من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين، ويكنى أبا أحمد. وله محلّ من الأدب والتصرّف في فنونه ورواية الشعر وقوله والعلم باللغة وأيّام الناس وعلوم الأوائل من الفلاسفة في الموسيقى والهندسة وغير ذلك مما يجلّ عن الوصف ويكثر ذكره. وله صنعة في الغناء حسنة متقنة عجيبة تدلّ على ما ذكرناه هاهنا من توصّله إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النّغم كلّها في صوت واحد تتبّعه هو وأتى به على فضله فيها وطلبه لها. وكان المعتضد باللّه، رحمة اللّه عليه، ربما كان أراد أن يصنع في بعض الأشعار غناء وبحضرته أكابر المغنّين مثل القاسم بن زرزور وأحمد بن المكيّ ومن دونهما مثل أحمد بن أبي العلاء وطبقتهم، فيعدل عنهم إليه فيصنع فيها أحسن صنعة، ويترفّع عن إظهار نفسه بذلك، ويومىء إلى أنه من صنعة جاريته شاجي، وكانت إحدى المحسنات المبرّزات المقدّمات؛ وذلك بتخريجه وتأديبه، وكان بها معجبا ولها مقدّما.
فأخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: لمّا اختلت حال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر كان المعتضد يتفقّده بالصّلات الفينة بعد الفينة. واتّفق يوما كان فيه مصطبحا أن غنّي بصوت الصنعة فيه لشاجي جارية عبيد اللّه؛ فكتب إليه كتابا يقسم أن يأمرها بزيارته ففعل. قال: فحدّثني من حضر من المغنّيات ذلك المجلس بعد موت المعتضد قالت: دخلت إلينا وما منّا إلّا من يرفل في الحليّ والحلل وهي في أثواب ليست كثيابنا، فاحتقرناها؛ فلمّا غنّت احتقرنا أنفسنا. ولم تزل تلك حالنا حتى صارت في أعيننا كالجبل وصرنا كلا شيء. قال: ولمّا انصرفت أمر لها المعتضد بمال وكسوة. ودخلت إلى مولاها فجعل يسألها عن أمرها وما رأت مما استظرفت وسمعت مما استغربت. فقالت: ما استحسنت هناك شيئا ولا استغربته من غناء ولا غيره إلا عودا من عود محفور فإنّي استظرفته. قال جحظة: فما قولك فيمن يدخل دار الخلافة فلا يمدّ عينه لشيء يستحسنه فيها إلا عودا!.
قال محمد بن الحسن الكاتب وحدّثني النّوشجانيّ قال: كان المعتضد إذا استحسن شعرا بعث به إلى شاجي جارية عبيد اللّه بن طاهر فتغنّى فيه. قال: وكانت صنعتها تسمّى في عصره غناء الدار.
قال محمد بن الحسن: وماتت شاجي في حياة عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر وكان عليلا، فقال يرثيها - وله فيه صنعة من خفيف الثّقيل الأوّل بالوسطى -:
يمينا يقينا لو بليت بفقدهاوبي نبض عرق للحياة أو النّكس
لأوشكت قتل النفس قبل فراقهاولكنها ماتت وقد ذهبت نفسي
ومن نادر صنعة عبيد اللّه وجيّد شعره قوله - وله فيه لحنان ثقيل أوّل وهزج، والثقيل الأوّل أجودهما -:
أنفق إذا أيسرت غير مقتّروأنفق على ما خيلت حين تعسر
غير الجود يفنى المال والمال مقبلولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر
وأشعاره كثيرة جيّدة كثيرة النادر والمختار. وكتابه في النّغم وعلل الأغاني المسمّى «كتاب الآداب الرفيعة» كتاب مشهور جليل الفائدة دالّ على فضل مؤلّفه.
أخبرني جحظة قال حدّثني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني موسى بن هارون، فيما أرى، قال: كنت عند عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر وقد جاءه الزّبير بن بكّار فأعلمه أن المتوكّل أو المعتزّ - وأراه المعتزّ - بعث إلى أخيه محمد بن عبد اللّه بن طاهر يأمر بإحضاره وتقليده القضاء. فقال له الزّبير بن بكّار: قد بلغت هذه السّنّ وأتولى القضاء! أو بعد ما رويت أنّ من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكّين! فقال له: فتلحق بأمير المؤمنين بسرّ من رأى، فقال له: أفعل. فأمر له بمال ينفقه، وبظهر يحمله ويحمل ثقله. ثم قال له: إن رأيت يا أبا عبد اللّه أن تفيدنا شيئا قبل أن نفترق! قال: نعم! انصرفت من عمرة المحرّم؛ فبينا أنا بأثاية العرج، إذا أنا بجماعة مجتمعة، فأقبلت إليهم وإذا رجل كان يقنص الظباء وقد وقع ظبي في حبالته فذبحه، فانتفض في يده فضرب بقرنه صدره فنشب القرن فيه فمات. وأقبلت فتاة كأنها المهاة، فلما رأت زوجها ميّتا شهقت ثم قالت:
يا حسن لو بطل لكنّه أجلعلى الأثاية ما أودى به البطل
يا حسن جمّع أحشائي وأقلقهاوذاك يا حسن لو لا غيره جلل
أضحت فتاة نهد علانيةوبعلها بين أيدي القوم محتمل
قال: ثم شهقت فماتت. فما رأيت أعجب من الثلاثة: الظبي مذبوح، والرجل جريح ميت، والفتاة ميتة حرّى.
فأمر له عبيد اللّه بمال آخر. ثم أقبل إلى أخيه محمد بن عبد اللّه بعد خروج الزبير فقال: أما إنّ الذي أخذناه من الفائدة في خبر حسن وفي قولها:
أضحت فتاة بني نهد علانية
- تريد ظاهرة - أكثر عندي مما أعطيناه من الحباء والصّلة. وقد أخبرني الحسين بن عليّ عن الدمشقيّ عن الزبير بخبر حسن فقط، ولم يذكر فيه من خبر عبيد اللّه شيئا.
ومن الأصوات التي تجمع النّغم العشر:
صوت
وهو يجمع النّغم العشر كلّها على غير توال:
وإنّك إذا أطمعتني منك بالرّضاوأيأستني من بعد ذلك بالغضب
كممكنة من ضرعها كفّ حالبودافقة من بعد ذلك ما حلب
عروضه من الطويل. الشعر لإبراهيم بن عليّ بن هرمة. والغناء في هذا اللحن الجامع للنّغم لعبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها وعليها ابتدأ الصوت.
وقال عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات حدّثني بعض أصحابنا عن أبي نواس أنه قال: شاعران قالا بيتين وضعا التشبيه فيهما في غير موضعه. فلو أخذ البيت الثاني من شعر أحدهما فجعل مع بيت الآخر، وأخذ بيت ذاك فجعل مع هذا لصار متّفقا معنى وتشبيها. فقلت له: أنّى ذلك؟ فقال: قول جرير للفرزدق:
فإنك إذ تهجو تميما وترتشىتبابين قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّهسراب أذاعته رياح السّمائم
وقول ابن هرمة:
وإنّي وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفّيّ زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
فلو قال جرير:
فإنك إذ تهجو تميما وترتشيتبابين قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
لكان أشبه منه ببيته. ولو قال ابن هرمة مع بيته:
وإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفّيّ زندا شحاحا
كمهريق ماء بالفلاة وغرّهسراب أذاعته رياح السمائم
كان أشبه به. ثم قال: ولكن ابن هرمة قد تلافى ذلك بعد فقال:
وإنك إذ أطمعتني منك بالرضاوأيأستني من بعد ذلك بالغضب
كممكنة من ضرعها كفّ حالبودافقة من بعد ذلك ما حلب
وقد أتى عبيد اللّه بن عبد اللّه بهذا الكلام بعينه في «الآداب الرفيعة». وإنما أخذه من أبي نواس على ما روي عنه.
ومما يجمع النغم العشر صوت ابن أبي مطر في شعر نصيب:
ووجدت في كتاب مؤلّف في النّغم غير مسمّى الصانع: أنّ من الأصوات التي تجمع النّغم العشر صوت ابن أبي مطر المكيّ في شعر نصيب وهو:
صوت
ألا أيّها الرّبع المقيم بعنببسقتك السّوافي من مراح ومعزب
بذي هيدب أمّا الرّبى تحت ودقهفتروى وأمّا كلّ واد فيزعب
عروضه من الطويل. ويروى «الربع الخلاء بعنبب» أي الخالي. وعنبب: موضع، ويروى «سقتك الغوادي من مراد». والمراد. الموضع الذي يرتاد فيرعى فيه الكلأ. والمراح: الموضع الذي تروح إليه المواشي وتبيت فيه.
وفي الحديث أنه رخّص في الصلاة في مراح الغنم ونهى عنها في أعطان الإبل. والمعزب: الموضع الذي يعزب فيه الرجل عن البيوت والمنازل. وأصل العزوب: البعد يقال عزب عنه رأيه وحلمه أي بعد، والعزب مأخوذ من ذلك.
وهيدب السماء أطراف تراه في أذنابه كأنه معلّق به. قال أوس بن حجر:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالراح
ويزعب: يطفح، يقال: زعبه السيل إذا ملأه. الشعر لنصيب يقوله في عبد العزيز بن مروان.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني جميع بن عليّ النّميريّ عن عبد اللّه بن عبد العزيز بن محجن بن النّصيب، قال الزبير وكتب إليّ بذلك عبد اللّه بن عبد العزيز يذكره عن عوضة بنت النّصيب قالت: وفد أبي على عبد العزيز بن مروان بمصر، فوقف على الباب فاستأذن فلم يؤذن له. فأرسل إليه حاجبه فقال: استنشده، فإن كان شعره رديئا فاردده، وإن كان جيّدا فأدخله. فقال نصيب: قد جلبنا شيئا للأمير، فإن قبله نشرناه عليه وإلّا طويناه ورجعنا به. فقال عبد العزيز: إنّ هذا لكلام رجل ذهن، فأدخله. فلمّا واجهه أنشده قصيدته التي يقول فيها:
ألا هل أتى الصقر بن مروان أنّنيأردّ لدي الأبواب عنه وأحجب
وأنّي ثويت اليوم والأمس قبلهعلى الباب حتى كادت الشمس تغرب
وأنّي إذا رمت الدخول تردّنيمهابة قيس والرّتاج المضبّب
قال: وكان حاجب عبد العزيز يسمى قيسا. قال: وتشبيب هذه القصيدة:
ألا أيها الرّبع المقيم بعنببسقتك السّواقي من مراح ومعزب
قال: فلمّا دخل على عبد العزيز أعجب بشعره وأوجهه، وقال للفرزدق: كيف تسمع هذا الشعر؟ قال: حسن إلّا من لغته. قال: هذا واللّه أشعر منك!. قال: وقال نصيب فيها أيضا:
وأهلي بأرض نازحون وما لهمكاسب غيري ولا متقلّب
فهل تلحقنّيهم بعبل مواشكعلى الأين من نجب ابن مروان أصهب
أبو بكرات إن أردت افتحالهوذو ثبتات بالرّديفين متعب
فقال له عبد العزيز: أدخل على المهاري فخذ منها ما شئت، فلو كنت سألت غيره لأعطيته. فدخل فردّه الجمّال.
فقال عبد العزيز: دعه فإنما يأخذ الذي نعت، فأخذه.
قال الزّبير وحدّثني بعض أصحابنا عن محمد بن عبد العزيز قال: نزل عبد العزيز بن عبد الوهّاب على المهدي بعنبب من وادي السّراة الذي عنى نصيب بقوله:
ألا أيها الرّبع الخلاء بعنبب
والمهدي هو الذي يقول فيه الشاعر:
اسلمي يا دار من هندبالسّويقات إلى المهدي
صوت له يجمع ثماني نغم وقد مدحه إسحاق
صوت
وهو يجمع من النّغم ثمانيا:
يا من لقلب مقصرترك المنى لفواتها
وتظلّف النفس التيقد كان من حاجاتها
وطلابك الحاجات منسلمى ومن جاراتها
كتطرّد العنس الذّمول الفضل من مثناتها
قوله: «يا من لقلب مقصر» تأسّف على شبابه، ويدلّ على ذلك قوله:
وتظلّف النفس التيقد كان من حاجاتها
يقال: اظلف نفسك عن كذا أي أمنعها منه لئلا بكون لها أثر فيه. وهو مأخوذ من ظلف الأرض وهو المكان الذي لا أثر فيه. قال عوف بن الأحوص:
ألم أظلف عن الشعراء عرضيكما ظلف الوسيفة بالكراع
الوسيقة: الجماعة من الإبل. يعني أنها تساق فلا يوجد لها أثر في الكراع، وهو منقطع الجبل. قال الشاعر:
أمست كراع الغميم موحشةبعد الذي قد خلا، من العجب
وقوله:
كتطرّد العنس الذّمول الفضل من مثناتها
يقول: طلابك هذه الحاجات ضلال وتتابع كتطردّ العنس (وهي الناقة المذكّرة الخلق) الفضل من مثناتها. والتطرّد: التتبّع، ومثله قول الشاعر:
خبطت الصّبا خبط البعير خطامهفلم أنتبه للشّيب حتى علانيا
الشعر لمسافر بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس. والغناء لابن محرز ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وهذا الصوت يجمع من النّغم ثمانيا، وكذلك ذكر إسحاق ووصف أنه لم يجمع شيء من الغناء قديمه وحديثه إلى عصره من النغم ما جمعه هذا الصوت، ووصف أنه لو تلطّف متلطّف لأن يجمع النّغم العشر في صوت واحد لأمكنه ذلك، بعد أن يكون فهما بالصناعة طويل المعاناة لها وبعد أن يتعب نفسه في ذلك حتى يصحّ له. فلم يقدر على ذلك سوى عبيد اللّه بن عبد اللّه إلى وقتنا هذا.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع