من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار سعيد بن عبد الرحمن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وقد مضى نسبه في نسب جدّه حسّان بن ثابت متدّما. وهو شاعر من شعراء الدولة الأمويّة، متوسّط في طبقته ليس معدودا في الفحول. وقد وفد إلى الخلفاء من بني أميّة فمدحهم ووصلوه. ولم تكن له نباهة أبيه وجدّه.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني أبو عمرو الخصّاف عن العتبيّ قال: خرج سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان مع جماعة من قريش إلى الشأم في خلافة هشام بن عبد الملك، وسألهم معاونته، فلم يصادفوا من هشام له نشاطا. وكان الوليد بن يزيد قد طلّق امرأته العثمانيّة ليتزوّج أختها، فمنعه هشام عن ذلك ونهى أباها أن يزوّجه. فمرّ يوما بالوليد وقد خرج من داره ليركب؛ فلما رآه وقف؛ فأمر به الوليد فدعي إليه؛ فلما جاءه قال: أنت ابن عبد الرحمن بن حسّان؟ قال: نعم أيها الأمير. فقال له: ما أقدمك؟ قال: وفدت على أمير المؤمنين منتجعا ومادحا ومستشفعا بجماعة صحبتهم من أهله، فلم أنل منه خطوة ولا قبولا. قال: لكنك تجد عندي ما تحبّ، فأقم حتى أعود. فأقام ببابه حتى دخل إلى هشام وخرج من عنده؛ فنزل ودعا بسعيد، فدخل إليه، فأمر بتغيير هيئته وإصلاح شأنه؛ ثم قال له: أنشدني قصيدة بلغتني لك فشوّقتني إليك، وغنّيت في بعضها، فلم أزل أتمنّى لقاءك. فقال: أيّ قصيدة أيها الأمير؟ قال قولك:
أبائنة سعدى ولم توف بالعهدولم تشف قلبا تيّمته على عمد
نعم أفمود أنت إن شطّت النّوىبسعدى وما من فرقة الدهر من ردّ
كأن قد رأيت البين لا شيء دونهفم الآن أعلن ما تسرّ من الوجد
لعلك منها بعد أن تشحط النّوىملاق كما لاقى ابن عجلان من هند
فويل ابن سلمى خلّة غير أنهاتبلّغ منّي وهي مازحة جدّي
وتدنو لنا في القول وهي بعيدةفما إن بسلمى من دنوّ ولا بعد
ومهما أكن جلدا عليه فإنّنيعلى هجرها غير الصّبور ولا الجلد
إذا سمت نفسي هجرها قطعت بهفجانبته فيما أسرّ وما أبدي
كأنّي أرى في هجرها، أيّ ساعةهممت به، موتى وفي وصلها خلدي
ومن أجلها صافيت من لا تردّنيعليه له قربى ولا نعمة عندي
وأغضيت عيني من رجال على القذىيقولون أقوالا أمضّوا بها جلدي
وأقصيت من قد كنت أدني مكانهوأدنيت من قد كنت أقصيته جهدي
فإن يك أمسى وصل سلمى خلابةفما أنا بالمفتون في مثلها وحدي
فأصبح ما منّتك دينا مسوّفالواه غريم ذو اعتلال وذو جحد
تجود بتقريب الذي هو آجلمن الوعد ممطول وتبخل بالنّقد
وقد قلت إذ أهدت إلينا تحيّةعليها سلام اللّه من نازح مهدي
سقي الغيث ذاك الغور ما سكنت بهونجدا إذا صارت نواها إلى نجد
قال: فجعل ينشدها ودموع الوليد تنحدر على خدّيه حتى فرغ منها. ثم قال له: لن تحتاج إلى رفد أحد ولا معونته ما بقيت، وأمر له بخمسمائة درهم، وقال: إبعث بها إلى أهلك وأقم عندي، فلن تعدم ما تحبّه ما بقيت.
فلم يزل معه زمانا، ثم استأذنه وانصرف. وفي بعض هذه الأبيات غناء نسبته:
صوت
أبائنة سعدى ولم توف بالعهدولم تشف قلبا أقصدته على عمد
ومهما أكن جلدا عليه فإننيعلى هجرها غير الصبور ولا الجلد
الغناء لمالك خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ. من هذه القصيدة:
صوت
وأغضيت عيني من رجال على القذىيقولون أقوالا أمضّوا بها جلدي
إذا سمت نفسي هجرها قطعت بهفجانبته فيما أسرّ وما أبدي
الغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي ومحمد بن الضحّاك بن عثمان قالا: وفد سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان على هشام بن عبد الملك وكان حسن الوجه؛ فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدّب الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فأراده على نفسه، وكان لوطيّا زنديقا؛ فدخل سعيد على هشام مغضبا وهو يقول:
إنه واللّه لو لا أنت لمينج منّي سالما عبد الصّمد
فقال له هشام: ولماذا؟ قال:
إنه قد رام منّي خطّةلم يرمها قبله منّي أحد
فقال: وما هي؟ قال:
رام جهلا بي وجهلا بأبييدخل الأفعى إلى خيس الأسد
قال: فضحك هشام وقال له: لو فعلت به شيئا لم أنكر عليك.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عمر بن شبّة قال أخبرنا ابن عائشة لا أعلمه إلا عن أبيه قال: سأل سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان صديقا له حاجة - وقال هشام بن محمد في خبره: سأل سعيد بن عبد الرحمن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حاجة - يكلّم فيها سليمان بن عبد الملك فلم يقضها له، ففزع فيها إلى غيره فقضاها؛ فقال:
سئلت فلم تفعل وأدركت حاجتيتولّى سواكم حمدها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأي مقصّرونفس أضاق اللّه بالخير باعها
إذا ما أرادته على الخير مرّةعصاها وإن همّت بشرّ أطاعها
قال ابن عمّار: وقد أنشدنا هذه الأبيات سليمان بن أبي شيخ لسعيد بن عبد الرحمن ولم يذكر لها خبرا.
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن زكريا الغلابيّ عن ابن عائشة قال: قال رجل من الأنصار لعديّ بن الرّقاع: أكتبني شيئا من شعرك. قال: ومن أيّ العرب أنت؟ قال: أنا رجل من الأنصار. قال: ومن منكم القائل:
إنّ الحمام إلى الحجاز بهيج ليطربا ترنّمه إذا يترنّم
والبرق حين أشيمه متيامناوجنائب الأرواح حين تنسّم
فقال له: سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت. فقال: عليكم بصاحبكم فاكتب شعره، فلست تحتاج معه إلى غيره.
وفي أوّل هذه القصيدة غناء نسبته:
صوت
برح الخفاء فأيّ ما بك تكتموالشّوق يظهر ما تسرّ فيعلم
وحملت سقما من علائق حبّهاوالحبّ يعلقه الصحيح فيسقم
الغناء لحكم خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ، وذكره إبراهيم له ولم يجنّسه وفي هذه القصيدة يقول:
علويّة أمست ودون وصالهامضمار مصر وعابد والقلزم
خود تطيف بها نواعم كالدّمىمما اصطفى ذو النّقية المتوسّم
حلّين مرجان البحور وجوهراكالجمر فيه على النحور ينظّم
قالت وماء العين يغسل كحلهاعند الفراق بمستهلّ يسجم
يا ليت أنك يا سعيد بأرضناتلقي المراسي ثاويا وتخيّم
فتصيب لذّة عيشنا ورخاءهفنكون أجوارا فماذا تنقم
لا ترجعنّ إلى الحجاز فإنهبلد به عيش الكريم مذمّم
وهلمّ جاورنا فقلت لها اقصريعيش بطيبة ويح غيرك أنعم
أيفارق الوطن الحبيب لمنزلناء ويشرى بالحديث الأقدم
إنّ الحمام إلى الحجاز يهيج ليطربا ترنّمه إذا يترنّم
والبرق حين أشيمه متيامناوجنائب الأرواح حين تنسّم
لو لحّ ذو قسم على أن لم يكنفي الناس مشبهها لبرّ المقسم
من أجلها تركي القرار وخفضهوتجشّمي ما لم أكن أتجشّم
ولقد كتمت غداة بانت حاجةفي الصدر لم يعلم بها متكلّم
تشفي برؤيتها السقيم وترتمىحبّ القلوب، رميّها لا يسلم
رقراقة في عنفوان شبابهافيها عن الخلق الدّنيّ تكرّم
ضنّت على مغرى بطول سؤالهاصبّ كما يسل الغنيّ المعدم
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو مسلم عن الحرمازيّ قال: خرج سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان إلى عسكر يزيد بن عبد الملك، فأتى عنبسة بن سعيد بن العاصي، وكان أبوه صديقا لأبيه، فسأله أن يرفع أمره إلى الخليفة، فوعده أن يفعل؛ فلم يمكث إلّا يسيرا حتى طرقه لصّ فسرق متاعه وكلّ شيء كان معه؛ فأتى عنبسة فتنجّزه ما وعده؛ فاعتلّ عليه ودافعه؛ فرجع سعيد من عنده فارتجل وقال:
أعنبس قد كنت لا تعتزيإلى عدّة منك كانت ضلالا
وعدت عدات لو انجزتهاإذا لحمدت ولم ترز مالا
وما كان ضرّك لو قد شفعتفأعطى الخليفة عفوا نوالا
وقد ينجز الحرّ موعودهويفعل ما كان بالأمس قالا
فياليتني والمنى كاسمهاوقد يصرف الدهر حالا فحالا
قعدت ولم ألتمس ما وعدتويا ليت وعدك كان اعتلالا
وكانت نعم منك مخزونةوقلت من أوّل يوم ألالا
أرى كذب القول من شرّ مايعدّ إذا الناس عدوّا الخصالا
فأبقيت لي عنك مندوحةونفسا عزوفا تقلّ السؤالا
فإن عدت أرجوكم بعدهافبدّلت بعد العلاء السّفالا
أأرجوك من بعد ما قد عزفتلعمري لقد جئت شيئا عضالا
نسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ يأثره عن أبيه قال: كان سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان إذا وفد إلى الشأم نزل على الوليد بن يزيد، فأحسن نزله وأعطاه وكساه وشفع له. فلما حجّ الوليد لقيه سعيد بن عبد الرحمن في أوّل من لقيه، فسلّم عليه، فردّ الوليد عليه السّلام وحيّاه وقرّبه وأمر بإنزاله معه وبسطه، ولم يأنس بأحد أنسه به. وأنشده سعيد قوله فيه:
يا لقومي للهجر بعد التّصافيوتنائى الجميع بعد ائتلاف
ما شجا القلب بعد طول اندمالغيرهاب كالفرخ بين أثافي
ونعيب الغراب في عرصة الدار ونؤي تسقي عليه السّوافي
وقد روى عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان قال: رأى عليّ ابن عمر أوضاحا فقال: ألقها عنك فقد كبرت.
صوت من المائة المختارة من رواية جحظة
ما جرت خطرة على القلب منّيفيك إلّا استترت عن أصحابي
من دموع تجري فإن كنت وحديخاليا أسعدت دموعي انتحابي
إنّ حبّي إيّاك قد سلّ جسميورماني بالشيب قبل الشّباب
إرحمي عاشقا لك اليوم صبّاهائم العقل قد ثوى في التّراب
الشعر للسيّد الحميريّ، والغناء لمحمد نعجة خفيف رمل أيضا. ولم أجد لهذا المغنّي خبرا ولا ذكرا في موضع من المواضع أذكره. وقد مضت أخبار السيّد متقدما.
صوت من المائة المختارة
أكرع الكرعة الرويّة منهاثم أصحو وما شفيت غليلي
كم أتى دون عهد أمّ جميلمن أنّي حاجة ولبث طويل
وصياح الغراب أن سر فأسرعسوف تحظى بنائل وقبول
الشعر للأحوص. والغناء للبردان خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع