من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أغاني الخلفاء وأولادهم وأولاد أولادهم
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قال مؤلف هذا الكتاب: المنسوب إلى الخلفاء من الأغاني والملصق بهم منها لا أصل لجلّه ولا حقيقة لأكثره، لا سيّما ما حكه ابن خرداذبة فإنه بدأ بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فذكر أنه تغنّى في هذا البيت:
كأنّ راكبها غصن بمروحة
ثم والى بين جماعة من الخلفاء واحدا بعد واحد، حتى كأن ذلك عنده ميراث من مواريث الخلافة أو ركن من أركان الإمامة لا بدّ منه ولا معدل عنه، يخبط خبط العشواء ويجمع جمع حاطب الليل. فأمّا عمر بن الخطاب فلو جاز هذا أن يروى عن كل أحد لبعد عنه؛ وإنما روي أنه تمثّل بهذا البيت وقد ركب ناقة فاستوطأها، لا أنه غنّى به، ولا كان الغناء العربيّ أيضا عرف في زمانه إلا ما كانت العرب تستعمله من النّصب والحداء، وذلك جار مجرى الإنشاد إلا أنه يقع بتطريب وترجيع يسير ورفع للصوت. والذي صحّ من ذلك عن رواة هذا الشأن فأنا ذاكر منه ما كان متقن الصّنعة لا حقا بجيّد الغناء قريبا من صنعة الأوائل وسالكا مذاهبهم لا ما كان ضعيفا سخيفا، وجامع منه ما اتصل به خبر له يستحسن ويجري مجرى هذا الكتاب وما تضمّنه.
فأوّل من دوّنت له صنعة منهم عمر بن عبد العزيز؛ فإنه ذكر عنه أنه صنع في أيّام إمارته على الحجاز سبعة ألحان يذكر سعاد فيها كلّها؛ فبعضها عرفت الشاعر القائل له فذكرت خبره، وبعضها لم أعرف قائله فأتيت به كما وقع إليّ. فإن مرّ بي بعد وقتي هذا أثبتّه في موضعه وشرحت من أخباره ما اتصل بي، وإن لم يقع لي ووقع إلى بعض من كتب هذا الكتاب فمن أقلّ الحقوق عليه أن يتكلّف إثباته ولا يستثقل تجشّم هذا القليل فقد وصل إلى فوائد جمّة تجشّمناها له ولنظرائه في هذا الكتاب، فحظي بها من غير نصب ولا كدح؛ فإن جمال ذلك موفّر عليه إذا نسب إليه، وعيبه عنّا ساقط مع اعتذارنا عنه إن شاء اللّه.
ومن الناس من ينكر أن تكون لعمر بن عبد العزيز هذه الصّنعة ويقول: إنها أصوات محكمة العمل لا يقدر على مثلها إلّا من طالت دربته بالصّنعة وحذق الغناء ومهر فيه وتمكّن منه. ولم يوجد عمر بن عبد العزيز في وقت من الأوقات ولا حال من الحالات اشتهر بالغناء ولا عرف به ولا بمعاشرة أهله، ولا جالس من ينقل ذلك عنه ويؤدّيه؛ وإنما هو شيء يحسّن المغنّون نسبته إليه. وروي من غير وجه خلاف لذلك وإثبات لصنعته إيّاها، وهو أصح القولين؛ لأن الذين أنكروا ذلك لم يأتوا على إنكارهم بحجّة أكثر من هذا الظن والدعوى، ومخالفوهم قد أيّدتهم أخبار رويت.
أخبرني محمد بن خلف وكيع والحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي عن أبيه وعن إسماعيل ابن جامع عن سياط عن يونس الكاتب عن شهدة أمّ عاتكة بنت شهدة عن كردم بن معبد عن أبيه: أنّ عمر بن عبد العزيز طارحه لحنه في:
ألمّا صاحبيّ نزر سعادا
ونسخت هذا الخبر من كتاب محمد بن الحسين الكاتب قال حدّثني أبو يعلى زرقان غلام أبي الهذيل وصاحب أحمد بن أبي داود قال حدّثني محمد بن يونس قال حدّثني هاتف أراه قال أمّ ولد المعتصم قالت حدّثتني عليّة بنت المهديّ قالت حدّثتني عاتكة بنت شهدة عن أمّها شهدة عن كردم قال: طرح عليّ عمر بن عبد العزيز لحنه:
علق القلب سعاداعادت القلب فعادا
كلّما عوتب فيهاأو نهي عنها تمادى
وهو مشغوف بسعدىقد عصى فيها وزادا
قال كردم: وكان عمر أحسن خلق اللّه صوتا، وكان حسن القراءة للقرآن.
ونسخت من كتاب ابن الكرنبيّ بخطّة حدّثني أحمد بن الفتح الحجّاجيّ في مجلس حمّاد بن إسحاق قال أخبرني أحمد بن الحسين قال: رأيت عمر بن عبد العزيز في النوم وعليه عمامة ورأيت الشّجّة في وجهه تدلّ على أنها ضربة حافر، فسمعته يقول: قال عمر بن الخطّاب: لا تعلّموا نساءكم الخلع. قال حدّثني محمد بن الحسين: فأقبلت عليه في نومي فقلت له: يا أمير المؤمنين، صوت يزعم الناس أنك صنعته في شعر جرير:
ألمّا صاحبيّ نزر سعادالوشك فراقها وذرا البعادا
لعمرك إنّ نفع سعاد عنّيلمصروف ونفعي عن سعادا
إلى الفاروق ينتسب ابن ليلىومروان الذي رفع العمادا
فتبسّم عمر ولم يردّ عليّ شيئا.
نسبة هذين الصوتين
صوت
ألمّا صاحبيّ نزر سعادالوشك فراقها وذرا البعادا
لعمرك إنّ نفع سعاد عنّيلمصروف ونفعي عن سعادا
إلى الفاروق ينتسب ابن ليلىومروان الذي رفع العمادا
الشعر لجرير يمدح عمر بن عبد العزيز بن مروان. والغناء لعمر بن عبد العزيز ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر. وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى معبد.
صوت
علق القلب سعاداعادت القلب فعادا
كلّما عوتب فيهاأو نهي عنا تمادى
وهو مشغوف بسعدىقد عصى فيها وزادا
الغناء لعمر بن عبد العزيز خفيف ثقيل. وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى الهذليّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع