تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار المعتضد في صنعة هذا اللحن وغيره من الأغاني

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

(- دون أخباره في غير ذلك لأنها كثيرة تخرج عن حدّ الكتاب - وشيء من أخباره مع المغنّين وغيرهم يصلح لما ها هنا)

حدّثني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر أن المعتضد بعث إليه - لما صنعت جاريته شاجي اللحن الذي يجمع النّغم العشر - بظبي وحبيب جاريتي أخيه سليمان بن عبد اللّه بن طاهر حتى أخذتا اللحن عنه ونقلتاه إليه وألقتاه على جواريه. قال: ولم يزل يراسلني مع عبد اللّه بن أحمد بن حمدون في أمر النّغم العشر ويسألني عنها وأشرحها له، حتى فهمها جيّدا وجمعها في صوت صنعه في شعر دريد بن الصّمّة:

يا ليتني فيها جذعأخبّ فيها وأضع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «يا ليتني فيها جذع»

وألقاه عليهما حتى أدّتاه إليّ مستعلما بذلك هل هو صحيح القسمة والأجزاء أم لا، فعرّفته صحّته ودللته على ذلك حتى تيقّنه فسرّ بذلك؛ وهو لعمري من جيّد الصنعة ونادرها. وقد صنع المعتضد ألحانا في عدّة أشعار قد صنع فيها الفحول من القدماء والمحدثين وعارضهم بصنعته فأحسن وشاكل وضاهى، فلم يعجز ولا قصّر ولا أتى بشيء يعتذر منه. فمن ذلك أنه صنع في:

أمّا القطاة فإنّي سوف أنعتهانعتا يوافق نعتي بعض ما فيها
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة

لحنا في الثقيل الأوّل بالبنصر في نهاية الجودة، سمعت إبراهيم بن القاسم بن زرزور يغنّيه، فكان من أحسن ما صنع في هذا الصوت على كثرة الصنعة فيه واشتراك القدماء والمحدثين في صنعته مثل معبد ونشيط ومالك وابن محرز وسنان وعمر الوادي وابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وعلّويه. وأظرف من ذلك أنه صنع في:

تشكّى الكميت الجري لمّا جهدتهوبيّن لو يستطيع أن يتكلّما
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تشكى الكميت الجري لما جهدته»

لحنا من الثقيل الأوّل بالوسطى، وقد صنع قبله ابن سريج لحنا هو من الألحان الثلاثة المختارة من الغناء كلّه، فما قصّر في صنعته ولا عجز عن بلوغ الغاية فيها؛ هذا بعد أن صنع إسحاق فيها لحنا من الثقيل الثاني عارض ابن سريج به في لحنه، فما امتنع من أن يتلو مثل هذين ولا نظير لهما في القدماء والمحدثين، ثم جوّد غاية التجويد فيما اتّبعهما به وعارضهما فيه. هذا مع أصوات له صنعها تزاهي المائة صوت، ما فيها ساقط ولا مرذول، وسأذكر منها ما يصلح ذكره في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

ومن نادر صنعة المعتضد:

صوت

أناة فإن تغن عقّب بعدهاوعيدا، فإن لم يغن أغنت عزائمه

الشعر لإبراهيم بن العبّاس، والغناء للمعتضد ثقيل أوّل. هذا بيت قاله إبراهيم وهو لا يعلم أنه شعر، وإنما كتب به في رسالة عن المعتصم إلى بعض أصحاب الأطراف فقال في فصل منه: «وإن عند أمير المؤمنين في أمرك أناة، فإن لم تغن عقّب بعدها وعيدا، فإن لم يغن أغنت عزائمه». فلما تأمّله أنه شعر وأنه بيت نادر فأخرجه في شعره.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»