من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر عمر بن عبد العزيز وشيء من أخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عمر بن عبد العزيز مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. ويكنى أبا حفص.
وأمّه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. وكان يقال له أشجّ قريش؛ لأنه كان في جبهته أثر يقال إنه ضربة حافر. فذكر يحيى بن سعيد الأمويّ عن أبيه أن عبد الملك بن مروان كان يؤثر عمر بن عبد العزيز ويرقّ عليه ويدنيه، وإذا دخل عليه رفعه فوق ولده جميعا إلّا الوليد. فعاتبه بعض بنيه على ذلك، فقال له: أو ما تعلم لم فعلت ذلك؟ قال لا. قال: إن هذا سيلي الخلافة يوما وهو أشجّ بني مروان الذي يملأ الأرض عدلا بعد أن تملأ جورا، فمالي لا أحبّه وأدنيه!.
أخبرني محمد بن يزيد قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا سالم بن عجلان قال: خرج عمر بن عبد العزيز يلعب فرمحته بغلة على جبينه. فبلغ الخبر أمّه أمّ عاصم، فخرجت في خدمها، وأقبل عبد العزيز بن مروان إليها فقالت: أمّا الكبير فيخدم، وأمّا الصغير فيكرم، وأما الوسط فيضيع! لم لا تتخذ لا بني حاضنا حتى أصابه ما ترى! فجعل عبد العزيز يمسح الدّم عن وجهه، ثم نظر إليها وقال لها: ويحك! إن كان أشجّ بني مروان، أو أشجّ بني أميّة، إنه لسعيد!.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن أحمد المقدّميّ قال حدّثنا عبيد اللّه بن سعد الزّهريّ قال حدّثنا هارون بن معروف قال حدّثنا ضمرة قال سمعت ثروان مولى عمر بن عبد العزيز قال: دخل عمر بن عبد العزيز وهو غلام إصطبل أبيه، فضربه فرس على وجهه، فأتي به أبوه يحمل. فجعل أبوه يمسح الدم عن وجهه ويقول: لئن كنت أشجّ بني أمية إنك لسعيد.
حدّثنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا مصعب الزّبيريّ قال: كانت بنت لعبيد اللّه بن عمر بن الخطّاب تحت إبراهيم بن نعيم النّحّام فماتت، فأخذ عاصم بن عمر بيده فأدخله منزله، وأخرج إليه ابنتيه حفصة وأمّ عاصم، فقال له: اختر فاختار حفصة فزوّجها إيّاه. فقيل له: تركت أمّ عاصم وهي أجملهما! فقال: رأيت جارية رائعة، وبلغني أن آل مروان ذكروها فقلت: علّهم أن يصيبوا من دنياهم.
فتزوّجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له أبا بكر وعمر وكانت عنده. وقتل إبراهيم بن نعيم يوم الحرّة. وماتت أمّ عاصم عند عبد العزيز بن مروان؛ فتزوّج أختها حفصة بعدها، فحملت إليه بمصر؛ فمرّت بأيلة وبها مخنّث أو معتوه وقد كان أهدى لأمّ عاصم حين مرّت به فأثابته. فلمّا مرت به حفصة أهدى لها فلم تثبه. فقال: «ليست حفصة من رجال أمّ عاصم» فذهبت مثلا.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا أبو بكر الرّماديّ وسليمان بن أبي شيخ قالا حدّثنا أبو صالح كاتب اللّيث قال حدّثني الليث قال: لمّا ولي عمر بن عبد العزيز، بدأ بلحمته وأهل بيته، فأخذ ما كان في أيديهم وسمّى أعمالهم المظالم.
ففزعت بنو أميّة إلى فاطمة بنت مروان عمّته. فأرسلت إليه: إنه قد عناني أمر لا بدّ من لقائك فيه. فأتته ليلا فأنزلها عن دابّتها. فلمّا أخذت مجلسها قال: يا عمّة، أنت أولى بالكلام لأنّ الحاجة لك فتكلّمي. قالت: تكلّم يا أمير المؤمنين. فقال: إنّ اللّه تبارك وتعالى بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم رحمة، لم يبعثه عذابا، إلى الناس كافّة، ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه، وترك لهم نهرا شربهم فيه سواء. ثم قام أبو بكر فترك النّهر على حاله. ثم ولي عمر فعمل على عمل صاحبه، فلما ولي عثمان اشتقّ من ذلك النهر نهرا. ثم ولي معاوية فشقّ منه الأنهار. ثم لم يزل ذلك النهر يشقّ منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان حتى أفضى الأمر إليّ، وقد يبس النهر الأعظم ولن يروى أصحاب النهر حتى يعود إليهم النهر الأعظم إلى ما كان عليه. فقالت له: قد أردت كلامك ومذاكرتك. فأمّا إذ كانت هذه مقالتك فلست بذاكرة لك شيئا أبدا. ورجعت إليهم فأبلغتهم كلامه.
وقال سليمان بن أبي شيخ في خبره: فلمّا رجعت إلى بني أميّة قالت لهم: ذوقوا مغبّة أمركم في تزويجكم آل عمر بن الخطاب.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال أخبرني عبد اللّه بن دينار مولى بني نصر بن معاوية قال حدّثنا محمد بن عبد الرحمن التّيميّ قال حدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهيل عن حمّاد الراوية، وأخبرني محمد بن حسين الكندي خطيب القادسيّة قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا شيبان بن مالك قال حدّثنا عبد اللّه بن إسماعيل الجحدريّ عن حمّاد الراوية، والروايتان متقاربتان وأكثر اللفظ للرّياشي، قال: دخلت المدينة ألتمس العلم، فكان أوّل من لقيت كثيّر عزّة. فقلت: يا أبا صخر، ما عندك من بضاعتي؟
قال: عندي ما عند الأحوص ونصيب. قلت: وما هو؟ قال: هما أحقّ بإخبارك. فقلت له: إنّا لم نحثّ المطيّ نحوكم شهرا نطلب ما عندكم إلّا ليبقى لكم ذكر، وقلّ من يفعل ذلك، فأخبرني عما سألتك ليكون ما تخبرني به حديثا آخذه عنك. فقال: إنه لمّا كان من أمر عمر بن عبد العزيز ما كان، قدمت أنا ونصيب والأحوص وكلّ واحد منا يدلّ بسابقته عند عبد العزيز وإخائه لعمر. فكان أوّل من لقينا مسلمة بن عبد الملك وهو يومئذ فتى العرب، وكلّ واحد منّا ينظر في عطفيه لا يشكّ أنه شريك الخليفة في الخلافة، فأحسن ضيافتنا وأكرم مثوانا، ثم قال: أما علمتم أن إمامكم لا يعطي الشعراء شيئا؟ قلنا: قد جئنا الآن، فوجّه لنا في هذا الأمر وجها. فقال: إن كان ذو دين من آل مروان قد ولي الخلافة فقد بقي ذوي دنياهم من يقضي حوائجكم ويفعل بكم ما أنتم له أهل. فأقمنا على بابه أربعة أشهر لا نصل إليه، وجعل مسلمة يستأذن لنا فلا يؤذن. فقلت: لو أتيت المسجد يوم الجمعة فتحفّظت من كلام عمر شيئا!. فأتيت المسجد فأنّا أوّل من حفظ كلامه، سمعته يقول في خطبة له: لكل سفر زاد لا محالة، فتزوّدوا من الدنيا إلى الآخرة التّقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدّ اللّه له من ثوابه وعقابه، فعمل طلبا لهذا وخوفا من هذا. ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، وتنقادوا لعدوّكم. واعلموا أنه إنما يطمئنّ بالدنيا من وثق بالنّجاة من عذاب اللّه في الآخرة. فأما من لا يداوي جرحا إلّا أصابه جرح من ناحية أخرى، فكيف يطمئنّ بالدنيا! أعوذ باللّه أن آمركم بما أنهى نفسي عنه فتخسر صفقتي، وتبدو عيلتي، وتظهر مسكنتي يوم لا ينفع فيه إلّا الحقّ والصدق. فارتجّ المسجد بالبكاء، وبكى عمر حتى بلّ ثوبه، حتى ظننّا أنه قاض نحبه. فبلغت إلى صاحبيّ فقلت: جدّدا لعمر من الشّعر غير ما أعددناه، فليس الرجل بدنيويّ. ثم إن مسلمة استأذن لنا يوم جمعة بعد ما أذن للعامّة. فدخلنا فسلّمنا عليه بالخلافة فردّ علينا. فقلت له: يا أمير المؤمنين، طال الثّواء وقلّت الفائدة وتحدّثت بجفائك إيانّا وفود العرب. فقال: يا كثيّر، أما سمعت إلى قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أفمن هؤلاء أنت؟ فقلت له وأنا ضاحك: أنا ابن سبيل ومنقطع به. قال: أو لست ضيف أبي سعيد؟ قلت بلى. قال: ما أحسب من كان ضيف أبي سعيد ابن سبيل ولا منقطعا به. ثم استأذنته في الإنشاد، فقال: قل ولا تقل إلّا حقا؛ فإنّ اللّه سائلك. فقلت:
وليت فلم تشتم عليّا ولم تخفبريّا ولم تتبع مقالة مجرم
وقلت فصدّقت الذي قلت بالذيفعلت، فأضحى راضيا كلّ مسلم
ألا إنّما يكفي الفتى بعد زيغهمن الأود الباقي ثقاف المقوّم
لقد لبست لبس الهلوك ثيابهاوأبدت لك الدنيا بكفّ ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضةوتبسم عن مثل الجمان المنظّم
فأعرضت عنها مشمئزا كأنماسقتك مدوفا من سمام وعلقم
وقد كنت من أجبالها في ممنّعومن بحرها في مزبد الموج مفعم
وما زلت سبّاقا إلى كلّ غايةصعدت بها أعلى البناء المقدّم
فلما أتاك الملك عفوا ولم يكنلطالب دنيا بعده من تكلّم
تركت الذي يفنى وإن كان مونقاوآثرت ما يبقى برأي مصمّم
فأضررت بالفاني وشمّرت للذيأمامك في يوم من الهول مظلم
ومالك أن كنت الخليفة مانعسوى اللّه من مال رغيب ولا دم
سما لك همّ في الفؤاد مؤرّقصعدت به أعلى المعالي بسلّم
فما بين شرق الأرض والغرب كلّهامناد ينادي من فصيح وأعجم
يقول: أمير المؤمنين ظلمتنيبأخذ لدينار ولا أخذ درهم
ولا بسط كفّ لامرىء ظالم لهولا السفك منه ظالما ملء محجم
فلو يستطيع المسلمون تقسّموالك الشّطر من أعمارهم غير ندّم
فعشت به ما حجّ للّه راكبمغذّ مطيف بالمقام وزمزم
فأربح بها من صفقة لمبايعوأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
فقال لي: يا كثيّر، إن اللّه سائلك عن كل ما قلت. ثم تقدّم إليه الأحوص فاستأذنه فقال: قل ولا تقل إلّا حقّا؛ فإن اللّه سائلك. فأنشده:
وما الشعر إلّا خطبة من مؤلّفبمنطق حقّ أو بمنطق باطل
فلا تقبلن إلّا الذي وافق الرّضاولا ترجعنّا كالنساء الأرامل
رأيناك لم تعدل عن الحقّ يمنةولا يسرة فعل الظّلوم المجادل
ولكن أخذت القصد جهدك كلّهوتقفو مثال الصالحين الأوائل
فقلنا ولم نكذب بما قد بدا لناومن ذا يردّ الحقّ من قول عاذل
ومن ذا يردّ السّهم بعد مروقهعلى فوقه إن عار من نزع نابل
ولو لا الذي قد عوّدتنا خلائفغطاريف كانت كالليوث البواسل
لما وخدت شهرا برحلي جسرةتفلّ متون البيد بين الرّواحل
ولكن رجونا منك مثل الذي بهصرفنا قديما من ذويك الأفاضل
فإن لم يكن للشعر عندك موضعوإن كان مثل الدّرّ من قول قائل
وكان مصيبا صادقا لا يعيبهسوى أنه يبنى بناء المنازل
فإنّ لنا قربى ومحض مودّةوميراث آباء مشوا بالمناصل
فذادوا عدوّ السّلم عن عقر دراهموأرسوا عمود الدّين بعد تمايل
فقبلك ما أعطى الهنيدة جلّةعلى الشعر كعبا من سديس وبازل
رسول الإله المصطفى بنبوّةعليه سلام بالضّحى والأصائل
فكلّ الذي عدّدت يكفيك بعضهونيلك خير من بحور السوائل
فقال له عمر: يا أحوص، إنّ اللّه سائلك عن كلّ ما قلت. ثم تقدّم إليه نصيب فاستأذن في الإنشاد، فأبى أن يأذن له وغضب عضبا شديدا، وأمره باللّحاق بدابق. وأمر لي وللأحوص لكلّ واحد بمائة وخمسين درهما.
وقال الرّياشيّ في خبره: فقال لنا: ما عندي ما أعطيكم، فانتظروا حتى يخرج عطائي فأواسيكم منه. فانتظرنا حتى خرج، فأمر لي وللأحوص بثلاثمائة درهم، وأمر لنصيب بمائة وخمسين درهما. فما رأيت أعظم بركة من الثلاث المائة التي أعطاني، ابتعت بها وصيفة فعلّمتها الغناء فبعتها بألف دينار.
أخبرني عمّي عبد العزيز بن أحمد قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال: قال دكين الراجز: امتدحت عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم، فكرهت أن أرمي بهنّ الفجاج، ولم تطب نفسي ببيعهنّ. فقدمت علينا رفقة من مصر، فسألتهم الصّحبة، فقالوا: ذاك إليك، ونحن نخرج الليلة، فأتيته فودّعته وعنده شيخان لا أعرفهما. فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا توّاقة، فإن صرت إلى أكثر مما أنا فيه فأتني ولك الإحسان. قلت: أشهد لي بذلك. قال: أشهد اللّه به. قلت: ومن خلقه؟
قال: هذين الشيخين. فأقبلت على أحدهما فقلت: من أنت أعرفك؟ قال: سالم بن عبد اللّه بن عمر. فقلت له: لقد استسمنت الشاهد. وقلت للآخر: من أنت؟ قال: أبو يحيى مولى الأمير. فخرجت إلى بلدي بهنّ، فرمى اللّه في أذنابهنّ بالبركة حتى اعتقدت منهن الإبل والعبيد. فإنّي لبصحراء فلج إذا ناع ينعى سليمان. قلت: فمن القائم بعده؟ قال: عمر بن عبد العزيز. فتوجّهت نحوه، فلقيني جرير متصرفا من عنده. فقلت: يا أبا حزرة، من أين؟
فقال: من عند من يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء. فانطلقت فإذا هو في عرصة دار وقد أحاط الناس به، فلم أخلص إليه فناديت:
يا عمر الخيرات والمكارموعمر الدّسائع العظائم
إني امرؤ من قطن بن دارمطلبت ديني من أخي مكارم
إذ تنتحي والليل غير نائمعند أبي يحيى وعند سالم
فقام أبو يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، لهذا البدوي عندي شهادة عليك، فقال: أعرفها؛ أدن يا دكين، أنا كما ذكرت لك، إن نفسي لم تنل شيئا قطّ إلّا تاقت لما هو فوقه، وقد نلت غاية الدنيا فنفسي تتوق إلى الآخرة، واللّه ما رزأت من أموال الناس شيئا، ولا عندي إلا ألف درهم، فخذ نصفها. قال: فو اللّه ما رأيت ألفا كان أعظم بركة منه. قال: ودكين الذي يقول:
إذا المرء يدنس من اللّؤم عرضهفكلّ رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يرفع عن اللؤم نفسهفليس إلى حسن الثّناء سبيل
أخبرني الحرميّ عن الزّبير عن هارون بن صالح عن أبيه قال: كنّا نعطي الغسّال الدراهم الكثيرة حتى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبد العزيز من كثرة الطّيب فيها يعني المسك. قال: ثم رأيت ثيابه بعد ذلك وقد ولي الخلافة فرأيت غير ما كنت أعرف.
أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ عن نافع بن أبي نعيم قال: قدم عبد اللّه بن الحسن بن الحسن على عمر بن عبد العزيز فقال: إنك لا تغنم أهلك شيئا خيرا من نفسك فارجع، وأتبعه حوائجه.
قال الرّياشيّ وحدّثنا نصر بن عليّ قال حدّثنا أبو أحمد محمد بن الزّبير الأسديّ عن سعيد بن أبان قال: رأيت عمر بن عبد العزيز آخذا بسرّة عبد اللّه بن حسن وقال: اذكرها عندك تشفع لي يوم القيامة.
حدّثني أبو عبيد الصّيرفيّ قال حدّثنا الفضل بن الحسن المصريّ قال حدّثنا عبد اللّه بن عمر القواريريّ قال حدّثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبان القرشيّ قال: دخل عبد اللّه بن حسن على عمر بن عبد العزيز وهو حديث السّنّ وله وفرة، فرفع مجلسه وأقبل عليه وقضى حوائجه، ثم أخذ عكنة من عكنه فغمزها حتى أوجعه وقال له: أذكرها عندك للشّفاعة. فلمّا خرج لامه أهله وقالوا: فعلت هذا بغلام حديث السنّ! فقال: إن الثّقة حدّثني حتى كأنّي أسمعه من في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: «إنما فاطمة بضعة منّي يسرّني ما يسرّها» وأنا أعلم أن فاطمة لو كانت حيّة لسرّها ما فعلت بابنها. قالوا: فما معنى غمزك بطنه وقولك ما قلت؟ قال: إنه ليس أحد من بني هاشم إلّا وله شفاعة، فرجوت أن أكون في شفاعة هذا.
أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن عليّ قال أخبرني يزيد بن عيسى بن مورق قال: كنت بالشام زمن ولي عمر بن عبد العزيز، وكان بخناصرة، وكان يعطي الغرباء مائتي درهم. قال: فجئته فأجده متكئا على إزار وكساء من صوف. فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل الحجاز. قال: من أيّهم؟ قلت: من أهل المدينة. قال: من أيّهم؟ قلت: من قريش. قال: من أيّ قريش؟ قلت: من بني هاشم. قال: من أيّ بني هاشم؟ قلت: مولى عليّ. قال: من عليّ؟ فسكتّ. قال: من؟! فقلت: ابن أبي طالب. فجلس وطرح الكساء ثم وضع يده على صدره وقال: وأنا واللّه مولى عليّ، ثم قال: أشهد على عدد ممّن أدرك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». أين مزاحم؟ كم تعطي مثله؟ قال: مائتي درهم. قال: أعطه خمسين دينارا لو لائه من عليّ. ثم قال: أفي فرض أنت؟ قلت لا. قال: وافرض له، ثم قال: الحق بلادك فإنه سيأتيك إن شاء اللّه ما يأتي غيرك.
قال أبو زيد فحدّثني عيسى بن عبد اللّه قال حدّثني أبي عن أبيه قال قال أبي: ولد لي غلام يوم قام عمر بن عبد العزيز، فغدوت عليه فقلت له: ولد لي في هذه الليلة غلام. فقال لي: ممّن؟ قلت: من التّغلبيّة. قال: فهب لي اسمه. قلت نعم. قال: قد سمّيته اسمي ونحلته غلامي مورقا، وكان نوبيّا فأعتقه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك؛ فولده اليوم موالينا.
أخبرني محمد بن العبّاس قال حدّثنا عمر قال حدّثنا عيسى بن عبد اللّه قال أخبرني موسى بن عبد اللّه بن حسن عن أبيه قال: كان عمر بن عبد العزيز يراني إذا كانت لي حاجة أتردّد إلى بابه. فقال لي: ألم أقل لك: إذا كانت لك حاجة فارفع بها إليّ! فو اللّه إني لأستحي من اللّه أن يراك على بابي.
أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن العتبيّ عن أبيه قال: لمّا حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة جمع ولده حوله، فلما رآهم استغبر ثم قال: بأبي وأمّي من خلّفتهم بعدي فقراء!. فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، فتعقّب فعلك وأغنهم، فما يمنعك أحد في حياتك ولا يرتجعه الوالي بعدك. فنظر إليه نظر مغضب متعجّب فقال: يا مسلمة، منعتهم إيّاه في حياتي وأشقى به بعد وفاتي! إن ولدي بين رجلين: إمّا مطيع للّه فاللّه مصلح له شأنه ورازقه ما يكفيه، أو عاص له فما كنت لأعينه على معصيته. يا مسلمة، إني حضرت أباك لمّا دفن فحملتني عيني عند قبره فرأيته قد أفضى إلى أمر من أمر اللّه راعني وهالني، فعاهدت اللّه ألّا أعمل بمثل عمله إن وليت؛ وقد اجتهدت في ذلك طول حياتي، وأرجو أن أفضي إلى عفو من اللّه وغفران. قال مسلمة: فلمّا دفن حضرت دفنه، فما فرغ من شأنه حتى حملتني عيني، فرأيته فيما يرى النائم وهو في روضة خضراء نضرة فيحاء وأنهار مطّردة وعليه ثياب بيض؛ فأقبل عليّ فقال: يا مسلمة، لمثل هذا فليعمل العاملون. هذا أو نحوه، فإن الحكاية تزيد أو تنقص.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ عن يحيى بن سعيد الأمويّ قال: لمّا مات عمر بن عبد العزيز وقف مسلمة عليه بعد أن أدرج في كفنه فقال: رحمك اللّه يا أمير المؤمنين! فقد أورثت صالحينا بك اقتداء وهدى، وملأت قلوبنا بمواعظك وذكرك خشية وتقى، وأثّلت لنا بفضلك شرفا وفخرا، وأبقيت لنا في الصالحين بعدك ذكرا.
أخبرني الحسن قال أخبرنا الغلابيّ عن ابن عائشة عن أبيه: أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى الأسارى بقسطنطينيّة: أمّا بعد، فإنكم تعدّون أنفسكمم أسارى ولستم أسارى.
معاذ اللّه! أنتم الحبساء في سبيل اللّه. واعلموا أنّي لست أقسم شيئا بين رعيّتي إلّا خصصت أهلكم بأوفر ذلك وأطيبه. وقد بعثت إليكم خمسة دنانير، خمسة دنانير. ولو لا أنّي خشيت إن زدتكم أن يحبسه عنكم طاغية الرّوم لزدتكم. وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يفادي صغيركم وكبيركم، ذكركم وأنثاكم، حرّكم ومملوككم بما يسأل، فأبشروا ثم أبشروا.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عبد اللّه بن مسلم قال زعم لنا سليمان بن أرقم قال: كتب الحسن البصريّ إلى عمر بن عبد العزيز، وكان يكاتبه، فلما استخلف كتب إليه: «من الحسن البصريّ إلى عمر بن عبد العزيز». فقيل له: إن الرجل قد ولي وتغيّر. فقال: لو علمت أنّ غير ذلك أحبّ إليه لاتّبعت محبّته.
ثم كتب: «من الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز. أما بعد، فكأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل». قال: فمضيت إليه بالكتاب فقدمت عليه به. فإني عنده أتوقّع الجواب إذ خرج يوما غير يوم جمعة حتى صعد المنبر واجتمع الناس. فلما كثروا قام فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيها النّاس، إنكم في أسلاب الماضين، وسيرثكم الباقون حتى تصيروا إلى خير الوارثين. كلّ يوم تجهّزون غاديا إلى اللّه ورائحا، قد حضر أجله، وطوي عمله، وعاين الحساب، وخلع الأسلاب، وسكن التراب، ثم تدعونه غير موسّد ولا ممهّد. ثم وضع يديه على وجهه فبكى مليّا ثم رفعهما فقال: يأيّها الناس، من وصل إلينا منكم بحاجته لم نأله خيرا، ومن عجز فو اللّه لوددت أنه وآل عمر في العجز سواء. قال: ثم نزل. فأرسل إليّ فدخلت إليه؛ فكتب: «بسم اللّه الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فإنك لست بأوّل من كتب عليه الموت، وقد مات. والسلام».
أخبرني ابن عمّار قال حدّثني سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا أبو مطرّف المغيرة بن مطرّف عن شعيب بن صفوان عن أبيه: أنّ عمر بن عبد العزيز خطب بخناصرة خطبة لم يخطب بعدها، حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى؛ وإن لكم معادا يتولّى اللّه فيه الحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء، وحرم الجنّة التي عرضها السماوات والأرض. واعلموا أنّ الأمان غدا لمن حذر اللّه وخافه، وباع قليلا بكثير، ونافدا بباق، وخوفا بأمان. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها من بعدكم الباقون، وكذلك حتى تردّوا إلى خير الوارثين. ثم إنكم في كلّ يوم وليلة تشيّعون غاديا إلى اللّه ورائحا، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، ثم تضعونه في صدع من الأرض في بطن لحد، ثم تدعونه غير موسّد ولا ممهّد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب، ووجّه للحساب، غنيّا عمّا ترك، فقيرا إلى ما قدّم. وايم اللّه إني لأقول لكم هذه المقالة ولا أعلم عند أحد منكم أكثر مما عندي، وأستغفر اللّه لي ولكم. وما يبلغنا أحد منكم حاجته يسعها ما عندنا إلا سددنا من حاجته ما قدرنا عليه، ولا أحد يتّسع له ما عندنا إلا وددت أنه بدىء بي وبلحمتي الذين يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم. وايم اللّه لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان به منّي ناطقا ذلولا عالما بأسبابه، ولكنه من اللّه عزّ وجلّ كتاب ناطق، وسنّة عادلة، دلّ فيهما على طاعته ونهى فيهما عن معصيته. ثم بكى فتلقّى دموعه بطرف ردائه؛ ثم نزل فلم ير على تلك الأعواد بعد حتى قبضه اللّه إليه. رحمه اللّه عليه.
أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو سلمة المدينيّ. عن إبراهيم بن ميسرة: أن عمر بن عبد العزيز اشترى موضع قبره بعشرة دنانير.
أخبرني اليزيديّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو سلمة المدينيّ قال أخبرني ابن مسلمة بن عبد الملك قال حدّثني أبى مسلمة قال: كنّا عند عمر في اليوم الذي توفّي فيه أنا وفاطمة بنت عبد الملك؛ فقلنا له: يا أمير المؤمنين، إنّا نرى أنّا قد منعناك النّوم، فلو تأخّرنا عنك شيئا عسى أن تنام! قال: ما أبالي لو فعلتما. قال: فتنحّيت أنا وهي وبيننا وبينه ستر.
قال: فما نشبنا أن سمعناه يقول: حيّ الوجوه حيّ الوجوه. فابتدرناه أنا وهي فجئناه وقد أغمض ميّتا، فإذا هاتف يهتف في البيت لا نراه: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
صوت
ألا يا دين قلبك من سليمىكما قد دين قلبك من سعادا
هما سبتا الفؤاد وأصبتاهولم يدرك بذلك ما أرادا
قفا نعرف منازل من سليمىدوارس بين حومل أو عرادا
ذكرت بها الشّباب وآل ليلىفلم يرد الشباب بها مرادا
فإن تشب الذّؤابة أمّ زيدفقد لاقيت أيّاما شدادا
عروضه من الوافر. الشعر لأشهب بن رميلة فيما ذكر ابن الأعرابيّ وأبو عمرو الشّيباني. وحكى ابن الأعرابيّ أنه سمع بعض بني ضبّة يذكر أنها لابن أبي رميلة الضّبّيّ. والغناء لعمر بن عبد العزيز رمل بالوسطى عن الهشاميّ وحبش وغيرهما. وفي نسخة عمرو بن بانة الثانية: لخزرج رمل بالبنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع