من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر أبي دلف ونسبه وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو القاسم بن عيسى بن إدريس، أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل. ومحلّه في الشجاعة وعلوّ المحلّ عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محلّ ليس لكبير أحد من نظرائه. وذكر ذلك أجمع مما لا معنى له لطوله؛ وفي هذا القدر من أخباره مقنع. وله أشعار جياد، وصنعة كثيرة حسنة. فمن جيّد شعره وله فيه صنعة قوله:
صوت
بنفسي يا جنان وأنت منّيمحلّ الروح من جسد الجبان
ولو أنّي أقول مكان نفسيخشيت عليك بادرة الزمان
لإقدامي إذا ما الخيل حامتوهاب كماتها حرّ الطّعان
وله فيه لحن. وهذا البيت الأوّل أخذه من كلام إبراهيم النّظّام.
أخبرني به عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن الحسن بن الحرون قال: لقي إبراهيم النظّام غلاما حسن الوجه، فاستحسنه وأراد كلامه فعارضه، ثم قال له: يا غلام، إنك لو لا ما سبق من قول الحكماء مما جعلوا به السبيل لمثلي إلى مثلك في قولهم: لا ينبغي لأحد أن يكبر عن أن يسأل، كما أنه لا ينبغي لأحد أن يصغر عن أن يقول، لما أنبت إلى مخاطبتك ولا انشرح صدري لمحادثتك، لكنه سبب الإخاء وعقد المودّة، ومحلّك من قلبي محلّ الروح من جسد الجبان. فقال له الغلام - وهو لا يعرفه -: لئن قلت ذلك أيها الرجل لقد قال أستاذنا إبراهيم النظّام: الطبائع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة، وتميل إلى ما قاربها بالموافقة؛ وكياني مائل إلى كيانك بكلّيّتي. ولو كان الذي انطوى عليه عرضا لم أعتدّ به ودّا، ولكنه جوهر جسمي؛ فبقاؤه ببقاء النفس، وعدمه بعدمها؛ وأقول كما قال الهذليّ:
فتيقّني أن قد كلفت بكمثم افعلي ما شئت عن علم
فقال له النظّام: إنما كلّمتك بما سمعت وأنت عندي غلام مستحسن؛ ولو علمت أنّ محلّك مثل محلّ معمر وطبقته في الجدل لما تعرّضت لك. قال أبو الحسن: ومن هذا أخذ أبو دلف قوله:
أحبّك يا جنان وأنت منّيمحلّ الرّوح من جسد الجبان
ومن جيّد شعره وله فيه صنعة قوله:
صوت
في كلّ يوم أرى بيضاء طالعةكأنما أنبتت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصريلما قطعتك عن همّي وعن فكري
أخبرني عليّ بن عبد العزيز الكاتب قال حدّثني أبي قال سمعت عبد العزيز بن دلف بن أبي دلف يقول: حدّثتني ظبية جارية أبي قالت: إنّي لمعه ليلة بالسّرادن وهو جالس يشرب معي وعليه ثياب ممسّكة، إذ أتاه الصريخ بطروق الشّراة أطراف عسكره؛ فلبس الجوشن ومضى فقتل وأسر وانصرف إليّ في آخر اللّيل وهو يغنّي - قالت:
والشعر له -:
صوت
ليلتي بالسّرادنكلّلت بالمحاسن
وجوار أوانسكالظّباء الشّوادن
بدّلت بالممسّكات ادّراع الجواشن
الشعر لأبي دلف. والغناء له رمل بالسبّابة في مجرى البنصر.
وقال أحمد بن أبي طاهر: كان أبو دلف القاسم بن عيسى في جملة من كان مع الإفشين خيذر بن كاووس لمّا خرج لمحاربة بابك، ثم تنكّر له؛ فوجّه يوما بمن جاء به ليقتله. وبلغ المعتصم الخبر، فبعث إليه بأحمد بن أبي دواد وقال له: أدركه، وما أراك تلحقه، فاحتل في خلاصه منه كيف شئت. قال ابن أبي دواد: فمضيت ركضا حتى وافيته، فإذا أبو دلف واقف بين يديه وقد أخذ بيديه غلامان له تركيّان، فرميت بنفسي على البساط، وكنت إذا جئته دعا لي بمصلّى، فقال لي: سبحان اللّه! ما حملك على هذا؟ قلت: أنت أجلستني هذا المجلس. ثم كلّمته في القاسم وسألته فيه وخضعت له، فجعل لا يزداد إلّا غلظة. فلما رأيت ذلك قلت: هذا عبد وقد أغرقت في الرّفق به فلم ينفع، وليس إلا أخذه بالرّهبة والصّدق؛ فقمت فقلت: كم تراك قدرت! تقتل أولياء أمير المؤمنين واحدا بعد واحد، وتخالف أمره في قائد بعد قائد! قد حملت إليك هذه الرسالة عن أمير المؤمنين، فهات الجواب!. قال: فذلّ حتى لصق بالأرض وبان لي الاضطراب فيه. فلما رأيت ذلك نهضت إلى أبي دلف وأخذت بيده، وقلت له: قد أخذته بأمر أمير المؤمنين. فقال: لا تفعل يا أبا عبد اللّه. فقلت: قد فعلت وأخرجت القاسم فحملته على دابّة ووافيت المعتصم. فلما بصر بي قال: بك يا أبا عبد اللّه وريت زنادي، ثم ردّ عليّ خبري مع الإفشين حدسا بظنّه ما أخطأ فيه حرفا؛ ثم سألني عما ذكره لي وهو كما قال، فأخبرته أنه لم يخطىء حرفا.
وقال عليّ بن محمد حدّثني جدّي قال: كان أحمد بن أبي دواد ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا. فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغنّي؛ فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك. فستر أحمد بن أبي دواد في موضع وأحضر أبا دلف وأمره أن يغنّي، ففعل ذلك وأطال؛ ثم أخرج أحمد بن أبي دواد عليه من موضعه والكراهة ظاهرة في وجهه. فلما رآه أحمد قال له: سوءة لهذا من فعل! بعد هذه السّنّ وهذا المحلّ تضع نفسك كما أرى! فحجل أبو دلف وتشوّر، وقال: إنهم أكرهوني على ذلك. فقال: هبهم أكرهوك على الغناء أفأكرهوك على الإحسان والإصابة!.
قال عليّ وحدّثني جدّي: أنّ سبب منادمته للمعتصم أنه كان نديما للواثق، وكان أبو دلف قد وصف للمعتصم فأحب أن يسمعه، وسأل الواثق عنه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا على الفصد غدا وهم عندي. فقال له المعتصم: أحبّ ألّا تخفي عليّ شيئا من خبركم. وفصد الواثق، فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا، وأعلمهم الواثق حضور أبي دلف عنده؛ فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون: قد جاء الخليفة. فقام الواثق وكلّ من عنده حتى تلقّوه حين برز من الدّهليز إلى الصّحن؛ فجاء حتى جلس، وأمر بندماء الواثق فردّوا إلى مجالسهم. قال حمدون: وخنست عن مجلسي الذي كنت فيه لحداثتي؛ فنظر المعتصم إلى مكاني خاليا، فسأل عن صاحبه فسمّيت له، فأمر بإحضاري فرجعت إلى مكاني، وأمر بأن يؤتى برطل من شرابه فأتي به؛ فأقبل على أبي دلف فقال له: يا قاسم، غنّ أمير المؤمنين صوتا؛ فما حصر ولا تثاقل وقال: أغنّي أمير المؤمنين صوتا بعينه أو ما اخترته؟ قال: بل غنّ صنعتك في شعر جرير: بان الخليط برامتين فودّعوا فغنّاه إيّاه. فقال المعتصم: أحسن! أحسن! ثلاثا، وشرب الرّطل، ولم يزل يستعيده ويشرب عليه حتى والى بين سبعة أرطال، ثم دعا بحمار فركبه، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه، وأمرني بالانصراف معهما، فخرجت أسعى مع ركابه، فثبّتّ في ندمائه من ذلك اليوم، وأمر لأبي دلف بعشرين ألف دينار.
نسبة الصوت الذي غنّاه أبو دلف
صوت
بان الخليط برامتين فودّعواأو كلّما اعتزموا لبين تجزع
كيف العزاء ولم أجد مذغبتمقلبا يقرّ ولا شرابا ينقع
عروضه من الكامل. الشعر لجرير، والغناء لأبي دلف ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشاميّ وعمرو بن بانة.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال: كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكرديّة يستخفّ مطيع بن إياس، وكان منقطعا إليه وله منه منزلة حسنة. فذكر له مطيع بن إياس حمّادا الراوية، وكان مطّرحا مجفوّا في أيّامهم. فقال له: دعني، فإنّ دولتي كانت في بني أميّة وما لي عند هؤلاء خير. فأبى مطيع إلا الذهاب به إليه. فاستعار سوادا وسيفا؛ ثم أتاه فدخل على جعفر فسلّم عليه وجلس. فقال له جعفر: أنشدني. فقال: لمن أيها الأمير؟ قال: لجرير. قال حماد: فسلخ اللّه شعره أجمع من قلبي إلّا قوله: بان الخليط برامتين فودّعوا فاندفعت أنشده إيّاه حتى بلغت إلى قوله:
وتقول بوزع قد دببت على العصاهلّا هزئت بغيرنا يا بوزع
قال حمّاد فقال لي جعفر: أعد هذا البيت فأعدته؛ فقال: إيش هو بوزع؟ قلت: اسم امرأة. قال: امرأة اسمها بوزع! هو بريء من اللّه ورسوله ومن العبّاس بن عبد المطّلب إن كانت بوزع إلا غولا من الغيلان! تركتني واللّه يا هذا لا أنام الليل من فزع بوزع! يا غلمان، قفاه. قال: فصفعت واللّه حتى لم أدر أين أنا. ثم قال: جرّوا برجله، فجرّوا برجلي حتى أخرجت من بين يديه وقد تخرّق السواد وانكسر جفن السيف ولقيت شرّا عظيما مما جرى من ذلك. وكان أغلظ من ذلك عليّ غرامتي السواد والسيف. فلما انصرف إليّ مطيع جعل يتوجّع لي. فقلت له: ألم أخبرك أنّي لا أصيب منهم خيرا وأنّ حظّي قد مضى مع من مضى من بني أمية!.
رجع الحديث إلى أخبار أبي دلف.
وكان أبو دلف جواد ممدّحا؛ وفيه يقول عليّ بن جبلة:
إنما الدّنيا أبو دلفبين مغزاه ومحتضره
وإذا ولّى أبو دلفولّت الدّنيا على أثره
وهي من جيّد شعره وحسن مدائحه. وفيها يقول:
ذاد ورد الغيّ عن صدرهوارعوى واللّهو من وطره
ندمي أنّ الشّباب مضىلم أبلّغه مدى أشره
حسرت عنّي بشاشتهوذوى المحمود من ثمره
ودم أهدرت من رشألم يرد عقلا على هدره
فأتت دون الصّباهنةقلبت فوقي على وتره
دع جدا قحطان أو مضرفي يمانيه وفي مضره
وامتدح من وائل رجلاعصر الآفاق من عصره
المنايا في مقانبهوالعطايا في ذرا حجره
ملك تندى أناملهكانبلاج النّوء عن مطره
مستهلّ عن مواهبهكابتسام الرّوض عن زهره
جبل عزّت مناكبهأمنت عدنان في نفره
إنما الدّنيا أبو دلفبين مغزاه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدنيا على أثره
كلّ من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مستعير منه مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
وهذان البيتان هما اللّذان أحفظا المأمون على عليّ بن جبلة حتى سلّ لسانه من قفاه، وقوله في أبي دلف أيضا:
أنت الذي تنزل الأيّام منزلهاوتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحدإلّا قضيت بأرزاق وآجال
وسنذكر ذلك في موضعه من أخبار عليّ بن جبلة إن شاء اللّه تعالى؛ إذ كان القصد هاهنا أمر أبي دلف.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: كنّا عند أبي العباس المبرّد يوما وعنده فتى من ولد أبي البختري وهب بن وهب القاضي أمرد حسن الوجه، وفتى من ولد أبي دلف العجليّ شبيه به في الجمال. فقال المبرّد لابن أبي البختريّ: أعرف لجدّك قصّة ظريفة من الكرم حسنة لم يسبق إليها. قال: وما هي؟ قال: دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع، فسقوه نبيذا غير الذي كانوا يشربون منه؛ فقال فيهم:
نبيذان في مجلس واحدلإيثار مثر على مقتر
فلو كان فعلك ذا في الطعاملزمت قياسك في المسكر
ولو كنت تطلب شأو الكرامصنعت صنيع أبي البختري
تتبّع إخوانه في البلادفأغنى المقلّ عن المكثر
فبلغت الأبيات أبا البختريّ فبعث إليه بثلاثمائة دينار. قال ابن عمّار: فقلت: قد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا. قال: وما فعل؟ قلت: بلغه أنّ رجلا افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند؛ فقال:
إليك عنّي فقد كلّفتني شططاحمل السلاح وقيل الدّارعين قف
تمشي المنايا إلى غيري فأكرههافكيف أمشي إليها عاري الكتيف
حسبت أنّ نفاد المال غيّرنيوأنّ روحي في جنبي أبي دلف
فأحضره أبو دلف ثم قال له: كم أمّلت امرأتك أن يكون رزقك؟ قال: مائة دينار. قال: وكم أمّلت أن تعيش؟
قال: عشرين سنة. قال: فذلك لك عليّ على ما أمّلت امرأتك في مالنا دون مال السلطان؛ وأمر بإعطائه إيّاه. قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلّل، وانكسر ابن أبي البختريّ انكسارا شديدا.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد المبرّد قال أخبرني عليّ بن القاسم قال: قال عليّ بن جبلة: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من إكرامي وبرّي والتّحفّي بي أمرا مفرطا، حتى تأخّرت عنه حينا حياء. فبعث إليّ معقل بن عيسى، فقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّي، وأحسبك استقللت برّي بك، فلا يغضبنك ذلك، فسأزيد فيه حتى ترضى. فقلت: واللّه ما قطعني إلّا إفراطه في البرّ، وكتبت إليه.
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمةوهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكنّني لمّا أتيتك زائرافأفرطت في برّي عجزت عن الشكر
فم الان لا آتيك إلا مسلّماأزورك في الشهرين يوما أو الشهر
فإن زدتني برّا تزايدت جفوةولم تلقني طول الحياة إلى الحشر
فلمّا قرأها معقل استحسنها جدّا وقال: أحسنت واللّه! أما إنّ الأمير لتعجبه هذه المعاني. فلما أوصلها إلى أبي دلف قال: قاتله اللّه. ما أشعره وأدقّ معانيه! فأعجبته فأجابني لوقته - وكان حسن البديهة حاضر الجواب -:
ألا ربّ ضيف طارق قد بسطتهوآنسته قبل الضّيافة بالبشر
أتاني يرجّيني فما حال دونهودون القرى والعرف من نائلي ستري
وجدت له فضلا عليّ بقصدهإليّ وبرّا زاد فيه على برّي
فزوّدته مالا يقلّ بقاؤهوزوّدني مدحا يدوم على الدهر
قال: وبعث إليّ بالأبيات مع وصيف له وبعث معه إليّ بألف دينار؛ فقلت حينئذ:
إنما الدنيا أبو دلف
الأبيات.
أخبرني عليّ بن سليمان قال أخبرنا المبرّد قال أخبرني إبراهيم بن خلف قال: بينا أبو دلف يسير مع معقل، وهما إذ ذاك بالعراق، إذ مرّا بقصر، فأشرفت منه جاريتان؛ فقالت إحداهما للأخرى: هذا أبو دلف الذي يقول فيه الشاعر: إنما الدنيا أبو دلف فقالت الأخرى: أو هذا! قد واللّه كنت أحبّ أن أراه منذ سمعت ما قيل فيه. فالتفت أبو دلف إلى معقل فقال: ما أنصفنا عليّ بن جبلة ولا وفيناه حقّه، وإن ذلك لمن كبير همّي. قال: وكان أعطاه ألف دينار.
صوت من المائة المختارة من رواية عليّ بن يحيى
أمّا القطاة فإنّي سوف أنعتهانعتا يوافق منها بعض ما فيها
سكّاء مخطوبة في ريشها طرقصهب قوادمها كدر خوافيها
عروضه من البسيط. والشعر مختلف في قائله، ينسب إلى أوس بن غلفاء الهجيميّ وإلى مزاحم العقيليّ وإلى العبّاس بن يزيد بن الأسود الكنديّ وإلى العجير السّلوليّ وإلى عمرو بن عقيل بن الحجّاج الهجيميّ وهو أصح الأقوال؛ رواه ثعلب عن أبي نصر عن الأصمعيّ. وعلى أنّ في هذه الروايات أبياتا ليست مما يغنّى فيه وأبياتا ليست في الرواية. وقد روي أيضا أنّ الجماعة المذكورة تساجلوا هذه الأبيات فقال كل واحد منهم بعضا. وأخبار ذلك وما يحتاج إليه في شرح غريبه يذكر بعد هذا. والغناء في اللحن المختار لمعبد خفيف ثقيل أوّل بالوسطى. وفي هذين البيتين مع أبيات أخر من القصيدة اشتراك كثير بين المغنّين يتقدّم بعض الأبيات فيه بعضا ويتأخّر بعضها عن بعض على اختلاف تقديم ذلك وتأخيره. والأبيات تكتب هاهنا ثم تنسب صنعة كلّ صانع في شيء منها إليه؛ وهي بعد البيتين الأوّلين، إذ كانا قد مضيا واستغني عن إعادتهما،:
لمّا تبدّى لها طارت وقد علمتأن قد أظل وأنّ الحيّ غاشيها
تشتقّ في حيث لم تبعد مصعّدةولم تصوّب إلى أدنى مهاويها
تنتاش صفراء مطروقا بقيّتهاقد كاد يأزي عن الدّعموص آزيها
ما هاج عينك أم قد كاد يبكيهامن رسم دار كسحق البرد باقيها
فلا غنيمة توفّي بالذي وعدتولا فؤادك حتى الموت ناسيها
بسيط مولى عبد اللّه بن جعفر خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق في «أمّا القطاة» والذي بعده، و «تنتاش صفراء» خفيف ثقيل نصر عن عمرو. ولإبراهيم الموصليّ في «لما تبدّى لها» و «أمّا القطاة» خفيف رمل عن الهشاميّ. ولعمر الواديّ في «أمّا القطاة» ثقيل بالوسطى. ولابن جامع في «لما تبدّى لها» وبعده «أمّا القطاة» خفيف رمل. ولسياط في الأوّل والثاني وبعدهما «تشتق في حيث لم تبعد» خفيف ثقيل بالبنصر، ومن الناس من ينسب لحنه إلى عمر الواديّ وينسب لحن عمر إليه. ولعلّويه في «أمّا القطاة» والذي بعده رمل هو من صدور أغانيه ومقدّمها. فجميع ما وجدته في هذه الأبيات من الصنعة أحد عشر لحنا.
فأمّا خبر هذا الشعر، فإن ابن الكلبيّ زعم أنّ السبب فيه أنّ العجير السّلوليّ أوس بن غلفاء الهجيميّ ومزاحما العقيليّ والعباس بن يزيد بن الأسود الكنديّ وحميد بن ثور الهلاليّ اجتمعوا فتفاخروا بأشعارهم وتناشدوا وادّعى كل واحد منهم أنه أشعر من صاحبه. ومرّ بهم سرب قطا؛ فقال أحدهم: تعالوا حتى نصف القطا ثم نتحاكم إلى من نتراضى به، فأيّنا كان أحسن وصفا لها غلب أصحابه؛ فتراهنوا على ذلك. فقال أوس بن غلفاء الأبيات المذكورة وهي «أمّا القطاة». وقال حميد أبياتا وصف ناقته فيها، ثم خرج إلى صفة القطاة فقال:
كما انصلتت كدراء تسقي فراخهابشمظة رفها والمياه شعوب
غدت لم تباعد في السماء ودونهاإذا ما علت أهويّة وصبوب
قرينة سبع إن تواترن مرّةضربن فصفّت أرؤس وجنوب
فجاءت وما جاء القطا ثم قلّصتبمفحصها والواردات تنوب
وجاءت ومسقاها الذي وردت بهإلى الصّدر مشدود العصام كتيب
تبادر أطفالا مساكين دونهافلا لا تخطّاه العيون رغيب
وصفن لها مزنا بأرض تنوفةفما هي إلّا نهلة وتؤوب
وقال العباس بن يزيد بن الأسود - هكذا ذكر ابن الكلبيّ، وغيره يرويها لبعض بني مرّة -:
حذّاء مدبرة سكّاء مقبلةللماء في النحر منها نوطة عجب
تسقى أزيغب ترويه مجاجتهاوذاك من ظمأة من ظمئها شرب
منهرت الشّدق لم تنبت قوادمهفي حاجب العين من تسبيده زبب
تدعو القطا بقصير الخطو ليس لهقدّام منحرها ريش ولا زغب
تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبتيا صدقها حين تدعوه وتنتسب
وقال مزاحم العقيليّ:
أذلك أم كدريّة هاج وردهامن القيظ يوم واقد وسموم
غدت كنواة القسب لا مضمحلّةوناة ولا عجلى الفتور سئوم
تواشك رجع المنكبين وترتمىإلى كلكل، للهاديات قدوم
فما انخفضت حتى رأت ما يسرّهاوفيء الضّحى قد مال فهو ذميم
أباطح وانتصّت على حيث تستقيبها شرك للواردات مقيم
سقتها سيول المدجنات فأصبحتعلاجيم تجري مرّة وتدوم
فلما استقت من بارد الماء وانجلىعن النفس منها لوحة وهموم
دعت باسمها حين استقت فاستقلّهاقوادم حجن ريشهنّ مليم
بجوز كحقّ الها جريّة زانهبأطراف عود الفارسيّ وشوم
- يعني حقّ الطيب. شبّه حوصلتها به. والوشوم يعني الشّية التي في صدرها -:
لتسقي زغبا بالتّنوفة لم يكنخلاف مولّاها لهنّ حميم
ترائك بالأرض الفلاة ومن بدعبمنزلها الأولاد فهو مليم
إذا استقبلتها الريح طمّت رفيقةوهنّ بمهوى كالكرات جثوم
يراطنّ وقصاء القفا وحشة الشّوىبدعوى القطا لحن لهنّ قديم
فبتن قريرات العيون وقد جرىعليهن شرب فاستقين منيم
صبيب سقاء نيط قد بركت بهمعاودة سقي الفراخ رءوم
وقال العجير - فيما روى ابن الكلبيّ، وقد تروى لغيره -:
سأغلب والسماء ومن بناهاقطاة مزاحم ومن انتحاها
قطاة مزاحم وأبي المثنّىعلى حوزيّة صلب شواها
غدت كالقطرة السّفواء تهويأمام مجلجل زجل نفاها
تكفّأ كالجمانة لا تباليأبا الموماة أضحت أم سواها
نبت منها العجيزة فاحزألّتونبّس للتقتّل منكباها
كأنّ كعوبها أطراف نبلكساها الرّازقيّة من براها
قال: واحتكموا إلى ليلى الأخيليّة، فحكمت لأوس بن غلفاء.
وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا يعقوب بن إسرائيل عن قعنب بن محرز الباهليّ قال حدّثني رجل عن أبي عبيدة قال أخبرنا حميد بن ثور والعجير السّلوليّ ومزاحم العقيليّ وأوس بن غلفاء الهجيميّ أنهم تحاكموا إلى ليلى الأخيليّة لمّا وصفوا القطاة أيّهم أحسن وصفا لها؛ فقالت:
ألا كلّ ما قال الرّواة وأنشدوابها غير ما قال السّلوليّ بهرج
وحكمت له. فقال حميد بن ثور يهجوها:
كأنّك ورهاء العنانين بغلةرأت حصنا فعارضتهنّ تشحج
ووجدت هذه الحكاية عن أبي عبيدة مذكورة عن دماذ عنه وأنّه سأله عن أبيات العجير فأنشده:
تجوب الدّجى سكّاء من دون فرخهابمطلى أريك نفنف وسهوب
فجاءت وقرن الشمس باد كأنّههجان بصحراء الخبيب شبوب
لتسقي أفراخا لها قد تبلّلتحلاقيم أسماط لها وقلوب
قصار الخطا زغب الرؤوس كأنهاكرات تلظّى مرّة وتلوب
فأمّا ما ذكرت من رواية ثعلب في الأبيات التي فيها الغناء فإنه أنشدها عن أبي حاتم عن الأصمعيّ أن أبا الحضير أنشده لعمرو بن عقيل بن الحجّاج الهجيميّ:
أمّا القطاة فإني سوف أنعتهانعتا يوافق نعتي بعض ما فيها
صفراء مطروقة في ريشها خطبصفر قوادمها سود خوافيها
منقارها كنواة القسب قلّمهابمبرد حاذق الكفّين يبريها
تمشي كمشي فتاة الحيّ مسرعةحذار قوم إلى ستر يواريها
- قال الأصمعيّ: مطروقة يعني أنّ ريشها بعضه فوق بعض. والخطب: لون الرماد، يقال للمشبّه به أخطب -:
تنتاش صفراء مطروقا بقيّتهاقد كاد يأزي عن الدّعموص آزيها
- تنتاش: تتناول بقية من الماء. والمطروق: الماء الذي قد خالطه البول. وقوله: يأزى أي يقلّ عن الدعموص فيخرج منه لقلته. والدّعموص: الصغير من الضفادع وجمعه دعاميص -
تسقي رذيّين بالموماة قوتهمافي ثغرة النّحر من أعلى تراقيها
- الرذيّ: الساقط من الضعف. يعني فرخيها -
كأنّ هيدبة من فوق جؤجئهاأو جرو حنظلة لم يعد راميها
- جرو الحنظل: صغاره. وقوله: لم يعد من العداء، أي لم يعد عليها فيكسرها -
تشتقّ من حيث لم تبعد مصعّدةولم تصوّب إلى أدنى مهاويها
حتى إذا استأنسا للوقت واحتضرتتوجّسا الوحي منها عند غاشيها
- ويروى: حتى إذا استأنسا للصوت. وتوجّسا: تسمّعا. وحيها أي سرعة طيرانها. وغاشيها أي حين تغشاهما وتنتهي إليهما -
ترفّعا عن شؤون غير ذاكيةعلى لديدي أعالي المهد أدحيها
- الذاكية: الشديدة الحركة. والمهد: أفحوصها. ولديداه: جانباه -
مدّا إليها بأفواه مزيّنةصعدا ليستنزلا الأرزاق من فيها
كأنّها حين مدّاها لجنأتهاطلى بواطنها بالورس طاليها
- جنأتها أي جنأت عليهما بصدرها لتزقّهما -
حثّلين رضّا رفاض البيض عن زغبورق أسافلها بيض أعاليها
حثلين: دقيقين ضاويين. رضّا: كسرا. والرّفاض: ما ارفضّ وتفرّق -
ترأّدا حين قاما ثمّت احتطباعلى نحائف منآد محانيها
ترأّدا: تثنّيا. واحتطبا: دنوا. والمنآد: المنعطف. ومحانيها: حيث انحنت -
تكاد من لينها تنآد أسؤقهاتأوّد الرّبل لم تعرم نواميها
- تعرم: تشتد. ونواميها: أعاليها -:
لا أشتكي نوشة الأيّام من ورقيإلّا إلى من أن سوف يشكيها
لدلهم مأثرات قد عددن لهإن المآثر معدود مساعيها
تنمي به في بني لأي دعائمهاومن جمانة لم نخضع سواريها
بنى له في بيوت المجد والدهوليس من ليس يبنيها كبانيها
وأنشدني هذه الأبيات الحسن بن محمد الضّبعيّ الشاعر المعروف بابن الحدّاد قال: وجدتها بخط محمد بن داود بن الجرّاح عن إسماعيل بن يونس الشّيعي شيخنا رحمه اللّه عن أخيه عن أبيّ محلم مثل رواية ثعلب وزاد فيها: قال أبو محلّم: جمانة ابن جرير بن عبد ثعلبة بن سعد بن الهجيم، وهم أخوال دلهم هذا الممدوح. ودلهم من بني لأي ثم من بني يزيد بن هلال بن بذل بن عمرو بن الهيثم، وكان أحد الشّجعان، وهو قتل الضحّاك بن قيس الخارجيّ بيده مع مروان بن محمد ليلة كفرتوثا.
صوت من المائة المختارة عن علّي بن يحيى
أيّها القلب لا أراك تفيقطالما قد تعلّقتك العلوق
من يكن من هوى حبيب قريبافأنا النازح البعيد السّحيق
قدّر الحبّ بيننا فالتقيناوكلانا إلى اللقاء مشوق
الشعر لعمر بن أبي ربيعة وقد مضت أخباره. والغناء في اللحن المختار لبابويه الكوفيّ خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه أيضا
لمخارق خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ. وفيه لعلّويه رمل بالبنصر عنه وعن الهشاميّ. وبابويه رجل من أهل الكوفة قليل الصنعة، ليس ممن خدم الخلفاء ولا الأكابر، ولا أعلم له خبرا فأذكره.
صوت من المائة المختارة
من لقلب أضحى بكم مستهاماخائفا للوشاة يخفي الكلاما
إنّ طرفي رسول نفسي ونفسيعن فؤادي تقرا عليك السلاما
لم يقع إلينا قائل الشعر فنذكر خبره. والغناء لرياض جارية أبي حمّاد خفيف ثقيل بالوسطى. وكان أبو حماد هذا أحد القوّاد الخراسانية ومن أولاد الدّعاة، وكان يعاشر إسحاق ويبرّه ويهاديه، فأخذت رياض عنه غناء كثيرا؛ وكانت محسنة ضاربة كثيرة الرواية؛ وأحبّ إسحاق أن ينوّه باسمها ويرفع من شأنها، فذكر صنعتها في هذا الصوت فيما اختاره للواثق قضاء لحقّ مولاها. وليس فيما قلته في هذا لأنّ الصوت غير مختار ولكن في الغناء ما هو أفضل منه بكثير ولم يذكره؛ وقد فعل ذلك بجماعة ممن كان يودّه ويتعصّب له مثل متيّم وأبي دلف وغيرهم. ومن يعلم هذه الصناعة يعرف صحّة ما قلناه. وماتت رياض هذه مملوكة لمولاها لم تخرج من يده ولا شهرت ولا روي لها خبر.
صوت من المائة المختارة عن عليّ بن يحيى
راح صحبي وعاود القلب داءمن حبيب طلابه لي عناء
حسن الرأي والمواعيد لا يلفى لشيء مما يقول وفاء
من تعزّى عمن يحبّ فإنيليس لي ما حييت عنه عزاء
أمّ عثمان قد قتلت قتيلاعمد عين قتلته لا خطاء
لم يقع إلينا قائل هذا الشعر فنذكره. والغناء لنافع بن طنبورة، ولحنه المختار خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى. وفي هذا الشعر لحن لعبد اللّه بن طاهر ثاني ثقيل من جيّد صنعته، وكان نسبه إلى لميس جاريته، وله خبر سنذكره في أخباره إذا انتيهنا. وكان نافع بن طنبورة يكنى أبا عبد اللّه، مغنّ محسن من أهل المدينة، حسن الوجه نظيف الثوب، يلقّب نقش الغضار لحسن وجهه. وجعلتّه جميلة في المرتبة، لمّا اجتمع المغنّون إليها، بعد نافع وبديح وقبل مالك بن أبي السّمح. وغنّاها يومئذ:
يا طول ليلي وبتّ لم أنموسادي الهمّ مبطن سقمي
أن قمت يوما على البلاط وأبصرت رقاشا فليت لم أقم
فقالت جميلة: أحسنت واللّه يا نقش الغضار ويا حلو اللسان ويا حسن البيان!. ولم يفارق ابن طنبورة الحجاز ولا خدم الخلفاء ولا انتجعهم بصنعة فخمل ذكره.
صوت من المائة المختارة عن عليّ بن يحيى
عتق الفؤاد من الصّباومن السّفاهة والعلاق
وحططت رحلي عن قلوص الغيّ في قلص عتاق
ورفعت فضل إزاري المجرور عن قدمي وساقي
وكففت غرب النفس حتّى ما تتوق إلى متاق
الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت. والغناء لابن عبّاد الكاتب. ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل، وقيل: إنه لغيره.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع