من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب الأشهب بن رميلة وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
رميلة أمّه، وهي أمة لخالد بن مالك بن ربعيّ بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن عمرو بن تميم. وهو الأشهب بن ثور بن أبي حارثة بن عبد الدار بن جندل بن نهشل بن دارم في النّسب. قال أبو عمرو: وولدها يزعمون أنها كانت سبيّة من سبايا العرب، فولدت لثور بن أبي حارثة أربعة نفر، وهم رباب، وحجناء، والأشهب، وسويد.
فكانوا من أشدّ إخوة في العرب لسانا ويدا، وأمنعهم جانبا. وكثرت أموالهم في الإسلام. وكان أبوهم ثور ابتاع رميلة في الجاهليّة، وولدتهم في الجاهليّة، فعزّوا عزّا عظيما، حتى كانوا إذا وردوا ماء من مياه الصّمّان حظروا على الناس ما يريدون منه. وكانت لرميلة قطيفة حمراء، فكانوا يأخذون الهدب من تلك الفطيفة فيلقونه على الماء، أي قد سبقنا إلى هذا، فلا يرده أحد لعزّهم، فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه ويدعون ما يستغنون عنه.
فوردوا في بعض السنين ماء من مياه الصّمّان وورد معهم ناس من بني قطن بن نهشل. وكانت بنو قطن بن نهشل وبنو زيد بن نهشل وبنو مناف بن درام حلفاء. وكانت الأعجاز حلفاء عليهم، وهم جندل وجرول وصخر بنو نهشل. فأورد بعضهم بعيره فأشرعه حوضا قد حظروا عليه. وبلغهم ذلك فغضبوا منه واجتمعوا وأحلافهم، واجتمعت الأحلاف عليهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فضرب رباب بن رميلة رأس نسير بن صبيح المعروف بأبي بدّال، وأمّه بنت أبي الحمام بن قراد بن مخزوم. وقال رباب في ذلك:
ضربته عشيّة الهلالأوّل يوم عدّ من شوّال
ضربا على رأس أبي بدّالثمّت ما أبت ولا أبالي
ألّا يؤوب آخر اللّيالي
فجمع كلّ واحد منهما لصاحبه. فقالت بنو قطن: يا بني جرول ويا بني صخر ويا بني مناف، ضرب صاحبكم صاحبنا ضربة لا ندري أيموت منها أم يعيش، فأنصفونا؛ فأبى القوم أن يفعلوا؛ فاقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل.
وكان أبيّ بن أشيم أخو بني جرول وهو سيّدهم خرج في حاجة له، فلقيه بعض بني قطن فأسره وأتى به أصحابه.
فقال نهشل بن حرّيّ: يا بني قطن، أطيعوني اليوم واعصوني أبدا. قالوا: نعم، فقل. فقال: إن هذا لم يشهد شرّكم ولا حربكم، ولا يحلّ لكم دمه، وإنّ قومه أحرّ من يقاتلكم وشوكتهم؛ فخذوا عليه العهد أن يصرفهم عنكم وخلّوا سبيله. قالوا: افعل ما رأيت. فأتاه نهشل بن حرّيّ فقال له: يا أبا أسماء، إنّ قومك قد حالوا بيننا وبين حقّنا وقاتلوا دونه، وقد أمكننا اللّه منك، وأنت واللّه أوفى دما عندنا من بني رميلة، فو اللّه لأقتلنّك أو تعطيني ما أسألك.
قال: سل. قال: تجعل أن تصرف بني جرول جميعا، فإن لم يطيعوك انصرفت ببني أشيم، فإن لم يطيعوك أتيتنا.
قال نعم. فخلّي سبيله تحت الليل. فأتاهم وهم بحيث يرى بعضهم بعضا فقال: يا بني جرول انصرفوا؛ أتعترضون على قوم يريدون حقّهم! ألا تتّقون اللّه! واللّه لقد أسرني القوم ولو أرادوا قتلي لكان فيه وفاء بحقّهم، ولكنّهم يكرهون حربكم فلا تبغوا عليهم. فانصرف منهم أكثر من سبعين رجلا. فلما رأى ذلك بنو صخر وبنو جرول قالوا: واللّه إنا لنظلم قومنا إن قاتلناهم؛ وانصرفوا، وتخاذل القوم. فلما رأى ذلك الأشهب بن رميلة قال: ويلكم! أفي ضربة من عصا لم تصنع شيئا تسفكون دماءكم! واللّه ما به من بأس، فأعطوا قومكم حقّهم. فقال حجناء ورباب: واللّه لننصرفنّ فلنلحقنّ بغيركم ولا نعطي ما بأيدينا. فجعل الأشهب بن رميلة يقول: ويلكم! أتخرّبون دار قومكم في ضربة عصا لم تبلغ شيئا!. فلم يزل بهم حتى جاءوا برباب فدفعوه إلى بني قطن، وأخذوا منهم أبا بدّال وهو المضروب فمات في تلك الليلة في أيديهم؛ فكتموه، وأرسلوا إلى عبّاد بن مسعود، ومالك بن ربعيّ، ومالك بن عوف، والقعقاع بن معبد، فعرضوا عليهم الدّية. فقالوا: وما الدّية وصاحبنا حيّ! قالوا: فإن صاحبكم ليس بحيّ. فأمسكوا وقالوا: ننظر. ثم جاءوا إلى رباب فقالوا: أوصنا بما بدا لك. قال: دعوني أصلّي. قالوا: صلّ. فصلّى ركعتين ثم قال: أما واللّه إنّي إلى ربّي لذو حاجة، وما منعني أن أزيد في صلاتي إلا أن تروا أن ذلك فرق من الموت، فليضربني منكم رجل شديد السّاعد حديد السيف. فدفعوه إلى أبي خزيمة بن نسير المكنيّ بأبي بدّال فضرب عنقه، فدفنوه؛ وذلك في الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفّان. فقال الأشهب يرثي أخاه ويلوم نفسه في دفعه إليهم لتسكن الحرب:
أعينيّ قلّت عبرة من أخيكمابأن تسهرا ليل التّمام وتجزعا
وباكية تبكي الرّباب وقائلجزى اللّه خيرا ما أعفّ وأمنعا
وأضرب في الهيجا إذا حمس الوغىوأطعم إذ أمسى المراضيع جوّعا
إذا ما اعترضنا من أخينا أخاهمروينا ولم نشف الغليل فينقعا
قرونا دما والضّيف منتظر القرىودعوة داع قد دعانا فأسمعا
مردنا وكانت هفوة من حلومنابثدي إلى أولاد ضمرة أقطعا
وقد لامني قومي ونفسي تلومنيبما فال رأيي في رباب وضيّعا
فلو كان قلبي من حديد أذابهولو كان من صمّ الصّفا لتصدّعا
مضى الحديث.
ونسخت من كتاب محمد بن الحسن الكاتب حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكّي عن أبيه قال: لعمر بن عبد العزيز في سعاد سبعة ألحان.
منها:
يا سعاد التي سبتني فؤاديورقادي هبي لعيني رقادي
ولحنه رمل مطلق.
ومنها:
حظّ عيني من سعادأبدا طول السّهاد
ولحنه رمل بالسبّابة في مجرى البنصر.
ومنها:
سبحان ربّي برا سعادالا تعرف الوصل والوداد
ولحنه خفيف رمل.
ومنها:
لعمري لئن كانت سعاد هي المنىوجنّة خلد لا يملّ خلودها
ولحنه ثقيل أوّل.
ومنها:
أسعاد جودي لا شقيت سعاداواجزي محبّك رأفة وودادا
ولحنه خفيف رمل.
ومنها:
ألمّا صاحبيّ نزر سعادا
ومنها:
ألا يا دين قلبك من سليمى
وقد ذكرت طريقتهما.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز حديث كثير وفقه، وحمل عنه أهل العلم.
أخبرنا محمد بن جرير الطّبريّ قال حدّثنا عمران بن بكّار الكلاعيّ قال حدّثنا خالد بن عليّ قال حدّثنا بقيّة بن الوليد عن مبشّر بن إسماعيل عن بشر بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عمر عن جدّه عبد العزيز عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «من أحبّ أن تمثل له الرجال قياما فليتبوّأ مقعده من النار».
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ وعمّي قالا حدّثنا العنزيّ قال حدّثني وزير بن محمد أبو هاشم الغسّانيّ قال حدّثني محمد بن أيّوب بن سعيد السّكّريّ عن عمر بن عبد العزيز عن أمّه عن أبيها عاصم بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «نعم الإدام الخلّ».
وممن حكي عنه أنه صنع في شعره غناء يزيد بن عبد الملك، ولم يأت ذلك برواية عمّن يحصّل قوله كما حكي عن عمر بن عبد العزيز، وإنما وجد في الكتب أنه صنع لحنا في شعره، وذكره من لا يوثق به، ولم نروه عن أحد فلم نأت بأخباره ها هنا مشروحة، وأتيت بها في أخباره مع حبابة بحيث يصلح. وأما اللحن الذي ذكر أنه صنعه فهو:
صوت
أبلغ حبابة أسقى ربعها المطرما للفؤاد سوى ذكراكم وطر
إن سار صحبي لم أملل بذكركمأو عرّسوا فهموم النفس والفكر
في هذين البيتين ثقيل أوّل يقال إنه ليزيد بن عبد الملك. وذكر ابن المكّيّ أنه لحبابة.
وحكي عن الهيثم بن عديّ أن يزيد بن عبد الملك لمّا رأى حبابة تعلّقها ولم يقدر على ابتياعها خوفا من أخيه سليمان أو من عمر بن عبد العزيز، وقال فيها هذين البيتين وهو راحل عن الحجاز، وغنّاه فيهما معبد، فوصله بعد ذلك بما كان يغنيه، وأخذته حبابة وغيرها عنه. وذكر الهشاميّ أنه مما لا يشكّ فيه من غناء معبد. وقد مضت أخبار يزيد بن عبد الملك وحبابة في صدر هذا الكتاب فاستغني عن إعادتها هنا.
وممن غنّى منهم الوليد بن يزيد: وله أصوات صنعها مشهورة، وقد كان يضرب بالعود ويوقع بالطبل ويمشي بالدّفّ على مذهب أهل الحجاز.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد عن الفطرانيّ عن محمد بن جبر قال حدّثني من سمع خالد صامة يقول: كنت يوما عند الوليد بن يزيد وأنا أغنّيه: أراني اللّه يا سلمى حياتي وهو يشرب حتى سكر. ثم قال لي: هات العود، فدفعته إليه، فغنّاه أحسن غناء؛ فنفست عليه إحسانه، ودعوت بطبل فجعلت أوقع عليه وهو يضرب حتى دفع العود وأخذ الطّبل فجعل يوقع به أحسن إيقاع، ثم دعا بدفّ فأخذه ومشى به وجعل يغنّي أهزاج طويس حتى قلت قد عاش، ثم جلس وقد انبهر. فقلت: يا سيّدي، كنت أرى أنك تأخذ عنّا ونحن الآن نحتاج إلى الأخذ عنك! فقال: أسكت ويلك! فو اللّه أن سمع هذا منك أحد ما دمت حيّا لأقتلنّك. فو اللّه ما حكيته عنه حتى قتل.
أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى قال أخبرنا أبو أيّوب المدينّي قال ذكر أبو الحسن المدائني أن يحيى مولى العبلات المعروف بفيل وهو الذي غنّى:
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا
كان مقيما بمكة. فلمّا قدمها الوليد بن يزيد سأل عن أحسن الناس غناء وحكاية لابن سريج؛ فقيل له: فيل.
فدعاه وقال له: امش لي بالدّفّ، ففعل. ثم قال له الوليد: هاته حتى أمشي به، فإن أخطأت فقوّمني. فمشى به أحسن من مشية فيل. فقال له يحيى: جعلت فداءك! إيذن لي حتى أختلف إليك لأتعلّم منك.
فمن مشهور صنعته في شعره:
وصفراء في الكأس كالزعفرانسباها التّجيبيّ من عسقلان
تريك القذاة وعرض الإناءستر لها دون لمس البنان
لحنه فيه خفيف رمل. وفيه لأبي كامل ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس. ولعمر الواديّ فيه ثقيل أوّل بالوسطى عن يونس والهشاميّ. وقد مضت أخباره مشروحة في المائة الصوت المختارة.
ومن دوّنت صنعته من خلفاء بني العبّاس الواثق باللّه.
ولم نعلمه حكي ذلك عن أحد منهم قبله إلّا ما قدّمنا سوء العهدة فيه عن ابن خرداذبة؛ فإنه حكى أن للسّفّاح والمنصور وسائرهم غناء وأتى فيها بأشياء غثّة لا يحسن لمحصّل ذكرها.
وأخبرني يحيى بن محمد الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت يوما دار الوائق بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا. فسمعت صوت عود من بيت وترنّما لم أسمع أحسن منه قطّ، فأطلع خادم رأسه ثم ردّه وصاح بي فدخلت فإذا الواثق. فقال: أيّ شيء سمعت؟ فقلت: الطّلاق لازم لي وكلّ مملوك لي حرّ لقد سمعت ما لم أسمع مثله قطّ حسنا! فضحك فقال: وما هو! إنما هذه فضلة أدب وعلم مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسلم ورحمهم والتابعون بعدهم وكثر في حرم اللّه ومهاجر رسول اللّه. أتحبّ أن تسمعه منّي؟ قلت: إي والذي شرّفني بخطابك وجميل رأيك. فقال: يا غلام، هات العود وأعط إسحاق رطلا. فدفع الرّطل إليّ وضرب وغنّى في شعر لأبي العتاهية بلحن صنعه فيه:
أضحت قبورهم من بعد عزّهمتسفي عليها الصّبا والحرجف الشّمل
لا يدفعون هواما عن وجوههمكأنهم خشب بالقاع منجدل
فشربت الرّطل ثم قمت فدعوت له؛ فأجلسني وقال: أتشتهي أن تسمعه ثانية؟ فقلت: إي واللّه، فغنّانيه ودعا لي برطل، ففعلت كما فعلت ثانية ثم ثالثة. وصاح ببعض خدمه وقال له: إحمل إلى إسحاق ثلاثمائة ألف درهم. ثم قال: يا إسحاق، قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلاثمائة ألف درهم، فانصرف إلى أهلك ليسرّوا بسرورك؛ فانصرفت بالدراهم.
أخبرني محمد قال سمعت أحمد بن محمد بن الفرات يقول سمعت عريب تقول: صنع الواثق مائة صوت ما فيها صوت ساقط. ولقد صنع في هذا الشعر:
هل تعلمين وراء الحبّ منزلةتدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني
هذا كتاب فتى طالت بليّتهيقول يا مشتكى بثّى وأحزاني
لحنا من الرّمل تشبّه فيه بصنعة الأوائل.
نسبة هذا الصوت
الشعر ليعقوب بن إسحاق الرّبعيّ المخزوميّ. والغناء للواثق رمل بالوسطى من رواية الهشاميّ.
أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ والحرميّ بن أبي العلاء وعليّ بن سليمان الأخفش قالوا حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال قال الزّبير بن بكّار: كتب ابن أبي مسرّة المكّيّ إلى أهل المدينة بيتين وهما:
هذا كتاب فتى طالت بليّتهيقول يا مشتكى بثّي وأحزاني
هل تعلمين وراء الحبّ منزلةتدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني
قال الزّبير: وكنت غائبا، فلما قدمت قال لي أهل المدينة ذلك. فقلت لهم: أيكتب إليكم صاحبكم يعاتبكم فلا تجيبونه!.
أنشدني يعقوب بن إسحاق الرّبعيّ المخزوميّ لنفسه:
قال الوشاة لهند عن تصارمناولست أنسى هوى هند وتنساني
يعقوب ليس بمتبول ولا كلفويح الوشاة فإنّ الداء أضناني
ما بي سوى الحبّ من هند وإن بخلتحبّي لهند برى جسمي وأبلاني
قد قلت حين بدا لي بخل سيّدتيوقد تتابع بي بثّي وأحزاني
هل تعلمين وراء الحبّ منزلةتدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني
قالت نعم قلت ما ذاكم أسيّدتيوطاعة الحبّ تنفي كلّ عصيان
قالت فدعنا بلا صرم ولا صلةولا صدود ولا في حال هجران
حتى يشكّ وشاة قد رموك بناوأعلنوا بك فينا أيّ إعلان
ومن غناء الواثق باللّه:
صوت
خليليّ عوجا من صدور الرّواحلبجرعاء حزوى وابكيا في المنازل
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفي نجيّ البلابل
الشعر لذي الرّمة. والغناء للواثق باللّه رمل مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ. ولإسحاق فيهما رمل بالسبّابة في مجرى البنصر. ولحن الواثق منهما الذي أوّله البيت الثاني وهو اللحن المحثوث المسجح وله ردّة في «لعل». ولحن إسحاق أوّله البيت الأوّل ثم الثاني وهو أشدّهما إمساكا وفيه صياح.
أخبرنا أبو أحمد يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: أنه دخل على إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ وقد كان تكلّم له في حاجة فقضيت. فقال له: أعطاك اللّه أيها الأمير ما لم تحط به أمنيّة ولم تبلغه رغبة. قال: فاشتهي هذا الكلام فاستعاده فأعدته. قال: ثم مكثنا ما شاء اللّه؛ وأرسل الواثق إلى محمد بن إبراهيم يأمره بإشخاصي إليه في الصوت الذي أمرني أن أتغنّى فيه وهو:
لقد بخلت حتى لو انّي سألتها
فأمر لي بمائة ألف درهم. فأقمت ما شاء اللّه ليس أحد من مغنّيهم يقدر على أن يأخذ هذا الصوت منّي. فلما طال مقامي قلت: يا أمير المؤمنين، ليس أحد من هؤلاء المغنّين يقدر على أن يأخذ هذا الغناء منّي. فقال لي: ولم ويحك؟ قلت: لأني لا أصحّحه ولا تسخو نفسي لهم به. فلما فعلت يا أمير المؤمنين في الجارية التي أخذتها منّي؟
(يعني شجا، وهي التي كان أهداها إلى الواثق وعمل لها المصنّف الذي في أيدي الناس لإسحاق). قال: وكيف؟
فقلت: لأنها تأخذه منّي وأطيب به لها نفسا، وهم يأخذونه منها. قال: فأمر بها فأخرجت وأخذته على المكان.
فأمر لي بمائة ألف درهم أخرى، وأذن لي في الانصراف. وكان إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ حاضرا عنده، فقلت له عند وداعي إيّاه: أعطاك اللّه يا أمير المؤمنين ما لم تحط به أمنيّة ولم تبلغه رغبة. فالتفت إليّ إسحاق بن إبراهيم فقال لي: ويحك يا إسحاق! تعيد الدعاء! فقلت: إي واللّه أعيده قاصّ أنا أو مغنّ. فانصرفت إلى بغداد وأقمت، حتى قدم إسحاق فجئته مسلّما. فقال: ويلك يا إسحاق! أتدري ما قال أمير المؤمنين بعد خروجك من عنده؟ قلت: لا، أيها الأمير. قال: قال لي: ويحك! كنّا أغنى الناس عن أن نبعث إسحاق على لحننا فيفسده علينا. هذه رواية أبي أيّوب.
قال أبو أحمد يحيى بن عليّ بن يحيى وأخبرني أبي رحمه اللّه عن إسحاق أنه قال: لمّا صنعت لحني في:
خليليّ عوجا من صدور الرواحل
غنّيته الواثق فاستحسنه وعجب من صحّة قسمته، ومكث صوته أيّاما ثم قال لي: يا إسحاق، قد صنعت لحنا في صوتك وفي إيقاعه، وأمر فغنّيت به؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، بغّضت إليّ لحني وسمّجته عندي. وقد كنت استأذنته مرّات في الانحدار إلى بغداد بعد أن ألقيت اللحن الذي كان أمرني بصنعه في: لقد بخلت حتى لو اني سألتها فمنعني ودافعني بذلك. فلما صنع لحنه الرّمل في:
خليليّ عوجا من صدور الرّواحل
قلت له: يا أمير المؤمنين، قد واللّه اقتصصت وزدت؛ فأذن لي بعد ذلك. قال أبو الحسن عليّ بن يحيى قلت لإسحاق: فأيّهما أجود الآن لحنك فيه أو لحنه؟ فقال: لحني أجود قسمة وأكثر عملا، ولحنه أظرف، لأنه جعل ردّته من نفس قسمته، فليس يقدر على أدائه إلا متمكّن من نفسه. قال أبو الحسن: فتأمّلت اللحنين بعد ذلك فوجدتهما كما ذكر إسحاق. قال وقال لي إسحاق: ما كان يحضر مجلس الواثق أعلم منه بالغناء.
فأمّا نسبة هذين الصوتين، فإن أحدهما قد مضى ومضت نسبته. والآخر:
صوت
أيا منشر الموتى أقدني من التيبها نهلت نفسي سقاما وعلّت
لقد بخلت حتى لو انّي سألتهاقذى العين من ضاحي التّراب لضنّت
الشعر لأعرابيّ رواه إسحاق عنه ولم يذكر اسمه، والناس يغلطون فينسبونه إلى كثيّر ويظنّونه من قصيدته التي أوّلها:
خليليّ هذا رسم عزّة فاعقلاقلوصيكما ثم ابكيا حيث حلّت
وهذا خطأ ممن قال ذلك. والغناء للواثق ثاني ثقيل بالوسطى. ولإسحاق في البيت الثاني وبعده بيت ألحقه به ليس من الشعر ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى. والبيت الذي ألحقه إسحاق به من شعره:
فإن بخلت فالبخل منها سجيةوإن بذلت أعطت قليلا وأكدت
أخبرني عمّي رحمه اللّه قال حدّثني أبو جعفر بن الدّهقانة النّديم قال: كان الواثق إذا أراد أن يعرض صنعته على إسحاق نسبها إلى غيره وقال: وقع إلينا صوت قديم من بعض العجائز ما سمعه أحد، ويأمر من يغنّيه إيّاه. وكان إسحاق يأخذ نفسه في ذلك بقول الحق أشدّ أخذ، فإن كان جيّدا من صناعته قرّظه ووصفه واستحسنه، وإن كان مطّرحا أو فاسدا أو متوسّطا ذكر ما فيه. فربّما كان للواثق فيه هوّى فيسأله عن تقويمه وإصلاح فساده، وربما اطّرحه بقول إسحاق فيه؛ إلى أن صنع لحنا في قول الشاعر:
لقد بخلت حتى لو انّي سألتهاقذى العين من ضاحي التراب لضنّت
فأعجب به واستحسنه، وأمر المغنّين فغنّوا فيه، وأمر بإشخاص إسحاق إليه من بغداد ليسمعه.
فكاده مخارق عنده وقال: يا أمير المؤمنين، إن إسحاق شيطان خبيث داهية، وإن قولك له فيما تصنعه: هذا صوت وقع إلينا، لا يخفى عليه به أنّ الصوت لك ومن صنعتك ولا يوقع في فهمه أنه قديم، فيقول لك وبحضرتك ما يقارب هواك، فإذا خرج عن حضرتك قال لنا ضدّ ذلك. فأحفظ الواثق قوله وغاظه، وقال له: أريد على هذا القول منك دليلا. قال: أنا أقيم عليه الدليل إذا حضر. فلما قدم به وجلس في أوّل مجلس اندفع مخارق يغنّي لحن الواثق:
لقد بخلت حتّى لو انّي سألتها
فزاد فيه زوائد أفسدت قسمته فسادا شديدا وخفيت على الواثق لكثرة زوائد مخارق في غنائه. فسأله الواثق عنه؛ فقال: هذا غناء فاسد غير مرضيّ عندي. فغضب الواثق وأمر بإسحاق فسحب حتى أخرج من المجلس. فلما كان من الغد قالت فريدة للواثق: يا أمير المؤمنين، إن إسحاق رجل يأخذ نفسه بقول الحق في صناعته على كل حال ساءته أو سرّته، لا يخاف في ذلك ضررا ولا يرجو نفعا؛ وما لك منه عوض. وقد كاده مخارق عندك فزاد في صدر الصوت من زوائده التي تعرف، وتركه في المصراع الثاني على حاله، ونقص من البيت الثاني، وقد تبيّنت ذلك.
وأنا أعرضه على إسحاق وأغنيّه إيّاه على صحّته، واسمع ما يقول. وما زالت تلطف للواثق حتى رضي عنه وأمر بإحضاره. فغنّته إيّاه فريدة كما صنعه الواثق. فلمّا سمعه قال: هذا صوت صحيح الصّنعة والقسمة والتجزئة، وما هكذا سمعته في المرة الأولى. ثم أخبر الواثق عن مواضع فساده حينئذ، وأبان ذلك له بما فهمه. وغنّته فريدة عدّة أصوات من القديم والحديث كلّها يقول فيها بما عنده من مدح لبعضها وطعن على بعض. فاستحسن الواثق ذلك وأجازه يومئذ وحباه، وجفا مخارقا مدّة لما فعله به.
أخبرني جحظة قال حدّثني ابن المكّيّ عن أبيه قال: كان الواثق إذا صنع شيئا من الغناء أخبر إسحاق به وعرضه عليه حتى يصلح ما فيه ثم يظهره.
وقد أخبرني الحسن بن عليّ عن يزيد بن محمد المهلّبيّ بهذا الخبر فذكر نحو ما ذكرته ها هنا وفي ألفاظه اختلاف. وقد تقدّم ذكره وابتدأناه في أخبار إسحاق. والأبيات الثانية التي غنّى فيها الواثق وإسحاق أنشدنيها عليّ بن سليمان الأخفش وعليّ بن هارون بن عليّ بن يحيى جميعا عن هارون بن عليّ بن يحيى عن أبيه عن إسحاق لأعرابيّ، وأنشدناها محمد بن العبّاس اليزيديّ قال أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب لبعض الأعراب:
ألا قاتل اللّه الحمامة غدوةعلى الغصن ماذا هيّجت حين غنّت
فغنّت بصوت أعجميّ فهيّجتهواي الذي كانت ضلوعي أكنّت
فلو قطرت عين امرىء من صبابةدما قطرت عيني دما وألمّت
فما سكتت حتى أويت لصوتهاوقلت أرى هذي الحمامة جنّت
ولي زفرات لو يدمن قتلننيبشوق إلى نادي التي قد تولّت
إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضتفمن لي بأخرى في غد قد أظلّت
أيا منشر الموتى أعنّي على التيبها نهلت نفسي سقاما وعلّت
لقد بخلت حتى لو انّي سألتهاقذى العين من سافي التراب لضنّت
فقلت ارحلا يا صاحبيّ فليتنيأرى كلّ نفس أعطيت ما تمنّت
حلفت لها باللّه ما أمّ واحدإذا ذكرته آخر الليل أنّت
وما وجد أعرابيّة قذفت بهاصروف النّوى من حيث لم تك ظنّت
إذا ذكرت ماء العضاه وطيبهوبطن الحصى من بطن خبت أرنّت
بأعظم من وجدي بها غير أننيأجمجم أحشائي على ما أجنّت
أخبرني جحظة وابن أبي الأزهير ويحيى بن عليّ والحسين بن يحيى قالوا جميعا أخبرنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه، وقد جمعت روايتهم في هذا الخبر وزدت فيه ما نقصه كل واحد منهم حتى كملت ألفاظه، قال: ما وصلني أحد من الخلفاء بمثل ما وصلني به الواثق؛ وما كان أحد منهم يكرمني إكرامه. ولقد غنّيته لحني:
لعلّك إن طالت حياتك أن ترىبلادا بها مبدى لليلى ومحضر
فاستعاده منّي ليلة لا يشرب على غيره، ثم وصلني بثلاثمائة ألف درهم. ولقد قدمت عليه في بعض قدماتي، فقال لي: ويحك يا إسحاق! أما اشتقت إليّ! فقلت: بلى واللّه يا سيّدي! وقلت في ذلك أبياتا إن أمرتني أنشدتها.
قال: هات؛ فأنشدته:
أشكو إلى اللّه بعدي عن خليفتهوما أقاسيه من همّ ومن كبر
لا أستطيع رحيلا إن هممت بهيوما إليه ولا أقوى على السفر
أنوي الرحيل إليه ثم يمنعنيما أحدث الدهر والأيّام في بصري
ثم استأذنته في إنشاد قصيدة مدحته بها فأذن لي؛ فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها:
لمّا أمرت بإشخاصي إليك هوىقلبي حنينا إلى أهلي وأولادي
ثم اعتزمت فلم أحفل ببينهموطابت النفس عن فضل وحمّاد
كم نعمة لأبيك الخير أفردنيبها وخصّ بأخرى بعد إفرادي
فلو شكرت أياديكم وأنعمكملما أحاط بها وصفي وتعدادي
لأشكرنّك ما غار النجوم وماحدا على الصّبح في إثر الدّجى حاد
قال عليّ بن يحيى خاصّة في خبره: فقال لي أحمد بن إبراهيم: يا أبا الحسن، أخبرني لو قال الخليفة لإسحاق: أحضر لي فضلا وحمّادا أليس كان يفتضح إسحاق! (يعني من دمامة خلقتهما وتخلّف شاهدهما).
قال إسحاق: ثم انحدرت مع الواثق إلى النّجف، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد قلت في النّجف قصيدة.
فقال: هاتها؛ فأنشدته قولي:
يا راكب العيس لا تعجل بنا وقفنحيّ دارا لسعدى ثم ننصرف
لم ينزل الناس في سهل ولا جبلأصفى هواء ولا أغذى من النّجف
حفّت ببرّ وبحر في جوانبهافالبرّ في طرف والبحر في طرف
ما إن يزال نسيم من يمانيةيأتيك منها بريّا روضة أنف
حتى انتهيت إلى مديحه فقلت وقد انتهيت إلى قولي فيه:
لا يحسب الجود يفني ماله أبداولا يرى بذل ما يحوي من السّرف
فقال لي: أحسنت يا أبا محمد! فكنّاني، وأمر لي بألف درهم. وانحدرنا إلى الصالحيّة التي يقول فيها أبو نواس:
فالصالحيّة من أكناف كلواذا
وذكرت الصبيان وبغداد فقلت:
أتبكي على بغداد وهي قريبةفكيف إذا ما ازددت منها غدا بعدا
لعمرك ما فارقت بغداد عن قلىلو انّا وجدنا من فراق لها بدّا
إذا ذكرت بغداد نفسي تقطّعتمن الشوق أو كادت تموت بها وجدا
كفى حزنا أن رحت لم تستطع لهاوداعا ولم تحدث لساكنها عهدا
فقال لي: يا موصليّ، لقد اشتقت إلى بغداد! فقلت: لا واللّه يا أمير المؤمنين، ولكني اشتقت إلى الصبيان، وقد حضرني بيتان. فقال هاتهما. فقلت:
حننت إلى الأصيبية الصّغاروشاقك منهم قرب المزار
وكلّ مفارق يزداد شوقاإذا دنت الدّيار من الديار
فقال لي: يا إسحاق، سر إلى بغداد فأقم شهرا مع صبيانك ثم عد إلينا، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم.
أخبرني جحظة عن ابن حمدون: أن إسحاق كان يحضر مجالس الخلفاء إذا جلسوا للشّرب في جملة المغنّين وعوده معه إلى أيام الواثق، فإنه كان إذا قدم عليه يحضر مع الجلساء بغير عود، ويدنيه الواثق ولا يغنّي حتى يقول له: غنّ، فإذا قال له غنّ جاءوه بعود فغنّى به، وإذا فرغ رفع العود من بين يديه إكراما من الواثق له.
أخبرني الحسين بن يحيى عن وسواسة بن الموصليّ عن حمّاد بن إسحاق قال: كتب حمدون بن إسماعيل إلى أبي: إن أمير المؤمنين الواثق يأمرك أن تصنع لحنا في هذا الشعر:
لقد بخلت حتى لو انّي سألتها
وقد كان الواثق غنّى فيه غناء أعجبه؛ فغنّى فيه أبي. فلما سمعه الواثق قال: أفسد علينا إسحاق ما كنّا أعجبنا به من غنائنا. قال حمّاد: ثم لم أعلم أن أبي صنع بعده غناء حتى مات.
ومن مشهور أغاني الواثق:
صوت
سقى العلم الفرد الذي في ظلالهغزالان مكحولان مؤتلفان
أرغتهما ختلا فلم أستطعهماورميا ففاتاني وقد رمياني
ولحنه فيه من الثقيل الأوّل. ولإسحاق فيه رمل.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال أخبرني محمد بن منصور بن عليّة القرشيّ قال أخبرني جعفر بن عبيد اللّه بن جعفر الهاشميّ عن إسحاق بن سليمان بن عليّ قال: لقيت أعرابيّا بالسّميّة فصيحا، فاستخففته وتأمّلته فإذا هو مصفرّ شاحب ناحل الجسم، فاستنشدته فأنشدني الشيء بعد الشيء على استكراه منّي له. فقلت له: ما بالك؟ فو اللّه إنك لفصيح! فقال: أما ترى الجبلين؟
قلت بلى. قال: في ظلالهما واللّه يمنعني من إنشادك ويشغلني ويذهلني عن الناس. قلت: وما ذاك؟ قال: بنت عمّ لي قد تيّمتني وذهبت بعقلي، واللّه إنه لتأتي عليّ ساعات ما أدري أفي السماء أنا أم في الأرض، ولا أزال ثابت العقل ما لم يخامر ذكرها قلبي، فإذا خامره بطلت حواسّي وعزب عنّي لبّي. قلت: فما يمنعك منها؟ أقلّة ما في يدك؟ قال: واللّه ما يمنعني منها غير ذلك. قلت: وكم مهرها؟ قال: مائة ناقة. قلت: فأنا أدفعها إليك إذا لتدفعها إليهم. قال: واللّه لئن فعلت ذلك إنك لأعظم الناس عليّ منّة. فوعدته بذلك واستنشدته ما قال فيها، فأنشدني أشياء كثيرة منها قوله:
سقى العلم الفرد الذي في ظلالهغزالان مكحولان مؤتلفان
البيتان. فقلت له: يا أعرابيّ، واللّه لقد قتلتني بقولك «ففاتاني وقد قتلاني» وأنا بريء من العبّاس أن لم أقم بأمرك.
ثم دعوت بمركوب فركبته وحملت معي الأعرابيّ، فصرنا إلى أبي الجارية في جماعة من أهلي ومواليّ حتى زوّجته إيّاها وضمنت عنه الصّداق واشتريت له مائة ناقة فسقتها عنه؛ وأقمت عندهم ثلاثا ونحرت لهم ثلاثين جزورا، ووهبت للأعرابيّ عشرة آلاف درهم وللجارية مثلها، وقلت: استعينا بهذا على اتّصالكما وانصرفت. فكان الأعرابيّ يطرقنا في كلّ سنة وامرأته معه فأهب له وأصله وينصرف.
ومن أغانيه - أخبرني به ذكاء وجه الرّزّة عن أحمد بن العلاء عن مخارق وأنه أخذه عنه -:
صوت
إنّ التي عاطيتها فرددتهاقتلت قتلت فهاتها لم تقتل
كلتاهما حلب العصير فعاطنيبزجاجة أرخاهما للمفصل
يروي: «كلتاهما جلب العصير» و «حلب العصير». ويروي: «للمفصل» و «للمفصل». والمفصل: الواحد من المفاصل، والمفصل هو اللسان. ذكر ذلك عليّ بن سليمان الأخفش عن محمد بن الحسن الأحول عن ابن الأعرابيّ.
الشعر لحسّان بن ثابت. والغناء للواثق خفيف رمل بالبنصر. وفيه لإبراهيم الموصليّ رمل مطلق في مجرى الوسطى. وهذه الأبيات من قصيدة حسّان المشهورة التي يمدح بها بني جفنة، وأوّلها:
أسألت رسم الدار أم لم تسأل
وهي من فاخر المديح، منها قوله:
أولاد جفنة عند قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد البريص عليهمبردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
بيض الوجوه كريمة أنسابهمشمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
نسخت من كتاب الشّاهينيّ: حدّثني ابن عليل العنزيّ قال حدّثني أحمد بن عبد الملك بن أبي السّمّال السّعديّ قال حدّثني أبو ظبيان الحمّانيّ قال: اجتمعت جماعة من الحيّ على شراب لهم، فتغنّى رجل منهم بشعر حسّان:
إنّ التي عاطيتني فرددتهاقتلت قتلت فهاتها لم تقتل
كلتاهما حلب العصير فعاطنيبزجاجة أرخاهما للمفصل
فقال رجل من القوم: ما معنى قوله «إن التي عاطيتني» فجعلها واحدة، ثم قال: «كلتاهما حلب العصير» فجعلهما ثنتين؟ فلم يعلم أحد منّا الجواب. فقال رجل من القوم: امرأته طالق ثلاثا إن بات أو يسأل القاضي عبيد اللّه بن الحسن عن تفسير هذا الشعر. قال أبو ظبيان: فحدّثني بعض أصحابنا السعديّين قال: فأتيناه نتخطّى إليه الأحياء حتى أتيناه وهو في مسجده يصلّي بين العشاءين. فلما سمع حسّنا أوجز في صلاته، ثم أقبل علينا وقال: ما حاجتكم؟ فبدأ رجل منّا كان أحسننا بقيّة فقال: نحن، أعزّ اللّه القاضي، قوم نزعنا إليك من طرف البصرة في حاجة مهمّة فيها بعض الشيء. فإن أذنت لنا قلنا. قال: قولوا. فذكر يمين الرجل والشعر. فقال: أمّا قوله «إن التي ناولتني» هي الخمرة. وقوله: «قتلت» يعني مزجت بالماء. وقوله: «كلتاهما حلب العصير» يعني به الخمر ومزاجها، فالخمر عصير العنب، والماء عصير السّحاب؛ قال اللّه عزّ وجلّ: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً
انصرفوا إذا شئتم.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلّبيّ عن أبيه قال: غنّى مخارق يوما بحضرة الواثق:
حتى إذا الليل خبا ضوءهوغابت الجوزاء والمرزم
خرجت والوطء خفيّ كماينساب من مكمنه الأرقم
فاستملح الواثق الشعر واللحن، فصنع في نحوه:
قالت إذا الليل دجا فأتنافجئتها حين دجا الليل
خفيّ وطء الرّجل من حارسولو درى حلّ بي الويل
ولحنه فيه من الرّمل. وصنع فيه الناس ألحانا بعده: منها لعريب خفيف رمل، ومنها ثقيل أوّل لا أعلم لمن هو؛ وسمعت ذكاء ومحمد بن إبراهيم قريضا يغنّيانه وذكرا أنهما أخذاه عن أحمد بن أبي العلاء، ولا أدري لمن هو.
حدّثني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال: سرت إلى سرّمن رأى بعد قدومي من الحجّ، فدخلت إلى الواثق فقال: بأي شيء أطرفتني من أحاديث الأعراب وأشعارهم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين جلس إليّ فتى من الأعراب في بعض المنازل، فحادثني فرأيت منه أحلى ما رأيت من الفتيان منظرا وحديثا وأدبا. فاستنشدته فأنشدني:
سقى العلم الفرد الذي في ظلالهغزالان مكحولان مؤتلفان
إذا أمنا التفّا بجيدي تواصلوطرفاهما للرّيب مسترقان
أرغتهما ختلا فلم أستطعهماورميا ففاتاني وقد قتلاني
ثم تنفّس تنفّسا ظننت أنه قد قطع حيازيمه. فقلت: مالك بأبي أنت؟ فقال: إن لي وراء هذين الجبلين شجنا، وقد حيل بيني وبين المرور به ونذروا دمي، وأنا أتمتّع بالنظر إلى الجبلين تعلّلا بهما إذا قدم الحاجّ، ثم يحال بيني وبين ذلك. فقلت له: زدني مما قلت في ذلك. فأنشدني:
إذا ما وردت الماء في بعض أهلهحضور فعرّض بي كأنّك مازح
فإن سألت عنّي حضور فقل لهابه غبّر من دائه وهو صالح
فأمرني الواثق فكتبت له الشعرين. فلمّا كان بعد أيّام دعاني فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا الشعرين لحنا فاسمعه، فإن ارتضيته أظهرناه وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحته. فغنّي لنا من وراء الستار، فكان في نهاية الجودة، وكذلك كان يفعل إذا صنع شيئا. فقلت له: أحسن واللّه صانعه يا أمير المؤمنين ما شاء!. فقال: بحياتي؟
فقلت: وحياتك، وحلفت له بما وثق به، وأمر لي برطل فشربته، ثم أخذ العود فغنّاه ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم. فلما كان بعد أيّام دعاني فقال: قد صنع أيضا عندنا في الشعر الآخر، وأمر فغنّي به؛ فكانت حالي فيه مثل الحال في الأوّل. فلما استحسنته وحلفت له على جودته ثلاث مرات، سقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم. ثم قال لي: هل قضيت حقّ هديّتك؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ فأطال اللّه بقاءك، وتمّم نعمتك، ولا أفقدنيها منك وبك. ثم قال: لكنك لم تقض حقّ جليسك الأعرابيّ ولا سألتني معونته على أمره، وقد سبقت مسألتك وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز وأمرته بإحضاره، وخطبت المرأة له وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالي. فقبّلت يديه وقلت: السّبق إلى المكارم لك، وأنت أولى بها من عبدك ومن سائر الناس.
نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني:
منها الصوتان اللذان في الأخبار المتقدّمة.
صوت
حتى إذا الليل خبا ضوءهوغابت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفيّ كماينساب من مكمنه الأرقم
ذكر يحيى المكيّ أنّ اللحن لابن سريج رمل بالسبّابة في مجرى البنصر، وذكر الهشاميّ أنه منحول.
فأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار وإسماعيل بن يونس وغيرهما قالوا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن ابن كناسة قال: إصطحب شيخ مع شباب في سفينة في الفرات ومعهم مغنّية. فلمّا صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ: معنا جارية لبعضنا وهي مغنّية، فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك، فإن أذنت لنا فعلنا. قال: أنا أصعد إلى طلل السفينة، فاصنعوا أنتم ما شئتم. فصعد، وأخذت الجارية عودها فغنّت:
حتى إذا الصبح بدا ضوءهوغابت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفيّ كماينساب من مكمنه الأرقم
فطرب الشيخ وصاح ثم رمى بنفسه بثيابه في الفرات، وجعل يغوص في الفرات ويطفو ويقول: أنا الأرقم! أنا الأرقم! فألقوا أنفسهم خلفه، فبعد لأي ما استخرجوه، وقالوا له: يا شيخ، ما حملك على ما صعنت؟ فقال: إليكم عنّي! فإنّي واللّه أعرف من معاني الشعر ما لا تعرفون. وقال إسماعيل في خبره فقلت له: ما أصابك؟ فقال: دبّ شيء من قدمي إلى رأسي كدبيب النمل ونزل في رأسي مثله، فلمّا وردا على قلبي لم أعقل ما عملت.
وأمّا ما في الخبر من الصّنعة في: «قالت إذا الليل دجا» فإنّ لحن الواثق هو المشهور، وما وجدت في كتب «الأغاني» غيره، بل سمعت محمد بن إبراهيم المعروف بقريض وذكاء وجه الرّزّة يغنّيان فيه لحنا من الثقيل الأوّل المذموم؛ فسألتهما عن صانعه فلم يعرفاه، وذكرا جميعا أنّهما أخذاه عن أحمد بن أبي العلاء.
وأخبرني الصولي عن أحمد بن محمد بن إسحاق عن حمّاد بن إسحاق قال: كان الواثق أعلم الخلفاء بالغناء، وبلغت صنعته مائة صوت، وكان أحذق من غنّى بضرب العود. قال: ثم ذكرها فعدّ منها:
يفرح الناس بالسّماع وأبكيأنا حزنا إذا سمعت السّماعا
ولها في الفؤاد صدع مقيممثل صدع الزّجاج أعيا الصّناعا
الشعر للعبّاس بن الأحنف. والغناء للواثق خفيف ثقيل. وفيه لأبي دلف خفيف رمل.
ومنها:
ألا أيّها النفس التي كادها الهوىأفأنت إذا رمت السّلوّ غريمي
أفيقي فقد أفنيت صبري أو اصبريلما قد لقيتيه عليّ ودومي
الشعر والغناء للواثق خفيف رمل.
ومنها:
سقى العلم الفرد الذي في ظلالهغزالان مكحولان مؤتلفان
أرغتهما ختلا فلم أستطعهماورميا ففاتاني وقد قتلاني
الغناء للواثق ثقيل أوّل. وفيه لإسحاق رمل وهو من غريب صنعته، يقال إنه صنعته بالرّقّة.
ومنها:
كلّ يوم قطيعة وعتابينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذادون ذا الخلق أم كذا الأحباب
فاصبر النفس لا تكونن جزوعاإنما الحبّ حسرة وعذاب
فيه للواثق رمل، ولزرزور ثقيل أوّل، ولعريب هزج.
ومنها:
ولم أر ليلى بعد موقف ساعةبخيف منى ترمي جمار المحصّب
ويبدي الحصى منها إذا قذفت بهمن البرد أطراف البنان المخضّب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظرمع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
ألا إنما غادرت يا أمّ مالكصدى أينما تذهب به الريح يذهب
الصنعة في هذا الشعر ثقيل أوّل وهو لحن الواثق فيما أرى. ونسبه حبش، وهو قليل التحصيل، إلى ابن محرز في موضع، وإلى سليم في موضع آخر، وإلى معبد في موضع ثالث.
ومنها:
أمست وشاتك قد دبّت عقاربهاوقد رموك بعين الغشّ وابتدروا
تريك أعينهم ما في صدورهمإنّ الصدور يؤدّي غيبها النظر
الشعر للمجنون. والغناء للواثق ثاني ثقيل. وفيه لمتيّم ثقيل أوّل. وقد نسب لحن كل واحد منهما إلى الآخر.
ومنها:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينهافلمّا انقضى ما بيننا سكن الدهر
فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدىوزدت على ما لم يكن بلغ الهجر
الغناء للواثق رمل. وفيه لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى، ولابن سريج ثقيل أوّل بالبنصر، ولعريب ثقيل أوّل آخر.
ومنها:
كأنّ شخصي وشخصه حكيانظام نسرينتين في غصن
فليت ليلي وليله أبدادام ودمنا به فلم نبن
الشعر أظنّه لعليّ بن هشام أو لمراد. ولحن الواثق فيه ثقيل أوّل. وفيه لعريب ثقيل أوّل آخر. وفيه لأبي عيسى بن الرشيد ولمتيّم لحنان لم يقع إليّ جنسهما.
ومنها:
أهابك إجلالا وما بك قدرةعليّ ولكن ملء عين حبيبها
وما فارقتك النفس يا ليل أنهاقلتك ولكن قلّ منك نصيبها
لحن الواثق فيه ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى. وفيه لغيره لحن.
ومنها:
في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء!
أنا مملوك لمملوك عليه الرّقباء
كنت حرّا هاشميّافاسترقّتني الإماء
وسباني من له كان على الكره السّباء
أحمد اللّه على ماساقه نحوي القضاء
ما بعينيّ دموعأنفد الدمع البكاء
الغناء للواثق رمل.
ومنها:
أيّ عون على الهموم ثلاثمترعات من بعدهنّ ثلاث
بعدها أربع تتمّة عشرلا بطاء لكنهنّ حثاث
فيه رمل ينسب إلى الواثق وإلى متيّم.
ومنها:
أيا عبرة العينين قد ظمىء الحدّفما لكما من أن تلمّا به بدّ
ويا مقلة قد صار يبغضها الكرىكأن لم يكن من قبل بينهما ودّ
لئن كان طول العهد أحدث سلوةفموعد بين العين والعبرة الوجد
وما أنا إلّا كالذين تخرّمواعلى أنّ قلبي من قلوبهم فرد
الشعر والغناء للواثق رمل. وفيه لأبي حشيشة هزج، ذكر ذلك الهشاميّ الملقّب بالمسك، وأخبرني جحظة أنه للمسدود. وأخبرني جحظة أن من صنعة أبي حشيشة في شعر الواثق خفيف رمل وهو:
سألته حويجة فأعرضاوعلق القلب به ومرضا
فاستلّ منّي سيف عزم منتضىفكان ما كان وكابرنا القضا
قال: وفي هذا الشعر أيضا بعينه للواثق رمل، ولقلم الصالحيّة فيه هزج. وقد غلط جحظة في هذا الشعر، وهو لسعيد بن حميد مشهور، وله فيه خبر قد ذكرناه في موضعه.
أخبرني عمّي عن عليّ بن محمد بن نصر عن جدّه ابن حمدون عن أبيه حمدون بن إسماعيل قال: كان الواثق يحبّ خادما له كان أهدي إليه من مصر، فغاضبه يوما وهجره، فسمع الخادم يحدّث صباحا له بحديث أغضبه عليه، إلى أن قال له: واللّه إنه ليجهد منذ أمس على أن أصالحه فما أفعل. فقال الواثق في ذلك:
يا ذا الذي بعذابي ظلّ مفتخراهل أنت إلّا مليك جار إذ قدرا
لو لا الهوى لتجازينا على قدروإن أفق مرّة منه فسوف ترى
قال: وغنّى الواثق وعلّويه فيه لحنين، ذكر الهشاميّ أن لحن الواثق خفيف ثقيل، وفي أغاني علّويه: لحنه في هذا الشعر خفيف رمل.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني بن أبي العيناء عن أبيه عن إبراهيم بن الحسن بن سهل قال: كنّا وقوفا على رأس الواثق في أوّل مجالسه التي جلسها لمّا ولي الخلافة، فقال: من ينشدنا شعرا قصيرا مليحا؟ فحرصت على أن أعمل شيئا فلم يجئني، فأنشدته لعليّ بن الجهم:
لو تنصّلت إلينالوهبنا لك ذنبك
ليتني أملك قلبيمثلما تملك قلبك
أيّها الواثق بالله لقد ناصحت ربّك
سيّدي ما أبغض العيش إذا فارقت قربك
أصبحت حجّتك العليا وحزب اللّه حزبك
فاستحسنها وقال: لمن هذه؟ فقلت: لعبدك عليّ بن الجهم. فقال: خذ ألف دينار لك وله؛ وصنع فيها لحنا كنّا نغنّي به بعد ذلك.
أخبرني محمد بن يحيى بن أبي عبّاد قال حدّثني أبي قال: لما خرج المعتصم إلى عمّوريّة استخلف الواثق بسرّ من رأى، فكانت أموره كلّها كأمور أبيه. فوجّه إلى الجلساء والمغنّين أن يبكّروا إليه يوما حدّد لهم، ووجّه إلى إسحاق، فحضر الجميع. فقال لهم الواثق: إني عزمت على الصّبوح، ولست أجلس على سرير حتى أختلط بكم ونكون كالشيء الواحد، فاجلسوا معي حلقة، وليكن كلّ جليس إلى جانبه مغنّ، فجلسوا كذلك. فقال الواثق: أنا أبدأ؛ فأخذ عودا فغنّى وشربوا وغنّى من بعده، حتى انتهي إلى إسحاق فأعطي العود فلم يأخذه. فقال: دعوه. ثم غنّوا دورا آخر. فلما بلغ الغناء إلى إسحاق لم يغنّ، وفعل هذا ثلاث مرّات. فوثب الواثق فجلس على سريره وأمر الناس فأدخلوا، فما قال لأحد منهم: اجلس. ثم قال: عليّ بإسحاق!. فلما رآه قال: يا خوزيّ يا كلب! أتنزّل لك وأغنّي وترتفع عنّي! أترى لو أنّي قتلتك كان المعتصم يقيدني بك! ابطحوه! فبطح فضرب ثلاثين مقرعة ضربا خفيفا، وحلف ألّا يغنّي سائر يومه سواه. فاعتذر وتكلّمت الجماعة فيه، فأخذ العود وما زال يغنّي حتى انقضى ذلك اليوم، وعاد الواثق إلى مجلسه.
وجدت في بعض الكتب عن ابن المعتزّ قال: كان الواثق يهوى خادما له فقال فيه:
سأمنع قلبي من مودّة غادرتعبّدني خبثا بمكر مكاشر
خطبت إليه الوصل خطبة راغبفلاحظني زهوا بطرف مهاجر
قال أبو العبّاس عبد اللّه بن المعتزّ: وللواثق في هذا الشعر لحن من الثقيل الأوّل.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال حدّثني عبد أمّ غلام الواثق قال: دعا بنا الواثق مع صلاة الغداة وهو يستاك فقال: خذوا هذا الصوت، ونحن عشرون غلاما كلّنا يغنّي ويضرب، ثم ألقى علينا:
أشكو إلى اللّه ما ألقى من الكمدحسبي بربّي فلا أشكو إلى أحد
فما زال يردّده حتى أخذناه عنه.
نسبة هذا الصوت
أشكو إلى اللّه ما ألقى من الكمدحسبي بربّي فلا أشكو إلى أحد
أين الزمان الذي قد كنت ناعمةمهلّة بدنوّي منك يا سندي
وأسأل اللّه يوما منك يفرحنيفقد كحلت جفون العين بالسّهد
شوقا إليك وما تدرين ما لقيتنفسي عليك وما بالقلب من كمد
الغناء للواثق ثقيل أوّل بالبنصر. وفيه لعريب أيضا ثقيل أوّل بالوسطى.
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني محمد بن أحمد المكّيّ قال حدّثني أبي قال: كان الواثق يعرض صنعته على إسحاق، فيصلح الشيء بعد الشيء ممّا يخفى على الواثق؛ فإذا صحّحه أخرجه إلينا وسمعناه.
حدّثنا جحظة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق قال حدّثني مخارق قال: لمّا صنع الواثق لحنه في:
حوراء ممكورة منعّمةكأنما شفّ وجهها نزف
وصنع لحنه في «سأذكر سربا طال ما كنت فيهم» أمرني وعلّويه وعريب أن نعارض صنعته فيهما؛ ففعلنا واجتهدنا ثم غنّيناه. فضحك فقال: أمنّا معكم أن نجد من يبغّض إلينا صنعتنا كما بغّض إسحاق إلينا «أيا منشر الموتى». قال حمّاد: هذا آخر لحن صنعه أبي. يعني الذي عارض به لحن الواثق في «أيا منشر الموتى».
أخبرني جحظة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت يوما إلى الواثق وهو مصطبح، فقال لي: غنّي يا إسحاق بحياتك عليك صوتا غريبا لم أسمعه منك حتى أسرّ به بقيّة يومي. فكأن اللّه أنساني الغناء كلّه إلّا هذا الصوت:
يا دار إن كان البلى قد محاكفإنه يعجبني أن أراك
أبكي الذي قد كان لي مألفافيك فأتي الدار من أجل ذاك
- والغناء في هذا اللحن للأبجر رمل بالوسطى عن ابن المكّيّ وهو الصواب، وذكر عمرو بن بانة أنه لسليم - قال فتبينت الكراهية في وجهه، وندمت على ما فرط منّي. وتجلّد فشرب رطلا كان في يده، وعدلت عن الصوت إلى غيره. فكان واللّه ذلك اليوم آخر جلوسي معه.
وممّن حكي عنه أنه صنع في شعره وشعر غيره المنتصر
فإنّي ذكرت ما روي عنه أنه غنّى فيه على سوء العهدة في ذلك وضعف الصنعة، لئلا يشذّ عن الكتاب شيء قد روي وقد تداوله الناس. فممّا ذكر عنه أنه غنّى فيه:
صوت
سقيت كأسا كشفتعن ناظريّ الخمرا
فنشّطتني ولقدكنت حزينا خاثرا
الشعر للمنتصر، وهو شعر ضعيف ركيك إلّا أنه يغنّي فيه.
وحدّثني الصّوليّ عن أحمد بن يزيد المهلّبي عن أبيه قال: كان طبع المنتصر متخلّفا في قول الشعر وكان متقدّما في كل شيء غيره؛ فكان إذا قال شعرا صنع فيه وأمر المغنّين بإظهاره، وكان حسن العلم بالغناء. فلمّا ولي الخلافة قطع ذلك وأمر بستر ما تقدّم منه. من ذلك صنعته في شعره وهو من الثقيل الأوّل المذموم:
سقيت كأسا كشفتعن ناظريّ الخمرا
قال: ومن شعره الذي غنّى فيه ولحنه ثاني ثقيل:
صوت
متى ترفع الأيّام من وضعنهوينقاد لي دهر عليّ جموح
أعلّل نفسي بالرجاء وإننيلأغدو على ما ساءني وأروح
قال: وكان أبي يستجيد هذين البيتين ويستحسنهما. ونذكرها هنا شيئا من أخبار المنتصر في هذا المعنى دون غيره أسوة ما فعلنا في نظرائه.
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني محمد بن يحيى بن أبي عبّاد قال حدّثني أبي قال: أراد المنتصر أن يشرب في الزّقاق، فوافى الناس من كل وجه ليروه ويخدموه؛ فوقف على شاطىء دجلة وأقبل على الناس فقال:
لعمري لقد أصحرت خيلنابأكناف دجلة للملعب
والشعر «بأكناف دجلة للمصعب» ولكنّه غيّره لأنه تطيّر من ذكر المصعب -
فمن يك منّا يبت آمناومن يك من غيرنا يهرب
قال: فعلم أنه يريد الخلوة بالنّدماء والمغنّين، فانصرفوا، فلم يبق معه إلّا من يصلح للأنس والخدمة.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلّبيّ قال: كان أبي أخصّ الناس بالمنتصر، وكان يجالسه قبل مجالسته المتوكّل. فدخل المتوكّل يوما على المنتصر على غفلة، فسمع كلامه فاستحسنه، فأخذه إليه وجعله في جلسائه. وكان المنتصر يريد منه أن يلازمه كما كان، فلم يقدر على ذلك لملازمته أباه؛ فعتب عليه لتأخّره عنه على ثقة بمودّة وأنس به. فلما أفضت إليه الخلافة استأذن عليه؛ فحجبه وأمر بأن يعتقل في الدار فحبس أكثر يومه. ثم أذن له فدخل وسلّم وقبّل الأرض بين يديه ثم قبّل يده، فأمره بالجلوس؛ ثم التفت إلى بنان بن عمرو وقال له: غنّ، وكان العود في يده:
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخنورمت بديلا بي ولم أتبدّل
- قال: والشعر للمنتصر - فغنّاه بنان. وعلم أبي أنه أراده بذلك فقام فقال: واللّه ما اخترت خدمة غيرك ولا صرت إليها إلّا بعد إذنك. فقال: صدقت؛ إنما قلت هذا مازحا؛ أتراني أتجاوز بك حكم اللّه عزّ وجلّ إذ يقول: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده:
ألا يا قوم قد برح الخفاءوبان الصبر منّي والعزاء
تعجّب صاحبي لضياع مثليوليس لداء محروم دواء
جفاني سيّد قد كان برّاولم أذنب فما هذا الجفاء
حللت بداره وعلمت أنّيبدار لا يخيب بها الرجاء
فلمّا شاب رأسي في ذراهحجبت بعقب ما بعد اللّقاء
فإن تنأى ستور الإذن عنّافما نأت المحبّة والثناء
وإن يك كادني ظلما عدوّفعند البحث ينكشف الغطاء
ألم تر أنّ بالآفاق منّاجماجم حشو أقبرها الوفاء
وقد وصف الزمان لنا زيادوقال مقالة فيها شفاء
ألا يا ربّ مغموم سيحظىبدولتنا ومسرور يساء
أمنتصر الخلائف جدت فيناكما جادت على الأرض السماء
وسعت الناس عدلا فاستقاموابأحكام عليهنّ الضياء
وليس يفوتنا ما عشت خيركفانا أن يطول لك البقاء
قال: فقال له المنتصر: واللّه إنك لمن ذوي ثقتي وموضع اختياري، ولك عندي الزّلفى، فطب نفسا. قال ووصلني بثلاثة آلاف دينار.
حدّثني الصّولي قال حدّثني عون بن محمد الكنديّ قال: لمّا ولي المنتصر الخلافة دخل عليه الحسين بن الضحّاك فهنّأه بالخلافة وأنشده:
تجدّدت الدنيا بملك محمدفأهلا وسهلا بالزمان المجدّد
هي الدولة الغرّاء راحت وبكّرتمشهّرة بالرّشد في كل مشهد
لعمري لقد شدّت عرا الدّين بيعةأعزّ بها الرحمن كلّ موحّد
هنتك أمير المؤمنين خلافةجمعت بها أهواء أمّة أحمد
قال: فأظهر إكرامه والسرور به، وقال له: إن في بقائك بهاء للملك، وقد ضعفت عن الحركة، فكاتبني بحاجاتك ولا تحمل على نفسك بكثرة الحركة. ووصله بثلاثة آلاف دينار ليقضي بها دينا بلغه أنه عليه.
قال: وقال الحسين بن الضحّاك فيه وقد ركب الظهور وراءه الناس، وهو آخر شعر قاله:
ألا ليت شعري أبدر بدانهارا أم الملك المنتصر
إمام تضمّن أثوابهعلى سرجه قمرا من بشر
حمى اللّه دولة سلطانهبجند القضاء وجند القدر
فلا زال ما بقيت مدّةيروح بها الدهر أو يبتكر
قال: وغنّى فيه بنان وعريب.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلّبيّ قال: أوّل قصيدة أنشدها أبي في المنتصر بعد أن ولي الخلافة:
ليهنك ملك بالسعادة طائرهموارده محمودة ومصادره
فأنت الذي كنّا مرجّي فلم نخبكما يرتجى من واقع الغيب باكره
بمنتصر باللّه تمّت أمورناومن ينتصر باللّه فاللّه ناصره
فأمر المنتصر عريب أن تغنّي نشيدا في أوّل الأبيات وتجعل البسيط في البيت الأخير؛ فعملته وغنّته به.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن يزيد قال: صلّى المنتصر بالناس في الأضحى سنة سبع وأربعين ومائتين؛ فأنشده أبي لمّا انصرف:
ما استشرف الناس عيدا مثل عيدهممع الإمام الذي باللّه ينتصر
غدا بجمع كجنح الليل يقدمهوجه أغرّ كما يجلو الدّجى القمر
يؤمّهم صادع بالحق أحكمهحزم وعلم بما يأتي وما يذر
لو خيّر الناس فاختاروا لأنفسهمأحظّ منك لما نالوه ما قدروا
قال: فأمر له بألف دينار، وتقدّم إلى ابن المكّيّ أن يغنّي في الأبيات.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى قال حدّثني بنان بن عمرو المغنّي قال: غنّيت يوما بين يدي المنتصر:
هل تطمسون من السماء نجومهابأكفّكم أو تسترون هلالها
فقال لي: إيّاك وأن تغنّي بحضرتي هذا الصوت وأشباهه، فما أحبّ أن أغنّى إلّا في أشعار آل أبي حفصة خاصّة.
وممن هذه سبيله في صنعة الغناء المعتزّ باللّه: فإني لم أجد له منها شيئا إلا ما ذكره الصّوليّ في أخباره؛ فأتيت بما حكاه للعلّة التي قدّمتها من أنّي كرهت أن يخلّ الكتاب بشيء قد دوّنه الناس وتعارفوه. فممّا ذكر أنه غنّى فيه:
صوت
لعمري لقد أصحرت خيلنابأكناف دجلة للمصعب
فمن يك منّا يبت آمناومن يك من غيرنا يهرب
الشعر لعديّ بن الرّقاع. والغناء للمعتزّ خفيف رمل. وهذه الأبيات من قصيدة لعديّ يقولها في الوقعة التي كانت بين عبد الملك بن مروان والمصعب بن الزّبير بطسّوج مسكن، فقتل فيها مصعب بقرية من مسكن يقال لها دير الجاثليق، وذكرته الشعراء في هذه الأبيات:
لعمري لقد أصحرت خيلنابأكناف دجلة للمصعب
يهزّون كلّ طويل القناة لدن ومعتدل الثّعلب
فداؤك أمّي وأبناؤهاوإن شئت زدت عليها أبي
وما قلتها رهبة إنمايحلّ العقاب على المذنب
إذا شئت نازلت مستقتلاأزاحم كالجمل الأجرب
فمن يك منّا يبت آمناومن يك من غيرنا يهرب
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع