تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر الحارث بن خالد ونسبه وخبره في هذا الشعر

فيه ١٤٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الحارث بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم؛ وقد تقدّم ذكره وأخباره في كتاب المائة المختارة في بعض الأغاني المختارة التي شعرها له وهو: إنّ امرأ تعتاده ذكر

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: بلغني أن الحارث بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة - ويقال: بل خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة - كان تزوّج حميدة بنت النّعمان بن بشير بدمشق لمّا قدم على عبد الملك بن مروان. فقالت فيه:

نكحت المدينيّ إذ جاءنيفيالك من نكحة غاويه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
كهول دمشق وشبّانهاأحبّ إلينا من الجاليه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
صنان لهم كصنان التّيوس أعيا على المسك والغاليه

فقال الحارث يجيبها:

صوت

أسنا ضوء نار ضمرة بالقفرة أبصرت أم سنا ضوء برق
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
قاطنات الحجون أشهى إلى قلبي من ساكنات دور دمشق
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
يتضوّ عن لو تضمّخن بالمسك صنانا كأنّه ريح مرق

غنّاه مالك بن أبي السّمح خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر من رواية إسحاق. وفيه لابن محرز لحن من رواية عمرو بن بانة ثقيل أوّل بالوسطى.

رجعت الرواية إلى خبر الحارث

قال: وطلّقها الحارث؛ فخلف عليها روح بن زنباع. قال: وكان الحارث خطب أمة لمالك بن عبد اللّه بن خالد، بن أسيد، وخطبها عبد اللّه بن مطيع. فتزوّجها عبد اللّه ثم طلّقها أو مات عنها، فتزوّجها الحارث بن خالد بعد ذلك وقال فيها قبل أن يتزوّج:

أقوى من آل ظليمة الحزمفالغمرتان فأوحش الخطم
للشاعر العرجي، من قصيدة «أقوى من آل ظليمة الحزم»

الأبيات التي فيها الغناء.

قال وأخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا محمد بن الحكم عن عوانة بهذا الخبر فذكر مثله، ولم يذكر أنّ الحارث هو المتزوّجها، وفسّر قولها:

أحبّ إلينا من الجاليه

وقال: الجالية أهل الحجاز، كان أهل الشام يسمّونهم بذلك لأنهم كانوا يجلون عن بلادهم إلى الشام. وقال في الحديث: فبلغ عبد الملك قولها فقال: لو لا أنها قدّمت الكهول على الشبّان لعاقبتها.

قال عوانة: وكانت لحميدة أخت يقال لها عمرة، وكانت تحت المختار بن أبي عبيد الثّقفيّ، فأخذها مصعب بعد قتله المختار وأخذ امرأته الأخرى وهي بنت سمرة بن جندب، فأمرهما بالبراءة من المختار. أمّا بنت سمرة فبرئت منه، وأبت ذلك عمرة. فكتب به مصعب إلى أخيه عبد اللّه. فكتب إليه: إن أبت أن تبرأ منه فاقتلها.

فأبت فحفر لها حفيرة وأقيمت فيها فقتلت. فقال عمر بن أبي ربيعة في ذلك:

إنّ من أعجب العجائب عنديقتل بيضاء حرّة عطبول
قتلت حرّة على غير جرمإنّ للّه درّها من قتيل
كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جرّ الذيول
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أن من أكبر الكبائر عندي»

رجع الحديث إلى رواية عمر بن شبّه

قال أبو زيد وحدّثني ابن عائشة عن أبيه بهذا الخبر ونحوه، وزاد فيه أن الحارث لمّا تزوّجها قالت فيه:

نكحت المدينيّ إذ جاءنيفيا لك من نكحة غاويه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

وذكر الأبيات المتقدّمة. وقال عمر بن شبّة فيه: وتزوّجها روح بن زنباع؛ فنظر إليها يوما تنظر إلى قومه جذام، وقد اجتمعوا عنده فلامها. فقالت: وهل أرى إلّا جذام! فو اللّه ما أحبّ الحلال منهم فكيف بالحرام!.

وقالت تهجوه:

بكى الخزّ من روح وأنكر جلدهوعجّت عجيجا من جذام المطارف
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
وقال العبا قد كنت حينا لباسكموأكسية كرديّة وقطائف
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

فقال روح:

إن تبك منّا تبك ممن يهينهاوإن تهوكم تهو اللّئام المقارفا

وقال روح:

أثني عليّ بما علمت فإنّنيمثن عليك لبئس حشو المنطق

فقالت:

أثني عليك بأنّ باعك ضيّقوبأن أصلك في جذام ملصق
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

فقال روح:

أثني عليّ بما علمت فإنّنيمثن عليك بمثل ريح الجورب

فقالت:

فثناؤنا شرّ الثّناء عليكمأسوا وأنتن من سلاح الثّعلب
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

وقالت:

وهل أنا إلّا مهرة عربيّةسليلة أفراس تجلّلها بغل
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
فإن نتجت مهرا كريما فبالحرىوإن يك إقراف فما أنجب الفحل

فقال روح:

فما بال مهر رائع عرضت لهأتان فبالت عند جحفلة البغل
إذا هو ولّى جانبا ربخت لهكما ربخت قمراء في دمس سهل

وقالت عمرة لأخيها أبان بن النّعمان:

أطال اللّه شأوك من غلاممتى كانت مناكحنا جذام
أترضى بالأكارع والذّنابىوقد كنّا يقرّ بنا السّنام

وقال ابن عمّ لروح:

رضي الأشياخ بالفطيون فحلاوترغب للحماقة عن جذام
يهوديّ له بضع العذارىفقبحا للكهول وللغلام
تزفّ إليه قبل الزوج خودكأن شمسا تدلّت من غمام
فأبقى ذلكم عارا وخزيابقاء الوحي في صمّ السّلام
يهود جمّعوا من كلّ أوبوليسوا بالغطاريف الكرام

وقالت:

سمّيت روحا وأنت الغمّ قد علموالا روّح اللّه عن روح بن زنباع
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

فقال روح:

لا روّح اللّه عمّن ليس يمنعنامال رغيب وبعل غير ممناع
كشافع جونة ثجل مخاصرهادبّابة شثنة الكفّين جبّاع

قال: والجبّاع: القصيرة. والجبّاع من السهام: الذي لا نصل له. والجبّاع: الرّصف. وقالت:

تكحّل عينيك برد العشيّكأنّك مومسة زانيه
وآية ذلك بعد الخفوقتغلّف رأسك بالغاليه
وأنّ بنيك لريب الزمان أمست رقابهم حاليه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
فلو كان أوس لهم حاضرالقال لهم إنّ ذا ماليه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

وأوس رجل من جذام يقال: إنه استودع روحا مالا فلم يردّه عليه. فقال لها روح:

إن يكن الخلع من بالكمفليس الخلاعة من باليه
وإن كان من قد مضى مثلكمفأفّ وتفّ على الماضيه
وما إن برا اللّه فاستيقنيه من ذات بعل ومن جاريه
شبيها بك اليوم فيمن بقيولا كان في الأعصر الخاليه
فبعدا لمحياك إذ ما حييتوبعدا لأعظمك الباليه

وقال روح في بعض ما يتنازعان فيه: اللّهمّ إن بقيت بعدي فابتلها ببعل يلطم وجهها ويملأ حجرها قيئا: فتزوّجها بعده الفيض بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل وكان شابا جميلا يصيب من الشّراب فأحبّته. فكان ربّما أصاب من الشّراب مسكرا فيلطم وجهها ويقيء في حجرها؛ فتقول: يرحم اللّه أبا زرعة! قد أجيبت دعوته فيّ.

وقالت لفيض:

سمّيت فيضا وما شيء تفيض بهإلّا سلاحك بين الباب والدار
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
فتلك دعوة روح الخير أعرفهاسقى الإله صداه الأوطف السّاري
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

وقالت لفيض أيضا:

ألا يا فيض كنت أراك فيضافلا فيضا أصبت ولا فراتا
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

وقالت:

وليس فيض بفيّاض العطاء لنالكنّ فيضا لنا بالقيء فيّاض
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
ليث اللّيوث علينا باسل شرسوفي الحروب هيوب الصدر جيّاض
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

فولدت من الفيض ابنة فتزوّجها الحجّاج بن يوسف؛ وقد كانت قبلها عند الحجّاج أمّ أبان بنت النّعمان بن بشير. فقالت حميدة للحجّاج:

إذا تذكّرت نكاح الحجّاجمن النّهار أو من اللّيل الداج
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
فاضت له العين بدمع ثجّاجوأشعل القلب بوجد وهّاج
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
لو كان نعمان قتيل الأعلاجمستوي الشّخص صحيح الأوداج
لكنت منها بمكان النّسّاجقد كنت أرجو بعض ما يرجو الرّاج
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
أن تنكحيه ملكا أو ذا تاج

فقدمت حميدة على ابنتها زائرة. فقال لها الحجّاج: يا حميدة، إنّي كنت أحتمل مزاحك مرّة، وأمّا اليوم فإني بالعراق وهم قوم سوء فإيّاك!. فقالت: سأكفّ حتى أرحل.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا سليمان بن أيوب قال حدّثنا المدائنيّ عن مسلمة بن محارب قال: قالت حميدة بنت النّعمان لزوجها روح بن زنباع، وكان أسود ضخما: كيف تسود وفيك ثلاث خصال: أنت من جذام، وأنت جبان، وأنت غيور. فقال: أمّا جذام فأنا في أرومتها، وبحسب الرجل أن يكون في أرومة قومه. وأما الجبن فإنما لي نفس واحدة، ولو كان لي نفسان لجدت بإحداهما. وأمّا الغيرة فهو أمر لا أحبّ أن أشارك فيه، وإن المرء لحقيق بالغيرة على المرأة مثلك الحمقاء الورهاء لا يأمن أن تأتي بولد من غيره فتقذفه في حجره. ثم ذكر باقي خبرها مثل ما تقدّم، وقال فيه: فخلف بعده عليها الفيض بن محمد عمّ يوسف بن عمر، فكان يشرب ويلطمها ويقيء في حجرها، فقالت:

سمّيت فيضا وما شيء تفيض بهإلّا سلاحك بين الباب والدار
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

قال المدائنيّ: وتمثّل فيض يوما بهذا البيت:

إن كنت ساقية يوما على كرمصفو المدامة فاسقيها بني قطن

ثم تحرّك فضرط. فقالت: واسق هذه أيضا بني قطن!.

وهذا الصوت أعني:

أقوى من آل ظليمة الحزم

هو الصوت الذي أشخص الواثق له أبا عثمان المازنيّ بسبب بيت منه اختلف في إعرابه بحضرته، وهو قوله:

أظليم إنّ مصابكم رجلاأهدى السّلام تحيّة ظلم
للشاعر العرجي، من قصيدة «أقوى من آل ظليمة الحزم»

وقال آخرون: «رجل». حدّثني بذلك عليّ بن سليمان الأخفش عن أبي العباس محمد بن يزيد عن أبي عثمان، وأخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا القاسم بن إسماعيل وعون بن محمد وعبد الواحد بن العبّاس بن عبد الواحد والطيّب بن محمد الباهليّ، يزيد بعضهم على بعض، قالوا حدّثنا أبو عثمان المازنيّ قال:

أظليم إنّ مصابكم رجلاأهدى السّلام تحيّة ظلم
للشاعر العرجي، من قصيدة «أقوى من آل ظليمة الحزم»

فغنّاه مخارق «رجل» فتابعه بعض القوم وخالفه آخرون. فسأل الواثق عمّن بقي من رؤساء النحويين فذكرت له، فأمر بحملي. فلما وصلت إليه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن. قال: أمن مازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة أم مازن اليمن؟ قلت: من مازن ربيعة. فقال لي با اسمك؟ (يريد ما اسمك وهي لغة كثيرة في قومنا) فقلت على القياس: مكر (أي بكر). فضحك فقال: اجلس واطبئنّ (يريد: واطمئنّ) فجلست. فسألني عن البيت.

فقلت: «إن مصابكم رجلا» فقال: أين خبر «إن»؟ قلت: «ظلم» وهو الحرف الذي في آخر البيت. وقال الأخفش في خبره: وقلت له: إن معنى «مصابكم» إصابتكم، مثل ما تقول: إنّ قتلكم رجلا حيّاكم ظلم. ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إن البيت كله معلّق لا معنى له حتى يتمّ بقوله «ظلم». ألّا ترى أنه لو قال: أظليم إن مصابكم رجل أهدى السلام تحية، لما احتيج إلى «ظلم» ولا كان له معنى، إلّا أن يجعل التحية بالسلام ظلما، وذلك محال، ويجب حينئذ أن يقول:

أظليم إن مصابكم رجلأهدى السّلام تحيّة ظلما
للشاعر العرجي، من قصيدة «أقوى من آل ظليمة الحزم»

ولا معنى لذلك، ولا هو، لم كان له وجه، معنى قول الشاعر في شعره. فقال: صدقت، ألك ولد؟ قلت: بنيّة لا غير. قال: فما قالت حين ودّعتها؟ قال قلت: أنشدت شعر الأعشى:

تقول ابنتي حين جدّ الرّحيلأرانا سواء ومن قد يتم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»
أبانا فلا رمت من عندنافإنّا بخير إذا لم ترم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»
أرانا إذا أضمرتك البلاد نجفى وتقطع منّا الرّحم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

قال: فما قلت لها؟ قال: قلت لها قول جرير:

ثقي باللّه ليس له شريكومن عند الخليفة بالنّجاح
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

فقال: ثق بالنجاح إن شاء اللّه تعالى. إنّ ها هنا قوما يختلفون إلى أولادنا فامتحنهم، فمن كان منهم عالما ينتفع به ألزمناهم إيّاه، ومن كان بغير هذه الصورة قطعناه عنهم. فأمر فجمعوا إليّ فامتحنتهم فما وجدت فيهم طائلا؛ وحذروا ناحيتي، فقلت: لا بأس على أحد. فلمّا رجعت إليه قال: كيف رأيتهم؟ قلت: يفضل بعضهم بعضا في علوم، ويفضل الباقون في غيرها، وكلّ يحتاج إليه. فقال لي الواثق: إنى خاطبت منهم واحدا فكان في نهاية من الجهل في خطابه ونظره. فقلت: يا أمير المؤمنين، أكثر من تقدّم منهم بهذه الصفة؛ ولقد أنشدت فيهم:

إنّ المعلّم لا يزال مضعّفاولو ابتنى فوق السماء بناء
من علّم الصبيان أضنوا عقلهمما يرقي غدوة ومساء

صوت من مدن معبد في شعر الأعشى:

ومنها:

صوت

يوم تبدي لنا قتيلة عن جيد أسيل تزينه الأطواق

وشتيت كالأقحوان جلاه الطّلّ فيه عذوبة واتّساق الشعر للأعشى. والغناء لمعبد. وذكر إسحاق أن لحنه خفيف ثقيل من أصوات قليلات الأشباه، وذكر عمرو بن بانة أنّ لحنه من الثقيل الأوّل بالبنصر. ولإسحاق لحن من الثقيل أيضا وهو مما عارض فيه معبدا فانتصف منه، ومن أوائل أغانيه وصدورها.

أخبرنا إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق قال ذكر الحسن بن عتبة اللّهبيّ المعروف بفورك قال:

قال لي الوليد بن يزيد: أريد الحجّ، فما يمنعني منه إلّا أن يلقاني أهل المدينة بقتيلات معبد وبقصره ونخله فأفتضح به طربا. يعني ثلاثة أصوات لمعبد من شعر الأعشى في قتيلة هذه، ونسبتها تأتي بعد. ويعني بقصره ونخله لحنه:

القصر فالنخل فالجمّاء بينهما

قال أبو زيد قال إسحاق وحدّثني عبد الملك بن هلال: وبلغني أن فتنة من قريش دخلوا إلى قينة ومعهم روح بن حاتم المهلّبيّ، فتماروا فيما يختارونه من الغناء. فقالت لهم: أغنّي لكم صوتا يزيل الاختلاف ويوقع بينكم الاجتماع، فرضوا بها. فغنّت:

يوم تبدي لنا قتيلة عن جيد أسيل تزينه الأطواق

فرضوا به واتّفقوا على أنه أحسن صوت يعرفونه، وأقاموا عندها أسبوعا لا يسمعونه غيره.

نسبة أصوات معبد في قتيلة

منها:

أثوى وقصّر ليلة ليزوّدافمضى وأخلف من قتيلة موعدا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أثوى وقصر ليلة ليزودا»
يجحدن ديني بالنّهار وأقتضيديني إذا وقذ النّعاس الرّقّدا
وأرى الغواني لا يواصلن امرأفقد الشّباب وقد يصلن الأمردا

الشعر للأعشى. والغناء لمعبد خفيف ثقيل أوّل بالوسطى.

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أبو شراعة في مجلس الرّياشيّ قال: حدّثت أنّ رجلا نظر إلى الأعشى يدور بين البيوت ليلا؛ فقال له: يا أبا بصير، إلى أين في هذا الوقت؟ فقال:

يجحدن ديني بالنّهار وأقتضيديني إذا وقذ النّعاس الرّقّدا

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدّثنا أحمد بن القاسم بن جعفر بن سليمان قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال حدّثني أبي قال: غنّيت بين يدي الرشيد وستارته منصوبة:

وأرى الغواني لا يواصلن امرأفقد الشباب وقد يصلن الأمردا

فطرب واستعاده وأمر لي بمال. فلما أردت أن أنصرف قال لي: يا عاضّ كذا وكذا! أتغنّي بهذا الصوت وجواريّ من وراء ستارة يسمعنه! لو لا حرمتك لضربت عنقك!. فتركته واللّه حتى أنسيته.

ومنها:

صوت

ألمّ خيال من قتيلة بعد ماوهى حبلها من حبلنا فتصرّما
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم خيال من قتيلة بعدما»
فبتّ كأنّي شارب بعد هجعةسخاميّة حمراء تحسب عندما
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم خيال من قتيلة بعدما»

الشعر للأعشى. والغناء لمعبد خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو. وفيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عنه وعن ابن المكيّ.

فأمّا السبعة التي جعلت لابن سريج بإزار سبعة معبد فإني قرأت خبرها في كتاب محمد بن الحسن، قال حدّثني الحسين بن أحمد الأكثميّ عن أبيه قال: ذكرنا عند إسحاق يوما أصوات معبد السبعة فقال: واللّه ما سبعة ابن سريج بدونهنّ. فقلنا له: وأيّ سبعة؟

فقال: إن مغنّي المكّيين لمّا سمعوا بسبعة معبد وشهرتها لحقتهم لذلك غيرة، فاجتمعوا فاختاروا من غناء ابن سريج سبعة فجعلوها بإزاء سبعة معبد، ثم خايروا أهل المدينة فانتصفوا منهم. فسألوا إسحاق عن السبعة السّريجيّة؛ فقال: منها.

تشكّى الكميت الجري لما جهدته

وقد مضت نسبته في الثلاثة الأصوات المختارة.

ولقد حبّبت نعم إلينا بوجهها
قرّب جيراننا جمالهم
أرقت وما هذا السّهاد المؤرّق

وقد مضى في أخبار الأعشى المذكورة في مدن معبد - و

بينا كذاك إذا عجاجة موكب
فلم أر كالتّجمير منظر ناظر

- وقد مضى في الأرمال المختارة - و

تضوّع مسكا بطن نعمان إن مشت

- وقد ذكر في المائة مع غيره في شعر النّميريّ - و

إن جاء فليأت على بغلة

نسبة ما لم تمض نسبته من هذه الأصوات إذ كان بعضها قد مضى متقدّما

الكلام على ما لم يمض الكلام عليه من هذه السبقة:

فمنها:

صوت

لقد حبّبت نعم إلينا بوجههامساكن ما بين الوتائر فالنّقع
ومن أجل ذات الخال أعملت ناقتيأكلّفها سير الكلال مع الظّلع
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد حببتْ نعمٌ إليها بوجهها»

عروضه من الطويل. والشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر. وذات الخال التي عناها ها هنا عمر امرأة من ولد أبي سفيان بن حرب، كان عمر يكني عنها بذلك.

حدّثني عليّ بن صالح بن الهيثم قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عن الزّبيريّ والمسيّبيّ ومحمد بن سلّام والمدائنيّ، وأخبرنا به الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي ولم يتجاوزه: أن عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق كانا جالبسين بفناء الكعبة، إذ مرّت بهما امرأة من آل أبي سفيان، فدعا عمر بكتف فكتب إليها وكنى عن اسمها:

صوت

ألمّا بذات الخال فاستطلعا لناعلى العهد باق ودّها أم تصرّما
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألما بذات الخال فاستطلعا لنا»
وقولا لها إنّ النّوى أجنبيّةبنا وبكم قد خفت أن تتيمّما
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «ألما بذاتِ الخالِ، فاستطلعا لنا»

- غنّاه ابن سريج خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق - قال فقال له ابن أبي عتيق: سبحان اللّه! ما تريد إلى امرأة مسلمة محرمة أن تكتب إليها مثل هذا! قال: فكيف بما قد سيّرته في الناس من قولي:

لقد حبّبت نعم إلينا بوجههامساكن ما بين الوتائر والنّقع
للشاعر العرجي، من قصيدة «لقد حببت نعم إلينا بوجهها»
ومن أجل ذات الخال أعملت ناقتيأكلّفها سير الكلال مع الظّلع
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد حببتْ نعمٌ إليها بوجهها»
ومن أجل ذات الخال يوم لقيتهابمندفع الأخباب أخضلني دمعي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد حببت نعم إلي بوجهها»
ومن أجل ذات الخال آلف منزلاأحلّ به لا ذا صديق ولا زرع
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد حببت نعم إلي بوجهها»
ومن أجل ذات الخال عدت كأننيمخامر سقم داخل أو أخو ربع
ألمّا بذات الخال إن مقامهالدى الباب زاد القلب صدعا على صدع
وأخرى لدى البيت العتيق نظرتهاإليها تمشّت في عظامي وفي سمعي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد حببت نعم إلي بوجهها»

وقال الحرميّ في خبره: أما ترى ما سار لي من الشعر! ما علم اللّه أنّي اطّلعت حراما قطّ! ثم انصرفنا. فلما كان من الغد التقينا. فقال عمر: أشعرت أنّ ذلك الإنسان قد ردّ الجواب؟ قال: وما كان من ردّه؟ قال: كتب.

صوت

أمسى قريضك بالهوى نمّامافاربع هديت وكن له كتّاما
واعلم بأن الخال حين وصفتهقعد العدوّ به عليك وقاما
لا تحسبنّ الكاشحين عدمتهمعما يسوءك غافلين نياما
لا تمكننّ من الدّفينة كاشحايتلو بها حفظا عليك إماما

غنّى فيه سليم خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. قال: وفيه لفريدة وإبراهيم لحنان.

وفي بعض النسخ: لإسحاق فيه ثقيل أوّل غير منسوب. وذكر حبش أن خفيف الرّمل لفريدة.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال أخبرنا أبو أيّوب المدينيّ عن محمد بن سلّام، قال وأخبرني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلّام قال: سألت عمر بن خليفة العبديّ - وكان عابدا وكان يعجبه الغناء - أيّ القوم كان أحسن غناء؟ قال: ابن سريج إذا تمعبد - يريد: إذا غنّى في مذهب معبد من الثقيل - قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل صوته

صوت

لقد حبّبت نعم إلينا بوجههامساكن ما بين الوتائر فالنّقع

وقال حمّاد بن إسحاق حدّثني أبي قال حدّثني أبو محمد العامريّ قال: جلس معبد والأبجر وجماعة من المغنّين فتذاكروا ابن سريج وما اشتهاه الناس من غنائه، فقالوا: ما هو إلّا من غناء الزّفّاف والمخنّثين. فنمي الحديث إلى ابن سريج فغنّى:

لقد حبّبت نعم إلينا بوجهها

فلمّا جاء معبد وأصحابه واجتمعوا غنّاهم إيّاه. فلمّا سمعوه قاموا هاربين، وجعل ابن سريج يصفّق خلفهم ويقول: إلى أين؟! إنما هو ابن ليلته فكيف لو اختمر!. قال فقال معبد: دعوه مع طرائقه الأول ولا تهيجوه على طرائقكم، وإلّا لم يدع لكم واللّه خبزا تأكلونه.

قال الزّبير في خبره عن عمّه: وعلق نعما هذه فقال فيها شعرا كثيرا. ونحن نذكرها هاهنا ما فيه غناء من ذلك.

فمنه قوله:

صوت

خطرت لذات الخال ذكرى بعد ماسلك المطيّ بنا على الأنصاب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خطرت لذات الخال ذكرى بعدما»
أنصاب عمرة والمطيّ كأنّهاقطع القطا صدرت عن الأحباب
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «خطرتْ لذات الخال ذكرى بعدما»
فانهلّ دمعي في الرّداء صبابةفسترته بالبرد عن أصحابي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خطرت لذات الخال ذكرى بعدما»
فرأى سوابق دمعة مسكوبةبكر فقال بكى أبو الخطّاب

عروضه من الكامل. «بكر» الذي ذكره ها هنا عمر هو ابن أبي عتيق وهو يسمّيه في شعره ببكر وبعتيق، وإياه يعني بقوله:

لا تلمني عتيق حسبي الذي بيإنّ بي يا عتيق ما قد كفاني
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «إنني اليوم عادني أحزاني»

الغناء في «خطرت لذات الخال» للغريض، ولحنه ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أنّ فيه ثقيلا أوّل بالبنصر لأبي سعيد مولى فائد.

وأخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثني عمّي: أنّ عمر بن أبي ربيعة وافقها وهي تستلم الركن، فقرب منها. فلما رأته تأخّرت وبعثت إليه جاريتها. فقالت له: تقول لك ابنة عمّك: إنّ هذا مقام لا بدّ منه كما ترى، وأنا أعلم أنك ستقول في موقفنا هذا فلا تقولنّ هجرا.

فأرسل إليها: لست أقول إلّا خيرا. ثم تعرّض لها وهي ترمي الجمار، فأعرضت عنه واستترت؛ فقال:

صوت

دين هذا القلب من نعمبسقام ليس كالسّقم
إن نعما أقصدت رجلاآمنا بالخيف إذ ترمي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قد أصاب القلب من نعم»
اسمعي منّا تحاورناواحكمي رضّيت بالحكم
بشتيت نبته رتلطيّب الأنياب والطّعم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قد أصاب القلب من نعم»
يأتكم منه بحجّتهفله العتبى ولا أحمي
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «قَدْ أَصَابَ القَلْبَ مِنْ نُعْمِ»

عروضه من المديد. الغناء لإسحاق خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيها لمالك ثقيل أوّل من أصوات قليلات الأشباه عن إسحاق. وفيه لابن سريج رمل بالبنصر عن حبش. وفيه لابن مسجح ثقيل أوّل بالوسطى عن حبش أيضا. وذكر الهشاميّ أنّ الصوت مما يشكّ فيه أنه لمعبد أو غيره.

قال: وقال فيها أيضا:

صوت

أبيني اليوم أي نعمأوصل منك أم صرم
فإن يك صرم عاتبةفقد نغنى وهو سلم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبيني اليوم يا نعم»
تلومك في الهوى نعموليس لها به علم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبيني اليوم يا نعم»
صحيح لو رأى نعمالخالط جسمه سقم

عروضه من الهزج. غنّاه مالك ولحنه ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لمتيّم خفيف رمل بالبنصر عن إسحاق، وذكر أنّ فيه أيضا صنعة لابن سريج.

ومما يغنّى فيه مما قاله فيها - وهو من قصيدة طويلة -:

صوت

فقلت لجنّاد خذ السّيف واشتملعليه بحزم وانظر الشمس تغرب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»
وأسرج لنا الدّهماء واعجل بممطريولا تعلمن خلقا من الناس مذهبي

عروضه من الطويل. غنّاه زرزور غلام المارقيّ خفيف ثقيل بالبنصر.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا عمّي قال: قيل لعمر بن أبي ربيعة: ما أحبّ شيء أصبته إليك؟ قال: بينا أنا في منزلي ذات ليلة إذ طرقني رسول مصعب بن الزّبير بكتابه يقول: إنه قد وقعت عندنا أثواب مما يشبهك، وقد بعثت بها إليك وبدنانير ومسك وطيب وبغلة. قال: فإذا بثياب من وشي وخزّ العراق لم أر مثلها قطّ وأربعمائة دينار ومسك وطيب كثير وبغلة. فلمّا أصبحت لبست بعض تلك الثياب وتطيّبت وأحرزت الدنانير وركبت البغلة وأنا نشيط لا همّ لي قد أحرزت نفقة سنتي؛ فما أفدت فائدة كانت أحبّ إليّ منها. وقلت في ذلك:

ألا أرسلت نعم إلينا أن ائتنافأحبب بها من مرسل متغضّب
فأرسلت أن لا أستطيع فأرسلتتؤكّد أيمان الحبيب المؤنّب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»
فقلت لجنّاد خذ السيف واشتملعليه بحزم وانظر الشمس تغرب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»
وأسرج لي الدّهماء واعجل بممطريولا تعلمن خلقا من الناس مذهبي
وموعدك البطحاء أو بطن يأججأو الشّعب بالممروخ من بطن مغرب
فلما التقينا سلّمت وتبسّمتوقالت مقال المعرض المتجنّب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»
أمن أجل واش كاشح بنميمةمشى بيننا صدّقته لم تكذّب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»
قطعت وصال الحبل منّا ومن يطعبذي ودّه قول المحرّش يعتب
فبات وسادي ثني كفّ مخضّبمعاود عذب لم يكدّر بمشرب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»
إذا ملت مالت كالكثيب رخيمةمنعّمة حسّانة المتجلب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا»

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي قال: بلغ عمر بن أبي ربيعة أنّ نعما اغتسلت في غدير؛ فنزل عليه ولم يزل يشرب منه حتى نضب.

قال الزّبير قال عمّي: «وقال فيها أيضا:

صوت

طال ليلي وعادني اليوم سقموأصابت مقاتل القلب نعم
وأصابت مقاتلي بسهامنافذات وما تبيّن كلم
حرّة الوجه والشمائل والجوهر تكليمّها لمن نال غنم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طال ليلى واعتادني اليوم سقم»
هكذا وصف ما بدا لي منهاليس لي بالذي تغيّب علم
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «طَالَ لَيْلي، وَکعْتَادَني اليَوْمَ سُقْمُ،»
غير أني أرى الثياب ملاءفي يفاع يزين ذلك جسم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طال ليلى واعتادني اليوم سقم»
وحديث بمثله تنزل العصم رخيم يشوب ذلك حلم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طال ليلى واعتادني اليوم سقم»

عروضه من الخفيف. غنّى ابن سريج في الأربعة الأبيات لحنا ذكره إسحاق وأبو أيّوب المديني في جامع غنائه ولم يجنّسه، وذكر حبش أنه خفيف رمل بالبنصر.

أخبرني عمي قال حدّثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال حدّثني عمرو بن بانة قال: كنت حاضرا مع إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عند إبراهيم بن المهديّ. فتفاوضنا حديث المغنّين، حتى انتهوا إلى أن حكى إسحاق قول عمر بن أبي خليفة: «إذا تمعبد ابن سريج كان أحسن الناس غناء». فقال إبراهيم لإسحاق: حاشاك يا أبا محمد أم تقول هذا! فقد رفع اللّه علمك وقدر ابن سريج عن مثل هذا القول، وأغنى ابن سريج بنفسه عن أن يقال له تمعبد؛ وما كان معبد يضع نفسه هذا الموضع؛ وكيف ذلك وهو إذا أحسن يقول: أصبحت اليوم سريجيّا. وما قد أنصف أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي معبدا في هذا القول؛ لأن معبدا وإن كان يعظّم ابن سريج ويوفّيه حقّه فليس بدونه ولا هو بمرذول عنده. وقد مضى في صدر الكتاب خبر ابن سريج لمّا قدم المدينة مع الغريض ليستمنحا أهلها، فسمعاه وهو يصيد الطير يغنّي لحنه:

القصر فالنخل فالجمّاء بينهما

فرجع ابن سريج وردّ الغريض وقال: لا خير لنا عند قوم هذا غناء غلام فيهم يصيد الطير، فكيف بمن داخل الجونة!.

وأظرف من ذلك من أخباره وأدلّ على تعظيم ابن سريج معبدا ما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عليّ بن سليمان النّوفليّ، قال حدّثني أبي قال: التقى ابن سريج ومعبد ليلة بعد افتراق طويل وبعد عهد؛ فتساء لا عما صنعا من الأغاني بعد افترافهما؛ فتغنّى هذا وتغنّى هذا؛ ثم تغنّى ابن سريج لحنه في:

أنا الهالك المسلوب مهجة نفسهإذا جاوزت مرّا وعسفان عيرها

فغنّاه مرسلا لا صيحة فيه. فقال له معبد: أفلا حسّنته بصيحة! قال: فأين أضعها؟ قال: في:

غدت سافرا والشمس قد ذرّ قرنها

قال: فصح أنت فيه حتى أسمع منك. قال: فصاح فيه معبد الصّيحة التي يغنّى بها فيه اليوم. فاستعاده ابن سريج حتى أخذه فغنّى صوته كما رسمه معبد فحسن به جدّا. وفي هذا دليل يبين فيه التحامل على معبد في الحكاية.

صوت

غدت سافرا والشمس قد ذرّ قرنهافأغشى شعاع الشمس منها سفورها
وقد علمت شمس النهار بأنّهاإذا ما بدت يوما سيذهب نورها
أنا الهالك المسلوب مهجة نفسهإذا جاوزت مرّا وعسفان عيرها
أهاجتك سلمى إذ أجدّ بكورهاوهجّر يوما للرّواح بعيرها

الشعر يقال: إنه لطريف العنبريّ. والغناء لابن سريج خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها عن ابن المكّيّ، وذكر عمرو أنه لسياط. ولإبراهيم في الثالث والأوّل والرابع خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق وعمرو.

وفيه لبسباسة ثقيل أوّل بالبنصر عن حبش. وفيه لابن جامع لحن عن حبش من رواية أبي أيّوب المدينيّ.

ومن سبعة ابن سريج:

صوت

قرّب جيراننا جمالهمليلا فأضحوا معا قد ارتفعوا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قرب جيراننا جمالهم»
ما كنت أدري بوشك بينهمحتى رأيت الحداة قد طلعوا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قرب جيراننا جمالهم»
على مصكّين من جمالهموعنتر يسين فيهما شجع
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قرب جيراننا جمالهم»
يا نفس صبرا فإنّه سفهبالحرّ أن يستفزّه الجزع

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. وذكر حبش أن فيه للغريض ثقيلا أوّل بالبنصر. وذكر ابن أبي حسّان أن هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ حدّثه عن أبيه عن ابن جامع قال: عيب على ابن سريج خفّة غنائه، فأخذ أبيات عمر بن أبي ربيعة:

قرّب جيراننا جمالهم

فغنّى فيها في كل إيقاع لحنا. فجميع ما فيها من الألحان له.

وأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني منصور بن أبي مزاحم قال حدّثني رزام أبو قيس مولى خالد بن عبد اللّه قال: قال لي إسماعيل بن عبد اللّه: يا أبا قيس، أيّ رجل أنت لو لا أنك تحب السّماع!. قلت: أصلحك اللّه! أما واللّه لو سمعت فلانة تغنّيك:

قرّب جيراننا جمالهمليلا فأضحوا معا قد ارتفعوا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قرب جيراننا جمالهم»

لعذرتني. فقال: يا أبا قيس، لا عاتبتك بعد هذا أبدا.

ومنها:

صوت

بينا كذلك إذ عجاجة موكبرفعوا ذميل العيس في الصحراء
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «حدث حديث فتاة حي مرة»
قالت أبو الخطّاب أعرف زيّهولباسه لا شكّ غير خفاء
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «حدث حديث فتاة حي مرة»

الشعر لابن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج ثقيل أوّل بالبنصر، وذكر الهشاميّ وأبو العبيس أنه لمعبد؛ وليس الأمر كما ذكرا.

ومنها:

صوت

وهو الذي أوّله:

إن جاء فليأت على بغلة
سلمى عديه سرحتي مالكأو الرّبا دونهما منزلا
إن جاء فليأت على بغلةإني أخاف المهر أن يصهلا

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج من رواية يحيى بن المكّيّ والهشاميّ ثقيل أوّل بالبنصر، وذكر يونس أنه للغريض، وذكره إسحاق في أغاني الغريض ولم يجنّسه.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»