تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار المعتزّ في الأغاني ومع المغنّين وما جرى هذا المجرى

فيه ١٨ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني عليّ بن محمد بن نصر قال حدّثني جدّي حمدون بن إسماعيل قال: اصطبح المعتزّ في يوم ثلاثاء ونحن بين يديه ثم وثب فدخل، واعترضته جارية كان يحبّها ولم يكن ذلك اليوم من أيامها فقبّلها وخرج؛ فحدّثني بما كان وأنشدني لنفسه في ذلك:

صوت

إني قمرتك يا سؤلي ويا أمليأمرا مطاعا بلا مطل ولا علل
حتّى متى يا حبيب النفس تمطلنيوقد قمرتك مرّات فلم تف لي
يوم الثلاثاء يوم سوف أشكرهإذ زارني فيه من أهوي على عجل
فلم أنل منه شيئا غير قبلتهوكان ذلك عند أعظم النّفل

قال: وعمل فيه لحن خفيف وشربنا عليه سائر يومنا. الغناء في هذه الأبيات لعريب رمل عن الهشاميّ. ولأبي العبيس في الثالث والرابع هزج.

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلّبيّ قال حدّثني أبي قال: كان المعتزّ يشرب على بستان مملوء من النّمّام وبين النّمّام شقائق النعمان، فدخل إليه يونس بن بغا وعليه قباء أخضر؛ فقال المعتزّ:

صوت

شبّهت حمرة خدّه في ثوبهبشقائق النّعمان في النّمّام

ثم قال: أجيزوا. فابتدر بنان المغنّي، وكان ربّما عبث بالبيت بعد البيت، فقال:

والقدّ منه إذا بدا في قرطقكالغصن في لين وحسن قوام

فقال له المعتزّ: فغنّ فيه الآن، فعمل فيه لحنا. لحن بنان في هذين البيتين من خفيف الثقيل الثاني وهو الماخوريّ.

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني محمد بن يحيى بن أبي عبّاد قال حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال: شرب المعتزّ ويونس بن بغا بين يديه يسقيه والجلساء والمغنّون بين يديه وقد أعدّ الخلع والجوائز، إذ دخل بغا فقال: يا أمير المؤمنين، والدة عبدك يونس في الموت وهي تحبّ أن تراه؛ فأذن له فخرج. وفتر المعتزّ ونعس بعده، وقام الجلساء وتفرّق المغنّون، إلى أن صلّيت المغرب، وعاد المعتزّ إلى مجلسه، ودخل يونس وبين يديه الشموع. فلما رآه المعتزّ دعا برطل فشربه وسقى يونس رطلا وغنّاه المغنّون، وعاد المجلس أحسن ما كان؛ فقال المعتزّ:

صوت

تغيب فلا أفرحفليتك ما تبرح
وإن جئت عذّبتنيبأنّك لا تسمح
فأصبحت ما بين ذين لي كبد تجرح
على ذاك يا سيّديدنوّك لي أصلح

ثم قال: غنّوا فيه، فجعلوا يفكّرون. فقال المعتزّ لسليمان بن القصّار الطّنبوريّ: ويلك! ألحان الطّنبور أملح وأخفّ فغنّ فيه أنت؛ فغنّى فيه لحنا؛ فدفع إليه دنانير الخريطة وهي مائة دينار مكيّة ومائتان مكتوب على كلّ دينار منها «ضرب هذا الدينار بالجوسق بخريطة أمير المؤمنين المعتزّ باللّه» ثم دعا بالخلع والجوائز لسائر الناس، فكان ذلك المجلس من أحسن المجالس.

لحن سليمان بن القصّار في هذه الأبيات رمل مطلق.

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن عبد السميع الهاشميّ قال حدّثني أبي قال: لمّا قتل بغا دخلنا فهنأنا المعتزّ بالظّفر، فاصطبح ومعه يونس بن بغا، وما رأينا قطّ وجهين اجتمعا أحسن من وجهيهما. فما مضت ثلاث ساعات حتى سكر، ثم خرج علينا المعتزّ فقال:

ما إن ترى منظرا إن شئته حسناإلّا صريعا يهادى بين سكرين
سكر الشراب وسكر من هوى رشأتخاله والذي يهواه غصنين

ثم أمر فتغنّى فيه بعض المغنّين.

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن محمد بن إسحاق الخراسانيّ قال حدّثني الفضل بن العباس بن المأمون قال: كنت مع المعتزّ في الصيد، فانقطع عن الموكب وأنا ويونس بن بغا معه، ونحن بقرب قنطرة وصيف، وكان هناك دير فيه ديرانيّ يعرفني وأعرفه، نظيف ظريف مليح الأدب واللفظ. فشكا المعتزّ العطش. فقلت: يا أمير المؤمنين، في هذا الدير ديرانيّ أعرفه خفيف الروح لا يخلو من ماء بارد، أفترى أن نميل إليه؟ قال نعم. فجئناه فأخرج لنا ماء باردا، وسألني عن المعتزّ ويونس فقلت: فتيان من أبناء الجند؛ فقال: بل مفلتان من حور الجنّة.

فقلت له: هذا ليس في دينك. فقال: هو الآن في ديني. فضحك المعتزّ. فقال لي الدّيرانيّ: أتأكلون شيئا؟ قلت نعم. فأخرج شطيرات وخبزا وإداما نظيفا، فأكلنا أطيب أكل، وجاءنا بأطراف أشنان. فاستظرفه المعتزّ وقال لي: قل له فيما بينك وبينه: من تحبّ أن يكون معك من هذين لا يفارقك. فقلت له، فقال: «كلاهما وتمرا».

فضحك المعتزّ حتى مال على حائط الدّير. فقلت للدّيرانيّ: لا بدّ من أن تختار. فقال: الأختيار واللّه في هذا دمار، وما خلق اللّه عقلا يميّز بين هذين. ولحقهما الموكب، فارتاع الدّيرانيّ. فقال له المعتزّ: بحياتي لا تنقطع عما كنا فيه، فإنّي لمن ثمّ مولى ولمن هاهنا صديق. فمزحنا ساعة؛ ثم أمر له بخمسمائة ألف درهم. فقال: واللّه ما أقبلها إلّا على شرط. قال: وما هو؟ قال: يجيب أمير المؤمنين دعوتي مع من أراد. قال: ذلك لك. فاتّعدنا ليوم جئناه فيه، فلم يبق غاية، وأقام للموكب كلّه ما احتاج إليه، وجاءنا بأولاد النصارى يخدموننا. ووصله المعتزّ يومئذ صلة سنيّة؛ ولم يزل يعتاده ويقيم عنده.

حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن المعتزّ قال: بويع للمعتزّ بالخلافة وله سبع عشرة سنة كاملة وأشهرّ. فلما انقضت البيعة قال:

توحّدني الرحمن بالعزّ والعلافأصبحت فوق العالمين أميرا

هكذا ذكر الصّوليّ في قافية الشعر. ووجدته في أغاني بنان مرفوع القافية، وله فيه صنعة. ولعلّ المعتزّ قال البيت، فأضاف بنان إليه آخر وجعل المخاطبة عن نفسه للمعتزّ فقال:

صوت

توحّدك الرحمن بالعز والعلافأنت على كل الأنام أمير
تقاتل عنك التّرك والخزر كلّهاكأنّهم أسد لهنّ زئير

الغناء لبنان لحنان خفيف ثقيل وخفيف رمل. ومما قاله المعتزّ وغنّى فيه قوله - ذكر الصّوليّ أن عبد اللّه بن المعتزّ أنشده إيّاه لأبيه -:

صوت

ألا حيّ الحبيب فدته نفسيبكأس من مدامة خانقينا
فإنّي قد بقيت مع اللياليأقاسي الهمّ في يده سنينا

الغناء فيه لعريب خفيف رمل، ولبنان هزج.

وممّن ذكر أن له صنعة من الخلفاء المعتمد.

قال محمد بن يحيى الصّوليّ ذكر عبد اللّه بن المعتزّ عن القاسم بن زرزور أن المعتمد ألقى عليه لحنا صنعه في هذا الشعر وهو:

ليس الشّفيع الذي يأتيك مؤتزرامثل الشّفيع الذي يأتيك عريانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»

الشعر للفرزدق. والغناء للمعتمد، ولحنه فيه خفيف ثقيل. هذه حكاية الصّوليّ. وفي غناء عريب: لها في هذا البيت خفيف ثقيل. ولا أعلم لمن هو منهما على صحة، إلّا أنّ المشهور في أيدي الناس أنه لعريب. ولم أسمع للمعتمد غناء إلّا من هذه الجهة التي ذكرتها.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»