضرب معهما، وغنّت الصبيّة، فطرب أبي وقال لها: أحسنت أحسنت!. فقال له إبراهيم: إن كانت أحسنت فخذها، فما أخرجتها إلّا لك.
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم وإسماعيل بن يونس قالا حدّثنا أبو هفّان قال: أهديت إلى الرشيد جارية في غاية الجمال والكمال، فخلا معها يوما وأخرج كلّ قينة في داره واصطبح، فكان جميع من حضره من جواريه المغنّيات والخدمة في الشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زيّ من كلّ نوع من أنواع الثياب والجوهر. واتّصل الخبر بأمّ جعفر فغلظ عليها ذلك، فأرسلت إلى عليّة تشكو إليها. فأرسلت إليها عليّة: لا يهولنّك هذا، فو اللّه لأردنّه إليك، قد عزمت أن أصنع شعرا وأصوغ فيه لحنا وأطرحه على جواريّ، فلا تبقى عندك جارية إلّا بعثت بها إليّ وألبسيهنّ ألوان الثياب ليأخذن الصوت مع جواريّ، ففعلت أمّ جعفر ما أمرتها به عليّة. فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا وعليّة قد خرجت عليه من حجرتها، وأم جعفر من حجرتها معها زهاء ألفي جارية من جواريها وسائر جواري القصر، عليهنّ غرائب اللباس، وكلهنّ في لحن واحد هزج صنعته عليّة:
صوت
منفصل عنّي وماقلبي عنه منفصل
يا قاطعي اليوم لمننويت بعدي أن تصل
فطرب الرّشيد وقام على رجليه حتى استقبل أمّ جعفر وعليّة هو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قطّ. يا مسرور لا تبقينّ في بيت المال درهما إلا نثرته. فكان مبلغ ما نثره يومئذ ستة آلاف ألف درهم، وما سمع بمثل ذلك اليوم قطّ.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد المبرّد قال: كانت عليّة تقول: من لم يطربه الرمل لم يطربه شيء. وكانت تقول: من أصبح وعنده طباهجة باردة ولم يصطبح فعليه لعنة اللّه.
حدّثني عمّي قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني يوسف بن إبراهيم قال قالت لي عريب: أحسن يوم رأيته وأطيبه يوم اجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهديّ عند أخته عليّة وعندهم أخوهم يعقوب، وكان أحذق الناس بالزّمر. فبدأت عليّة فغنّتهم من صنعتها وأخوها يعقوب يزمر عليها:
صوت
تحبّب فإن الحبّ داعية الحبّوكم من بعيد الدّار مستوجب القرب
صوت
يا واحد الحبّ مالي منك إذ كلفتنفسي بحبّك إلّا الهمّ والحزن
لم ينسنيك سرور لا ولا حزنوكيف لا! كيف ينسى وجهك الحسن
ولا خلا منك قلبي لا ولا جسديكلّي بكلّك مشغول ومرتهن
نور تولّد من شمس ومن قمرحتى تكامل منه الرّوح والبدن
فما سمعت مثل ما سمعته منهما قطّ، وأعلم أني لا أسمع مثله أبدا.
رأيت في النوم كأنّي سألت عليّة بنت المهديّ عن أغانيها فقالت لي: هي نيّف وخمسون صوتا. فقالت لي عريب: هي كذلك. وقد أخبرني بنحو هذا الخبر عبد اللّه بن الرّبيع الرّبيعيّ قال حدّثني وسواسة وهو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدّثتني خشف الواضحيّة أنها تمارت هي وعريب في غناء عليّة بحضرة المتوكّل أو غيره من الخلفاء، فقالت هي: هي ثلاثة وسبعون صوتا. فقالت عريب: هي اثنان وسبعون صوتا. فقال المتوكّل: غنّيا غناءها، فلم تزالا تغنّيان غناءها حتى مضى اثنان وسبعون صوتا، ولم تذكر خشف الثالث والسبعين فقطع بها واستولت عريب عليها وانكسرت. قالت: فلمّا كان الليل رأيت عليّة فيما يرى النائم فقالت: يا خشف خالفتك عريب في غنائي! قلت: نعم يا سيّدتي. قالت: الصواب معك، أفتدرين ما الصوت الذي أنسيته؟ قلت: لا واللّه! ولوددت أني فديت ما جرى بكلّ ما أملك. قالت هو:
صوت
بني الحبّ على الجور فلوأنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في حكم الهوىعاشق يحسن تأليف الحجج
لا تعيبن من محبّ ذلّةذلّة العاشق مفتاح الفرج
وقليل الحب صرفا خالصالك خير من كثير قد مزج
وكأنّها قد اندفعت تغنّيني به، فما سمعت أحسن مما غنّته، ولقد زادت لي فيه أشياء في نومي لم أكن أعرفها. فانتبهت وأنا لا أعقل فرحا به. فباكرت الخليفة وذكرت له القصّة. فقالت عريب: هذا شيء صنعته أنت لما جرى بالأمس، وأمّا الصوت فصحيح. فخلفت للخليفة بما رضي به أنّ القصة كما حكيت. فقال: رؤياك واللّه أعجب، ورحم اللّه عليّة! فما تركت ظرفها حيّة وميّتة، وأجازني جائزة سنيّة. ولعليّة في هذا الصوت أعني:
بني الحب على الجور فلو
لحنان: خفيف ثقيل وهزج. وقيل إن الهزج لغيرها.
ونسخت من كتاب محمد بن الحسن الكاتب حدّثني أحمد بن محمد الفيرزان قال حدّثني بعض خدم السلطان عن مسرور الكبير، ونسخت هذا الخبر بعينه من كتاب محمد بن طاهر يرويه عن ابن الفيرزان، وفيهما خلاف يذكر في موضعه، قال: اشتاق الرشيد إلى إبراهيم الموصليّ يوما، فركب حمارا يقرب من الأرض، ثم أمر بعض خدم الخاصة بالسعي بين يديه، وخرج من داره، فلم يزل حتى دخل على إبراهيم. فلما أحسّ به استقبله وقبّل رجليه. وجلس الرشيد فنظر إلى مواضع قد كان فيها قوم ثم مضوا، ورأى عيدانا كثيرة، فقال: يا إبراهيم ما هذا؟ فجعل يدافع.
فقال: ويلك! اصدقني. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، جاريتان أطرح عليهما. قال: هاتهما. فأحضر جاريتين ظريفتين، وكانت الجاريتان لعليّة بنت المهديّ بعثت بهما يطرح عليهما. فقال الرشيد لإحداهما: غنّي، فغنّت - وهذا كله من رواية محمد بن طاهر -:
بني الحبّ على الجور فلوأنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في حكم الهوىعاشق يحسن تأليف الحجج
لا تعيبن من محبّ ذلّةذلّة العاشق مفتاح الفرج
وقليل الحب صرفا خالصالك خير من كثير قد مزج
فأحسنت جدّا. فقال الرشيد: يا إبراهيم لمن الشعر؟ ما أملحه! ولمن اللحن؟ ما أظرفه! فقال: لا علم لي. فقال للجارية، فقالت: لستّي. قال: ومن ستّك؟ قالت: عليّة أخت أمير المؤمنين. قال: الشعر واللحن؟! قالت نعم! فأطرق ساعة ثم رفع رأسه إلى الأخرى فقال: غنّي؛ فغنّت:
صوت
تحبّب فإن الحبّ داعية الحبّوكم من بعيد الدار مستوجب القرب
تبصّر فإن حدّثت أنّ أخا هوىنجا سالما فارج النّجاة من الحب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضافأين حلاوات الرسائل والكتب
- الغناء لعليّة خفيف ثقيل. وفي كتاب علّويه: الغناء له - فسأل إبراهيم عن الغناء والشعر؛ فقال: لا علم
لي يا أمير المؤمنين. فقال للجارية: لمن الشعر واللحن؟ فقالت لستّي. قال: ومن ستّك؟ فقالت: عليّة أخت أمير المؤمنين. فوثب الرشيد وقال: يا إبراهيم احتفظ بالجاريتين. ومضى فركب حماره وانصرف إلى عليّة. هذا كله في رواية محمد بن طاهر، ولم يذكره محمد بن الحسن، ولكنه قال في خبره: إن الرشيد زار الموصلّي هذه الزيارة ليلا، وكان سببها أنه انتبه في نصف الليل فقال: هاتوا حماري فأتي بحمار كان له أسود يركبه في القصر قريب من الأرض، فركبه وخرج في درّاعة وشيء متلثّما بعمامة وشي ملتحفا برداء وشي، وخرج بين يديه مائة خادم أبيض سوى الفرّاشين. وكان مسرور الفرغاني جريئا عليه لمكانته عنده، فلما خرج على باب القصر قال: أين يريد أمير المؤمنين في هذه الساعة؟ قال: أردت منزل الموصليّ. قال مسرور: فمضى ونحن بين يديه حتى انتهى إلى منزل إبراهيم، فتلقّاه وقبّل حافر حماره وقال: يا أمير المؤمنين، جعلني اللّه فداءك، أفي مثل هذه الساعة تظهر!! قال: نعم! شوق طرق بي. ثم نزل فجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم. فقال له إبراهيم: يا سيّدي أتنشط لشيء تأكله؟ قال: نعم، وما هو؟ قال: خاميز ظبي. فأتي به كأنّما كان معدّا له فأصاب منه شيئا يسيرا، ثم دعا بشراب كان حمل معه. فقال له إبراهيم الموصليّ: أوّ غنّيك يا سيّدي أم يغنّيك إماؤك؟ فقال: بل الجواري. فخرج جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان وجانبيه. فقال: أيضربن كلّهن أم واحدة واحدة؟ فقال: بل تضرب اثنتان اثنتان وتغنّي واحدة فواحدة. ففعلن ذلك حتى مرّ صدر الإيوان وأحد جانبيه والرّشيد يسمع ولا ينشط لشيء من غنائهنّ، إلى أن غنّت صبيّة من حاشية الصّفّ.
صوت
يا موري الزّند قد أعيت قوادحهاقبس إذا شئت من قلبي بمقباس
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهمإذا نظرت فلم أبصرك في الناس
فطرب لغنائها واستعاد الصوت مرارا وشرب أرطالا، ثم سأل الجارية عن صانعه فأمسكت، فاستدناها فتقاعست، فأمر بها فأقيمت إليه، فأخبرته بشيء أسرّته إليه. فدعا بحماره فانصرف والتفت إلى إبراهيم فقال: ما عليك ألّا تكون خليفة! فكادت نفسه تخرج، حتى دعا به بعد وأدناه. هذا نظم رواية محمد بن الحسن في خبره.
وقال محمد بن طاهر في خبره: فقال للموصليّ: احتفظ بالجاريتين، وركب من ساعته إلى عليّة فقال: قد أحببت أن أشرب عندك اليوم. فتقدّمت فيما تصلحه، وأخذا في شأنهما. فلمّا أن كان في آخر الوقت حمل عليها بالنبيذ، ثم أخذ العود من حجر جارية فدفعه إليها، فأكبرت ذلك. فقال: وتربة المهديّ لتغنّنّ!. قالت: وما أغنّي؟ قال: غنّي:
بني الحبّ على الجور فلو
فعلمت أنه قد وقف على القصة فغنّته. فلمّا أتت عليه قال لها غنّي:
تحبّب فإنّ الحبّ داعية الحب
فلجلجت ثم غنّته. فقام وقبّل رأسها وقال: يا سيّدي هذا عندك ولا أعلم! وتمّم يومه معها.
حدّثني جحظة قال حدّثني أبو العبيس بن حمدون قال قال إبراهيم بن المهديّ: ما خجلت قطّ خجلتي من عليّة أختي. دخلت عليها يوما عائدا فقلت: كيف أنت يا أختي جعلت فداءك وكيف حالك وجسمك؟ فقالت: بخير والحمد للّه. ووقعت عيني على جارية كانت تذبّ عنها فتشاغلت بالنظر إليها فأعجبتني وطال جلوسي، ثم استحييت من عليّة فأقبلت عليها فقلت: وكيف أنت يا أختي جعلت فداءك وكيف حالك وجسمك؟ فرفعت رأسها إلى حاضنة لها وقالت: أليس هذا قد مضى مرّة وأجبنا عنه! فخجلت خجلا ما خجلت مثله قطّ، وقمت وانصرفت.
أخبرني عبد اللّه بن الرّبيع الرّبيعيّ قال حدّثني أحمد بن إسماعيل عن محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد قال: شهدت أبي جعفرا وأنا صغير وهو يحدّث يحيى بن خالد جدّي في بعض ما كان يخبره به من خلواته مع الرّشيد، قال: يا أبت، أخذ بيدي أمير المؤمنين ثم أقبل على حجرة يخترقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة ففتحت له، ثم رجع من كان معنا من الخدم، ثم صرنا إلى حجرة مغلقة ففتحها بيده ودخلنا جميعا وأغلقها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه وفي صدره مجلس مغلق فقعد على باب المجلس، فنقر هارون الباب بيده نقرات فسمعنا حسّا، ثم أعاد النّقر فسمعنا صوت عود، ثم أعاد النّقر ثالثة فغنّت جارية ما ظننت واللّه أنّ اللّه خلق مثلها في حسن الغناء وجودة الضّرب. فقال لها أمير المؤمنين بعد أن غنّت أصوتا: غنّي صوتي، فغنّت صوته، وهو:
صوت
ومخنّث شهد الزّفاف وقبلهغنّى الجواري حاسرا ومنقّبا
لبس الدّلال وقام ينقر دفّهنقرا أقرّ به العيون وأطربا
إنّ النساء رأينه فعشقنهفشكون شدّة ما بهنّ فأكذبا
- في هذا اللحن خفيف رمل نسبه يحيى المكيّ إلى ابن سريج ولم يصحّ له، وفيه خفيف ثقيل في كتاب عليّة أنه لها، وذكر عبد اللّه بن محمد بن عبد الملك الزيّات أنه لريّق. واللّحن مأخوذ من:
إنّ الرجال لهم إليك وسيلة
وهو خفيف ثقيل للهذليّ، ويقال إنه لابن سريج، وهو يأتي في موضع آخر - قال: فطربت واللّه طربا هممت معه أن أنطح برأسي الحائط. ثم قال غنّي:
طال تكذيبي وتصديقي
فغنّت:
صوت
طال تكذيبي وتصديقيلم أجد عهدا لمخلوق
إنّ ناسا في الهوى غدرواأحدثوا نقض المواثيق
لا تراني بعدهم أبداأشتكي عشقا لمعشوق
- لحن عليّة في هذا الصوت هزج. والشعر لأبي جعفر محمد بن حميد الطّوسيّ وله فيه لحن خفيف ثقيل. ولعريب فيه ثقيل أوّل وخفيف ثقيل آخر - قال: فرقص الرشيد ورقصت معه، ثم قال: امض بنا فإنّي أخاف أن يبدو منّا ما هو أكثر من هذا، فمضينا. فلما صرنا إلى الدّهليز قال وهو قابض على يدي: أعرفت هذه المرأة؟
قال قلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: فإني أعلم أنك ستسأل عنها ولا تكتم ذلك، وأنا أخبرك أنها عليّة بنت المهديّ. وو اللّه لئن لفظت به بين يدي أحد وبلغني لأقتلنّك. قال: فسمعت جدّي يقول له: فقد واللّه لفظت به، وو اللّه ليقتلنّك! فاصنع ما أنت صانع.
نسبة الصوت الذي أخذ منه:
ومخنّث شهد الزّفاف وقبله
صوت
إنّ الرجال لهم إليك وسيلةإن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوةأقرن إلى سير الرّكاب وأجنب
ويكون مركبك القعود وحدجهوابن النّعامة يوم ذلك مركبي
الناس يروون هذه الأبيات لعنترة بن شدّاد العبسيّ، وذكر الجاحظ أنها لخزز بن لوذان، وهو الصحيح.
وخزر شاعر قديم يقال إنه قبل امرىء القيس. وقد اختلف في معنى قوله «ابن النعامة» فقال أبو عبيدة والأصمعيّ: النعامة فرسه وابنها ظلّها. يقول: أقاد في الهاجرة إلى جنبها فيكون ظلّي كالراكب لظلّها. وقال أبو عمرو الشّيبانيّ: ابن النّعامة مقدّم رجله مما يلي الأصابع. يقول: فلا يكون لي مركب إلّا رجلي. وقال خالد بن كلثوم: ابن النعامة الخشبة التي يصلب عليها. يقول: أقتل وأصلب فتكون الخشبة مركبي. واحتجّ من ذكر أنه يعنى ظلّ فرسه وأنه يكون كالراكب له بقول الشاعر:
إذ ظلّ يحسب كلّ شيء فارساويرى نعامة ظلّه فيحول
قال: وابن النعامة: ظلّ كلّ شيء. وقد مضى هذا الصوت مفردا مع خبره في موضع آخر.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا أحمد بن يزيد المهلّبيّ قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال: زار الرّشيد عليّة فقال لها: باللّه يا أختي غنّيني. فقالت: وحياتك لأعملنّ فيك شعرا ولأعملنّ فيه لحنا، فقالت من وقتها:
صوت
تفديك أختك قد حبوت بنعمةلسنا نعدّ لها الزمان عديلا
إلّا الخلود، وذاك قربك سيّديلا زال قربك والبقاء طويلا
وحمدت ربّي في إجابة دعوتيفرأيت حمدي عند ذاك قليلا
وعملت فيه لحنا من وقتها في طريقة خفيف الرّمل، فأطرب الرّشيد وشرب عليه بقيّة يومه.
قال: وقالت للرّشيد أيضا وقد طلب أختها ولم يطلبها.
صوت
ما لي نسيت وقد نودي بأصحابيوكنت والذّكر عندي رائح غادي
أنا التي لا أطيق الدّهر فرقتكمفرقّ لي يا أخي من طول إبعاد
قال: وغنّت فيه لحنا من الثقيل الثاني، وبعثت من غنّاه للرشيد، فبعث فأحضرها.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني عون بن محمد قال حدّثني زرزور الكبير غلام جعفر بن موسى الهادي: أنّ عليّة حجّت في أيّام الرّشيد، فلمّا انصرفت أقامت بطيزناباذ أيّاما، فانتهى ذلك إلى الرشيد فغضب.
فقالت عليّة:
صوت
أيّ ذنب أذنبته أيّ ذنبأي ذنب لو لا رجائي لربّي
بمقامي بطيزناباذ يومابعده ليلة على غير شرب
ثم باكرتها عقارا شمولاتفتن النّاسك الحليم وتصبي
قرقفا قهوة تراها جهولاذات حلم فرّاجة كلّ كرب
قال: وصنعت في البيتين الأوّلين لحنا خفيف الثقيل، وفي البيتين الأخيرين لحنا من الرّمل. فلمّا جاءت وسمع الشعر واللحنين رضي عنها.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني عبد اللّه بن المعتزّ قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم بن المهديّ قال: اشتاق الرّشيد إلى عمّتي عليّة بالرّقّة، فكتب إلى خالها يزيد بن منصور في إخراجها إليه فأخرجها. فقالت في طريقها:
صوت
اشرب وغنّ على صوت النّواعيرما كنت أعرفها لو لا ابن منصور
لو لا الرجاء لمن أمّلت رؤيتهما جزت بغداد في خوف وتغرير
وعملت فيه لحنا في طريقة الثقيل الأوّل.
أخبرني محمد بن يحيى قال: حدّثني أحمد بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الهشاميّ أبو عبد اللّه قال: لمّا خرج الرّشيد إلى الرّيّ أخذ أخته عليّة معه. فلمّا صار بالمرج عملت شعرا وصاغت فيه لحنا في طريقة الرمل وغنّت به، وهو:
صوت
ومغترب بالمرج يبكي لشجوهوقد غاب عنه المسعدون على الحبّ
إذا ما أتاه الرّكب من نحو أرضهتنشّق يستشفي برائحة الرّكب
فلمّا سمع الصّوت علم أنها قد اشتاقت إلى العراق وأهلها به فردّها.
ونسخت من كتاب هارون بن محمد الزّيّات حدّثني بعض موالي أبي عيسى بن الرّشيد عن أبي عيسى: أن عليّة غنّت الرّشيد في يوم فطر:
صوت
طالت عليّ ليالي الصّوم واتّصلتحتى لقد خلتها زادت على الأبد
شوقا إلى مجلس يزهى بصاحبهأعيذه بجلال الواحد الصّمد
الغناء لعليّة ثاني ثقيل لا يشكّ فيه، وذكر بعض الناس أنه للواثق، وذكر آخرون أنه لعبد اللّه بن العبّاس الرّبيعي. والصحيح أنه لعليّة. وفيه لعريب ثقيل أوّل غنّته المعتمد يوم فطر فأمر لها بثلاثين ألف درهم.
وقال ميمون بن هارون حدّثني أحمد بن يوسف أبو الجهم قال: كان لعليّة وكيل يقال له سباع، فوقفت على خيانته فضربته وحبسته، فاجتمع جيرانه إليها فعرّفوها جميل مذهبه وكثرة صدقه، وكتبوا بذلك رقعة، فوقّعت فيها:
ألا أيّهذا الرّاكب العيس بلّغنسباعا وقل إن ضمّ داركم السّفر
أتسلبني مالي وإن جاء سائلرققت له إن حطّه نحوك الفقر
كشافيه المرضى بعائدة الزّناتؤمّل أجرا حيث ليس لها أجر
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني ميمون بن هارون قال حدّثتني علم السّمراء جارية عبد اللّه بن موسى الهادي أنّها شهدت عليّة غنّت الأمين في شعر لها، وهو آخر شعر قالته فيه، وطريقته من الثقيل الثاني. وكانت لمّا مات الرّشيد جزعت جزعا شديدا وتركت النّبيذ والغناء. فلم يزل بها الأمين حتى عادت فيهما على كره.
والشعر:
صوت
أطلت عاذلتي لومي وتفنيديوأنت جاهلة شوقي وتسهيدي
لا تشرب الراح بين المسمعات وزرظبيا غريرا نقيّ الخدّ والجيد
قد رنّحته شمول فهو منجدليحكي بوجنته ماء العناقيد
قام الأمين فأغنى الناس كلّهمفما فقير على حال بموجود
لحن عليّة في هذا الشعر ثاني ثقيل. ولعريب فيه هزج، وقيل إنّ الهزج لإبراهيم بن المهديّ.
قالت شعرا في لبانة بنت أخيها علي بن المهدي وغنت فيه: وقال ميمون بن هارون حدّثني محمد بن أبي عون قال حدّثتني عريب أنّ عليّة قالت في لبانة بنت أخيها عليّ بن المهديّ شعرا وغنّت فيه من الثّقيل الأول:
صوت
وحدّثني عن مجلس كنت زينهرسول أمين والنساء شهود
فقلت له كرّ الحديث الذي مضىوذكرك من ذاك الحديث أريد
وقد ذكر الهشاميّ أنّ هذا اللحن لإسحاق غنّاه بالرّقّة. وليس ذلك بصحيح.
أخبرني محمد بن يحيى عن عون بن محمد عن أبي أحمد بن الرّشيد. ونسخت هذا الخبر من كتاب محمد بن الحسن عن عون بن محمد عن أبي أحمد بن الرّشيد واللفظ له قال: دخل يوما إسماعيل بن الهادي إلى المأمون، فسمع غناء أذهله. فقال له المأمون: مالك؟ قال: قد سمعت ما أذهلني، وكنت أكذّب بأن الأرغن الرّوميّ يقتل طربا، وقد صدّقت الآن بذلك. قال: أو لا تدري ما هذا؟ قال: لا واللّه! قال: هذه عمّتك عليّة تلقي على عمّك إبراهيم صوتا من غنائها. إلى ها هنا رواية محمد بن يحيى. وفي رواية محمد بن الحسن قال: هذه عمّتك تلقى على عمّك إبراهيم صوتا استحسنه من غنائها. فأصغيت إليه فإذا هي تلقى عليه:
صوت
ليس خطب الهوى بخطب يسيرليس ينبيك عنه مثل حبير
ليس أمر الهوى يدبّر بالرأي ولا بالقياس والتفكير
اللّحن في هذا لعليّة ثقيل أوّل. وفيه لإبراهيم بن المهديّ ثاني ثقيل عن الهشاميّ.
أخبرني جحظة قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ عن أبيه: أنّ عليّة بنت المهديّ ولدت سنة ستين ومائة، وتوفّيت سنة عشر ومائتين ولها خمسون سنة. وكانت عند موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس. وأخبرني محمد بن يحيى عن عون بن محمد قال حدّثني محمد بن عليّ بن عثمان قال: ماتت عليّة سنة تسع ومائتين، وصلّى عليها المأمون. وكان سبب وفاتها أنّ المأمون ضمّها إليه وجعل يقبّل رأسها، وكان وجهها مغطّى، فشرقت من ذلك وسعلت ثم حمّت بعقب هذا أيّاما يسيرة وماتت.
وممّن صنع أولاد الخلفاء أبو عيسى بن الرّشيد
فمن صنعته:
صوت
قام بقلبي وقعدظبي نفى عنّي الجلد
خلّفني مدلّهاأهيم في كلّ بلد
أسهرني ثم رقدوما رثى لي من كمد
ظبي إذا ازددت لهتذلّلا تاه وصدّ
واعطشا إلى فميمجّ خمرا من برد
عروضه من مجزوء الرّجز. والشعر والغناء لأبي عيسى بن الرّشيد، ولحنه فيه ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى من روايتي عبد اللّه بن المعتزّ والهشاميّ. وذكر الهشاميّ أنّ له أيضا فيه لحنا من ثقيل الرّمل، وذكر حبش أنّ الرّمل لحسين بن محرز. وفيه لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع