من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر جرادتي عبد اللّه بن جدعان وخبرهما وشيء من أخبار ابن جدعان
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عبد اللّه بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيّم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب.
قال ابن الكلبيّ: كانت لابن جدعان أمتان تسميّان الجرادتين تتغنيّان في الجاهليّة، سمّاهما بجرادتي عاد.
ووهبهما عبد اللّه بن جدعان لأميّة بن أبي الصّلت الثّقفيّ، وقد كان امتدحه. وكان ابن جدعان سيّدا جوادا، فرأى أميّة ينظر إليهما هو عنده فأعطاه إيّاهما.
وأخبرني أبو اللّيث نصر بن القاسم الفرائضيّ قال حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدّثنا حفص بن غياث عن داود عن الشّعبيّ عن مسروق عن عائشة قالت: قلت: يا رسول اللّه إن ابن جدعان كان في الجاهليّة يصل الرّحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا لم يقل يوما اغفر لي خطيئتي يوم الدّين».
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني جعفر بن الحسين قال حدّثني إبراهيم بن أحمد قال: قدم أميّة بن أبي الصّلت على عبد اللّه بن جدعان؛ فلما دخل عليه قال له عبد اللّه: أمر ما أتى بك! فقال أميّة: كلاب غرماء نبحتني ونهشتني. فقال له عبد اللّه: قدمت عليّ وأنا عليل من حقوق لزمتني ونهشتني، فأنظرني قليلا، ما في يدي، وقد ضمنتك قضاء دينك ولا أسأل عن مبلغه. قال: فأقام أميّة أيّاما، فأتاه فقال:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرملك الحسب المهذّب والسّناء
كريم لا يغيّره صباحعن الخلق السّنيّ ولا مساء
تباري الرّيح مكرمة وجوداإذا ما الكلب أحجره الشتاء
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرّضه الثناء
إذا خلّفت عبد اللّه فاعلمبأن القوم ليس لهم جزاء
فأرضك كلّ مكرمة بناهابنو تيم وأنت لهم سماء
فأبرز فضله حقّا عليهمكما برزت لناظرها السماء
فهل تخفى السماء على بصيروهل بالشمس طالعة خفاء
فلما أنشده أميّة هذا الشعر كانت عنده قينتان فقال: خذ أيّتهما شئت؛ فأخذ إحداهما وانصرف. فمرّ بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها وقالوا له: لقد لقيته عليلا، فلو رددتها عليه، فإن الشيخ يحتاج إلى خدمتها، كان ذلك أقرب لك عنده وأكثر من كل حقّ ضمنه لك، فوقع الكلام من أميّة موقعا وندم، ورجع إليه ليردّها عليه. فلما أتاه بها قال له ابن جدعان: لعلك إنّما رددتها لأن قريشا لا موك على أخذها وقالوا كذا وكذا، فوصف لأميّة ما قال له القوم. فقال أميّة: واللّه ما أخطأت يا أبا زهير. فقال عبد اللّه بن جدعان: فما الذي قلت في ذلك: فقال أميّة:
صوت
عطاؤك زين لامرىء إن حبوتهببذل وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرىء بذل وجههإليك كما بعض السؤال يشين
غنّت فيه جرادتا عبد اللّه بن جدعان - فقال عبد اللّه لأميّة: خذ الأخرى؛ فأخذهما جميعا وخرج. فلما صار إلى القوم بهما أنشأ يقول - وقد أنشدنا هذه الأبيات أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ عن عمر بن شبّة وفيها زيادة -:
ومالي لا أحيّيه وعنديمواهب يطّلعن من النّجاد
لأبيض من بني تيم بن كعبوهم كالمشرفيّات الحداد
لكل قبيلة هاد ورأسوأنت الرأس تقدم كلّ هادي
له بالخيف قد علمت معدّوإن البيت يرفع بالعماد
له داع بمكّة مشمعلّوآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشّيزي ملاءلباب البرّ يلبك بالشّهاد
وقال فيه أيضا:
ذكر ابن جدعان بخير كلّما ذكر الكرام
من لا يخون ولا يعقّولا تغيّره اللئام
نجب النّجيبة والنجيب له الرّحالة والزّمام
أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن إسحاق البغويّ قال حدّثنا الأثرم عن أبي عبيدة قال: كان ابن جدعان سيّدا من قريش؛ فوفد على كسرى فأكل عنده الفالوذ، فسأل عنه فقيل له: هذا الفالوذ. قال: وما الفالوذ؟ قالوا: لباب البرّ يلبك مع عسل النحل. قال: ابغوني غلاما يصنعه؛ فأتوه بغلام يصنعه فابتاعه ثم قدم به مكة معه، ثم أمره فصنع له الفالوذ بمكة، فوضع الموائد بالأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذ فليحضر فحضر الناس؛ فكان فيمن حضر أميّة بن أبي الصّلت؛ فقال فيه:
ومالي لا أحيّيه وعنديمواهب يطّلعن من النّجاد
إليّ وإنّه للناس نهيولا يعتلّ بالكلم الصّوادي
وذكر باقي الأبيات التي مضت متقدّما.
حدّثنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال أخبرنا يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدّثني محمد بن عمران الجرجانيّ - وليس بصاحب إسحاق الموصليّ؛ قال: وهو شيخ لقيته بجرجان - قال حدّثنا الحسين بن الحسن المروزيّ قال: سألت سفيان بن عيينة فقلت: يا أبا محمد، ما تفسير قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «كان من أكثر دعاء الأنبياء قبلي لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» وإنما هو ذكر وليس فيه من الدعاء شي ء؟
فقال لي: أعرفت حديث مالك بن الحارث: يقول اللّه جلّ ثناؤه: «إذا شغل عبدي ثناؤه عليّ عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»؟ قلت: نعم! أنت حدّثتنيه عن منصور عن مالك بن الحارث. قال: فهذا تفسير ذلك، ثم قال: أما علمت ما قال أميّة بن أبي الصّلت حين خرج إلى ابن جدعان يطلب نائله وفضله. قلت: لا أدري؟ قال قال:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرّضه الثناء
ثم قال سفيان: فهذا مخلوق ينسب إلى الجود فقيل له: يكفينا من مسألتك أن نثني عليك ونسكت حتى تأتي على حاجتنا، فكيف بالخالق!.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا حميد بن حميد قال حدّثني جبّار ابن جابر قال: دخل أميّة بن أبي الصّلت على عبد اللّه بن جدعان وهو يجود بنفسه؛ فقال له أميّة: كيف تجدك أبا زهير؟ قال: إني لمدابر (أي ذاهب). فقال أميّة:
علم ابن جدعان بن عمرو أنّه يوما مدابر
ومسافر سفرا بعيدا لا يؤوب به المسافر
فقدوره بفنائهللضيف مترعة زواخر
تبدو الكسور من انضراج الغلي فيها والكراكر
فكأنهنّ بما حمين وما شحنّ بها ضرائر
بذّ المعاشر كلّهابالفضل قد علم المعاشر
وعلا علوّ الشمس حتّىما يفاخره مفاخر
دانت له أبناء فهر من بني كعب وعامر
أنت الجواد ابن الجواد بكم ينافر من ينافر
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ قال أخبرني أبو عبد الرحمن الغلابيّ عن الواقديّ عن ابن أبي الزّناد قال: ما مات أحد من كبراء قريش في الجاهليّة إلّا ترك الخمر استحياء ممّا فيها من الدّنس؛ ولقد عابها ابن جدعان قبل موته فقال:
شربت الخمر حتى قال قوميألست عن السّفاه بمستفيق
وحتى ما أوسّد في مبيتأنام به سوى التّرب السّحيق
وحتى أغلق الحانوت رهنيوآنست الهوان من الصديق
قال: وكان سبب تركه الخمر أن أميّة بن أبي الصّلت شرب معه فأصبحت عين أميّة مخضّرة يخاف عليها الذّهاب.
فقال له: ما بال عينك؟ فسكت. فلما ألحّ عليه قال له: أنت صاحبها أصبتها البارحة. فقال: أو بلغ منّي الشّراب الذي أبلغ معه من جليسي هذا! لا جرم لأدينّها لك ديتين؛ فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: الخمر عليّ حرام أن أذوقها أبدا، وتركها من يومئذ.
صوت من المائة المختارة
قد لعمري بتّ ليليكأخي الداء الوجيع
ونجيّ الهمّ منّيبات أدنى من ضجيعي
كلما أبصرت ربعاخاليا فاضت دموعي
لا تلمنا إن خشعناأو هممنا بالخشوع
إذا فقدنا سيّدا كان لنا غير مضيع
الشعر للأحوص. والغناء لسلّامة القسّ. ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالوسطى في مجراها.
وقد قيل: إن الشعر والغناء جميعا لها، وقد قيل: إن الغناء لمعبد وإنها أخذته عنه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع