من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب جرير وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
جرير بن عطيّة بن الخطفى. والخطفى لقب، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار. ويكنى أبا حزرة. ولقّب الخطفى لقوله:
يرفعن للّيل إذا ما أسدفاأعناق جنّان وهاما رجّفا
وعنقا بعد الكلال خيطفا
ويروى: خطفى.
وهو والفرزدق والأخطل المقدّمون على شعراء الإسلام الذين لم يدركوا الجاهلية جميعا. ومختلف في أيّهم المتقدّم؛ ولم يبق أحد من شعراء عصرهم إلّا تعرّض لهم فافتضح وسقط وبقوا يتصاولون؛ على أن الأخطل إنما دخل بين جرير والفرزدق في آخر أمرهما وقد أسنّ ونفد أكثر عمره. وهو وإن كان له فضله وتقدّمه فليس نجره من نجار هذين في شي ء؛ وله أخبار مفردة عنهما ستذكر بعد هذا مع ما يغنّى من شعره.
أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ قال حدّثنا محمد بن سلّام الجمحيّ، وأخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ وعليّ بن سليمان الأخفش قالا حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ عن محمد بن حبيب وأبي غسّان دماذ وإبراهيم بن سعدان عن أبيه جميعا عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، بنسب جرير على ما ذكرته وسائر ما أذكره في الكتاب من أخباره فأحكيه عن أبي عبيدة أو عن محمد بن سلّام. قالوا جميعا: وأمّ جرير أمّ قيس بنت معيد بن عمير بن مسعود بن حارثة بن عوف بن كليب بن يربوع. وأمّ عطيّة النّوار بنت يزيد بن عبد العزّى بن مسعود بن حارثة بن عوف بن كليب.
قال أبو عبيدة ومحمد بن سلّام ووافقهما الأصمعيّ فيما أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبّة عنه: اتفقت العرب على أن أشعر أهل الإسلام ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل، واختلفوا في تقديم بعضهم على بعض. قال محمد بن سلّام: والراعي معهم في طبقتهم ولكنّه آخرهم، والمخالف في ذلك قليل. وقد سمعت يونس يقول: ما شهدت مشهدا قط قد ذكر فيه جرير والفرزدق فاجتمع أهل المجلس على أحدهما. وكان يونس فرزدقيّا.
قال ابن سلّام: وقال ابن دأب: الفرزدق أشعر عامّة وجرير أشعر خاصّة. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو يشبّه جريرا بالأعشى، والفرزدق بزهير، والأخطل بالنابغة. قال أبو عبيدة: يحتجّ من قدّم جريرا بأنه كان أكثرهم فنون شعر، وأسهلهم ألفاظا، وأقلّهم تكلّفا، وأرقّهم نسيبا، وكان ديّنا عفيفا. وقال عامر بن عبد الملك: جرير كان أشبههما وأنسبهما.
ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ: قال خالد بن كلثوم: ما رأيت أشعر من جرير والفرزدق؛ قال الفرزدق بيتا مدح فيه قبيلتين وهجا قبيلتين، قال:
عجبت لعجل إذ تهاجي عبيدهاكما آل يربوع هجوا آل دارم
يعني بعبيدها بني حنيفة. وقال جرير بيتا هجا فيه أربعة:
إن الفرزدق والبعيث وأمّهوأبا البعيث لشرّ ما إستار
قال: وقال جرير: لقد هجوت التّيم في ثلاث كلمات ما هجا فيهنّ شاعر شاعرا قبلي، قلت:
من الأصلاب ينزل لؤم تيموفي الأرحام يخلق والمشيم
وقال محمد بن سلّام: قال العلاء بن جرير العنبريّ وكان شيخا وقد جالس الناس: إذا لم يجيء الأخطل سابقا فهو سكّيت، والفرزدق لا يجيء سابقا ولا سكّيتا، وجرير يجيى سابقا ومصلّيا وسكّيتا. قال محمد بن سلّام: ورأيت أعرابيّا من بني أسد أعجبني ظرفه وروايته، فقلت له: أيّهما عندكم أشعر؟ قال: بيوت الشعر أربعة: فخر ومديح وهجاء ونسيب، وفي كلّها غلب جرير؛ قال في الفخر:
إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلّهم غضابا
والمديح:
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
والهجاء:
فغضّ الطّرف إنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
والنّسيب:
إنّ العيون التي في طرفها حورقتلننا ثم لم يحيين قتلانا
قال أبو عبد اللّه محمد بن سلّام: وبيت النّسيب عندي:
فلما التقى الحيّان ألقيت العصاومات الهوى لما أصيبت مقاتله
قال كيسان: أما واللّه لقد أوجعكم (يعني في الهجاء). فقال: يا أحمق! أوذاك يمنعه أن يكون شاعرا!.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني عمر بن شبّة قال قال أبو عبيدة، وأخبرنا أبو خليفة قال حدّثني محمد بن سلّام الجمحيّ قال حدّثني أبان بن عثمان البلخيّ قال: تنازع في جرير والفرزدق رجلان في عسكر المهلّب، فارتفعا إليه وسألاه؛ فقال: لا أقول بينهما شيئا ولكنّي أدلّكما على من يهون عليه سخطهما: عبيدة بن هلال اليشكريّ - وكان بإزائه مع قطريّ وبينهما نهر.
وقال عمر بن شبّة: في هؤلاء الخوارج من تهون عليه سبال كلّ واحد منهما - فأمّا أنا فما كنت لأعرّض نفسي لهما. فخرج أحد الرجلين وقد تراضيا بحكم الخوارج؛ فبدر من الصفّ ثم دعا بعبيدة بن هلال للمبارزة فخرج إليه.
فقال: إني أسألك عن شيء تحاكمنا إليك فيه؛ فقال: وما هو؟ عليكما لعنة اللّه. قال: فأيّ الرجلين عندك أشعر: أجرير أم الفرزدق؟ فقال: لعنكما اللّه ولعن جريرا والفرزدق! أمثلى يسأل عن هذين الكلبين! قالا: لا بدّ من حكمك. قال: فإنّي سائلكم قبل ذلك عن ثلاث. قالوا: سل. قال: ما تقولون في إمامكم إذا فجر؟ قالوا: نطيعه وإن عصى اللّه عزّ وجلّ. قال: قبحكم اللّه! فما تقولون في كتاب اللّه وأحكامه؟ قالوا: ننبذه وراء ظهورنا ونعطّل أحكامه. قال: لعنكم اللّه إذا! فما تقولون في اليتيم؟ قالوا: نأكل ماله وننيك أمّه. قال: أخزاكم اللّه إذا! واللّه لقد زدتموني فيكم بصيرة. ثم ذهب لينصرف؛ فقالوا له: إن الوفاء يلزمك، وقد سألتنا فأخبرناك ولم تخبرنا؛ فرجع فقال: من الذي يقول:
إنّا لنذعر يا قفير عدوّنابالخيل لاحقة الاباطيل قودا
وتحوط حوزتنا وتحمي سرحناجرد ترى لمغارها أخدودا
أجرى قلائدها وقدّد لحمهاألّا يذقن مع الشّكائم عودا
وطوى القياد مع الطّراد متونهاطيّ التّجار بحضرموت برودا
قالا: جرير، قال: فهو ذاك، فانصرفا.
أخبرني عمّ أبي عبد العزيز بن أحمد قال حدّثنا الرّياشيّ قال قال الأصمعيّ وذكر جريرا فقال: كان ينهشه ثلاثة أو ربعون شاعرا فينبذهم وراء ظهره ويرمي بهم واحدا واحدا، ومنهم من كان ينفحه فيرمي به، وثبت له الفرزدق والأخطل. وقال جرير: واللّه ما يهجوني الأخطل وحده وإنه ليهجوني معه خمسون شاعرا كلّهم عزيز ليس بدون الأخطل، وذلك أنه كان إذا أراد هجائي جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتا وهذا بيتا، وينتحل هو القصيدة بعد أن يتمّموها.
قال ابن سلّام: وحدّثني أبو البيداء الرّياحيّ قال قال الفرزدق: إنّي وإيّاه لنغترف من بحر واحد وتضطرب دلاؤه عند طول النهر.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني زيرك بن هبيرة المنانيّ قال: كان جرير ميدان الشعر، من لم يجر فيه لم يرو شيئا، وكان من هاجى جريرا فغلبه جرير أرجح عندهم ممّن هاجى شاعرا آخر غير جرير فغلب.
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: تذاكروا جريرا والفرزدق في حلقة يونس بن معاوية بن أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ومسمع وعامر ابنا عبد الملك المسمعيّان، فسمعت عامرا وهو شيخ بكر بن وائل يقول: كان جرير واللّه أنسبهما وأسبّهما وأشبههما.
قال ابن سلّام: وحدّثني أبو البيداء قال: مرّ راكب بالراعي وهو يغنّي بيتين لجرير، وهما:
وعاو عوى من غير شيء رميتهبقارعة أنفاذها تقطر الدّما
خروج بأفواه الرّواة كأنّهاقرا هندوانيّ إذا هزّ صمّما
فأتبعه الراعي رسولا يسأله لمن البيتان؟ قال: لجرير. قال: لو اجتمع على هذا جميع الجنّ والإنس ما أغنوا فيه شيئا. ثم قال لمن حضر: ويحكم أألام على أن يغلبني مثل هذا!.
قال ابن سلّام: وسألت بشّارا المرعّث: أيّ الثلاثة أشعر؟ فقال: لم يكن الأخطل مثلهما ولكنّ ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. قلت: فهذان؟ قال: كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النّوار فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير. فقلت لبشّار: وأيّ شيء لجرير من المراثي إلّا التي رثى بها امرأته! فأنشدني لجرير يرثي ابنه سوادة ومات بالشأم:
قالوا نصيبك من أجر لهمكيف العزاء وقد فارقت أشبالي
فارقتني حين كفّ الدهر من بصريوحين صرت كعظم الرّمة البالي
أمسى سوادة يجلو مقلتي لحمباز يصرصر فوق المربأ العالي
قد كنت أعرفه منّي إذا غلقترهن الجياد ومدّ الغاية الغالي
إنّ الثّويّ بذي الزّيتون فاحتسبيقد أسرع اليوم في عقلي وفي حالي
إلّا تكنّ لك بالدّيرين معولةفربّ باكية بالرّمل معوال
كأمّ بوّ عجول عند معهدهحنّت إلى جلد منه وأوصال
حتى إذا عرفت أن لا حياة بهردّت هماهم حرّى الجوف مثكال
زادت على وجدها وجدا وإن رجعتفي الصدر منها خطوب ذات بلبال
أخبرني عبد الواحد بن عبيد عن قعنب بن المحرز الباهليّ عن المغيرة بن حجناء وعمارة بن عقيل قالا: خرج جرير إلى دمشق يؤمّ الوليد، فمرض ابن له يقال له سوادة، وكان به معجبا، فمات بالشأم، فجزع عليه ورثاه جرير فقال:
أودى سوادة يجلو مقلتي لحمباز يصرصر فوق المربأ العالي
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أحمد بن معاوية قال حدّثني رجل من أصحاب الحديث يقال له الحسن قال حدّثني أبو نصر اليشكريّ عن مولى لبني هاشم قال: إمترى أهل المجلس في جرير والفرزدق أيّهما أشعر، فدخلت على الفرزدق فما سألني عن شيء حتى قال: يا نوار، أدركت برنيّتك؟ قالت: قد فعلت أو كادت. قال: فابثعي بدرهم فاشتري لحما، ففعلت وجعلت تشرّحه وتلقيه على النار ويأكل. ثم قال: هاني برنيّتك، فشرب قدحا ثم ناولني، وشرب آخر ثم ناولني. ثم قال: هات حاجتك يابن أخي، فأخبرته؛ قال: أعن ابن الخطفى تسألني! ثم تنفّس حتى قلت: انشقّت حيازيمه، ثم قال: قاتله اللّه! فما أخشن ناحيته وأشرد قافيته! واللّه لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، والشابّة على أحبابها، ولكنهم هرّوه فوجدوه عند الهراش نابجا وعند الجراء قارحا، وقد قال بيتا لأن أكون قلته أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس:
إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلّهم غضابا
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أبي عبيدة، قالا: نزل الفرزدق على الأحوص حين قدم المدينة. فقال الأحوص: ما تشتهي؟ قال: شواء وطلاء وغناء.
قال: ذلك لك؛ ومضى به إلى قينة بالمدينة؛ فغنّته:
صوت
ألا حيّ الديار بسعد إنّيأحبّ لحبّ فاطمة الدّيارا
إذا ما حلّ أهلك يا سليمىبدارة صلصل شحطوا مزارا
أراد الظاعنون ليحزنونيفهاجوا صدع قلبي فاستطارا
- غنّاه ابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالبنصر - فقال الفرزدق: ما أرقّ أشعاركم يأهل الحجاز وأملحها! قال: أو ما تدري لمن هذا الشعر؟ قال: لا واللّه. قال: فهو واللّه لجرير يهجوك به. فقال: ويل ابن المراغة! ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري، وأحوجني مع شهواتي إلى رقّة شعره!.
أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق الموصليّ، وأخبرني محمد بن مزيد عن حمّاد عن أبيه قال قال إسحاق بن يحيى بن طلحة: قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته، وجاء الأحوص فقال: أين هذا؟
فقلنا: قام آنفا، ما تريد منه؟ قال: أخزيه، واللّه إن الفرزدق لأشعر منه وأشرف. فأقبل جرير علينا وقال: من الرجل؟ قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. قال: هذا الخبيث بن الطيّب. ثم أقبل عليه فقال: قد قلت:
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينهاوأحسن شيء ما به العين قرّت
فإنه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقرّ ذلك بعينك؟ - قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة - فانصرف وأرسل إليه بتمر وفاكهة. وأقبلنا نسأل جريرا وهو في مؤخّر البيت وأشعب عند الباب؛ فأقبل أشعب يسأله؛ فقال له جرير: واللّه إنك لأقبحهم وجها ولكنّي أراك أطولهم حسبا، وقد أبرمتني. فقال: أنا واللّه أنفعهم لك. فانتبه جرير فقال: كيف؟ قال: إني لأملّح شعرك؛ واندفع يغنّيه قوله:
صوت
يا أخت ناجية السلام عليكمقبل الفراق وقيل لوم العذّل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكميوم الفراق فعلت ما لم أفعل
قال: فأدناه جرير منه حتى ألصق ركبته بركبته وجعله قريبا منه؛ ثم قال: أجل! واللّه إنك لأنفعهم لي وأحسنهم تزيينا لشعري، أعد؛ فأعاده عليه وجرير يبكي حتى اخضلّت لحيته، ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه وكساه حلّة من حلل الملوك. وكان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنّيه أشعب ويعطيه جرير شعره فيغنّي فيه قال: وكان أشعب من أحسن الناس صوتا. قال حماد: والغناء الذي غنّاه فيه أشعب لابن سريج.
أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ عن الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال وذكر المغيرة بن حجناء مسعود بن خالد بن مالك بن ربعيّ بن سلمى بن جندل قال حدّثني مسحل بن كسيب بن عمران بن عطاء بن الخطفى، وأمّه الرّبّداء بنت جرير - وهذا الخبر وإن كان فيه طول محتو على سائر أخبار من ناقض جريرا أو اعتنّ بينه وبين الفرزدق وغيره فذكرته هنا لاشتماله على ذلك في بلاغ واختصار -: أنّ جريرا قدم على الحكم بن أيوب بن يحيى بن الحكم بن أبي عقيل، وهو خليفة للحجّاج يومئذ، فمدحه جرير فقال:
أقبلت من ثهلان أو جنبي خيمعلى قلاص مثل خيطان السّلم
ثهلان: جبل كان لباهلة ثم غلبت عليه نمير. وخيم: جبل يناوحه من طرفه الأقصى فيما بين ركنه الأقصى وبين مطلع الشمس، به ماء ونخل -
قد طويت بطونها طيّ الأدميبحثن بحثا كمضلّات الخدم
إذا قطعن علمّا بدا علمحتى تناهين إلى باب الحكم
خليفة الحجّاج غير المتّهمفي معقد العزّ وبؤبوء الكرم
بعد انفضاج البدن واللحم زيم فلما قدم عليه استنطقه فأعجبه ظرفه وشعره؛ فكتب إلى الحجّاج: إنه قدم عليّ أعرابيّ شيطان من الشياطين. فكتب إليه أن أبعث به إليّ، ففعل. فقدم عليه فأكرمه الحجّاج وكساه جبّة صبريّة وأنزله فمكث أياما. ثم أرسل إليه بعد نومه فقالوا: أجب الأمير؛ فقال: ألبس ثيابي؛ فقالوا: لا! واللّه لقد أمرنا أن نأتيه بك على الحال التي نجدك عليها؛ ففزع جرير وعليه قمبص غليظ وملاءة صفراء. فلما رأى ما به رجل من الرّسل دنا منه وقال: لا بأس عليك، إنما دعاك للحديث. قال جرير: فلما دخلت عليه قال: إيه يا عدوّ اللّه! علام تشتم الناس وتظلمهم؟ فقلت: جعلني اللّه فداء الأمير، واللّه إني ما أظلمهم ولكنّهم يظلمونني فأنتصر. مالي ولابن أمّ غسّان! ومالي وللبعيث! ومالي وللفرزدق! ومالي وللأخطل! ومالي وللتّيميّ! حتى عدّدهم واحدا واحدا. فقال الحجاج: ما أدري مالك ولهم! قال: أخبر الأمير أعزّه اللّه: أمّا غسّان بن ذهيل فإنه رجل من قومي هجاني وهجا عشيرتي وكان شاعرا. قال: فقال لك ماذا؟ قال قال لي:
لعمري لئن كانت بجيلة زانهاجرير لقد أخزي كليبا جريرها
رميت نضالا عن كليب فقصّرتمراميك حتى عاد صفرا جفيرها
ولا يذبحون الشاة إلا بميسرطويل تناجيها صغار قدورها
قال: فما قلت له؟ قال قلت:
ألا ليت شعري عن سليط ألم تجدسليط سوى غسّان جارا يجيرها
فقد ضمّنوا الأحساب صاحب سوءةيناجي بها نفسا خبيثا ضميرها
كأنّ سليطا في جواشنها الخصىإذا حلّ بين الأملحين وقيرها
أضجّوا الرّوايا بالمزاد فإنّكمستكفون ركض الخيل تدمى نحورها
كأنّ السّليطيّات مجناة كمأةلأوّل جان بالعصا يستشيرها
عضاريط يشوون الفراسن بالضّحىإذا ما السّرايا حثّ ركضا مغيرها
فما في سليط فارس ذو حفيظةومعقلها يوم الهياج جعورها
عجبت من الدّاعي جحيشا وصائداوعيساء يسعى بالعلاب نفيرها
قال: ثم منّ؟ قال: البعيث. قال: مالك وله؟ قال: اعترض دونه ابن أمّ غسّان يفضّله عليّ ويعينه. قال: فما قال لك؟ قال قال لي:
كليب لئام الناس قد تعلمونهوأنت إذا عدّت كليب لئيمها
أترجو كليب أن يجيء حديثهابخير وقد أعيا كليبا قديمها
قال: فما قلت له؟ قال قلت:
ألم تر أنّي قد رميت ابن فرتنىبصمّاء لا يرجو الحياة أميمها
له أمّ سوء بئس ما قدّمت لهإذا فرط الأحساب عدّ قديمها
قال: ثم من؟ قلت: الفرزدق. قال: وما لك وله؟ قلت: أعان البعيث عليّ.
قال: فما قلت له؟ قال قلت:
تمنّى رجال من تميم لي الرّدىوما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي
كأنّهم لا يعلمون مواطنيوقد جرّبوا أنّي أنا السابق المبلى
فلو شاء قومي كان حلمي فيهموكان على جهّال أعدائهم جهلي
وقد زعموا أنّ الفرزدق حيّةوما قتل الحيّات من أحد قبلي
قال: ثم من؟ قلت: الأخطل. قال: مالك وله؟ قلت: رشاه محمد بن عمير ابن عطارد زقّا من خمر وكساه حلّة على أن يفضّل عليّ الفرزدق ويهجوني. قال: فما قال لك؟ قال قال:
إخسأ إليك كليب إنّ مجاشعاوأبا الفوارس نهشلا أخوان
وإذا وردت الماء كان لدارمجمّاته وسهولة الأعطان
وإذا قذفت أباك في ميزانهمرجحوا وشال أبوك في الميزان
قال: فما قلت له؟ قال قلت:
يا ذا العباءة إنّ بشرا قد قضىألّا تجوز حكومة النّشوان
فدعوا الحكومة لستم من أهلهاإنّ لحكومة في بني شيبان
قتلوا كليبكم بلقحة جارهميا خزر تغلب لستم بهجان
قال: ثم من؟ قلت: عمر بن لجأ التّيميّ. قال: مالك وله؟ قال: قلت بيتا من شعر فقبّحه وقاله على غير ما قلته؟ قلت:
لقومي أحمى للحقيقة منكموأضرب للجبّار والنّقع ساطع
وأوثق عند المرهفات عشيّةلحاقا إذا ما جرّد السيف لامع
فزعم أنّي قلت:
وأوثق عند المردفات عشيّةلحاقا إذا ما جرّد السيف لامع
فقال: لحقتهنّ عند العشيّ وقد أخذن غدوة، واللّه ما يمسين حتى يفضحن.
قال: فما قلت له؟ قال قلت:
يا تيم تيم عديّ لا أبا لكملا يوقعنّكم في سوءة عمر
خلّ الطريق لمن يبني المنار بهوابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر
حتى أتى على الشعر. قال: ثم من؟ قلت: سراقة بن مرداس البارقيّ. قال: مالك وله؟ قال قلت: لا شيء، حمله بشر بن مروان وأكرهه على هجائي، ثم بعث إليّ رسولا وأمرني أن أجيبه. قال: فما قال لك؟ قال قال:
إنّ الفرزدق برّزت أعراقهعفوا وغودر في الغبار جرير
ما كنت أوّل محمر قعدت بهمسعاته إنّ اللئيم عثور
هذا قضاء البارقيّ وإنهبالميل في ميزانكم لبصير
قال: فما قلت له؟ قال قلت:
يا بشر حقّ لوجهك التبشيرهلّا غضبت لنا وأنت أمير
بشر أبو مروان إن عاسرتهعسر وعند يساره ميسور
إنّ الكريمة ينصر الكرم ابنهاوابن اللئيمة للّئام نصور
قد كان حقّك أن تقول لبارقيا آل بارق فيم سبّ جرير
وكسحت باستك للفخار وبارقشيخان أعمى مقعد وكسير
قال: ثم من؟ قلت: البلتع وهو المستنير بن سبرة العنبريّ. قال: مالك وله؟ قلت: أعان عليّ ابن لجأ.
قال: فما قال لك؟ قلت قال:
إنّ التي ربّتك لما طلّقتقعدت على جحش المراغة تمرغ
أتعيب من رضيت قريش صهرهوأبوك عبد بالخورنق أذلغ
قال: فما قلت له؟ قال قلت:
فما مستنير الخبث إلا فراشةهوت بين مؤتجّ الحريقين ساطع
نهيت بنات المستنير عن الرّقىوعن مشيهنّ الليل بين المزارع
ويروىبين مؤتجّ من النار ساطع قال: ثم من؟ قلت: راعي الإبل. قال: مالك وله؟ قلت: قدمت البصرة وكان بلغني أنه قال لي:
يا صاحبيّ دنا الرّواح فسيراغلب الفرزدق في الهجاء جريرا
وقال أيضا:
رأيت الجحش جحش بني كليبتيمّم حوض دجلة ثم هابا
فقلت: يا أبا جندل، إنك شيخ مضر وشاعرها، وقد بلغني أنك تفضّل عليّ الفرزدق، وأنت يسمع قولك، وهو ابن عمّي دونك؛ فإن كان لا بدّ من تفضيل فأنا أحقّ به لمدحي قومك وذكري إيّاهم. قال: وابنه جندل على فرس له، فأقبل يسير بفرسه حتى ضرب عجز دابّتي وأنا قائم فكاد يقطع أصبع رجلي وقال: لا أراك واقفا على هذا الكلب من بني كليب؛ فمضى، وناديته: أنا ابن يربوع! إنّ أهلك بعثوك مائرا من هبّود وبئس المائر، وإنما بعثني أهلي لأقعد على قارعة هذا المربد فلا يسبّهم أحد إلّا سببته، وإنّ عليّ نذرا إن جعلت في عيني غمضا حتى أخزيك. قال: فما أصبحت حتى هجوته فقلت:
فغضّ الطّرف إنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
قال فغدوت عليه من الغد فأخذت بعنانه، فما فارقته حتى أنشدته إيّاها. فلما مررت على قولي:
أجندل ما تقول بنو نميرإذا ما الأير في است أبيك غابا
قال: فأرسل يدي وقال: يقولون واللّه شرّا.
قال: ثم من؟ قلت: العباس بن يزيد الكنديّ قال: مالك وله؟ قال لمّا قلت:
إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلّهم غضابا
قال:
ألا رغمت أنوف بني تميمفساة التمر إن كانوا غضابا
لقد غضبت عليك بنو تميمفما نكأت بغضبتها ذبابا
لو اطّلع الغراب على تميموما فيها من السّوءات شابا
قال: فتركته خمس سنين لا أهجوه، ثم قدمت الكوفة فأتيت مجلس كندة، فطلبت إليهم أن يكفّوه عنّي؛ فقالوا: ما نكفّه وإنه لشاعر وأوعدوني؛ فقلت:
ألا أبلغ بني حجر بن وهببأنّ التمر حلو في الشتاء
فعودوا للنّخيل فأبّروهاوعيثوا بالمشقّر فالصّفاء
قال: فمكثت قليلا، ثم بعثوا إليّ راكبا فأخبروني بمثالبه وجواره في طيّ ء حيث جاور عتّابا، وحبّل أخته هضيبة حيث حبلت. قال: فقلت ماذا؟ قال قلت:
إذا جهل الشّقيّ ولم يقدّرلبعض الأمر أوشك أن يصابا
أعبدا حلّ في شعبى غريباألؤما لا أبالك واغترابا
فما خفيت هضيبة حين جرّتولا إطعام سخلتها الكلابا
تخرّق بالمشاقص حالبيهاوقد بلّت مشيمتها الترابا
فقد حملت ثمانية وأوفتبتاسعها وتحسبها كعابا
قال: ثم من؟ قلت: جفنة الهزّانيّ بن جعفر بن عباية بن شكس من عنزة. قال: ومالك وله؟ قال: أقبل سائلا حتى أتاني وأنا أمدر حوضا لي، فقال: يا جرير، قم إليّ هاهنا؛ قلت نعم. ثم أتيته فقلت: ما حاجتك؟
قال: مدحتك فاستمع منّي. قلت: أنشدني فأنشد؛ فقلت: قد واللّه أحسنت وأجملت؛ فما حاجتك؟ قال: تكسوني الحلّة التي كساكها الوليد بن عبد الملك العام. فقلت: أنّي لم أقف فيها بالموسم، ولا بدّ من أن أقف فيها العام، ولكنّي أكسوك حلّة خيرا منها كان كسانيها الوليد عاما أوّل. فقال: ما أقبل غيرها بعينها. فقلت: بلى، فاقبل وأزيدك معها دنانير نفقة. فقال: ما أفعل؛ ومضى فأتى المرّار بن منقذ أحد بني العدويّة، فحمله على ناقة له يقال لها القصواء. فقال جفنة:
لعمرك للمرّار يوم لقيتهعلى الشّحط خير من جرير وأكرم
قال: فما قلت له؟ قال قلت:
لقد بعثت هزّان جفنة مائرافآب وأحذى قومه شرّ مغنم
فيا راكب القصواء ما أنت قائللهزّان إذ أسلمتها شرّ مسلم
أظنّ عجان التّيس هزّان طالباعلالة سبّاق الأضاميم مرجم
كأنّ بني هزّان حين رديتهموبار تضاغت تحت غار مهدّم
بني عبد عمرو قد فرغت إليكموقد طال زجري لو نهاكم تقدّمي
ورصعاء هزّانيّة قد تحفّشتعلى مثل حرباء الفلاة المعمّم
قال: ثم من؟ قلت: المرّار بن منقذ. قال: مالك وله؟ قلت: أعان عليّ الفرزدق. قال: فما قلت له؟ قال قلت:
بني منقذ لا صلح حتى تضمّكممن الحرب صمّاء القناة زبون
وحتى تذوقوا كأس من كان قبلكمويسلح منكم في الحبال قرين
فإن كنتم كلبى فعندي شفاؤكموللجنّ إن كان اعتراك جنون
قال: ثم من؟ قلت: حكيم بن معيّة من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قال: ومالك وله؟ قلت: بلغني أنه أعان عليّ غسّان السّليطيّ. قال: فما قلت له؟ قال قلت:
إذا طلع الرّكبان نجدا وغوّروابها فارجزا يا بني معيّة أو دعا
أتسمن أستاه المجرّ وقد رأوامجرّا بوعساوي رماح مصرّعا
ألا إنّما كانت غضوب محامياغداة اللّوى لم تدفع الضّيم مدفعا
قال: ثم من؟ قلت ثور بن الأشهب بن رميلة النّهشليّ. قال: ومالك وله؟ قلت: أعان عليّ الفرزدق.
قال: فما قلت له؟ قال قلت:
سيخزى إذا ضنّت حلائب مالكثوير ويخزى عاصم وجميع
وقبلك ما أعيا الرّماة إذا رمواصفا ليس في قاراتهنّ صدوع
قال: ثم من؟ قلت: الدّلهمس أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة. قال: مالك وله؟ قلت: أعان عليّ الفرزدق. قال: فما قلت له؟ قال قلت:
لقد نفخت منك الوريدين علجةخبيثة ريح المنكبين قبوع
ولو أنجبت أمّ الدّلهمس لم يعبفوارسنا لا عاش وهو جميع
أليس ابن حمراء العجان كأنّماثلاثة غربان عليه وقوع
فلا تدنيا رحل الدّلهمس إنهبصير بما يأتي اللئام سميع
هو النّخبة الخوّار ما دون قلبهحجاب ولا حول الحجاب ضلوع
قال: ثم مررت على مجلس لهم فاعتذرت إليهم فلم يقبلوا عذري، وأنشدوني شعرا لم يخبروني من قاله:
غضبت علينا أن علاك ابن غالبفهلّا على جدّيك في ذاك تغضب
هما إذ علا بالمرء مسعاة قومهأناخا فشدّاك العقال المؤرّب
قال: فعلمت أنه شعر قبضة الكلب. قال: فجمعتهم في شعري فقلت:
وأكثر ما كانت ربيعة أنهاخباءان شتّى لا أنيس ولا قفر
محالفهم فقر شديد وذلّةوبئس الحليفان المذلّة والفقر
فصبرا على ذلّ ربيع بن مالكوكلّ ذليل خير عادته الصبر
قال: ثم من؟ قلت: هبيرة بن الصّلت الرّبعيّ من ربيعة بن مالك أيضا، كان يروي شعر الفرزدق. قال: فما قلت له؟ قال قلت:
يمشي هبيرة بعد مقتل شيخهمشي المراسل أو ذنت بطلاق
ماذا أردت إليّ حين تحرّقتناري وشمّر مئزري عن ساقي
إنّ القراف بمنخريك لبيّنوسواد وجهك يابن أمّ عفاق
سيروا فربّ مسبّحين وقائلهذا شقا لبني ربيعة باقي
أبني ربيعة قد أخسّ بحظّكملؤم الجدود ودقّة الأخلاق
قال: ثم من؟ قلت: علقة والسّرندى من بني الرّباب كانا يعينان ابن لجأ. قال: فما قلت لهما؟ قال قلت:
عضّ السّرندي على تثليم ناجذهمن أمّ علقة بظرا غمّه الشّعر
وعضّ علقة لا يألو بعرعرةمن بظر أم السّرندى وهو منتصر
قال: ثم من؟ قلت: الطّهويّ، كان يروي شعر الفرزدق. قال: ما قلت له؟ قال قلت:
أتنسون وهبا يا بني زبد استهاوقد كنتم جيران وهب بن أبجرا
فما تتّقون الشرّ حتّى يصيبكمولا تعرفون الأمر إلا تدبّرا
ألا ربّ أعشى ظالم متخمّطجعلت لعينيه جلاء فأبصرا
قال: ثم من؟ قلت: عقبة بن السّنيع الطّهويّ وكان نذر دمي. قال: فما قلت له: قال قلت:
يا عقب يابن سنيع ليس عندكممأوى الرّفاق ولا ذو الراية الغادي
يا عقب يابن سنيع بعض قولكمإن الوثاب لكم عندي بمرصاد
ما ظنّكم بيني ميثاء إن فزعواليلا وشدّ عليهم حيّة الوادي
يغدو عليّ أبو ليلى ليقتلنيجهلا عليّ ولم يثأر بشدّاد!
إرووا عليّ وأرضوا بي صديقكمواستسمعوا يا بني ميثاء إنشادي
ميثاء هي بنت زهير بن شدّاد الطّهويّ وهي أم عوف بن أبي سود بن مالك ابن حنظلة.
وقال أيضا لبني ميثاء:
نبّئت عقبة خصّافا توعّدنييا ربّ آدر من ميثاء مأفون
لو في طهيّة أحلام لما اعترضوادون الذي كنت أرميه ويرميني
قال: ثم من؟ قلت: سحمة الأعور النّبهانيّ، كانت له امرأة من طيّىء ولدت في بني سليط فأعطوه وحملوه عليّ. فسألني فاشتطّ، ولم يكن عندي فحرمته، فقال:
أقول لأصحابي النّجاء فإنهكفى الذّم أن يأتي الضيوف جرير
جرير ابن ذات البظر هل أنت زائللقدرك دون النازلين ستور
وهل يكرم الأضياف كلب لكلبةلها عند أطناب البيوت هرير
فلو عند غسّان السّليطيّ عرّسترغا قرن منها وكاس عقير
فتى هو خير منك نفسا ووالداعليك إذا كان الجوار يجير
فقال جرير:
وجدنا بني نبهان أذناب طيّ ءوللناس أذناب ترى وصدور
تغنّى ابن نبهانيّة طال بظرهاوباع ابنها عند الهياج قصير
وأعور من نبهان أمّا نهارهفأعمى وأمّا ليلة فبصير
ستأتي بني نبهان منّي قصائدتطلع من سلمى وهنّ وعور
ترى قزم المعزى مهور نسائهموفي قزم المعزى لهنّ مهور
قال: وطلع الصبح فنهض ونهضت. قال: فأخبرني من كان قاعدا معه أنه قال: قاتله اللّه أعرابيّا! إنه لجروهراش.
أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ عن الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال وذكر المغيرة بن حجناء قال حدّثني أبي عن أبيه قال: كان راعي الإبل يقضي للفرزدق على جرير ويفضّله، وكان راعي الإبل قد ضخم أمره وكان من شعراء الناس. فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال: هلّا تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق عليّ وهو يهجو قومه وأنا أمدحهم! قال جرير: فضربت رأيي فيه. ثم خرج جرير ذات يوم يمشي ولم يركب دابّته، وقال: واللّه ما يسرّني أن يعلم أحد. وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها. قال: فخرجت أتعرّض له لألقاه من حيال حيث كنت أراه يمرّ إذا انصرف من مجلسه، وما يسرّني أن يعلم أحد، حتى إذا هو قد مرّ على بغلة له وابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى محذوف الذّنب وإنسان يمشي معه يسأله عن بعض السّبب، فلما استقبلته قلت: مرحبا بك يا أبا جندل! وضربت بشمالي على معرفة بغلته، ثم قلت: يا أبا جندل! إن قولك يستمع وإنك تفضّل الفرزدق عليّ تفضيلا قبيحا وأنا أمدح قومك وهو يهجوهم وهو ابن عمي، ويكفيك من ذاك هيّن: إذا ذكرنا أن تقول كلاهما شاعر كريم، ولا تحتمل مني ولا منه لائمة. قال: فبينا أنا وهو كذاك واقفا عليّ. وما ردّ عليّ بذلك شيئا حتى لحق ابنه جندل، فرفع كرمانيّة معه فضرب بها عجز بغلته ثم قال: لا أراك واقفا على كلب من بني كليب كأنك تخشى منه شرّا أو ترجو منه خيرا! وضرب البغلة ضربة، فرمحتني رمحة وقعت منها قلنسوتي، فو اللّه لو يعرّج عليّ الراعي لقلت سفيه غوى - يعني جندلا ابنه - ولكن لا واللّه ما عاج عليّ، فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم أعدتها على رأسي ثم قلت:
أجندل ما تقول بنو نميرإذا ما الأير في است أبيك غابا
فسمعت الرّاعي قال لابنه: أما واللّه لقد طرحت قلنسوته طرحة مشؤومة. قال جرير: ولا واللّه ما القلنسوة بأغيظ أمره إليّ لو كان عاج عليّ. فانصرف جرير غضبان حتى إذا صلّى العشاء بمنزله في علّيّة له قال: ارفعوا إليّ باطية من نبيذ وأسرجوا لي، فأسرجوا له وأتوه بباطية من نبيذ. قال: فجعل يهمهم؛ فسمعت صوته عجوز في الدار فاطّلعت في الدّرجة حتى نظرت إليه، فإذا هو يحبو على الفراش عريانا لما هو فيه، فانحدرت فقالت: ضيفكم مجنون! رأيت منه كذا وكذا! فقالوا لها: اذهبي لطيّتك، نحن أعلم به وبما يمارس. فما زال كذلك حتى كان السّحر، ثم إذا هو يكبّر قد قالها ثمانين بيتا في بني نمير. فلما ختمها بقوله:
فغضّ الطّرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
كبّر ثم قال: أخزيته وربّ الكعبة. ثم أصبح، حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق، دعا بدهن فادّهن وكفّ رأسه، وكان حسن الشّعر، ثم قال: يا غلام، أسرج لي، فأسرج له حصانا، ثم قصد مجلسهم؛ حتى إذا كان بموضع السلام قال: يا غلام - ولم يسلّم - قل لعبيد: أبعثك نسوتك تكسبهنّ المال بالعراق! أما والذي نفس جرير بيده لترجعنّ إليهنّ بمير يسوءهن ولا يسرّهنّ! ثم اندفع فيها فأنشدها. قال: فنكس الفرزدق وراعى الإبل وأرمّ القوم، حتى إذا فرغ منها سار، وثبت راعي الإبل ساعة ثم ركب بغلته بشرّ وعرّ وخلّى المجلس حتى ترقّى إلى منزله الذي ينزله ثم قال لأصحابه: ركابكم ركابكم، فليس لكم هاهنا مقام، فضحكم واللّه جرير! فقال له بعض القوم: ذاك شؤمك وشؤم ابنك. قال: فما كان إلا ترحّلهم. قال فسرنا إلى أهلنا سيرا ما ساره أحد، وهم بالشّريف وهو أعلى دار بني نمير. فيحلف باللّه راعى الإبل إنّا وجدنا في أهلنا: فغضّ الطّرف إنك من نمير وأقسم باللّه ما بلّغه إنسيّ قطّ، وإنّ لجرير لأشياعا من الجنّ. فتشاءمت به بنو نمير وسبّوه وابنه، فهم يتشاءمون به إلى الآن.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه قال حدّثني مولى لبني كليب بن يربوع كان يبيع الرّطب بالبصرة أنسيت اسمه قال: كنت أجمع شعر جرير وأشتهي أن أحفظه وأرويه. فجاءني ليلة فقال: إن راعي الإبل النّميريّ قد هجاني، وإنّي آتيك الليلة فأعدّ لي شواء رشراشا ونبيذا مخفسا؛ فأعددت له ذلك. فلما أعتم جاءني فقال: هلمّ عشاءك، فأتيته به، فأكل ثم قال: هلمّ نبيذك، فأتيته به، فشرب أقداحا ثم قال: هات دواة وكتفا؛ فأتيته بهما، فجعل يملي عليّ قوله:
أقلّي اللوم عاذل والعتاباوقولي إن أصبت لقد أصابا
حتى بلغ إلى قوله: فغضّ الطّرف إنك من نمير فجعل يردّده ولا يزيد عليه حتى حملتني عيني، فضربت بذقني صدري نائما، فإذا به قد وثب حتى أصاب السّقف رأسه وكبّر ثم صاح: أخزيته واللّه! أكتب:
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
غضضته وقدّمت إخوته عليه! واللّه لا يفلح بعدها أبدا. فكان واللّه كما قال ما أفلح هو ولا نميريّ بعدها.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال: أقبل راكب من اليمامة؛ فمرّ بالفرزدق وهو جالس في المربد؛ فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من اليمامة.
فقال: هل رأيت ابن المراغة؟ قال نعم؟ قال: فأيّ شيء أحدث بعدي؟ فأنشده: هاج الهوى لفؤادك المهتاج فقال الفرزدق: فانظر بتوضح باكر الأحداج فأنشده الرجل: هذا هوى شغف الفؤاد مبرّح فقال الفرزدق:
ونوّى تقاذف غير ذات خلاج
فأنشده الرجل:
إن الغراب بما كرهت لمولع
فقال الفرزدق:
بنوى الأحبّة دائم التّشحاج
فقال الرجل: هكذا واللّه، قال أفسمعتها من غيري؟ قال: لا! ولكن هكذا ينبغي أن يقال؛ أو ما علمت أن شيطاننا واحد! ثم قال: أمدح بها الحجّاج؟ قال نعم. قال: إياه أراد.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا محمد بن إسحاق بن عبد الرحمن قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ قال حدّثني أبو عبيدة قال: إلتقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجّان؛ فقال الفرزدق لجرير:
فإنك لاق بالمنازل من منىفخارا فخبّرني بمن أنت فاخر
فقال له جرير: بلبّيك اللهم لبيك. قال إسحاق: فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون منه.
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلّام، وأخبرني وكيع عن محمد بن إسماعيل عن ابن سلّام قال حدّثنا أبو الخطّاب عن أبيه عن حجناء بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، ما هجوت قوما قطّ إلّا أفسدتهم سوى التّيم. فقال: إنّي لم أجد حسبا أضعه، ولا بناء أهدمه.
قال ابن سلّام أخبرني أبو قيس عن عكرمة بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، من أشعر الناس؟ فقال: ألجاهلية تريد أم الإسلام؟ قلت: أخبرني عن الجاهلية. قال: شاعر الجاهلية زهير. قلت: فالإسلام؟ قال: نبعة الشعر الفرزدق. قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد صفة الملوك ويصيب نعت الخمر. قلت: فما تركت لنفسك؟ قال: دعني فإني نحرت الشعر نحرا.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني الحسن بن عليل قال حدّثني محمد بن عبد اللّه العبديّ عن عمارة بن عقيل عن جدّه قال: وقف الفرزدق على أبي بمربد البصرة وهو ينشد قصيدته التي هجا بها الرّاعي؛ فلما بلغ إلى قوله:
فغضّ الطّرف إنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
أقبل الفرزدق على روايته فقال: غضّه واللّه فلا يجيبه أبدا ولا يفلح بعدها. فلما بلغ إلى قوله: بها برص بجانب إسكتيها وضع الفرزدق يده على فيه وغطّى عنفقته؛ فقال أبي: كعنفقة الفرزدق حين شابا فانصرف الفرزدق وهو يقول: اللهم أخزه! واللّه لقد علمت حين بدأ بالبيت أنه لا يقول غير هذا، ولكن طمعت ألّا يأبه فغطّيت وجهي، فما أغناني ذلك شيئا. قال العنزيّ حدّثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة قال قال يونس: ما أرى جريرا قال هذا المصراع إلا حين غطّى الفرزدق عنفقته، فإنه نبّهه عليه بتغطيته إيّاها.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ قال: قال رجل من بني دارم للفرزدق وهو بالبصرة: يا أبا فراس، هل تعلم اليوم أحدا يرمي معك؟ فقال: لا! واللّه ما أعرف نابحا إلا وقد استكان ولا ناهشا إلا وقد انجحر إلا القائل:
فإن لم أجد في القرب والبعد حاجتيتشأمت أو حوّلت وجهي يمانيا
فردّي جمال الحيّ ثم تحمّلىفمالك فيهم من مقام ولا ليا
فإنّي لمغرور أعلّل بالمنىليالي أرجو أنّ مالك ماليا
وقائلة والدمع يحدر كحلهاأبعد جرير تكرمون المواليا
بأيّ نجاد تحمل السيف بعد ماقطعت القوى من محمل كان باقيا
بأيّ سنان تطعن القرم بعد مانزعت سنانا من قناتك ماضيا
لساني وسيفي صارمان كلاهماوللسّيف أشوى وقعة من لسانيا
قال: وهذا الشعر لجرير.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال: قال جرير: وفدت إلى يزيد بن معاوية وأنا شابّ يومئذ؛ فاستؤذن لي عليه في جملة الشعراء؛ فخرج الحاجب إليّ وقال: يقول لك أمير المؤمنين: إنه لا يصل إلينا شاعر لا نعرفه ولا نسمع بشيء من شعره، وما سمعنا لك بشيء فنأذن لك على بصيرة. فقلت له: تقول لأمير المؤمنين: أنا القائل:
وإنّي لعفّ الفقر مشترك الغنىسريع إذا لم أرض داري انتقاليا
جريء الجنان لا أهاب من الردىإذا ما جعلت السيف قبض بنانيا
وليس لسيفي في العظام بقيّةوللسّيف أشوى وقعة من لسانيا
فدخل الحاجب عليه فأنشده الأبيات؛ ثم خرج إليّ وأذن لي، فدخلت وأنشدته وأخذت الجائزة مع الشعراء؛ فكانت أوّل جائزة أخذتها من خليفة، وقال لي: لقد فارق أبي الدنيا وما يظنّ أبياتك التي توسّلت بها إليّ إلّا لي.
أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية قال: أتيت الفرزدق فأنشدني، ثم قال لي: هل أتيت الكلب جريرا؟ قلت نعم. قال: فأنا أشعر أو هو؟ فقلت: أنت في بعض الأمر وهو في بعض. فقال: لم تناصحني. فقلت: هو أشعر إذا أرخى من خناقه، وأنت أشعر منه إذا خفت أو رجوت. فقال: وهل الشعر إلا في الخوف والرجاء وعند الخير والشرّ!.
أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن الحارث قال حدّثنا المدائنيّ عن يحيى بن عنبسة القرشيّ وعوانة بن الحكم: أنّ جريرا والفرزدق اجتمعا عند بشر بن مروان؛ فقال لهما بشر: إنكما قد تقارضتما الأشعار وتطالبتما الآثار وتقاولتما الفخر وتهاجيتما. فأمّا الهجاء فليست بي إليه حاجة، فجدّدا بين يديّ فخرا ودعاني مما مضى. فقال الفرزدق:
نحن السّنام والمناسم غيرنافمن ذا يساوي بالسّنام المناسما!
فقال جرير:
على موضع الأستاه أنتم زعمتموكلّ سنام تابع للغلاصم
فقال الفرزدق:
على محرث للفرث أنتم زعمتمألا إنّ فوق الغلصمات الجماجما
فقال جرير:
وأنبأتمونا أنكم هام قومكمولا هام إلا تابع للخراطم
فقال الفرزدق:
فنحن الزّمام القائد المقتدى بهمن الناس، ما زلنا ولسنا لهازما
فقال جرير:
فنحن بني زيد قطعنا زمامهافتاهت كسار طائش الرأس عارم
فقال بشر: غلبته يا جرير بقطعك الزّمام وذهابك بالناقة. وأحسن الجائزة لهما وفضّل جريرا.
قال المدائنيّ وحدّثني عوانة بن الحكم قال: جاء جرير إلى باب سكينة بنت الحسين عليه السّلام يستأذن عليها فلم تأذن له، وخرجت إليه جارية لها فقالت: تقول لك سيّدتي: أنت القائل:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذاحين الزيارة فارجعي بسلام
قال نعم. قالت: فألّا أخذت بيدها فرحّبت بها وأدنيت مجلسها وقلت لها ما يقال لمثلها! أنت عفيف وفيك ضعف، فخذ هذين الألفي الدرهم فالحق بأهلك.
قال المدائنيّ في خبره هذا وحدّثني أبو يعقوب الثّقفيّ عن الشّعبيّ: أنّ الفرزدق خرج حاجّا؛ فلما قصى حجّه عدل إلى المدينة فدخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فسلّم. فقالت له: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت! أشعر منك الذي يقول:
بنفسي من تجنّبه عزيزعليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراهويطرقني إذا هجع النّيام
فقال: واللّه لو أذنت لي لأسمعتك أحسس منه. قالت: أقيموه فأخرج ثم عاد إليها من الغد فدخل عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس. قال: أنا. قالت: كذبت! صاحبك جرير أشعر منك حيث يقول:
لو لا الحياء لعادني استعبارولزرت قبرك والحبيب يزار
كانت إذا هجر الضّجيع فراشهاكتم الحديث وعفّت الأسرار
لا يلبث القرناء أن يتفرّقواليل يكرّ عليهم ونهار
فقال: واللّه لئن أذنت لي لأسمعنّك أحسن منه، فأمرت به فأخرج. ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولّدات لها كأنهنّ التماثيل؛ فنظر الفرزدق إلى واحدة منهنّ فأعجب بها وبهت ينظر إليها. فقالت له سكينة: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت! صاحبك أشعر منك حيث يقول:
إنّ العيون التي في طرفها مرضقتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك بهوهنّ أضعف خلق اللّه أركانا
أتبعتهم مقلة إنسانها غرقهل ما ترى تارك للعين إنسانا
فقال: واللّه لئن تركتني لأسمعنّك أحسن منه؛ فأمرت بإخراجه. فالتفت إليها وقال: يا بنت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - إنّ لي عليك حقّا عظيما. قالت: وما هو؟ قال: ضربت إليك آباط الإبل من مكة إرادة التسليم عليك، فكان جزائي من ذلك تكذيبي وطردي وتفضيل جرير عليّ ومنعك إيّاي أن أنشدك شيئا من شعري، وبي ما قد عيل منه صبري، وهذه المنايا تغدو وتروح، ولعلّي لا أفارق المدينة حتى أموت؛ فإذا أنا متّ فمري بي أن أدرج في كفني وأدفن في حر هذه (يعني الجارية التي أعجبته). فضحكت سكينة وأمرت له بالجارية، فخرج بها آخذا بريطتها؛ وأمرت الجواري فدفعن في أقفيتهما، ونادته. يا فرزدق احتفظ بها وأحسن صحبتها فإني آثرتك بها على نفسي.
حضر أعرابي مائدة عبد الملك بن مروان ووصف له طعاما أشهى من طعامه ثم سأله عن أحسن الشعر فأجاب من شعر جرير: قال المدائنيّ في خبره هذا وحدّثني أبو عمران بن عبد الملك بن عمير عن أبيه، وحدّثنيه عوانة أيضا قالا: صنع عبد الملك بن مروان طعاما فأكثر وأطاب ودعا إليه الناس فأكلوا. فقال بعضهم: ما أطيب هذا الطعام! ما نرى أن أحدا رأى أكثر منه ولا أكل أطيب منه. فقال أعرابيّ من ناحية القوم: أمّا أكثر فلا، وأمّا أطيب فقد واللّه أكلت أطيب منه، فطفقوا يضحكون من قوله. فأشار إليه عبد الملك فأدني منه؛ فقال: ما أنت بمحقّ فيما تقول إلّا أن تخبرني بما يبين به صدقك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ بينا أنا بهجر في برث أحمر في أقصى حجر، إذ توفّي أبي وترك كلّا وعيالا، وكان له نخل، فكانت فيه نخلة لم ينظر الناظرون إلى مثلها، كأن تمرها أخفاف الرّباع لم ير تمر قطّ أغلظ ولا أصلب ولا أصغر نوّى ولا أحلى حلاوة منه. وكانت تطرقها أتان وحشيّة قد ألفتها تأوي الليل تحتها، فكانت تثبت رجليها في أصلها وترفع يديها وتعطو بفيها فلا تترك فيها إلا النّبيذ والمتفرّق؛ فأعظمني ذلك ووقع منّي كلّ موقع، فانطلقت بقوسي وأسهمي وأنا أظنّ أنّي أرجع من ساعتي؛ فمكثت يوما وليلة لا أراها، حتى إذا كان السّحر أقبلت، فتهيأت لها فرشقتها فأصبتها وأجهزت عليها، ثم عمدت إلى سرّتها فاقتددتها، ثم عمدت إلى حطب جزل فجمعته إلى رضف وعمدت إلى زندي فقدحت وأضرمت النار في ذلك الحطب، وألقيت سرّتها فيه؛ وأدركني نوم الشّباب فلم يوقظني إلّا حرّ الشمس في ظهري؛ فانطلقت إليها فكشفتها وألقيت ما عليها من قذّى وسواد ورماد، ثم قلبت منها مثل الملاءة البيضاء، فألقيت عليها من رطب تلك النخلة المجزّعة والمنصّفة، فسمعت لها أطيطا كتداعي عامر وغطفان، ثم أقبلت أتناول الشّحمة واللحمة فأضعها بين التمرتين وأهوي إلى فمي، فبما أحلف إنّي ما أكلت طعاما مثله قطّ. فقال له عبد الملك: لقد أكلت طعاما طيّبا، فمن أنت؟ قال: أنا رجل جانبتني عنعتة تميم وأسد وكشكشة ربيعة وحوشيّ أهل اليمن وإن كنت منهم. فقال: من أيّهم أنت؟ قال: من أخوالك من عذرة. قال: أولئك فصحاء الناس؛ فهل لك علم بالشعر؟
قال: سلني عمّا بدالك يا أمير المؤمنين. قال: أيّ بيت قالته العرب أمدح؟ قال: قول جرير:
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
قال: وكان جرير في القوم، فرفع رأسه وتطاول لها. ثم قال: فأيّ بيت قالته العرب أفخر؟ قال: قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلّهم غضابا
قال: فتحرّك. ثم قال له: فأيّ بيت أهجى؟ قال: قول جرير:
فغضّ الطّرف إنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
قال: فاستشرف لها جرير. قال: فأيّ بيت أغزل؟ قال: قول جرير:
إن العيون التي في طرفها مرضقتلننا ثم لم يحيين قتلانا
قال: فاهتزّ جرير وطرب. ثم قال له: فأيّ بيت قالته العرب أحسن تشبيها؟ قال: قول جرير:
سرى نحوهم ليل كأنّ نجومهقناديل فيهنّ الذّبالى المفتّل
فقال جرير: جائزتي للعذريّ يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: وله مثلها من بيت المال، ولك جائزتك يا جرير لا تنتقص منها شيئا. وكانت جائزة جرير أربعة آلاف درهم وتوابعها من الحملان والكسوة. فخرج العذريّ وفي يده اليمنى ثمانية آلاف درهم وفي اليسرى رزمة ثياب.
أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا المدائنيّ عن أبي عبد الرحمن عن عبد اللّه بن عيّاش الهمدانيّ قال: بينا المهلّب ذات يوم أو ليلة بفارس وهو يقاتل الأزارقة إذ سمع في عسكره جلبة وصياحا؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: جماعة من العرب تحاكموا إليك في شيء. فأذن لهم فقالوا: إنّا اختلفنا في جرير والفرزدق؛ فكلّ فريق منّا يزعم أنّ أحدهما أشعر من الآخر، وقد رضينا بحكم الأمير. فقال: كأنكم أردتم أن تعرّضوني لهذين الكلبين فيمزّقا جلدتي! لا أحكم بينهما، ولكنّي أدلّكم على من يهون عليه سبال جرير وسبال الفرزدق، عليكم بالأزارقة، فإنّهم قوم عرب يبصرون بالشعر. ويقولون فيه بالحق. فلما كان الغد خرج عبيدة بن هلال اليشكريّ ودعا إلى المبارزة، فخرج إليه رجل من عسكر المهلّب كان لقطريّ صديقا؛ فقال له: يا عبيدة، سألتك اللّه إلّا أخبرتني عن شيء أسألك عنه. قال: سل. قال: أو تخبرني؟ قال: نعم إن كنت أعلمه. قال: أجرير أشعر أم الفرزدق؟ قال: قبحك اللّه! أتركت القرآن والفقه وسألتني عن الشعر! إنا تشاجرنا في ذلك ورضينا بك. فقال من الذي يقول:
وطوى الطّراد - مع القياد بطونهاطيّ التّجار بحضر موت برودا
فقال: جرير. قال: هذا أشعر الرجلين.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ عن العتبيّ قال: قال جرير: ما عشقت قطّ، ولو عشقت لنسبت نسيبا تسمعه العجوز فتبكي على ما فاتها من شبابها، وإني لأرى من الرّجز أمثال آثار الخيل في الثّرى، ولو لا أنّي أخاف أن يستفرغني لأكثرت منه.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ وعمّي قالا حدّثنا ابن الأعرابيّ قال حدّثنا عبد الرحمن بن سعيد بن بيهس بن صهيب الجرميّ عن عامر بن شبل الجرميّ قال: قدم جرير على عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك وهو نازل بدير مرّان؛ فكنا نغدو إليه بكرا، فيخرج إلينا ويجلس في برنس خزّ له لا يكلّمنا كلمة حتى يجيء طبّاخ عبد العزيز إليه بقدح من طلاء مسخّن يفور، وبكتلة من سمن كأنها هامة رجل فيخوضها فيه، ثم يدفعه إليه فيأتي عليه، ويقبل علينا ويحدّثنا في كل فنّ، وينشدنا لنفسه ولغيره؛ حتى يحضر غداء عبد العزيز فنقوم إليه جميعا. وكان يختم مجلسه بالتسبيح فيطيل. فقال له رجل: ما يغني عنك هذا التسبيح مع قذفك للمحصنات! فتبسّم وقال: يابن أخي (خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا عسى اللّه أن يتوب عليهم) إنهم واللّه يابن أخي يبدءوني ثم لا أحلم.
أخبرني عمّي قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعيد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن موسى قال حدّثني الأخفش عن أبي محذورة الورّاق عن أبي مالك الراوية قال سمعت الفرزدق يقول: وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني إبراهيم بن محمد الطائفيّ قال حدّثني محمد بن مسعدة الأخفش عن أبي محذورة الورّاق عن أبي مالك الراوية قال: سمعت الفرزدق يقول: أبق غلامان لرجل منا يقال له الخضر، فحدّثني قال: خرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عيساء كوماء أريد اليمامة؛ فلما صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصّرصران ارتفعت سحابة فرعدت وبرقت وأرخت عزاليها؛ فعدلت إلى بعض ديارهم وسألت القرى فأجابوا (فدخلت دارا لهم وأنخت الناقة وجلست تحت ظلّة لهم من جريد النخل، وفي الدار جويرية لهم سوداء، إذ دخلت جارية كأنها سبيكة فضة وكأن عينيها كوكبان درّيان؛ فسألت الجارية: لمن هذه العيساء؟ (تعني ناقتي) فقالت: لضيفكم هذا. فعدلت إليّ فقالت: السلام عليكم، فرددت عليها السلام. فقالت لي: ممّن الرجل؟ فقلت: من بني حنظلة. فقالت: من أيّهم؟ فقلت: من بني نهشل. فتبسّمت وقالت: أنت إذا ممّن عناه الفرزدق بقوله:
إن الذي سمك السماء بنى لنابيتا دعائمه أعزّ وأطول
بيتا بناه لنا المليك وما بنىملك السماء فإنه لا ينقل
بيتا زرارة محتب بفنائهومجاشع وأبو الفوارس نهشل
قال: فقلت: نعم جعلت فداك! وأعجبني ما سمعت منها. فضحكت وقالت: فإن ابن الخطفى قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي فخرتم به حيث يقول:
أخزى الذي رفع السماء مجاشعاوبنى بناءك بالحضيض الأسفل
بيتا يحمّم قينكم بفنائهدنسا مقاعده خبيث المدخل
قال: فوجمت. فلما رأت ذلك في وجهي قالت: لا عليك؛ فإن الناس يقال فيهم ويقولون. ثم قالت: أين تؤمّ؟
قلت: اليمامة. فتنفّست الصّعداء ثم قالت: ها هي تلك أمامك؛ ثم أنشأت تقول:
تذكّرني بلادا خير أهليبها أهل المروءة والكرامه
ألا فسقى الإله أجشّ صوبايسحّ بدرّه بلد اليمامه
وحيّا بالسلام أبا نجيدفأهل للتحيّة والسلامه
قال: فأنست بها وقلت لها: أذات خدن أم ذات بعل؟ فأنشأت تقول:
إذا رقد النّيام فإن عمراتؤرّقه الهموم إلى الصباح
تقطّع قلبه الذّكرى وقلبيفلا هو بالخليّ ولا بصاح
سقى اللّه اليمامة دار قومبها عمرو ويحنّ إلى الرّواح
فقلت لها: من عمرو هذا؟ فأنشأت تقول:
سألت ولو علمت كففت عنهومن لك بالجواب سوى الخبير
فإن تك ذا قبول إن عمراهو القمر المضيء المستنير
ومالي بالتبعّل مستراحولو ردّ التبعّل لي أسيري
قال: ثم سكتت سكتة كأنها تتسمّع إلى كلام، ثم تهافتت وأنشأت تقول:
يخيّل لي هيا عمرو بن كعبكأنك قد حملت على سرير
يسير بك الهوينى القوم لمارماك الحبّ بالعلق العسير
فإن تك هكذا يا عمرو إنّيمبكّرة عليك إلى القبور
ثم شهقت شهقة فخرّت ميّتة. فقلت لهم: من هذه؟ فقالوا: هذه عقيلة بنت الضحّاك بن عمرو بن محرّق بن النّعمان بن المنذر بن ماء السماء. فقلت لهم: فمن عمرو هذا؟ قالوا: ابن عمّها عمرو بن كعب بن محرّق بن النعمان بن المنذر؛ فارتحلت من عندهم. فلما دخلت اليمامة سألت عن عمرو هذا فإذا هو قد دفن في ذلك الوقت الذي قالت فيه ما قالت.
أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا محمد بن الحكم، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو الهيثم بدر بن سعيد العطّار قال حدّثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه الشعراء فجعلوا لا يصلون إليه؛ فجاء عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود وعليه عمامة قد أرخى طرفيها فدخل؛ فصاح به جرير:
يأيّها القارىء المرخى عمامتههذا زمانك إنّي قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيهأنّي لدى الباب كالمصفود في قرن
قال: فدخل على عمر فاستأذن له، فأدخله عليه. وقد كان هيأ له شعرا، فلما دخل عليه غيّره وقال:
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنامن الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدراكما أتى ربّه موسى على قدر
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلتأم تكتفي بالذي بلّغت من خبري
ما زلت بعدك في دار تعرّفنيقد طال بعدك إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود باديناولا يجود لنا باد على حضر
كم بالمواسم من شعثاء أرملةومن يتيم ضعيف الصوت والبصر
يدعوك دعوة ملهوف كأنّ بهخبلا من الجنّ أو مسّا من النّشر
ممّن يعدّك تكفي فقد والدهكالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر
قال: فبكى عمر ثم قال: يابن الخطفى، أمن أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقّهم، أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم، أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنا بواحد من هؤلاء، وإني لمن أكثر قومي مالا، وأحسنهم حالا، ولكنّي أسألك ما عوّدتنيه الخلفاء: أربعة آلاف درهم وما يتبعها من كسوة وحملان. فقال له عمر: كلّ امرىء يلقى فعله، وأمّا أنا فما أرى لك في مال اللّه حقّا، ولكن انتظر، يخرج عطائي، فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدّخره لهم، ثم إن فضل فضل صرفناه إليك. فقال جرير: لا، بل يوفّر أمير المؤمنين ويحمد وأخرج راضيا؛ قال: فذلك أحبّ إليّ؛ فخرج. فلما ولّى قال عمر: إن شرّ هذا ليتّقى؛ ردّوه إليّ، فردّوه فقال: إن عندي أربعين دينارا وخلعتين إذا غسلت إحداهما لبست الأخرى، وأنا مقاسمك ذلك، على أن اللّه جلّ وعزّ يعلم أن عمر أحوج إلى ذلك منك. فقال له: قد وفّرك اللّه يا أمير المؤمنين وأنا واللّه راض. قال: أمّا وقد حلفت فإن ما وفّرته عليّ ولم تضيّق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح، فامض مصاحبا؛ فخرج. فقال له أصحابه وفيهم الفرزدق: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة؟ قال: خرجت من عند رجل يقرّب الفقراء ويباعد الشعراء وأنا مع ذلك عنه راض ثم وضع رجله في غرز راحلته وأتى قومه. فقالوا له: ما صنع بك أمير المؤمنين أبا حرزة؟ فقال:
تركت لكم بالشأم حبل جماعةأمين القوى مستحصد العقد باقيا
وجدت رقى الشيطان لا تستفزّهوقد كان شيطاني من الجنّ راقيا
هذه رواية عمر بن شبّة. وأما اليزيديّ فإنه قال في خبره: فقال له جرير يا أمير المؤمنين، فإنّي ابن سبيل. قال: لك ما لأبناء السبيل، زادك ونفقة تبلّغك وتبدّل راحلتك إن لم تحملك. فألحّ عليه؛ فقالت له بنو أميّة: يا أبا حزرة، مهلا عن أمير المؤمنين، ونحن نرضيك من أموالنا عنه، فخرج. وجمعت له بنو أميّة مالا عظيما؛ فما خرج من عند خليفة بأكثر ممّا خرج من عند عمر.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال: رأت أمّ جرير وهي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود، فلما سقط منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثير، فانتبهت فزعة فأوّلت الرّؤيا فقيل لها: تلدين غلاما شاعرا ذا شرّ وشدّة شكيمة وبلاء على الناس. فلما ولدته جريرا باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها. قال: والجرير: الحبل.
قال إسحاق وقال الأصمعيّ حدّثني بلال بن جرير - أو حدّثت عنه - أنّ رجلا قال لجرير: من أشعر الناس؟ قال له: قم حتى أعرّفك الجواب؛ فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطيّة وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمصّ ضرعها، فصاح به: اخرج يا أبت؛ فخرج شيخ دميم رثّ الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته؛ فقال: ألا ترى هذا؟ قال نعم. قال: أو تعرفه؟ قال لا. هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قلت لا. قال: مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن. ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرا وقارعهم به فغلبهم جميعا.
حدّثني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن موسى مولى بني هاشم قال حدّثني عمّارة بن عقيل عن المغيرة بن حجناء عن أبيه قال: ولد جرير لسبعة أشهر؛ فكان الفرزدق يعيّره ذلك، وفيه يقول:
وأنت ابن صغرى لم تتمّ شهورها
قال وولد عطيّة جريرا - وأمّه أمّ قيس بنت معيد من بني كليب - وعمرا وأبا الورد. فأمّا أبو الورد فكان يحسد جريرا؛ فذهبت لجرير إبل فشمت به أبو الورد فقال له جرير:
أبا الورد أبقى اللّه منها بقيّةكفت كلّ لوّام خذول وحاسد
وأما عمرو فكان أكبر من جرير، وكان يقارضه الشعر. فقال له جرير:
وعمرو قد كرهت عتاب عمرووقد كثر المعاتب والذّنوب
وقد صدّعت صخرة من رماكموقد يرمى بي الحجر الصّليب
وقد قطع الحديد فلا تماروافرند لا يفلّ ولا يذوب
قال: وأوّل شعر قاله جرير في زمن معاوية، قاله لابنه:
فردّي جمال البين ثم تحمّليفما لك فيهم من مقام ولا ليا
لقد قادني الجيران يوما وقدتهموفارقت حتّى ما تصبّ جماليا
وإنّي لمغرور أعلّل بالمنىليالي أرجو أن مالك ماليا
بأيّ سنان تطعن القرم بعد مانزعت سنانا من قناتك ماضيا
بأيّ نجاد تحمل السيف بعد ماقطعت القوى من محمل كان باقيا
قال: وكان يزيد بن معاوية عاتب أباه بهذه الأبيات ونسبها إلى نفسه؛ لأن جريرا لم يكن شعره شهر حينئذ. فقدم جرير على يزيد في خلافته فاستؤذن له مع الشعراء، فأمر يزيد ألّا يدخل عليه شاعر إلّا من عرف شعره؛ فقال جرير: قولوا له: أنا القائل:
فردّيي جمال الحيّ ثم تحمّليفما لك فيهم من مقام ولا ليا
فأمر بإدخاله. فلمّا أنشده قال يزيد: لقد فارق أبي الدنيا وما يحسب إلّا أنّي قائلها، وأمر له بجائزة وكسوة.
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا محمد بن صالح بن النطّاح قال قال أبو عبيدة قال أبو عمرو: استعار جرير من أبيه فحلا يطرقه في إبله، فلما استغنى عنه جاءه أبوه في بتّ خلق يستردّه؛ فدفعه إليه وقال: يا أبت، هذا «تردّ إلى عطيّة تعتل». يعرّض بقول الفرزدق فيه:
ليس الكرام بناحليك أباهمحتى تردّ عطيّة تعتل
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ وعمر بن شبّة قالا حدّثنا الأصمعيّ قال أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: جلس جرير يملي على رجل قوله:
ودّع أمامة حان منك رحيلإنّ الوداع لمن تحبّ قليل
فمرّوا عليه بجنازة؛ فقطع الأنشاد وجعل يبكي، ثم قال: شيّبتني هذه الجنازة. قال أبو عمرو: فقلت له: فعلام تقذف المحصنات منذ كذا وكذا! فقال: إنهم يبدءونني ثم لا أعفو.
أخبرني عمّي قال حدّثنا يزيد بن محمد المهلبيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن المعذّل قال:
أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلّام قال حدّثنا أبو الغرّاف قال: أتى الفرزدق مجلس بني الهجيم في مسجدهم فأنشدهم؛ وبلغ ذلك جريرا فأتاهم من الغد لينشدهم كما أنشدهم الفرزدق. فقال له شيخ منهم: يا هذا اتّق اللّه! فإنّ هذا المسجد إنما بني لذكر اللّه والصلاة. فقال جرير: أقررتم للفرزدق ومنعتموني! وخرج مغضبا وهو يقول:
إنّ الهجيم قبيلة ملعونةحصّ اللّحى متشابهو الألوان
هم يتركون بنيهم وبناتهمصعر الأنوف لريح كلّ دخان
لو يسمعون بأكلة أو شربةبعمان أصبح جمعهم بعمان
قال: وخفّة اللّحى في بني هجيم ظاهرة. وقيل لرجل منهم: ما بالكم يا بني الهجيم حصّ اللحى؟ قال: إن الفحل واحد.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن آدم قال سمعت عمارة بن عقيل يحدّث عن أبيه عن جدّه قال: قال عبد الملك أو الوليد ابنه لجرير: من أشعر الناس؟ قال فقال: ابن العشرين. قال: فما رأيك في ابنيّ أبي سلمى؟ قال: كان شعرهما نيّرا يا أمير المؤمنين. قال: فما تقول في امرىء القيس؟ قال: اتّخذ الخبيث الشعر نعلين، وأقسم باللّه لو أدركته لرفعت ذلاذله. قال: فما تقول في ذي الرّمّة؟ قال: قدر من ظريف الشعر وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟ قال: ما أخرج لسان ابن النّصرانية ما في صدره من الشعر حتى مات. قال: فما تقول في الفرزدق؟ قال: في يده واللّه يا أمير المؤمنين نبعة من الشعر قد قبض عليها. قال: فما أراك أبقيت لنفسك شيئا! قال: بلى واللّه يا أمير المؤمنين! إنّي لمدينة الشعر التي منها يخرج وإليها يعود، نسبت فأطربت، وهجوت فأرديت، ومدحت فسنّيت، وأرملت فأغزرت، ورجزت فأبحرت؛ فأنا قلت ضروب الشعر كلّها، وكلّ واحد منهم قال نوعا منها. قال: صدقت.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا عليّ بن الصبّاح عن ابن الكلبيّ قال: كانت لجرير أمة وكان بها معجبا، فاستخفّت المطعم والملبس والغشيان واستقلّت ما عنده، وكانت قبله عند قوم يقال لهم بنو زيد، أهل خصب ونعمة، فسامته أن يبيعها وألحّت في ذلك؛ فقال فيها:
تكلّفني معيشة آل زيدومن لي بالمرفّق والصّناب
تقول ألا تضمّ كضمّ زيدوما ضمّي وليس معي شبابي
فقال الفرزدق يعيّر ذلك:
فإن تفقرك علجة آل زيدويعجزك المرقّق والصّناب
فقدما كان عيش أبيك مرّايعيش بما تعيش به الكلاب
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا العباس بن ميمون قال حدّثنا التّوّزيّ عن أبي عبيدة عن أيّوب بن كسيب قال: دخل جرير على المهاجر بن عبد اللّه وهو والي اليمامة وعنده ذو الرّمّة ينشده. فقال المهاجر بن عبد اللّه لجرير: كيف ترى؟ قال: لقد قال وما أنعم. فغضب ذو الرّمّة ونهض وهو يقول: أنا أبو الحارث واسمي غيلان فنهض جرير وقال.
إنّي امرأ خلقت شكسا أشوساإن تضرساني تضرسا مضرسا
قد لبس الدهر وأبقى ملبسامن شاء من نار الجحيم اقتبسا
قال: فجلس ذو الرّمّة وحاد عنه فلم يجبه.
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا ابن النّطّاح عن أبي عبيدة قال: كان ذو الرّمّة ممّن أعان على جرير ولم يصحر له؛ فقال جرير فيه:
أقول نصاحة لبني عديّثيابكم ونضح دم القتيل
وهي قصيدة. قال: وكانوا يتعاونون عليه ولا يصحرون له.
أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدّثنا محمد بن سلّام قال حدّثني أبو الغرّاف قال: قال الفرزدق لذي الرّمّة: ألهاك البكاء في الديار وهذا العبد يرجز بك (يعني هشاما المرئيّ) بمقبرة بني حصن.
قال: وكان السبب في الهجاء بين ذي الرّمة وهشام أن ذا الرمّة نزل بقرية لبني امرىء القيس يقال لها: مرأة، فلم يقروه ولم يعلفوا له، فارتحل وهو يقول:
نزلنا وقد طال النهار وأوقدتعلينا حصى المعزاء شمس تنالها
أنخنا فظلّلنا بأبراد يمنةرقاق وأسياف قديم صقالها
فلمّا رآنا أهل مرأة أغلقوامخادع لم ترفع لخير ظلالها
وقد سمّيت باسم امرىء القيس قريةكرام صواديها لئام رجالها
يظلّ الكرام المرملون بجوّهاسواء عليهم حملها وحيالها
ولو وضعت أكوارها عند بيهسعلى ذات غسل لم تشمّس رحالها
فقال جرير لهشام، وكان يتّهم ذا الرّمة بهجائه التّيم وهم إخوة عديّ: عليك العبد (يعني ذا الرّمة). قال: فما أصنع يا أبا حزرة وهو يقول القصيد وأنا أقول الرّجز، والرجز لا يقوم للقصيد؟ فلو رفدتني! قال: قل له:
عجبت لرجل من عديّ مشمّسوفي أيّ يوم لم تشمّس رحالها
وفيم عديّ عند تيم من العلاوأيّامنا اللّاتي يعدّ فعالها
مددت بكفّ من عديّ قصيرةلتدرك من زيد يدا لا تنالها
وضبّة عمّي يابن جلّ فلا ترممساعي قوم ليس منك سجالها
يماشي عديّا لؤمها ما تّجنّهمن الناس ما ماشت عديّا ظلالها
فقل لعديّ تستعن بنسائهاعليّ فقد أعيا عديّا رجالها
أذا الرّمّ قد قلّدت قومك رمّةبطيئا بأيدي المطلقين انحلالها
ترى اللّؤم ما عاشت عديّ مخلّداسرابيلها منه ومنه نعالها
قال: فلجّ الهجاء بين ذي الرمّة وهشام. فلما أنشد المرئيّ هذه الأبيات وسمعها ذو الرّمّة قال: كذب العبد السّوء! ليس هذا الكلام له، هذا كلام نجديّ حنظليّ، هذا كلام ابن الأتان. قال: ولم يزل ذو الرمّة مستعليا على هشام حتى لقيه جرير فرفده هذه الأبيات.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عدنان قال حدّثني أبو صخر من ولد حجناء بن نوح بن جرير قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه قال: أتى هشام بن قيس المرئيّ أبي (يعني جريرا) فاسترفده على ذي الرمّة، وقد كانا تهاجيا دهرا، وكان سبب ذلك أن ذا الرّمّة نزل على أهل قرية لبني امرىء القيس فلم يدخلوا رحله، فذمّهم في القرى، ومدح بيهسا صاحب ذات غسل - وهو مرئيّ. وذات غسل: قرية له - فقال ذو الرّمّة:
ولمّا وردنا مرأة اللّؤم أغلقتدساكر لم تفتح لخير ظلالها
ولو عرّيت أصلابها عند بيهسعلى ذات غسل لم تشمّس رحالها
إذا ما امرؤ القيس ابن لؤم تطعّمتبكأس الندامى خبّثتها سبالها
فقال جرير للمرئيّ: قل له:
غضبت لرحل من عديّ مشمّسوفي أيّ يوم لم تشمّس رحالها
وذكر الأبيات الماضية المذكورة في رواية أبي خليفة. قال: فلقى ذو الرّمّة جريرا فقال له: تعصّبت للمرئيّ وأنا خالك!. قال: حين قلت ماذا؟ قال: حين قلت له أن يقول لي: عجبت لرحل من عديّ مشمّس فقال له جرير: لا! بل ألهاك البكاء في دارميّة حتى أبيحت محارمك. قال: وكان قد بلغ جريرا ميل ذي الرّمة عليه، فجعل يعتذر إليه ويحلف له. فقال له جرير: اذهب الآن فقل للمرئيّ:
يعدّ الناسبون إلى تميمبيوت المجد أربعة كبارا
يعدّون الرّباب وآل سعدوعمرا ثم حنظلة الخيارا
ويهلك بينها المرئيّ لغواكما ألغيت في الدّية الحوارا
فقال ذو الرمّة قصيدته التي أوّلها:
نبت عيناك عن طلل بجزوىعفته الرّيح وامتنح القطارا
وألحق فيها هذه الأبيات. فلما أنشدها وسمعها المرئيّ جعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بويله وحربه ويقول: مالي ولجرير! فقيل له: وأين جرير منك! هذا رجل يهاجيك وتهاجيه! فقال: هيهات! لا واللّه ما يحسن ذو الرّمّة أن يقول:
ويذهب بينها المرئيّ لغواكما ألغيت في الدّية الحوارا
هذا واللّه كلام جرير ما تعدّاه قطّ. قال: ومرّ الفرزدق بذي الرّمّة وهو ينشد هذه القصيدة؛ فلما أنشد الأبيات الثلاثة فيها قال له الفرزدق: أعد يا غيلان، فأعاد؛ فقال له: أأنت تقول هذا؟ قال: نعم يا أبا فراس. قال: كذب فوك! واللّه لقد نحلكها أشدّ لحيين منك، هذا شعر ابن الأتان. قال: وجاء المرثيّون إلى جرير فقالوا: يا أبا حزرة، قد استعلى علينا ذو الرمّة، فأعنّا على عادتك الجميلة. فقال: هيهات! قد واللّه ظلمت خالي لكم مرّة وجاءني فاعتذر وحلف، وما كنت لأعينكم عليه بعدها. قال: ومات ذو الرّمّة في تلك الأيام.
أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن لقيط قال حدّثني أبو بكر بن نوفل قال حدّثني من سأل النّصيّب قال: قلت له: يا أبا محجن، بيت قلته نازعك فيه جرير وجميل، فأحبّ أن تخبرني أيّكم فيه أشعر؟
قال: وما هو؟ قلت قولك:
أضرّ بها التهجير حتى كأنهاأكبّ عليها جازر متعرّق
وقال جميل:
أضرّ بها التهجير حتى كأنهابقايا سلال لم يدعها سلالها
وقال جرير:
إذا بلغوا المنازل لم تقيّدوفي طول الكلال لها قيود
فقال نصيب: قاتل اللّه ابن الخطفى! ما أشعره!. قال: فقال له الرجل: أمّا أنت فقد فضلته؛ فقال: هو ما أقول لك.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد الرحمن بن القاسم العجليّ قال حدّثني الحسن بن علي المنقريّ قال قال مسعود بن بشر: قلت لابن مناذر بمكة: من أشعر الناس؟ قال: من إذا شئت لعب، وإذا شئت جدّ؛ فإذا لعب أطعمك لعبه فيه، وإذا رمته بعد عليك؛ وإذا جدّ فيما قصد له أيأسك من نفسه. قلت: مثل من؟ قال: مثل جرير حين يقول إذا لعب:
إنّ الّذين غدوا بلبّك غادرواوشلا بعينك ما يزال معينا
ثم قال حين جدّ:
إنّ الذي حرم المكارم تغلباجعل الخلافة والنبوّة فينا
مضر أبي وأبو الملوك فهل لكميا آل تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمّي في دمشق خليفةلو شئت ساقكم إليّ قطينا
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ عن أبي عمرو قال: لمّا بلغ عبد الملك قول جرير:
هذا ابن عمّي في دمشق خليفةلو شئت ساقكم إليّ قطينا
قال: ما زاد ابن المراغة على أن جعلني شرطيّا! أما إنّه لو قال: لو شاء ساقكم إليّ قطينا لسقتهم إليه كما قال.
أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلّام قال: سألت بشّارا العقيّليّ عن الثلاثة فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكنّ ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. قلت: فجرير والفرزدق؟ قال: كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق، وفضّل جريرا عليه.
وقال ابن سلّام: قال العلاء بن جرير - وكان قد أدرك الناس وسمع -: كان يقال: الأخطل إذا لم يجيء سابقا فهو سكّيت، والفرزدق لا يجيء سابقا ولا سكّيتا فهو بمنزله المصلّى أبدا، وجرير يجيء سابقا ومصلّيا وسكّيتا. قال ابن سلّام: وتأويل قوله: إن للأخطل خمسا أو ستّا أو سبعا طوالا روائع غررا جيادا هو بهنّ سابق، وسائر شعره دون أشعارهما، فهو فيما بقي بمنزلة السّكّيت - والسكّيت: آخر الخيل في الرّهان - والفرزدق دونه في هذه الروائع وفوقه في بقيّة شعره، فهو كالمصلّي أبدا - وهو الذي يجيء بعد السابق وقبل السكّيت - وجرير له روائع هو بهنّ سابق، وأوساط هو بهنّ مصلّ، وسفسافات هو بهنّ سكّيت.
أخبرنا أبو خليفة قال حدّثني محمد بن سلّام قال حدّثني حاجب بن زيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة قال: قال جرير بالكوفة:
لقد قادني من حبّ ماويّة الهوىوما كنت تلقاني الجنيبة أقودا
أحبّ ثرى نجد وبالغور حاجةفغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا
أقول له يا عبد قيس صبابةبأيّ ترى مستوقد النار أوقدا
فقال أرى نارا يشبّ وقودهابحيث استفاض الجزع شيحا وغرقدا
فأعجبت الناس وتناشدوها. قال: فحدّثني جابر بن جندل قال: فقال لنا جرير: أعجبتكم هذه الأبيات؟ قالوا: نعم.
قال: كأنكم بابن القين وقد قال:
أعد نظرا يا عبد قيس لعلّماأضاءت لك النار الحمار المقيّدا
قال: فلم يلبثوا أن جاءهم قول الفرزدق هذا البيت وبعده:
حمار بمرّوت السّحامة قاربتوظيفيه حول البيت حتى تردّدا
كليبيّة لم يجعل اللّه وجههاكريما ولم يسنح بها الطير أسعدا
قال: فتناشدها الناس. فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة قد قال:
وما عبت من نار أضاء وقودهافراسا وبسطام بن قيس مقيّدا
قال فإذا بالبيت قد جاء لجرير ومعه:
وأوقدت بالسّيدان نارا ذليلةوأشهدت من سوءات جعثن مشهدا
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن آدم بن جشم عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال: وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده، وقد كانا تهاجيا ولم ير أحد منهما صاحبه، فلما استأذنوا عليه لجرير أذن له فدخل فسلّم ثم جلس وقد عرفه الأخطل، فطمح طرف جرير إلى الأخطل وقد رآه ينظر إليه نظرا شديدا فقال له: من أنت؟ فقال: أنا الذي منعت نومك وتهضّمت قومك. فقال له جرير: ذلك أشقى لك كائنا من كنت. ثم أقبل على عبد الملك بن مروان فقال: من هذا يا أمير المؤمنين؟ جعلني اللّه فداءك! فضحك ثم قال: هذا الأخطل يا أبا حرزة. فردّ عليه بصره ثم قال: فلا حيّاك اللّه يابن النصرانية! أمّا منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك. وأما تهضّمك قومي فكيف تهضّمهم وأنت ممن ضربت عليه الذّلّة وباء بغضب من اللّه وأدّى الجزية عن يد وهو صاغر. وكيف تتهضّم لا أمّ لك فيهم النبوّة والخلافة وأنت لهم عبد مأمور ومحكوم عليه لا حاكم. ثم أقبل على عبد الملك فقال: ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النّصرانية؛ فقال: لا يجوز أن يكون ذلك بحضرتي.
أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلّام قال حدّثني أبو يحيى الضّبّيّ قال: نازع جرير بني حمّان في ركيّة لهم؛ فصاروا إلى إبراهيم بن عديّ باليمامة يتحاكمون إليه؛ فقال جرير:
أعوذ بالأمير غير الجبّارمن ظلم حمّان وتحويل الدار
ما كان قبل حفرنا من محفاروضربي المنقار بعد المنقار
في جبل أصمّ غير خوّاريصيح بالجبّ صياح الصّرّار
له صهيل كصهيل الأمهارفاسأل بني صحب ورهط الجرّار
والسّلميّين العظام الأخطاروالجار قد يخبر عن دار الجار
فقال الحمّانيّ:
ما لكليب من حمّى ولا دارغير مقام أتن وأعيار
قعس الظهور داميات الأثفار قال فقال جرير: فعن مقامهنّ، جعلت فداك، أجادل. فقال ابن عديّ للحمّانيّ: قد أقررت لخصمك؛ وحكم بها لجرير.
قال ابن سلّام وأخبرني أبو يحيى الضّبّيّ قال: بينا جرير يسير على راحلته إذ هجم على أبيات من مازن وهلال - وهما بطنان من ضبّة - فخافهم، لسوء أثره في ضبّة، فقال:
فلا خوف عليك ولن تراعيبعقوة مازن وبني هلال
هما الحيّان إن فزعا يطيراإلى جرد كأمثال السّعالي
أمازن يابن كعب إنّ قلبيلكم طول الحياة لغير قالي
غطاريف يبيت الجار فيهمقرير العين في أهل ومال
قال: أجل يا أبا حزرة فلا خوف عليك.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال شعيب بن صخر حدّثني هارون بن إبراهيم قال: رأيت جريرا والفرزدق في مسجد دمشق وقد قدماها على الوليد بن عبد الملك والناس عنق واحد على جرير: قيس وموالي بني أمية يسلّمون عليه ويسألونه كيف كنت يا أبا حزرة في مسيرك، وكيف أهلك وأسبابك. وما يطيف بالفرزدق إلّا نفر من خندف جلوس معه. قال شعيب: فقلت لهارون: ولم ذلك؟ قال: لمدحه قيسا وقوله في العجم:
فيجمعنا والغرّ أولاد سارةأب لا نبالي بعده من تعذّرا
قال شعيب: بلغني أنه أهديت له يومئذ مائة حلّة، أهداها إليه الموالي سوى غيرهم، وأخبرني بهذا الخبر أبو خليفة عن محمد بن سلّام عن شعيب بن صخر، فذكر نحوا من حكاية أبي زيد، إلا أنها أتمّ من حكاية ابن سلّام. وقال أبو خليفة في خبره: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال يقول: وافته في يومه ذلك مائة حلّة من بني الأحرار.
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني أحمد بن الهيثم الفراسيّ قال: بينا جرير بقباء إذ طلع الأحوص وجرير ينشد قوله:
لو لا الحياء لعادني استعبارولزرت قبرك والحبيب يزار
فلما نظر إلى الأحوص قطع الشعر ورفع صوته يقول: عوى
الشعراء بعضهم لبعضعليّ فقد أصابهم انتقام
إذا أرسلت قافية شرودارأوا أخرى تحرّق فاستداموا
فمصطلم المسامع أو خصيّوآخر عظم هامته حطام
ثم عاد من حيث قطع. فلما فرغ قيل له: ولم قلت هذا؟ قال: قد نهيت الأحوص أن يعين عليّ الفرزدق، فأنا واللّه يا بني عمرو بن عوف ما تعوّذت من شاعر قطّ، ولو لا حقّكم ما تعوّذت منه.
أخبرنا علي بن سليمان الأخفش قال حدّثنا الحسن بن الحسين السّكّريّ قال: قال عمارة بن عقيل حدّثني أبي عن أبيه: أن الحجّاج أوفد ابنه محمّد بن الحجّاج إلى عبد الملك وأوفد إليه جريرا معه ووصّاه به وأمره بمسألة عبد الملك في الاستماع منه ومعاونته عليه. فلما وردوا استأذن له محمد على عبد الملك، فلم يأذن له، وكان لا يسمع من شعراء مضر ولا يأذن لهم، لأنهم كانوا زبيريّة. فلما استأذن له محمد على عبد الملك ولم يأذن له أعلمه أن أباه الحجاج يسأله في أمره ويقول: إنه لم يكن ممّن والى ابن الزبير ولا نصره بيده ولا لسانه، وقال له محمد: يا أمير المؤمنين، إنّ العرب لتحدّث أنّ عبدك وسيفك الحجّاج شفع في شاعر قد لاذ به وجعله وسيلته ثم رددته؛ فأذن له فدخل فاستأذن في الإنشاد؛ فقال له: وما عساك أن تقول فينا بعد قولك في الحجّاج! ألست القائل:
من سدّ مطّلع النّفاق عليكمأم من يصول كصولة الحجاج
إن اللّه لم ينصرني بالحجّاج وإنما نصر دينه وخليفته. أو لست القائل:
أم من يغار على النساء حفيظةإذ لا يثقن بغيرة الأزواج
يا عاضّ كذا وكذا من أمّه! واللّه لهممت أن أطير بك طيرة بطيئا سقوطها، أخرج عنّي، فأخرج بشرّ. فلما كان بعد ثلاث شفع إليه محمد لجرير وقال له: يا أمير المؤمنين، إني أدّيت رسالة عبدك الحجّاج وشفاعته في جرير، فلما أذنت له خاطبته بما أطار لبّه منه وأشمت به عدوّه، ولو لم تأذن له لكان خيرا له مما سمع. فإن رأيت أن تهب كلّ ذنب له لعبدك الحجّاج ولي فافعل، فإذن له. فاستأذنه في الإنشاد، فقال: لا تنشدني إلّا في الحجاج فإنما أنت للحجاج خاصّة. فسأله أن ينشده مديحه فيه، فأبى وأقسم ألّا ينشده إلّا من قوله في الحجّاج؛ فأنشده وخرج بغير جائزة. فلما أزف الرّحيل قال جرير لمحمد: إن رحلت عن أمير المؤمنين ولم يسمع منّي ولم آخذ له جائزة سقطت آخر الدهر، ولست بارحا بابه أو يأذن لي في الإنشاد. وأمسك عبد الملك عن الإذن له. فقال جرير: إرحل أنت وأقيم أنا. فدخل محمد على عبد الملك فأخبره بقول جرير واستأذنه له وسأله أن يسمع منه وقبّل يده ورجله، فإذن له. فدخل فاستأذن في الإنشاد، فأمسك عبد الملك. فقال له محمد: أنشد ويحك! فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
فتبسّم عبد الملك وقال: كذلك نحن وما زلنا كذلك. ثم اعتمد على ابن الزّبير فقال:
دعوت الملحدين أبا خبيبجماحا هل شفيت من الجماح
وقد وجدوا الخليفة هبرزيّاألفّ العيص ليس من النّواحي
وما شجرات عيصك في قريشبعشّات الفروع ولا ضواحي
قال: ثم أنشده إيّاها حتى أتى على ذكر زوجته فيها فقال:
تعزّت أمّ حزرة ثم قالترأيت الموردين ذوي لقاح
تعلّل وهي ساغبة بنيهابأنفاس من الشّبم القراح
فقال عبد الملك: هل ترويها مائة لقحة؟ فقال: إن لم يروها ذلك فلا أرواها اللّه! فهل إليها - جعلني اللّه فداك يا أمير المؤمنين - من سبيل؟ فأمر له بمائة لقحة وثمانية من الرّعاء. وكانت بين يديه جامات من ذهب؛ فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، تأمر لي بواحدة منهنّ تكون محلبا؟ فضحك وندس إليه واحدة منهنّ بالقضيب وقال: خذها لا نفعتك! فأخذها وقال: بلى واللّه يا أمير المؤمنين لينفعنّي كلّ ما منحتنيه، وخرج من عنده. قال: وقد ذكر ذلك جرير في شعره فقال يمدح يزيد بن عبد الملك.
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانيةما في عطائهم منّ ولا سرف
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا دماذ أبو غسّان عن أبي عبيدة قال: بذل محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة أربعة آلاف درهم وفرسا لمن فضّل من الشعراء الفرزدق على جرير، فلم يقدم عليه أحد منهم إلا سراقة البارقيّ فإنه قال يفضل الفرزدق:
أبلغ تميما غثّها وسمينهاوالحكم يقصد مرّة ويجور
أنّ الفرزدق برّزت أعراقهسبقا وخلّف في الغبار جرير
ذهب الفرزدق بالفضائل والعلاوابن المراغة مخلف محسور
هذا قضاء البارقيّ وإننيبالميل في ميزانهم لبصير
قال أبو عبيدة فحدّثني أيّوب بن كسيب قال حدّثني أبي قال: كنت مع جرير، فأتاه رسول بشر بن مروان فدفع إليه كتابه، وقال له: إنه قد أمرني أن أوصله إليك ولا أبرح حتى تجيب عن العشر في يومك إن لقيتك نهارا أو ليلتك إن لقيتك ليلا، وأخرج إليه كتاب بشر وقد نسخ له القصيدة وأمره بأن يجيب عنها. فأخذها ومكث ليلته يجتهد أن يقول شيئا فلا يمكنه؛ فهتف به صاحبه من الجنّ من زلوية البيت فقال له: أزعمت أنك تقول الشعر! ما هو إلّا أن غبت عنك ليلة حتى لم تحسن أن تقول شيئا! فهلّا قلت:
يا بشر حقّ لوجهك التبشيرهلّا قضيت لنا وأنت أمير
فقال له جرير: حسبك كفيتك. قال: وسمع قائلا يقول لآخر: قد أنار الصبح؛ فقال جرير:
يا صاحبيّ هل الصباح منيرأم هل للوم عواذلي تفتير
إلى أن فرغ منها. وفيها يقول:
قد كان حقّك أن تقول لبارقيا آل بارق فيم سبّ جرير
يعطى النساء مهورهنّ كرامةونساء بارق مالهنّ مهور
فأخذها الرسول ومضى بها إلى بشر، فقرئت بالعراق وأفحم سراقة فلم ينطق بعدها بشيء من مناقضته.
أخبرني أبو خليفة قال حدّثني محمد بن سلّام حدّثني أبو يحيى الضّبّيّ قال: كان الذي هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ أن عمر كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله وجرير حاضر، فقال فيها:
قد وردت قبل إنا ضحائهاتفرّس الحيّات في خرشائها
جرّ العجوز الثّني من ردائها فقال له جرير: أخفقت. فقال: كيف أقول؟ قال تقول:
جرّ العروس الثّني من ردائها
فقال له التّيميّ أنت أسوأ قولا منّي حيث تقول:
وأوثق عند المردفات عشيّةلحاقا إذا ما جرّد السيف لامع
فجعلتهنّ مردفات غدوة ثم تداركتهنّ عشيّة. فقال: كيف أقول؟ قال تقول:
وأوثق عند المرهفات عشيّة
فقال جرير: واللّه لهذا البيت أحبّ إليّ من بكري حزرة، ولكنك مجلب للفرزدق. وقال فيه جرير:
هلّا سوانا ادّرأتم يا بني لجأشيئا يقارب أو وحشا لها غرر
أحين كنت سماما يا بني لجأوخاطرت بي عن أحسابها مضر!
خلّ الطريق لمن يبني المنار بهوابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر
أنت ابن برزة منسوبا إلى لجأعند العصارة والعيدان تعتصر
ويروي:
ألست نزوة خوّار على أمةعند العصارة والعيدان تعتصر
فقال ابن لجأ يردّ عليه:
لقد كذبت وشرّ القول أكذبهما خاطرت بك عن أحسابها مضر
بل أنت نزوة خوّار على أمةلا يسبق الحلبات اللؤم والخور
ما قلت من هذه إلا سأنقضهايابن الأتان بمثلى تنقض المرر
وقال عمر بن لجأ:
عجبت لما لاقت رياح من الأذىوما اقتبسوا منّي وللشّر قابس
غضابا لكلب من كليب فرستههوى ولشدّات الأشود فرائس
إذا ما ابن يربوع أتاك لمأكلعلى مجلس إن الأكيل مجالس
فقل لابن يربوع ألست براحضسبالك عنّا إنهنّ نجائس
تمسّح يربوع سبالا لئيمةبها من منيّ العبد رطب ويابس
قال: ثم اجتمع جرير وابن لجأ بالمدينة وقد وردها الوليد بن عبد الملك، وكان يتألّه في نفسه، فقال: أتقذفان المحصنات وتغضبانهنّ! ثم أمر أبا بكر محمد بن حزم الأنصاريّ - وكان واليا له بالمدينة - بضربهما، فضربهما وأقامهما على البلس مقرونين، والتّيميّ يومئذ أشبّ من جرير، فجعل يشول بجرير وجرير يقول وهو المشول به:
فلست مفارقا قرنيّ حتىيطول تصعّدي بك وانحداري
فقال ابن لجأ:
ولمّا أن قرنت إلى جريرأبى ذو بطنه إلّا انحدارا
فقال له قدامة بن إبراهيم الجمحيّ: وبئسما قلت! جعلت نفسك المقرون إليه! قال: فكيف أقول؟ قال تقول: ولمّا لزّ في قرني جرير فقال: جزيت خيرا، لا أقوله واللّه أبدا إلا هكذا.
حدّثني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه العبديّ قال حدّثني عمارة بن عقيل عن أبيه قال: وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده، وقد كانا تهاجيا ولم يلق أحدهما صاحبه.
فلما استأذنوا لجرير أذن له فسلّم وجلس، وقد عرفه الأخطل، فطمح بصر جرير إليه فقال له: من أنت؟ فقال: أنا الذي منعت نومك وهضمت قومك. فقال له جرير: ذاك أشقى لك كائنا من كنت. ثم أقبل على عبد الملك فقال: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فضحك وقال: هذا الأخطل يا أبا حزرة. فردّ بصره إليه وقال: فلا حيّاك اللّه يابن النصرانية! أمّا منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك. وأما تهضّمك قومي فكيف تهضّمهم وأنت ممن ضربت عليهم الذّلّة والمسكنة وباءوا بغضب من اللّه!. إيذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانيّة. فقال: لا يكون ذلك بين يديّ. فوثب جرير مغضبا. فقال عبد الملك: قم يا أخطل واتبع صاحبك؛ فإنما قام غضبا علينا فيك؛ فنهض الأخطل. فقال عبد الملك لخادم له: انظر ما يصنعان إذا برز له الأخطل. فخرج جرير فدعا بغلام له فقدّم إليه حصانا له أدهم فركبه وهدر والفرس يهتزّ من تحته، وخرج الأخطل فلاذ بالباب وتوارى خلفه، ولم يزل واقفا حتى مضى جرير. فدخل الخادم إلى عبد الملك فأخبره؛ فضحك وقال: قاتل اللّه جريرا! ما أفحله! أما واللّه لو كان النصرانيّ برز إليه لأكله.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ عن أبي عمرو قال: سئل جرير أيّ الثلاثة أشعر؟ فقال: أمّا الفرزدق فيتكلّف منّي ما لا يطيقه؛ وأمّا الأخطل فأشدّنا اجتراء وأرمانا للغرض؛ وأما أنا فمدينة الشعر. وقد حدّثني بهذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبّة عن الأصمعيّ فذكر نحو ما ذكره الرّياشيّ، وقال في خبره: وأما الأخطل فأنعتنا للخمر وأمدحنا للملوك.
أخبرنا عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن عطاء بن مصعب قال: قلت لأبي مهديّ الباهليّ وكان من علماء العرب: أيّما أشعر أجرير أم الفرزدق؟ فغضب ثم قال: جرير أشعر العرب كلّها؛ ثم قال: لا يزال الشعراء موقوفين يوم القيامة حتى يجيء جرير فيحكم بينهم.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني العباس بن ميمون قال سمعت أبا عثمان المازنيّ يقول: قال جرير: هجوت بني طهيّة أنواع الهجاء، فلم يحفلوا بقولي حتى قلت في قصيدة الراعي:
كأنّ بني طهيّة رهط سلمىحجارة خارىء يرمي كلابا
فجزعوا حينئذ ولا ذوا بي.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز قال حدّثنا المدائنيّ قال: كان جرير من أعقّ الناس بأبيه، وكان بلال ابنه أعقّ الناس به. فراجع جرير بلالا الكلام يوما؛ فقال له بلال: الكاذب منّي ومنك ناك أمّه. فأقبلت أمّه عليه وقالت له: يا عدوّ اللّه! أتقول هذا لأبيك! فقال جرير: دعيه، فو اللّه لكأنه سمعها منّي وأنا أقولها لأبي.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم قال حدّثنا العمريّ عن لقيط قال: كان عمر بن يزيد بن عمير الأسديّ يتعصّب للفرزدق على جرير. فتزوّج امرأة من بني عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارم؛ فقال جرير:
نكحت إلى بني عدس بن زيدفقد هجّنت خيلهم العرابا
أتنسى يوم مسكن إذ تناديوقد أخطأت بالقدم الرّكابا
وهي قصيدة، فاجتمعوا على عمر بن يزيد. ولم يزالوا به حتى خلعوا المرأة منه.
أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني محمد بن الهيثم قال حدّثني عمّي أبو فراس قال حدّثني ودقة بن معروف قال: نزل جرير على عنبسة بن سعيد بواسط، ولم يكن أحد يدخلها إلا بإذن الحجّاج. فلما دخل على عنبسة، قال له: ويحك! لقد غرّرت بنفسك! فما حملك على ما فعلت؟ قال: شعر قلته اعتلج في صدري وجاشت به نفسي وأحببت أن يسمعه الأمير. قال: فعنّفه وأدخله بيتا في جانب داره وقال: لا تطلعنّ رأسك حتى ننظر كيف تكون الحيلة لك. قال: فأتاه رسول الحجّاج من ساعته يدعوه في يوم قائظ، وهو قاعد في الخضراء وقد صبّ فيها ماء استنقع في أسفلها وهو قاعد على سرير وكرسيّ موضوع ناحية. قال عنبسة: فقعدت على الكرسيّ، وأقبل عليّ الحجّاج يحدّثني. فلما رأيت تطلّقه وطيب نفسه قلت: أصلح اللّه الأمير! رجل من شعراء العرب قال فيك شعرا أجاد فيه، فاستخفّه عجبه به حتى دعاه إلى أن رحل إليك ودخل مدينتك من غير أن يستأذن له. قال: ومن هو؟
قلت: ابن الخطفى. قال: وأين هو؟ قلت: في المنزل. قال: يا غلام! فأقبل الغلمان يتسارعون. قال: صف لهم موضعه من دارك؛ فوصفت لهم البيت الذي هو فيه، فانطلقوا حتى جاءوا به، فأدخل عليه وهو مأخوذ بضبعيه حتى رمي به في الخضراء، فوقع على وجهه في الماء ثم قام يتنفّش كما يتنفش الفرخ. فقال له: هيه! ما أقدمك علينا بغير إذننا لا أمّ لك؟ قال: اصلح اللّه الأمير! قلت في الأمير شعرا لم يقل مثله أحد، فجاش به صدري وأحيبت أن يسمعه منّي الأمير، فأقبلت به إليه. قال: فتطلّق الحجّاج وسكن، واستنشده فأنشده. ثم قال: يا غلام! فجاءوا يسعون. فقال: عليّ بالجارية التي بعث بها إلينا عامل اليمامة؛ فأتي بجارية بيضاء مديدة القامة. فقال: إن أصبت صفتها فهي لك. فقال: ما اسمها؟ قال: أمامة؛ فأنشأ يقول:
ودّع أمامة حان منك رحيلإنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل الكثيب تهيّلت أعطافهفالريح تجبر متنه وتهيل
تلك القلوب صواديا تيّمتهاوأرى الشفاء وما إليه سبيل
فقال: خذ بيدها. فبكت الجارية وانتحبت. فقال: ادفعوها إليه بمتاعها وبغلها ورحالها.
أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلام قال حدّثني أبو الغرّاف قال: قال الحجّاج لجرير والفرزدق وهو في قصره بجزيز البصرة: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهليّة. فلبس الفرزدق الدّيباج والخزّ وقعد في قبّة. وشاور جرير دهاة بني يربوع فقالوا له: ما لباس آبائنا إلّا الحديد؛ فلبس جرير درعا وتقلّد سيفا وأخذ رمحا وركب فرسا لعبّاد بن الحصين يقال له المنحاز وأقبل في أربعين فارسا من بني يربوع، وجاء الفرزدق في هيئته؛ فقال جرير:
لبست سلاحي والفرزدق لعبةعليه وشاحا كرّج وجلاجله
أعدّوا مع الحلي الملاب فإنماجرير لكم بعل وأنتم حلائله
ثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن ووقف الفرزدق في المربد. قال: فأخبرني أبي عن محمد بن زياد قال: كنت أختلف إلى جرير والفرزدق، وكان جرير يومئذ كأنه أصغرهما في عيني.
أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلّام قال حدّثنا أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: قدم الفرزدق اليمامة وعليها المهاجر بن عبد اللّه الكلابيّ فقال: لو دخلت على هذا فأصبت منه شيئا ولم يعلم بي جرير! فلم تستقرّ به الدار حتى قال جرير:
رأيتك إذ لم يغنك اللّه بالغنىرجعت إلى قيس وخدّك ضارع
وما ذاك إن أعطى الفرزدق باستهبأوّل ثغر ضيّعته مجاشع
فلما بلغ ذلك الفرزدق قال: لا جرم واللّه لا أدخل عليه ولا أرزؤه شيئا ولا أقيم باليمامة، ثم رحل.
أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلّام قال قال أبو البيداء: لقي الفرزدق عمر بن عطيّة أخا جرير، وهو حينئذ يهاجي ابن لجأ، فقال له: ويلك! قل لأخيك: ثكلتك أمّك! إيت التّيميّ من عل كما أصنع أنا بك. وكان الفرزدق قد أنف لجرير وحمي من أن يتعلّق به التيميّ. قال ابن سلّام. فأنشدني له خلف الأحمر يقوله للتّيميّ:
وما أنت إن قرما تميم تسامياأخا التّيم إلا كالوشيظة في العظم
فلو كنت مولى العزّ أو في ظلالهظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم
فقال له التّيميّ:
كذبت أنا القرم الذي دقّ مالكاوأفناء يربوع وما أنت بالقرم
قال ابن سلّام فحدّثني أبو الغرّاف: أن رجال تميم مشت بين جرير والتّيميّ وقالوا: واللّه ما شعراؤنا إلا بلاء علينا ينشرون مساوينا ويهجون أحياءنا وموتانا؛ فلم يزالوا بهما حتى أصلحوا بينهما بالعهود والمواثيق المغلّظة ألّا يعودا في هجاء. فكفّ التّيميّ، وكان جرير لا يزال يسلّ الواحدة بعد الواحدة فيه؛ فيقول التّيميّ: واللّه ما نقضت هذه ولا سمعتها؛ فيقول جرير: هذه كانت قبل الصلح.
قال ابن سلّام فحدّثني عثمان بن عثمان عن عبد الرحمن بن حرملة قال: لمّا ورد علينا هجاء جرير والتّيميّ، قال لي سعيد بن المسيّب تروّ شيئا مما قالا؛ فأتيته وقد استقبل القبلة يريد أن يكبّر، فقال لي: أرويت؟ قلت نعم. فأقبل عليّ بوجهه فأنشدته للتّيميّ وهو يقول: هيه هيه! ثم أنشدته لجرير، فقال: أكله أكله!.
قال ابن سلّام وحدّثني الرازيّ عن حجناء بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، ما هجوت قوما قطّ إلا فضحتهم إلّا التّيم. فقال: يا بنيّ، لم أجد بناء أهدمه ولا شرفا أضعه وكانت تيم رعاء غنم يغدون في غنمهم ثم يروحون، وقد جاء كلّ رجل منهم بأبيات فينتحلها ابن لجأ. فقيل لجرير: ما صنعت في التّيم شيئا؛ فقال: إنهم شعراء لئام.
أخبرنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني ابن النطّاح قال حدّثني أبو اليقظان قال: قال جرير لرجل من بني طهيّة: أيّما أشعر أنا أم الفرزدق؟ فقال له: أنت عند العامة والفرزدق عند العلماء.
فصاح جرير: أنا أبو حرزة! غلبته وربّ الكعبة! واللّه ما في كل مائة رجل عالم واحد.
حدّثنا أحمد بن عمّار قال حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني ابن النطّاح قال؛ وحدّثني أبو الأخضر لمخارق بن الأخضر القيسيّ قال: إنّي كنت واللّه الذي لا إله إلا هو أخصّ الناس بجرير، وكان ينزل إذا قدم على الوليد بن عبد الملك عند سعيد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد، وكان عديّ بن الرقاع خاصّا بالوليد مدّاحا له؛ فكان جرير يجيء إلى باب الوليد فلا يجالس أحدا من النّزاريّة ولا يجلس إلا إلى رجل من اليمن بحيث يقرب من مجلس بن الرّقاع إلى أن يأذن الوليد للناس فيدخل. فقلت له: يا أبا حزرة، اختصصت عدوّك بمجلسك! فقال: إني واللّه ما أجلس إليه إلا لأنشده أشعارا تخزيه وتخزي قومه. قال: ولم يكن ينشده شيئا من شعره، وإنما كان ينشده شعر غيره ليذلّه ويخوّفه نفسه. فأذن الوليد للناس ذات عشيّة فدخلوا ودخلنا، فأخذ الناس مجالسهم، وتخلّف جرير فلم يدخل حتى دخل الناس وأخذوا مجالسهم واطمأنّوا فيها. فبينما هم كذلك إذا بجرير قد مثل بين السّماطين يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه، إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ابن الرّقاع المتفرّقة أؤلّف بعضها إلى بعض! - قال: وأنا جالس أسمع - فقال الوليد: واللّه لهممت أن أخرجه على ظهرك إلى الناس. فقال جرير وهو قائم كما هو:
فإن تنهني عنه فسمعا وطاعةوإلا فإنّي عرضة للمراجم
قال فقال له الوليد: لا كثّر اللّه في الناس أمثالك. فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، إنما أنا واحد قد سعرت الأمّة، فلو كثر أمثالي لأكلوا الناس أكلا. قال: فنظرت واللّه إلى الوليد تبسّم حتى بدت ثناياه تعجّبا من جرير وجلده. قال: ثم أمره فجلس.
أخبرني ابن عمّار قال حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثنا ابن النّطاح عن أبي عبيدة قال: كان جرير عند الوليد وعديّ بن الرّقاع ينشده. فقال الوليد لجرير: كيف تسمع؟ قال: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: عديّ بن الرّقاع. قال: فإن شر الثيّاب الرّقاع، ثم قال جرير: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً
؛ فغضب الوليد وقال: يابن اللّخناء! ما بقى لك إلا أن تتناول كتاب اللّه! واللّه ليركبنّك! يا غلام أوكفه حتى يركبه. فغمز عمر بن الوليد الغلام الذي أمره الوليد فأبطأ بالإكاف. فلما سكن غضب الوليد قام إليه عمر فكلّمه وطلب إليه وقال: هذا شاعر مضر ولسانها، فإن رأى أمير المؤمنين ألّا يغضّ منه! ولم يزل به حتى أعفاه، وقال له: واللّه لئن هجوته أو عرّضت به لأفعلنّ بك ولأفعلنّ!. فقال فيه تلك القصيدة التي يقول فيها:
أقصر فإن نزارا لن يفاخرهافرع لئيم وأصل غير مغروس
وذكر وقائع نزار في اليمن؛ فعلمنا أنّه عناه. ولم يجبه الآخر بشيء.
حدّثني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن العتبيّ قال: قال هشام بن عبد الملك لشبّة بن عقال وعنده جرير والفرزدق والأخطل، وهو يومئذ أمير ألا تخبرني عن هؤلاء الذين قد مزّقوا أعراضهم وهتكوا أستارهم وأغروا بين عشائرهم في غير خير ولا برّ ولا نفع أيّهم أشعر؟ فقال شبّة: أما جرير فيغرف من بحر، وأما الفرزدق فينحت من صخر، وأما الأخطل فيجيد المدح والفخر. فقال هشام: ما فسّرت لنا شيئا نحصّله. فقال ما عندي غير ما قلت. فقال لخالد بن صفوان: صفهم لنا يابن الأهتم؛ فقال: أما أعظمهم فخرا، وأبعدهم ذكرا، وأحسنهم عذرا؛ وأسيرهم مثلا، وأقلّهم غزلا، وأحلاهم عللا؛ الطامي إذا زخر، والحامي إذا زأر، والسامي إذا خطر؛ الذي إن هدر قال، وإن خطر صال؛ الفصيح اللسان، الطويل العنان؛ فالفرزدق. وأما أحسنهم نعتا، وأمدحهم بيتا، وأقلّهم فوتا؛ الذي إن هجا وضع، وإن مدح رفع، فالأخطل. وأما أغزرهم بحرا، وأرقّهم شعرا، وأهتكهم لعدوّه ستّرا؛ الأغرّ الأبلق، الذي أن طلب لم يسبق، وإن طلب لم يلحق؛ فجرير. وكلّهم ذكيّ الفؤاد، رفيع العماد، واري الزّناد. فقال له مسلمة بن عبد الملك: ما سمعنا بمثلك يا خالد في الأوّلين ولا رأينا في الآخرين؛ وأشهد أنك أحسنهم وصفا، وألينهم عطفا؛ وأعفّهم مقالا، وأكرمهم فعالا. فقال خالد: أتمّ اللّه عليكم نعمه، وأجزل لديكم قسمه؛ وآنس بكم الغربة، وفرّج بكم الكربة. وأنت، واللّه ما علمت أيّها الأمير، كريم الغراس، عالم بالناس؛ جواد في المحل، بسّام عند البذل؛ حليم عند الطّيش، في ذروة قريش؛ ولباب عبد شمس، ويومك خير من أمس. فضحك هشام وقال: ما رأيت كتخلّصك يابن صفوان في مدح هؤلاء ووصفهم حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني مصعب الزّبيريّ قال حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه مولى بني زهرة قال: حضرت عمر بن لجأ وجرير بن الخطفى موقوفين للناس بسوق المدينة لمّا تهاجيا وتقاذفا وقد أمر بهما عمر بن عبد العزيز فقرنا وأقيما. قال: وعمر بن لجأ شابّ كأنه حصان، وجرير شيخ قد أسنّ وضعف. قال فيقول ابن لجأ:
رأوا قمرا بساحتهم منيراوكيف يقارن القمر الحمارا
قال: ثم ينزو به وهما مقرونان في حبل فيسقطان إلى الأرض، فأمّا ابن لجأ فيقع قائما، وأمّا جرير فيخرّ لركبتيه ووجهه، فإذا قام نفض الغبار عنه. ثم قال بغنّته قولا يخرج الكلام به من أنفه - وكان كلامه كأنّ فيه نونا -:
فلست مفارقا قرنيّ حتّىيطول تصعّدي بك وانحداري
قال فقال رجل من جلساء عمر له حين حضر غداؤه: لو دعا الأمير بأسيريه فغدّاهما معه! ففعل ذلك عمر. وإنما فعله بهما لأنهما تقاذفا، وكان جرير قال له:
تقول والعبد مسكين يجرّرهاأرفق فديتك أنت الناكح الذّكر
قال: وهذه قصيدته التي يقول فيها:
يا تيم تيم عديّ لا أبا لكملا يوقعنّكم في سوءة عمر
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني على بن محمد النّوفليّ قال حدّثني أبي قال: كنت باليمامة وأنا واليها فكان ابن لجرير يكثر عندي الدخول وكنت أوثره فلم أقل له قطّ أنشدني أجود شعر لأبيك إلا أنشدني الداليّة:
أهوى أراك برامتين وقوداأم بالجنينة من مدافع أودا
فأقول له: ويحك! لا تزيدني على هذه! فيقول سألتني عن أجود شعر أبي وهذه أجود شعره، وقد كان يقدّمها على جميعه.
حدّثني ابن عمّار قال حدّثني النّوفليّ قال حدّثني علي بن عبد الملك الكعبيّ من ولد كعب مولى الحجّاج قال حدّثني فلان العلّامة التّميميّ يرويه عن جرير قال: ما ندمت على هجائي بني نمير قطّ إلا مرّة واحدة، فإنّي خرجت إلى الشأم فنزلت بقوم نزول في قصر لهم في ضيعة من ضياعهم، وقد نظرت إليه من بين القصور مشيّدا حسنا وسألت عن صاحبه فقيل لي: هو رجل من بني نمير. فقلت: هذا شآم وأنا بدويّ لا يعرفني، فجئت فاستضفت. فلما أذن لي ودخلت عليه عرفني فقراني أحسن القرى ليلتين، فلما أصبحت جلست، ودعا بنيّة له فضمّها إليه وترشّفها، فإذا هي أحسن الناس وجها ولها نشر لم أشمّ أطيب منه. فنظرت إلى عينيها فقلت: تاللّه ما رأيت أحسن من عيني هذه الصبيّة ولا من حورها قطّ، وعوّذّتها: فقال لي: يا أبا حزرة، أسوداء المحاجر هي؟ فذهبت أصف طيب رائحتها. فقال: أصنّ وبر هي؟ فقلت: يرحمك اللّه! إنّ الشاعر ليقول، وو اللّه لقد ساءني ما قلته، ولكن صاحبكم بدأني فانتصرت، وذهبت أعتذر.
فقال: دع ذا عنك أبا حزرة، فو اللّه ما لك عندي إلا ما تحبّ. قال: وأحسن واللّه إليّ وزوّدني وكساني، فانصرفت وأنا أندم الناس على ما سلف منّي إلى قومه.
أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن يعقوب بن داود قال حدّثني ابن أبي علقمة الثّقفيّ قال: كان المفضّل يقدّم الفرزدق، فأنشدته قول جرير:
حيّ الهدملة من ذات المواعيسفالحنو أصبح قفرا غير مأنوس
وقلت أنشدني لغيره مثلها فسكت. قال: وكان الفرزدق إذا أنشدها يقول: مثلها فليقل ابن اللّخناء.
أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدّثنا محمد بن سلام قال حدّثني عبد الجبّار بن سعيد بن سليمان المساحقيّ عن المحرّر بن أبي هريرة قال: إنّي لفي عسكر سليمان بن عبد الملك وفيه جرير والفرزدق في غزاة، إذ أتانا الفرزدق في غداة، ثم قال، اشهدوا أنّ محمد ابن أخي، ثم أنشأ يقول:
فبتّ بديري أريحاء بليلةخداريّة يزداد طولا تمامها
أكابد فيها نفس أقرب من مشىأبوه بأمّ غاب عنها نيامها
وكنّا نرى من غالب في محمدشمائل تعلو الفاعلين كرامها
وكان ذا ما حلّ أرضا تزيّنتبزينتها صحراؤها وإكامها
سقى أريحاء الغيث وهي بغيضةإلينا ولكن بي لتسقاه هامها
قال: ثم انصرف. وجاء جرير فقال: قد رأيت هذا وسمعت ما قال في ابن أخيه؛ وما ابن أخيه فعل اللّه به وفعل! قال: ومضى جرير، فو اللّه ما لبثنا إلا جمعا حتى جاءنا جرير فقام مقامه ونعى ابنه سوادة فقال:
أودى سوادة يجلو مقلتي لحمباز يصرصر فوق المربأ العالي
فارقتني حين كفّ الدهر من بصريوحين صرت كعظم الرّمّة البالي
إلّا تكن لك بالدّيرين باكيةفربّ باكية بالرّمل معوال
قالوا نصيبك من أجر فقلت لهمكيف العزاء وقد فارقت أشبالي
أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلّام قال حدّثني حاجب بن زيد وأبو الغرّاف قالا: تزوّج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس على حكم أبيها، فاحتكم مائة من الإبل. فدخل على الحجّاج يسأله ذلك؛ فعذله وقال له: أتتزوّج امرأة على حكمها!. فقال عنبسة بن سعيد وأراد نفعه: إنما هي من حواشي إبل الصّدقة، فأمر له الحجّاج بها. فوثب جرير فقال:
يا زيق قد كنت من شيبان في حسبيا زيق ويحك من أنكحت يا زيق
أنكحت ويحك قينا باسته حمميا زيق ويحك هل بارت بك السّوق
غاب المثنّى فلم يشهد نجيّكماوالحوفزان ولم يشهدك مفروق
يا رب قائلة بعد البناء بهالا الصّهر راض ولا ابن القين معشوق
أين الألى استنزلوا النّعمان ضاحيةأم أين أبناء شيبان الغرانيق
قال: فلم يجبه الفرزدق عنها. فقال جرير أيضا:
فلا أنا معطي الحكم عن شفّ منصبولا عن بنات الحنظليّين راغب
وهنّ كماء المزن يشفى به الصّدىوكانت ملاحا غيرهنّ المشارب
فلو كنت حرّا كان عشرا سياقكمإلى آل زيق والوصيف المقارب
فقال الفرزدق:
فنل مثلها من مثلهم ثم لمهمعلى دارميّ بين ليلى وغالب
هم زوّجوا قبلي لقيطا وأنكحواضرارا وهم أكفاؤنا في المناسب
ولو قبلوا منّي عطيّة سقتهإلى آل زيق من وصيف مقارب
ولو تنكح الشمس النجوم بناتهاإذا لنكحناهنّ قبل الكواكب
قال ابن سلّام فحدّثني الرّازيّ عن أبيه قال: ما كانت امرأة من بني حنظلة إلّا ترفع لجرير اللّويّة في عظمها لتطرفه بها لقوله:
وهنّ كماء يشفى به الصّدىوكانت ملاحا غيرهنّ المشارب
فقلت للرّازيّ: ما اللّويّة؟ قال: الشّريحة من اللحم، أو الفدرة من التمر، أو الكبّة من الشحم، أو الحفنة من الأقط؛ فإذا ذهب الألبان وضاقت المعيشة كانت طرفة عندهم.
قال: وقال جرير أيضا في شأن حدراء:
أثائرة حدراء من جرّ بالنّقاوهل لأبي حدراء في الوتر طالب
أتثأر بسطاما إذا ابتلّت استهاوقد بوّلت في مسمعيه الثعالب
قال ابن سلّام: والنّقا الذي عناه جرير هو الموضع الذي قتلت فيه بنو ضبّة بسطاما، وهو بسطام بن قيس. قال: فكرهت بنو شيبان أن يهتك جرير أعراضهم. فلما أراد الفرزدق نقل حدراء اعتلّوا عليه وقالوا له إنها ماتت. فقال جرير:
فأقسم ما ماتت ولكنّما التوىبحدراء قوم لم يروك لها أهلا
رأوا أنّ صهر القين عار عليهموأنّ لبسطام على غالب فضلا
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثنا محمد ابن إدريس اليماميّ قال حدّثنا عليّ بن عبد اللّه بن محمد بن مهاجر عن أبيه عن جدّه قال: دخلنا على جرير في نفر من قريش نعوده في علّته التي مات فيها، فالتفت إلينا فقال:
أهلا وسهلا بقوم زيّنوا حسبيوإن مرضت فهم أهلي وعوّادي
إن تجر طير بأمر فيه عافيةأو بالفراق فقد أحسنتم زادي
لو أن ليثا أبا شبلين أو عدنيلم يسلموني لليث الغابة العادي
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا محمد بن صالح بن النطّاح قال حدّثني أبو جناح أحد بني كعب بن عمرو بن تميم قال: نعي الفرزدق إلى المهاجر بن عبد اللّه وجرير عنده فقال:
مات الفرزدق بعد ما جدّعتهليت الفرزدق كان عاش قليلا
فقال له المهاجر: بئس لعمر اللّه ما قلت في ابن عمك! أتهجو ميّتا! أما واللّه لو رثيته لكنت أكرم العرب وأشعرها.
فقال: إن رأى الأمير أن يكتمها عليّ فإنها سوءة؛ ثم قال من وقته:
فلا وضعت بعد الفرزدق حاملولا ذات بعل من نفاس تعلت
هو الوافد الميمون والرائق الثأيإذا النعل يوما بالعشيرة زلّت
قال: ثم بكى ثم قال: أما واللّه إنّي لأعلم أنّي قليل البقاء بعده، ولقد كان نجمنا واحدا وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلّما مات ضدّ أو صديق إلّا تبعه صاحبه. فكان كذلك، مات بعد سنة. وقد زاد الناس في بيتي جرير هذين أبياتا أخر، ولم يقل غيرهما وإنما أضيف إلى ما قاله.
صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
رحل الخليط جمالهم بسوادوحدا على إثر البخيلة حادي
ما إن شعرت ولا علمت بينهمحتى سمعت به الغراب ينادي
الشعر لجميل. والغناء لإبراهيم، ولحّنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع