من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب جميل وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو جميل بن عبد اللّه بن معمر بن الحارث بن ظبيان وقيل ابن معمر بن حنّ بن ظبيان بن قيس بن جزء بن ربيعة بن حرام بن ضنّة بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد - وهو هذيم، وسمّي بذلك إضافة لاسمه إلى عبد لأبيه يقال له هذيم كان يحضنه فغلب عليه - ابن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. والنسّابون مختلفون في قضاعة، فمنهم من يزعم أن قضاعة ابن معدّ وهو أخو نزار بن معدّ لأبيه وأمّه، وهي معانة بنت جوسم بن جلهمة بن عامر بن عوف بن عديّ بن دبّ بن جرهم؛ ومنهم من يزعم أنهم من حمير. وقد ذكر جميل ذلك في شعره فانتسب معدّيّا فقال:
أنا جميل في السّنام من معدّفي الأسرة الحصداء والعيص الأشدّ
وقال راجز من قضاعة ينسبهم إلى حمير:
قضاعة الأثرون خير معشرقضاعة بن مالك بن حمير
ولهم في هذا أراجيز كثيرة. إلّا أنّ قضاعة اليوم تنسب كلّها في حمير، فتزعم أن قضاعة ابن مالك بن مرّة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقال القحذميّ: اسم سبأ عامر؛ وإنما قيل له سبأ لأنه أوّل من سبى النساء. وكان يقال له عب الشمس، أي عديل الشمس؛ سمّي بذلك لحسنه. ومن زعم من هؤلاء أنّ قضاعة ليس ابن معدّ ذكر أن أمّه عكبرة (امرأة من سبأ) كانت تحت مالك بن عمر فمات عنها وهي حامل، فخلفه عليها معدّ بن عدنان، فولدت قضاعة على فراشه. وقال: مؤرّج بن عمرو: هذا قول أحدثوه بعد وصنعوا شعرا ألصقوه به ليصحّحوا هذا القول، وهو:
يأيّها الدّاعي ادعنا وأبشروكن قضاعيّا ولا تنزّر
قضاعة الأثرون خير معشرقضاعة بن مالك بن حمير
النسب المعروف غير المنكر
قال مؤرّج: وهذا شيء قيل في آخر أيام بني أميّة. وشعراء قضاعة في الجاهليّة والإسلام كلها تنتمي إلى معدّ. قال جميل:
وأيّ معدّ كان فيء رماحهمكما قد أفأنا والمفاخر منصف
وقال زيادة بن زيد يهجو بني عمّه بني عامر رهط هدبة بن خشرم:
وإذا معدّ أوقدت نيرانهاللمجد أغضت عامر وتضعضعوا
وجميل شاعر فصيح مقدّم جامع للشعر والرواية، كان راوية هدبة بن خشرم، وكان هدبة شاعرا راوية للحطيئة، وكان الحطيئة شاعرا راوية لزهير وابنه. وقال أبو محلّم: آخر من اجتمع له الشعر والرواية كثيّر، وكان راوية جميل، وجميل راوية هدبة، وهدبة راوية الحطيئة، والحطيئة راوية زهير.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذميّ قال: كان جميل يهوى بثينة بنت حبأ بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الأحبّ بن حنّ بن ربيعة تلتقي هي وجميل في حنّ من ربيعة في النسب.
حدّثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسديّ وهاشم بن محمد أبو دلف الخزاعيّ قالا حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ عن ابن أبي الزّناد قال: كان كثيّر راوية جميل، وكان يقدّمه على نفسه ويتّخذه إماما، وإذا سئل عنه قال: وهل علّم اللّه عزّ وجلّ ما تسمعون إلّا منه!.
أخبرني محمد بن مزيد عن حمّاد عن أبيه عن صباح بن خاقان عن عبد اللّه بن معاوية الزّبيريّ قال: كان كثيّر إذا ذكر له جميل قال: وهل علّم اللّه ما تسمعون إلا منه!.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن المسور بن عبد الملك عن نصيب مولى عبد العزيز بن مروان قال: قدمت المدينة فسألت عن أعلم أهلها بالشعر، فقيل لي: الوليد بن سعيد بن أبي سنان الأسلميّ، فوجدته بشعب سلع مع عبد الرحمن بن حسّان وعبد الرحمن بن أزهر. فإنّا لجلوس إذ طلع علينا رجل طويل بين المنكبين طوال يقود راحلة عليها بزّة حسنة. فقال عبد الرحمن بن حسّان لعبد الرحمن بن أزهر: يا أبا جبير، هذا جميل، فادعه لعلّه أن ينشدنا. فصاح به عبد الرحمن: هيا جميل هيا جميل! فالتفت فقال: من هذا؟ فقال: أنا عبد الرحمن بن أزهر. فقال: قد علمت أنه لا يجترىء عليّ إلا مثلك. فأتاه فقال له أنشدنا، فأنشدهم:
نحن منعنا يوم أول نساءناويوم أفيّ والأسنّة ترعف
ويوم ركايا ذي الجذاة ووقعةببنيان كانت بعض ما قد تسلّفوا
يحبّ الغواني البيض ظلّ لوائناإذا ما أتانا الصارخ المتلهّف
نسير أمام الناس والناس خلفنافإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
فأيّ معدّ كان فيء رماحهكما قد أفأنا والمفاخر ينصف
وكنّا إذا ما معشر نصبوا لناومرّت جواري طيرهم وتعيّفوا
وضعنا لهم صاع القصاص رهينةبما سوف نوفيها إذ الناس طفّفوا
إذا استبق الأقوام مجدا وجدتنالنا مغرفا مجد وللناس مغرف
قال: ثم قال له: أنشدنا هزجا. قال: وما الهزج؟ لعله هذا القصير؟ قال نعم، فأنشده - قال الزّبير: لم يذكر في هذا الخبر من هذه القصيدة الهزج سوى بيتين، وأنشدنا باقيها بهلول بن سليمان بن قرضاب البلويّ -.
صوت
رسم دار وقفت في طللهكدت أقضي الغداة من جللّه
موحشا ما ترى به أحدا تنتسج الريح ترب معتدله
وصريعا من الثّمام ترىعارمات المدبّ في أسله
بين علياء وابش فبليّفالغميم الذي إلى جبله
واقفا في ديار أمّ جسيرمن ضحى يومه إلى أصله
يا خليليّ إن أمّ جسيرحين يدنو الضجيع من غللّه
روضة ذات حنوة وخزامىجاد فيها الربيع من سبله
بينما هنّ بالأراك معاإذ بدا راكب على جمله
فتأطّرن ثم قلن لهاأكرميه حيّيت في نزله
فظللنا بنعمة واتّكأناوشربنا الحلال من قلله
قد أصون الحديث دون خليللا أخاف الأذاة من قبله
غير ما بغضة ولا لآجتنابغير أنّي ألحت من وجله
وخليل صاقبت مرتضياوخليل فارقت من مللّه
قال: فأنشده إياها حتى فرغ منها ثم اقتاد راحلته مولّيا. فقال ابن الأزهر: هذا أشعر أهل الإسلام. فقال ابن حسّان: نعم واللّه وأشعر أهل الجاهليّة، واللّه ما لأحد منهم مثل هجائه ولا نسيبه. فقال عبد الرحمن بن الأزهر: صدقت.
قال نصيب: وأنشدت الوليد فقال لي: أنت أشعر أهل جلدتك، واللّه ما زاد عليها. فقلت: يا أبا محجن، أفرضيت منه بأن تكون أشعر السّودان؟ قال: وددت واللّه يابن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا، ولكنه لم يفعل، ولست بكاذبك.
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: كان لكثيّر في النّسيب حظّ وافر وجميل مقدّم عليه وعلى أصحاب النسيب في النسيب؛ وكان كثيّر راوية جميل، وكان جميل صادق الصّبابة والعشق، ولم يكن كثيّر بعاشق ولكنه كان يتقوّل. وكان الناس يستحسنون بيت كثيّر في النسيب:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّماتمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
قال: ورأيت من يفضّل عليه بيت جميل:
خليليّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
قال ابن سلّام: وهذا البيت الذي لكثيّر أخذه من جميل حيث يقول:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّماتمثّل لي ليلى على كلّ مرقب
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن أبي شهاب عن طلحة بن عبد اللّه بن عوف قال: لقي الفرزدق كثيّرا بقارعة البلاط وأنا وهو نمشي نريد المسجد؛ فقال له الفرزدق: يا أبا صخر، أنت أنسب العرب حين تقول:
أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
يعرّض له بسرقته من جميل. فقال له كثيّر: وأنت يا أبا فراس أفخر الناس حين تقول:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
- قال عبد العزيز: وهذا البيت أيضا لجميل سرقه الفرزدق - فقال الفرزدق لكثيّر: هل كانت أمّك مرّت بالبصرة؟
قال: لا! ولكن أبي، فكان نزيلا لأمّك. قال طلحة بن عبد اللّه: فو الذي نفسي بيده لعجبت من كثيّر وجوابه، وما رأيت أحدا قطّ أحمق منه، رأيتني دخلت عليه يوما في نفر من قريش وكنّا كثيرا ما نتهزّأ به، فقلنا: كيف تجدك يا أبا صخر؟ قال: بخير، أما سمعتم الناس يقولون شيئا؟ قلنا: نعم، يتحدّثون أنك الدجّال. فقال: واللّه لئن قلتم ذاك إني لأجد في عيني هذه ضعفا منذ أيام.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال كتب إليّ أبو محمد إسحاق بن إبراهيم يقول حدّثني أبو عبيدة عن جويرية بن أسماء قال: كان أبو صخر كثيّر صديقا لي، وكان يأتيني كثيرا، فقلّما استنشدته إلّا بدأ بجميل وأنشد له ثم أنشد لنفسه، وكان يفضّله ويتّخذه إماما.
قال الزبير وكتب إليّ إسحاق يقول حدّثني صباح بن خاقان عن عبد اللّه بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزّبير قال: ذكر جميل لكثيّر، فقالوا: ما تقول فيه؟ فقال: منه علّم اللّه عزّ وجلّ.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو يحيى الزّهريّ عن إسحاق بن قبيصة الكوفيّ عن رجل سمّاه قال: سألت نصيبا: أجميل أنسب أم كثيّر؟ فقال: أنا سألت كثيّرا عن ذاك فقال: وهل وطّأ لنا النّسيب إلّا جميل!.
قال عمر بن شبّة وقال إسحاق حدّثني السّعيدي عن أبي مالك النّهديّ قال: جلس إلينا نصيب فذكرنا جميلا، فقال: ذاك إمام المحبّين، وهل هدى اللّه عزّ وجلّ لما ترى إلّا بجميل.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة عن جويرية بن أسماء قال: ما استنشدت كثيّرا قطّ إلا بدأ بجميل وأنشدني له ثم أنشدني بعده لنفسه، وكان يفضّله ويتخذه إماما.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلويّ قال: كان جميل ينسب بأمّ الجسير، وكان أوّل ما علق بثينة أنه أقبل يوما بإبله حتى أوردها واديا يقال له بغيض، فاضطجع وأرسل إبله مصعدة، وأهل بثينة بذنب الوادي؛ فأقبلت بثينة وجارة لها واردتين الماء، فمرّتا على فصال له بروك فعرمتهنّ بثينة - يقول: نفّرتهنّ - وهي إذ ذاك جويرية صغيرة؛ فسبّها جميل، فافترت عليه، فملح إليه سبابها فقال:
وأوّل ما قاد المودّة بيننابوادي بغيض يا بثين سباب
وقلنا لها قولا فجاءت بمثلهلكلّ كلام يا بثين جواب
قال الزّبير وحدّثني محمد بن إسماعيل بن جعفر عن سعيد بن نبيه بن الأسود العذريّ - وكانت بثينة عند أبيه نبيه بن الأسود، وإياه يعني جميل بقوله:
لقد أنكحوا جهلا نبيها ظعينةلطيفة طيّ الكشح ذات شوى خدل
- قال الزّبير وحدّثني أيضا الأسباط بن عيسى بن عبد الجبّار العذريّ أن جميل بن معمر خرج في يوم عيد والنساء إذ ذاك يتزيّنّ ويبدو بعضهن لبعض ويبدون للرجال، وأن جميلا وقف على بثينة وأختها أمّ الجسير في نساء من بني الأحبّ وهنّ بنات عمّ عبيد اللّه بن قطبة أخي أبيه لحّا، فرأى منهنّ منظرا وأعجبنه وعشق بثينة وقعد معهنّ، ثم راح وقد كان معه فتيان من بني الأحبّ، فعلم انّ القوم قد عرفوا في نظره حبّ بثينة ووجدوا عليه، فراح وهو يقول:
عجل الفراق وليته لم يعجلوجرت بوادر دمعك المتهلّل
طربا وشاقك ما لقيت ولم تخفبين الحبيب غداة برقة مجول
وعرفت أنك حين رحت ولم يكنبعد اليقين وليس ذاك بمشكل
لن تستطيع إلى بثينة رجعةبعد التفرّق دون عام مقبل
قال: وإنّ بثينة لمّا أخبرت أن جميلا قد نسب بها حلفت باللّه لا يأتيها على خلاء إلّا خرجت إليه ولا تتوارى منه، فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدّث إليها ومع أخواتها، حتى نمي إلى رجالها أنه يتحدّث إليها إذا خلا منهم، وكانوا أصلافا غيرا - أو قال غيارى - فرصدوه بجماعة نحو من بضعة عشر رجلا وجاء على الصّهباء ناقته حتى وقف على بثينة وأمّ الجسير وهما يحدّثانه وهو ينشدهما يومئذ:
حلفت بربّ الراقصات إلى منّىهويّ القطا يجتزن بطن دفين
لقد ظنّ هذا القلب أن ليس لاقياسليمى ولا أمّ الجسير لحين
فليت رجالا فيك قد نذروا دميوهمّوا بقتلي يا بثين لقوني
فبينا هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فرماهم بها فسبقت به وهو يقول:
إذا جمع الإثنان جمعا رميتهمبأركانها حتى تخلّى سبيلها
فكان هذا أوّل سبب المهاجاة بينه وبين عبيد اللّه بن قطبة.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثنا بهلول بن سليمان عن مشيخة من عذرة: أنّ بثينة واعدت جميلا أن يلتقيا في بعض المواضع فأتى لوعدها. وجاء أعرابيّ يستضيف القوم فأنزلوه وقروه؛ فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرّقين متوارين في الشجر، وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم؛ فعرفوا أنه جميل وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيىء الظنّ بها ورجع إلى أهله؛ فجعل نساء الحيّ يقرّعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى بوصلك منها، كما أنّ غيرك يحظى بها. فقال في ذلك:
صوت
أبثين إنّك قد ملكت فأسجحيوخذي بحظك من كريم واصل
فأجبتها في القول بعد تستّرحبّي بثينة عن وصالك شاغلي
فلربّ عارضة علينا وصلهابالجدّ تخلطه بقول الهازل
لو كان في صدري كقدر قلامةفضلا وصلتك أو أتتك رسائلي
- الغناء ليحيى المكّي ثقيل أوّل بالوسطى من رواية ابنه أحمد عنه -:
صوت
ويقلن إنك قد رضيت بباطلمنها فهل لك في اجتناب الباطل
ولباطل ممّا أحبّ حديثهأشهى إليّ من البغيض الباذل
ليزلن عنك هواي ثم يصلننيوإذا هويت فما هواي بزائل
- الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو، وذكر في نسخته الثانية أنه ليزيد حوراء. وروى حمّاد عن أبيه في أخبار ابن سريج أنّ لابن سريج فيه لحنا ولم يجنّسه -:
صادت فؤادي يا بثين حبالكميوم الحجون وأخطأتك حبائلي
منّيتني فلويت ما منّيتنيوجعلت عاجل ما وعدت كآجل
وتثاقلت لمّا رأت كلفي بهاأحبب إليّ بذاك من متثاقل
وأطعت فيّ عواذلا فهجرتنيوعصيت فيك وقد جهدن عواذلي
حاولنني لأ بتّ حبل وصالكممنّي، ولست وإن جهدن بفاعل
فرددتهن وقد سبعين بهجركملمّا سعين له بأفوق ناصل
يعضضن من غيظ عليّ أناملاووددت لو يعضضن صمّ جنادل
ويقلن إنك يا بثين بخيلةنفسي فداؤك من ضنين باخل
قالوا: وقال جميل في وعد بثينة بالتّلاقي وتأخّرها قصيدة أوّلها:
يا صاح عن بعض الملامة أقصرإنّ المنى للقاء أمّ المسور
فمما يغنّى فيه منها قوله:
صوت
وكأنّ طارقها على علل الكرىوالنجم وهنا قد دنا لتغوّر
يستاف ريح مدامة معجونةبذكيّ مسك أو سحيق العنبر
الغناء لابن جامع ثقيل أوّل بالبنصر من رواية الهشاميّ. وذكر عمرو بن بانة أنه لابن المكيّ.
ومما يغني فيه منها قوله:
صوت
إنّي لأحفظ غيبكم ويسرّنيإذ تذكرين بصالح أن تذكري
ويكون يوم لا أرى لك مرسلاأو نلتقي فيه عليّ كأشهر
يا ليتني ألقى المنيّة بغتةإن كان يوم لقائكم لم يقدر
أو أستطيع تجلّدا عن ذكركمفيفيق بعض صبابتي وتفكّري
الغناء لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ. وفيه يقول:
لو قد تجنّ كما أجنّ من الهوىلعذرت أو لظلمت إن لم تعذر
واللّه ما للقلب من علم بهاغير الظنون وغير قول المخبر
لا تحسبي أنّي هجرتك طائعاحدث لعمرك رائع أن تهجري
فلتبكينّ الباكيات وإن أبحيوما بسرّك معلنا لم أعذر
يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمتيتبع صداي صداك بين الأقبر
صوت
إنّي إليك بما وعدت لناظرنظر الفقير إلى الغنيّ المكثر
يعد الديون وليس ينجز موعداهذا الغريم لنا وليس بمعسر
ما أنت والوعد الذي تعديننيإلّا كبرق سحابة لم تمطر
قلبي نصحت له فردّ نصيحتيفمتى هجرتيه فمنه تكثّري
الغناء في هذه الأبيات لسليم رمل عن الهشاميّ. وفيه قدح طنبوريّ أظنّه لجحظة أو لعليّ بن مودّة.
قالوا: وقال في إخلافها إياه هذا الموعد:
صوت
ألا ليت ريعان الشباب جديدودهرا تولّى يا بثين يعود
فنغنى كما كنّا نكون وأنتمقريب وإذ ما تبذلين زهيد
ويروى.
وممّا لا يزيد بعيد
وهكذا يغنّى فيه:
الغناء لسليم خفيف ثقيل أوّل بالوسطى. ومما يغنّى فيه من هذه القصيدة:
صوت
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةبوادي القرى إنّي إذا لسعيد
وهل ألقين فردا بثينة مرّةتجود لنا من ودّها ونجود
علقت الهوى منها وليدا فلم يزلإلى اليوم ينمي حبّها ويزيد
وأفنيت عمري بانتظاري وعدهاوأبليت فيها الدهر وهو جديد
فلا أنا مردود بما جئت طالباولا حبّها فيما يبيد يبيد
الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى. ومما يغنّى فيه منها:
صوت
وما أنس م الأشياء لا أنس قولهاوقد قربت بصرى أمصر تريد
ولا قولها لو لا العيون التي ترىلزرتك فاعذرني فدتك جدود
خليليّ ما ألقى من الوجد قاتليودمعي بما قلت الغداة شهيد
يقولون جاهد يا جميل بغزوةوأيّ جهاد غيرهنّ أريد
لكلّ حديث بينهنّ بشاشةوكلّ قتيل عندهنّ شهيد
الغناء للغريض خفيف ثقيل من رواية حمّاد عن أبيه. وفي هذه القصيدة يقول:
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتليمن الحبّ قالت ثابت ويزيد
يا جميل بغزوةوأيّ جهاد غيرهنّ أريد
وإن قلت ردّي بعض عقلي أعش بهمع الناس قالت ذاك منك بعيد
ألا قد أرى واللّه أن ربّ عبرةإذا الدّار شطّت بيننا سترود
إذا فكّرت قالت قد أدركت ودّهوما ضرّني بخلي فكيف أجود
فلو تكشف الأحشاء صودف تحتهالبثنة حبّ طارف وتليد
تذكّرنيها كلّ ريح مريضةلها بالتّلاع القاويات وئيد
وقد تلتقي الأشتات بعد تفرّقوقد تدرك الحاجات وهي بعيد
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثني عمر بن شبّة عن إسحاق قال: لقي جميل بثينة بعد تهاجر كان بينهما طالت مدّته، فتعاتبا طويلا فقالت له: ويحك يا جميل! أتزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول:
رمى اللّه في عيني بثينة بالقذىوفي الغرّ من أنيابها بالقوادح!
فأطرق طويلا يبكي ثم قال: بل أنا القائل:
ألا ليتني أعمى أصمّ تقودنيبثينة لا يخفى عليّ كلامها
فقالت له: ويحك! ما حملك على هذه المنى! أو ليس في سعة العافية ما كفانا جميعا!.
قال إسحاق وحدّثني أيّوب بن عباية قال: سعت أمة لبثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما: إن جميلا عندها الليلة؛ فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالسا حجرة منها يحدّثها ويشكو إليها بثّة، ثم قال لها: يا بثينة، أرأيت ودّي إياك وشغفي بك ألا تجزينيه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون بين المتحابّين. فقالت له: يا جميل، أهذا تبغي! واللّه لقد كنت عندي بعيدا منه، ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا. فضحك وقال: واللّه ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنك تجيبينني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد؛ أو ما سمعت قولي:
وإنّي لأرضى من بثينة بالذيلو أبصره الواشي لقرّت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنىوبالأمل المرجوّ قد خاب آمله
وبالنّظرة العجلى وبالحول تنقضيأواخره لا نلتقي وأوائله
قال فقال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها، فانصرفا وتركاهما.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية عن رجل من عذرة قال: كنت تربا لجميل وكان يألفني، فقال لي ذات يوم: هل تساعدني على لقاء بثينة؟ فمضيت معه، فكمن لي في الوادي وبعث بي إلى راعي بثينة بخاتمه، فدفعته إليه، فمضى به إليها ثم عاد بموعد منها إليه. فلما كان الليل جاءته فتحدّثا طويلا حتى أصبحا ثم ودّعها وركب ناقته. فلما استوى في غرزها وهي باركة قالت له: ادن منّي يا جميل.
صوت
إنّ المنازل هيّجت أطرابيواستعجمت آياتها بجوابي
قفرا تلوح بذي اللّجين كأنهاأنضاء رسم أو سطور كتاب
لما وقفت بها القلوص تبادرتمنّي الدموع لفرقة الأحباب
وذكرت عصرا يا بثينة شاقنيوذكرت أيّامي وشرخ شبابي
الغناء في هذه الأبيات للهذليّ ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق الموصليّ عن السّعيديّ، وأخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد عن أبيه قال حدّثنا أبو مالك النّهديّ قال: جلس إلينا كثيّر ذات يوم فتذاكرنا جميلا؛ فقال: لقيني مرّة فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبي الحبيبة (أعني بثينة). فقال: وإلى أين تمضي؟ قلت: إلى الحبيبة (أعني عزّة). فقال: لا بدّ من أن ترجع عودك على بدئك فتستجدّ لي موعدا من بثينة. فقلت: عهدي بها الساعة وأنا أستحيي أن أرجع. فقال: لا بدّ من ذلك. فقلت له: فمتى عهدك ببثينة؟ فقال: في أوّل الصيد وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الدّوم فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها؛ فلما أبصرتني أنكرتني، فضربت بيديها إلى ثوب في الماء فالتحفت به، وعرفتني الجارية، فأعادت الثوب في الماء، وتحدّثنا حتى غابت الشمس. وسألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون؛ وما وجدت أحدا آمنه فأرسله إليها. فقال له كثيّر: فهل لك في أن آتي الحيّ فأنزع بأبيات من شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها؟. قال: ذلك الصواب، فأرسله إليها؛ فقال له: انتظرّني ثم خرج كثيّر حتى أناخ بهم. فقال له أبوها: ما ردّك؟ قال: ثلاثة أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك. قال: هاتها. قال كثيّر: فأنشدته وبثينة تسمع:
فقلت لها يا عزّ أرسل صاحبيإليك رسولا والموكّل مرسل
بأن تجعلي بيني وبينك موعداوأن تأمريني ما الذي فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتنيبأسفل وادي الدّوم والثوب يغسل
قال: فضربت بثينة جانب خدرها وقالت: إخسأ إخسأ! فقال أبوها: مهيم يا بثينة؟ قالت: كلب يأتينا إذا نؤّم الناس من وراء الرّابية. ثم قالت للجارية: ابغينا من الدّومات حطبا لنذبح لكثيّر شاة ونشويها له. فقال كثيّر: أنا أعجل من ذلك. وراح إلى جميل فأخبره. فقال له جميل: الموعد الدّومات. وقالت لأم الحسين وليلى ونجيّا بنات خالتها وكانت قد أنست إليهنّ واطمأنّت بهنّ: إني قد رأيت في نحو نشيد كثيّر أن جميلا معه. وخرج كثيّر وجميل حتى أتيا الدّومات، وجاءت بثينة ومن معها، فما برحوا حتى برق الصبح. فكان كثيّر يقول: ما رأيت مجلسا قطّ أحسن من ذلك ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر! ما أدري أيّهما كان أفهم!
أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ، وأخبرني عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال قال لي صالح بن حسّان: هل تعرف بيتا نصفه أعرابيّ في شملة وآخره مخنّث من أهل العقيق يتقصف تقصّفا؟ قلت: لا. قال: قد أجّلتك حولا. قلت: لا أدري ما هو! فقال قول جميل:
ألا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا
كأنه أعرابيّ في شملة. ثم أدركه ما يدرك العاشق فقال:
أسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ
كأنه من كلام مخنّثي العقيق.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال أخبرنا عبد اللّه بن أبي كريم عن أبي عمرو وإسحاق بن مروان قال: عشق جميل بثينة وهو غلام، فلما بلغ خطبها فمنع منها، فكان يقول فيها الأشعار، حتى اشتهر وطرد، فكان يأتيها سرّا ثم تزوّجت فكان يزورها في بيت زوجها في الحين خفية إلى أن استعمل دجاجة بن ربعيّ على وادي القرى فشكوه إليه فتقدّم إليه ألّا يلمّ بأبياتها وأهدر دمه لهم إن عادو زيارتها، فاحتبس حينئذ.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدّثنا أحمد بن أبي العلاء قال حدّثني إبراهيم الرّمّاح قال حدّثنا جابر أبو العلاء التّنوخيّ قال: لما نذر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل، فكان يصعد بالليل على قور رمل يتنسّم الريح من نحو حيّ بثينة ويقول:
أيا ريح الشّمال أما ترينيأهيم وأنّني بادي النّحول
هبي لي نسمة من ريح بثنومنّي بالهبوب إلى جميل
وقولي يا بثينة حسب نفسيقليلك أو أقلّ من القليل
فإذا بدا وضح الصبح انصرف. وكانت بثينة تقول لجوار من الحيّ عندها: ويحكنّ! إني لأسمع أنين جميل من بعض القيران! فيقلن لها: اتّقي اللّه! فهذا شيء يخيّله لك الشيطان لا حقيقة له.
حدّثني أحمد بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن نعيم قال حدّثني أحمد بن يعلى قال حدّثني سويد بن عصام قال حدّثني روح أبو نعيم قال: التقى جميل وكثيّر فتذاكرا النّسيب؛ فقال كثيّر: يا جميل، أترى بثينة لم تسمع بقولك:
يقيك جميل كلّ سوء، أما لهلديك حديث أو إليك رسول
وقد قلت في حبّي لكم وصبابتيمحاسن شعر ذكرهنّ يطول
فإن لم يكن قولي رضاك فعلّميهبوب الصّبايا بثن كيف أقول
فما غاب عن عيني خيالك لحظةولا زال عنها، والخيال يزول
فقال جميل: أترى عزّة قد حال يا كثيّر لم تسمع بقولك:
يقول العدا يا عزّ قد حال دونكمشجاع على ظهر الطريق مصمّم
فقلت لها واللّه لو كان دونكمجهنّم ما راعت فؤادي جهنّم
وكيف يروع القلب يا عزّ رائعووجهك في الظّلماء للسّفر معلم
وما ظلمتك النفس يا عزّ في الهوىفلا تنقمي حبّي فما فيه منقم
قال: فبكيا قطعة من الليل ثم انصرفا.
وقال الهيثم بن عديّ ومن ذكر روايته معه من أصحابه: زار جميل بثينة ذات يوم، فنزل قريبا من الماء يترصّد أمة لها أو راعية؛ فلم يكن نزوله بعيدا من ورود أمة حبشيّة معها قربة، وكانت به عارفة وبما بينها وبينه. فسلّمت عليه وجلست معه، وجعل يحدّثها ويسألها عن أخبار بثينة ويحدّثها بخبره بعدها ويحمّلها رسائله. ثم أعطاها خاتمه وسألها دفعه إلى بثينة وأخذ موعد عليها، ففعلت وانصرفت إلى أهلها وقد أبطأت عليهم. فلقيها أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها، فالتوت عليهم ولم تخبرهم وتعلّلت؛ فضربوها ضربا مبرّحا؛ فأعلمتهم حالها مع جميل ودفعت إليهم خاتمه. ومرّ بها في تلك الحال فتيان من بني عذرة فسمعا القصّة كلّها وعرفا الموضع الذي فيه جميل، فأحبّا أن يثبّطا عنه فقالا للقوم: إنكم إن لقيتم جميلا وليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كلّ مكروه؛ وأهل بثينة أعزّ عذرة، فدعوا الأمة توصّل خاتمه إلى بثينة، فإذا زارها بيّتموهما جميعا؛ قالوا: صدقتما لعمري إنّ هذا الرأي. فدفعوا الخاتم إلى الأمة وأمروها بإيصاله وحذّروها أن تخبر بثينة بأنهم علموا القصّة، ففعلت. ولم تعلم بثينة بما جرى. ومضى الفتيان فأنذرا جميلا؛ فقال: واللّه ما أرهبهم، وإن في كنانتي ثلاثين سهما واللّه لا أخطأ كلّ واحد منها رجلا منهم، وهذا سيفي واللّه ما أنا به رعش اليد ولا جبان الجنان. فناشداه اللّه وقالا: البقية أصلح، فتقيم عندنا في بيوتنا حتى يهدأ الطلب، ثم نبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطرا وتنصرف سليما غير مؤبّن. فقال أمّا الآن فابعثا إليها من ينذرها؛ فأتياه براعية لهما وقالا له: قل بحاجتك؛ فقال: ادخلي إليها وقولي لها: إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعة اعتوروه من القنّاص ففاتني الليلة. فمضت فأعلمتها ما قال لها؛ فعرفت قصّته وبحثت عنها فعرفتها؛ فلم تخرج لزيارته تلك الليلة ورصدوها فلم تبرح مكانها ومضوا يقتصّون أثره فرأوا بعر ناقته فعرفوا أنه قد فاتهم، فقال جميل في ذلك:
خليليّ عوجا اليوم حتى تسلّماعلى عذبة الأنياب طيّبة النّشر
ألمّا بها ثم اشفعا لي وسلّماعليها سقاها اللّه من سبل القطر
إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأتجرعت لنأي الدار منها وللبعد
أبى القلب إلا حبّ بثنة لم يردسواها وحبّ القلب بثنة لا يجدي
قال: وقال أيضا: ومن الناس من يضيف هذه الأبيات إلى هذه القصيدة؛ وفيها أبيات معادة القوافي تدلّ على أنها مفردة عنها، وهي:
ألم تسأل الدار القديمة هل لهابأمّ جسير بعد عهدك من عهد
وفيها يقول:
صوت
سلي الرّكب هل عجنا لمغناك مرّةصدور المطايا وهي موقرة تخدي
وهل فاضت العين الشّروق بمائهامن اجللك حتى اخضلّ من دمعها بردي
الغناء لأحمد بن المكيّ ثاني ثقيل بالوسطى: -
وإنّي لأستجري لك الطير جاهدالتجري بيمن من لقائك من سعد
وإنّي لأستبكي إذا الركب غرّدوابذكراك أن يحيا بك الركب إذ يخدي
فهل تجزينّي أمّ عمرو بودّهافإنّ الذي أخفي بها فوق ما أبدي
وكلّ محبّ لم يزد فوق جهدهوقد زدتها في الحبّ منّي على الجهد
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن إبراهيم وغيره وبهلول بن سليمان البلويّ: أنّ رهط بثينة ائتمنوا عليها عجوزا منهم يثقون بها يقال لها أمّ منظور. فجاءها جميل فقال لها: يا أمّ منظور، أريني بثينة. فقالت: لا! واللّه لا أفعل، قد ائتمنوني عليها. فقال: أما واللّه لأضرّنّك؛ فقالت: المضرّة واللّه في أن أريكها. فخرج من عندها وهو يقول:
ما أنس لا أنس منها نظرة سلفتبالحجر يوم جلتها أمّ منظور
ولا انسلابتها خرسا جبائرهاإليّ من ساقط الأوراق مستور
قال: فما كان إلّا قليل حتى انتهى إليهم هذان البيتان. قال: فتعلّقوا بأمّ منظور فحلفت لهم بكلّ يمين فلم يقبلوا منها. هكذا ذكر الزّبير بن بكّار في خبر أمّ منظور، وقد ذكر فيه غير ذلك.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ، وأخبرني به ابن أبي الأزهر عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ: أن رجلا أنشد مصعب بن الزّبير قول جميل:
ما أنس لا أنس منها نظرة سلفتبالحجر يوم جلتها أمّ منظور
فقال: لوددت أنّي عرفت كيف جلتها. فقيل له: إن أم منظور هذه حيّة. فكتب في حملها إليه مكرّمة فحملت إليه.
فقال لها: أخبريني عن قول جميل:
ما أنس لا أنس منها نظرة سلفتبالحجر يوم جلتها أمّ منظور
كيف كانت هذه الجلوة؟ قالت: ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفّاحة، وضفرت شعرها وجعلت في فرقها شيئا من الخلوق. ومرّ بنا جميل راكبا ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخّر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا. فقال لها مصعب: فإنّي أقسم عليك إلّا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة، ففعلت: وركب مصعب ناقته وأقبل عليهما وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخّر عينه ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بهلول عن بعض مشايخه: أنّ جميلا جاء إلى بثينة ليلة وقد أخذ ثياب راع لبعض الحيّ، فوجد عندها ضيفانا لها، فانتبذ ناحية، فسألته: من أنت؛ فقال: مسكين مكاتب، فجلس وحده، فعشّت ضيفانها وعشّته وحده. ثم جلست هي وجارية لها على صلائهما واضطجع القوم منتحين. فقال جميل:
هل البائس المقرور دان فمصطلمن النار أو معطى لحافا فلابس
فقالت لجاريتها: صوت جميل واللّه! اذهبي فانظري!. فرجعت إليها فقالت: هو واللّه جميل! فشهقت شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون وقالوا مالك؟ فطرحت بردا لها من حبرة في النار وقالت: احترق بردي، فرجع القوم. وأرسلت جاريتها إلى جميل، فجاءتها به، فحبسته عندها ثلاث ليال، ثم سلّم عليها وخرج.
وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم: كانت بثينة قد واعدت جميلا للالتقاء في بعض المواضع، فأتى لوعدها. وجاء أعرابيّ يستضيف القوم فأنزلوه وقروه، فقال لهم: إني قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرّقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلّوا بعض إبلكم. فعرفوا أنه جميل وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيّىء الظنّ بها ورجع إلى أهله، فجعل نساء الحيّ يقرّعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى بوصلك منها، كما أن غيرك يحظى بها. فقال في ذلك:
أبثين إنك قد ملكت فأسجحيوخذي بحظّك من كريم واصل
صوت
فلربّ عارضة علينا وصلهابالجدّ تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالقول بعد تستّرحبّي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي كقدر قلامةفضلا وصلتك أو أتتك رسائلي
- الغناء ليحيى المكّيّ ثقيل أوّل بالوسطى من رواية أحمد -
ويقلن أنك قد رضيت بباطلمنها فهل لك في اجتناب الباطل
ولباطل ممّن أحبّ حديثهأشهى إليّ من البغيض الباذل
الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو. وذكر عمر أنه ليزيد حوراء.
وذكر الهيثم بن عديّ وأصحابه أن جماعة من بني عذرة حدّثوا أن جميلا رصد بثينة ذات ليلة في نجعة لهم، حتى إذا صادف منها خلوة سكر ودنا منها وذلك في ليلة ظلماء ذات غيم وريح ورعد، فحذفها بحصاة فأصابت بعض أترابها، ففزعت وقالت: واللّه ما حذفني في هذا الوقت بحصاة إلا الجنّ! فقالت لها بثينة وقد فطنت: إن جميلا فعل ذلك فانصرفي ناحية إلى منزلك حتى ننام، فانصرفت وبقيت مع بثينة أمّ الجسير وأمّ منظور، فقامت إلى جميل فأدخلته الخباء معها وتحدّثا طويلا، ثم اضطجع واضطجعت إلى جنبه فذهب النوم بهما حتى أصبحا وجاءها غلام زوجها بصبوح من اللبن بعث به إليها، فرآها نائمة مع جميل، فمضى لوجهه حتى خبّر سيّده. ورأته ليلى والصّبوح معه وقد عرفت خبر جميل وبثينة فاستوقفته كأنها تسأله عن حاله وبعثت بجارية لها وقالت حذّري بثينة وجميلا، فجاءت الجارية فنبّهتهما. فلما تبيّنت بثينة الصبح قد أضاء والناس منتشرين ارتاعت وقالت: يا جميل! نفسك نفسك! فقد جاءني غلام نبيه بصبوحي من اللبن فرآنا نائمين! فقال لها جميل وهو غير مكترث لما خوّفته منه:
لعمرك ما خوّفتني من مخافةبثين ولا حذّرتني موضع الحذر
فأقسم لا يلقى لي اليوم غرّةوفي الكفّ منّي صارم قاطع ذكر
فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت النّضد وقالت: إنما أسألك ذلك خوفا على نفسي من الفضيحة لا خوفا عليك، ففعل ذلك ونامت كما كانت، واضطجعت أمّ الجسير إلى جانبها وذهبت خادم ليلى إليها فأخبرتها الخبر فتركت العبد يمضي إلى سيّده فمضى والصّبوح معه وقال له: إني رأيت بثينة مضطجعة وجميل إلى جنبها. فجاء نبيه إلى أخيها وأبيها فأخذ بأيديهما وعرّفهما الخبر وجاءوا بأجمعهم إلى بثينة وهي نائمة فكشفوا عنها الثوب فإذا أمّ الجسير إلى جانبها نائمة. فخجل زوجها وسبّ عبده وقالت ليلى لأخيها وأبيها: قبحكما اللّه! أفي كلّ يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور فيها بكلّ قبيح! قبحه اللّه وإياكما! وجعلا يسبّان زوجها ويقولان له كلّ قول قبيح. وأقام جميل عند بثينة حتى أجنّه الليل ثم ودّعها وانصرف. وحذرتهم بثينة لما جرى من لقائه إيّاها فتحامته مدّة، فقال في ذلك:
صوت
أأن هتفت ورقاء ظلت سفاهةتبكّي على جمل لورقاء تهتف
فلو كان لي بالصرم يا صاح طاقةصرمت ولكنّي عن الصرم أضعف
للهذليّ في هذين البيتين لحنان أحدهما ثقيل أوّل بالسّبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، والآخر خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، وذكر غيره لابن جامع. وفيه لبذل الكبرى خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن أحمد بن المكّي. ومما يغنّى فيه من هذه القصيدة قوله:
صوت
لها في سواد القلب بالحبّ ميعةهي الموت أو كادت على الموت تشرف
وما ذكرتك النفس يا بثن مرّةمن الدهر إلا كادت النفس تتلف
وإلّا اعترتني زفرة واستكانةوجاد لها سجل من الدمع يذرف
وما استطرفت نفسي حديثا لخلّةأسرّ به إلا حديثك أطرف
الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ. وأوّل هذه القصيدة:
أمن منزل قفر تعفّت رسومهشمال تغاديه ونكباء حرجف
فأصبح قفرا بعد ما كان آهلاوجمل المنى تشتو به وتصيّف
ظللت ومستنّ من الدمع هاملمن العين لما عجت بالدّار ينزف
أمنصفتي جمل فتعدل بينناإذا حكمت والحاكم العدل ينصف
تعلّقتها والجسم منّي مصحّحفما زال ينمي حبّ جمل وأضعف
إلى اليوم حتى سلّ جسمي وشفنيوأنكرت من نفسي الذي كنت أعرف
قناة من المرّان ما فوق حقوهاوما تحته منها نقا يتقصّف
لها مقلتا ريم وجيد جدايةوكشح كطيّ السابريّة أهيف
ولست بناس أهلها حين أقبلواوجالوا علينا بالسيوف وطوّفوا
وقالوا جميل بات في الحيّ عندهاوقد جرّدوا أسيافهم ثم وقّفوا
وفي البيت ليث الغاب لو لا مخافةعلى نفس جمل والإله لأرعفوا
هممت وقد كادت مرارا تطلّعتإلى حربهم نفسي وفي الكفّ مرهف
وما سرّني غير الذي كان منهمومنّي وقد جاءوا إليّ وأوجفوا
فكم مرتج أمرا أتيح له الرّدىومن خائف لم ينتقصه التخوّف
حدّثني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ، وأخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال، قال لي صالح بن حسان: هل تعرف بيتا نصفه أعرابيّ في شملة وآخره مخنّث يتفكّك من مخنّثي العقيق؟ فقلت: لا أدري. قال: قد أجّلتك فيه حولا. فقلت: لو أجّلتني حولين ما علمت. قال: قول جميل:
ألا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا
هذا أعرابيّ في شملة. ثم قال:
نسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ
كأنه واللّه من مخنّثي العقيق. في هذا الشعر غناء، نسبته وشرحه:
صوت
ألا أيّها النّوّام ويحكم هبّوانسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ
ألا ربّ ركب قد دفعت وجيفهمإليك ولو لا أنت لم يوجف الرّكب
الغناء لابن محرز خفيف رمل بالسبّابة والوسطى عن يحيى المكي، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد. وفيه لسليم ما خوريّ عن الهشاميّ. وفيه لمالك ثاني ثقيل بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وقيل:
إنه لمعبد. وفيه لعريب هزج من رواية ابن المعتزّ. وذكر عبد اللّه بن موسى أن لحن مالك من الثقيل الأوّل وأن خفيف الرّمل لابن سريج وأن الهزج لحمدونة بنت الرّشيد.
أخبرنا الحسين بن يحيى المرداسيّ قال أخبرنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب ابن عباية المحرزيّ عن شيخ من رهط جميل من عذرة: أن بثينة لما علقت حجنة الهلاليّ جفاها جميل. قال: وأنشدني لجميل في ذلك:
صوت
بينا حبال ذات عقد لبثنةأتيح لها بعض الغواة فحلّها
فعدنا كأنّا لم يكن بيننا هوىوصار الذي حلّ الحبال هوى لها
وقالوا نراها يا جميل تبدّلتوغيّرها الواشي فقلت لعلّها
الغناء للهذليّ خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى. وذكره إسحاق في هذه الطريقة والإصبع ولم ينسبه إلى أحد.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثنا أبو عوف عن عبد الرحمن بن مقرّن قال: بعثني المنصور لأبتاع له جارية من المدينة وقال لي: اعمل برأي ابن نفيس؛ فكنت أفعل ذلك، وأغشى ابنه، وكانت له جارية مغنية قد كلف بها فتى من آل عثمان بن عفّان، فكان يبيع عقدة عقدة من ماله وينفق ثمنها عليها. وابتلي برجل من أهل إفريقيّة ومعه ابن له، فغشي ابن الإفريقيّ بيت ابن نفيس فجعل يكسو الجارية وأهلها ويبرّهم حتى حظي عندهم وغلب عليهم وتثاقلوا العثمانيّ. فقضي أن اجتمعنا عشيّة عندها وحضر ابن الإفريقيّ والعثمانيّ؛ فنزع ابن الإفريقيّ خفّه فتناثر المسك منه، وأراد العثمانيّ أن يكيده بفعله. فجلسنا ساعة؛ فقال لها ابن الإفريقيّ: غنّي:
بينا حبال ذات عقد لبثنةأتيح لها بعض الغواة فحلّها
يعرّض بالعثمانيّ. فقال لها العثمانيّ: لا حاجة لنا في هذا، ولكن غنّي:
ومن يرع نجدا يلفني قد رعيتهبجنيته الأولى ويورد على وردي
قال: فنكس ابن الإفريقيّ رأسه وخرج العثمانيّ فذهب، وخمد أهل البيت فما انتفعوا بقيّة يومهم.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي وبهلول بن سليمان البلويّ: أن جميلا قال لما زوّجت بثينة نبيها:
صوت
ألا ناد عيرا من بثينة ترتعينودّع على شحط النّوى ونودّع
وحثّوا على جمع الرّكاب وقرّبواجمالا ونوقا جلّة لم تضعضع
في هذين البيتين رمل لابن سريج عن الهشاميّ. ومما يغنّى فيه من هذه القصيدة:
صوت
أعيذك بالرحمن من عيش شقوةوأن تطمعي يوما إلى غير مطمع
إذا ما ابن ملعون تحدّر رشحهعليك فموتي بعد ذلك أودعي
مللن ولم أملل وما كنت سائمالأجمال سعدى ما أنحن بجعجع
وحثّوا على جمع الرّكاب وقرّبواجمالا ونوقا جلّة لم تضعضع
ألا قد أرى إلّا بثينة هاهنالنا بعد ذا المصطاف والمتربّع
لمعبد في الثالث والرابع من هذه الأبيات ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. ولابن سريج في الأوّل والثاني والخامس خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وللأبجر في الأوّل والخامس والثالث والرابع رمل بالبنصر.
وفي الأول والثاني خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وغيره، ولم تعرف صحته من جهة يوثق بها.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال أنشدنا بهلول بن سليمان لجميل لما بعد عن بثينة وخاف السلطان، وكان بهلول يعجب به،:
ألا قد أرى إلا بثينة للقلببوادي بدا لا بحسمى ولا الشّغب
ولا ببصاق قد تيمّمت فاعترفلما أنت لاق أو تنكّب عن الرّكب
أفي كلّ يوم أنت محدث صبوةتموت لها بدّلت غيرك من قلب
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا أبي عن يعقوب بن محمد الزّهريّ عن سليمان بن صخر الحرشيّ قال حدّثنا سليمان بن زياد الثّقفي: أن بثينة دخلت على عبد الملك بن مروان. فرأى امرأة خلفاء مولّية؛ فقال لها: ما الذي رأى فيك جميل؟
قالت: الذي رأى فيك الناس حين استخلفوك: فضحك عبد الملك حتى بدت له سنّ سوداء كان يسترها.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن إبراهيم العويثيّ: أن جمل جميل الذي كان يزور عليه بثينة يقال له «جديل» وفيه يقول:
أنخت جديلا عند بثنة ليلةويوما أطال اللّه رغم جديل
أليس مناخ النّضو يوما وليلةلبثنة فيما بيننا بقليل؟
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان محمد بن يحيى المكّي: أنّ جميلا لما اشتهرت بثينة بحبّه إياها اعترضه عبيد اللّه بن قطبة أحد بني الأحبّ وهو من رهطها الأدنين فهجاه؛ وبلغ ذلك جميلا فأجابه، وتطاولا فغلبه جميل وكفّ عنه ابن قطبة، واعترضه عمير بن رمل (رجل من بني الأحبّ) فهجاه. وإياه عنى جميل بقوله:
إذا الناس هابوا خزية ذهبت بهاأحبّ المخازي كهلها ووليدها
لعمر عجوز طرّقت بك إننيعمير بن رمل لابن حرب أقودها
بنفسي فلا تقطع فؤداك ظلّةكذلك حزني وعثها وصعودها
قال: فاستعدوا عليه عامر بن ربعيّ بن دجاجة، وكانت إليه بلاد عذرة، وقالوا: يهجونا ويغشى بيوتنا وينسب بنسائنا! فأباحهم دمه، وطلب فهرب منه. وغضبت بثينة لهجائه أهلها جميعا. فقال جميل:
وما صائب من نابل قذفت بهيد وممرّ العقدتين وثيق
له من خوافي النّسر حمّ نظائرونصل كنصل الزّاعبيّ فتيق
على نبعة زوراء أمّا خطامهافمتن وأمّا عودها فعتيق
بأوشك قتلا منك يوم رميتنينوافذ لم تظهر لهنّ خروق
تفرّق أهلانا بثين فمنهمفريق أقاموا واستمرّ فريق
فلو كنت خوّارا لقد باح مضمريولكنّني صلب القناة عريق
كأن لم نحارب يا بثين لو انهتكشّف غمّاها وأنت صديق
قال ويدلّ على طلب عامر بن ربعيّ إيّاه قوله:
أضرّ بأخفاف البغلية أنّهاحذار ابن ربعيّ بهنّ رجوم
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه الحزنبل الأصبهانيّ قال حدّثني عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ عن أبيه قال حدّثني بعض رواة عذرة: أن السلطان أهدر دم جميل لرهط بثينة إن وجدوه قد غشي دورهم. فحذرهم مدّة، ثم وجدوه عندها، فأعذروا إليه وتوعّدوه وكرهوا أن ينشب بينهم وبين قومه حرب في دمه، وكان قومه أعز من قومها، فأعادوا شكواه إلى السلطان، فطلبه طلبا شديدا، فهرب إلى اليمن فأقام بها مدّة. وأنشدني له في ذلك:
ألمّ خيال من بثينة طارقعلى النّأي مشتاق إليّ وشائق
سرت من تلاع الحجر حتى تخلّصتإليّ ودوني الأشعرون وغافق
كأنّ فتيت المسك خالط نشرهاتغلّ به أردانها والمرافق
تقوم إذا قامت به عن فراشهاويغدو به من حضنها من تعانق
قال أبو عمرو وحدّثني هذا العذريّ: أنّ جميلا لم يزل باليمن حتى عزل ذلك الوالي عنهم، وانتجعوا ناحيّة الشام فرحل إليهم. قال: فلقيته فسألته عما أحدث بعدي؛ فأنشدني:
سقى منزلينا يا بثين بحاجرعلى الهجر منّا صيّف وربيع
ودورك يا ليلى وإن كنّ بعدنابلين بلى لم تبلهنّ ربوع
وخيماتك الّلاتي بمنعرج اللّوىلقمريّها بالمشرقين سجيع
تزعزع منها الريح كلّ عشيّةهزيم بسلّاف الرياح رجيع
وإنّي أن يعلى بك اللّوم أو تريبدار أذى من شامت لجزوع
وإنّي على الشيء الذي يلتوى بهوإن زجرتني زجرة لو ريع
فقدتك من نفس شعاع فإنّنينهيتك عن هذا وأنت جميع
فقرّبت لي غير القريب وأشرفتهناك ثنايا ما لهنّ طلوع
يقولون صبّ بالغواني موكّلوهل ذاك من فعل الرجال بديع!
وقالوا رعيت اللّهو والمال ضائعفكالناس فيهم صالح ومضيع
الغناء لصالح بن الرشيد رمل بالوسطى عن الهشاميّ وابن خرداذبه وإبراهيم. وذكر حبش أنّ في هذه الأبيات لإسحاق لحنا من الثقيل بالوسطى؛ ولم يذكر هذا أحد غيره ولا سمعناه ولا قرأناه إلا في كتابه. ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة المجنون التي على رويّ وقافية هذه القصيدة، وليست له.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّليّ عن أبي عبيدة عن أبيه قال: دخل علينا كثيّر يوما وقد أخذ بطرف ريطته وألقى طرفها الآخر وهو يقول: هو واللّه أشعر الناس حيث يقول:
وخبّرتماني أنّ تيماء منزللليلى إذا ما الصّيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنّي قد انقضتفما للنّوى ترمي بليلى المراميا
ويجرّ ربطته حتى يبلغ إلينا، ثم يولّي عنّا ويجرّها ويقول: هو واللّه أشعر الناس حيث يقول:
وأنت التي إن شئت كدّرت عيشتيوإن شئت بعد اللّه أنعمت باليا
وأنت التي ما من صديق ولا عدايرى نضو ما أبقيت إلّا رثى ليا
ثم يرجع إلينا ويقول: هو واللّه أشعر الناس. فقلنا: من تعني يا أبا صخر؟ فقال: ومن أعني سوى جميل! هو واللّه أشعر الناس حيث يقول هذا!. وتيماء خاصّة: منزل لبنى عذرة، وليس من منازل عامر؛ وإنما يرويه عن المجنون من لا يعلمه.
وفي هذه القصيدة يقول جميل:
وما زلتم يا بثن حتّى لو أنّنيمن الشوق أستبكي الحمام بكى ليا
إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤهادعاء حبيب كنت أنت دعائيا
وما زادني النّأي المفرّق بعدكمسلوّا ولا طول التلاقي تقاليا
ولا زادني الواشون إلّا صبابةولا كثرة الناهين إلا تماديا
ألم تلعمي يا عذبة الرّيق أنّنيأظلّ إذا لم ألق وجهك صاديا
لقد خفت أن ألقى المنيّة بغتةوفي النفس حاجات إليك كما هيا
أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بعض أصحابنا عن محمد بن معن الغفاريّ عن الأصبغ بن عبد العزيز قال: كنت عند طلحة بن عبد اللّه بن عوف؛ فدخل عليه كثيّر؛ فلما دخل من الباب أخذ برجله فثناها ثم حجل حتى بلغ الفراش وهو يقول: جميل واللّه أشعر العرب حيث يقول:
وخبّرتماني أنّ تيماء منزل
ثم ذكر باقي الخبر الذي رواه محمد بن مزيد.
أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثني عمر بن إبراهيم السّعديّ.
أنّ رهط بثينة قالوا إنما يتبع جميل أمة لنا. فواعد جميل بثينة حين لقيها ببرقاء ذي ضال، فتحادثا ليلا طويلا حتى أسحرا. ثم قال لها: هل لك أن ترقدي؟ قالت: ما شئت، وأنا خائفة أن نكون قد أصبحنا. فوسّدها جانبه ثم اضطجعا ونامت؛ فانسلّ واستوى على راحلته فذهب، وأصبحت في مضجعها، فلم يرع الحيّ إلّا بها راقدة عند مناخ راحلة جميل. فقال جميل في ذلك:
فمن يك في حبّي بثينة يمتريفبرقاء ذي عليّ شهيد
أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن شبيب عن الحزامي عن فليح بن إسماعيل بمثل هذه القصة، وزاد فيها: فلما انتبهت بثينة علمت ما أراده جميل بها، فهجرته وآلت ألّا تظهر له، فقال:
ألا هل إلى إلمامة أن ألمّهابثينة يوما في الحياة سبيل؟
فإن هي قالت لا سبيل فقل لهاعناء على العذريّ منك طويل
على حين يسلو الناس عن طلب الصّباوينسى اتّباع الوصل منه خليل
وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم: تشكّى زوج بثينة إلى أبيها وأخيها إلمام جميل بها. فوجّهوا إلى جميل وأعذروا إليه وشكوه إلى عشيرته وأعذروا إليهم فيه وتوعّدوه، وأتاهم فلامه أهله وعنّفوه وقالوا: إنّا نستحلف إليهم ونتبرّأ منك ومن جريرتك. فأقام مذة لا يلمّ بها، ثم لقي ابني عمّه روقا ومسعودا، فشكا إليهما ما به وأنشدهما قوله:
وإنّي على الشيء الذي يلتوى بهوإن زجرتني زجرة لوريع
فقدتك من نفس شعاع فإننينهيتك عن هذا وأنت جميع
فقرّبت لي غير القريب وأشرفتهناك ثنايا ما لهنّ طلوع
يقولون صبّ بالغواني موكّلوهل ذاك من فعل الرجال بديع
وقالوا رعيت اللّهو والمال ضائعفكالنّاس فيهم صالح ومضيع
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال: كانت تحت محمد بن عبد اللّه بن حسن امرأة من ولد الزّبير يقال لها فليحة، وكانت لها صبيّة يقال لها رخيّة، قد ربّتها لغير رشدة، وكانت من أجمل النساء وجها. فرأت محمدا وقد نظر إليها ذات يوم نظرا شديدا، ثم تمثّل قول جميل:
بثينة من صنف يقلّبن أيدي الرّماةو ما يحملن قوسا ولا نبلا
ولكنّما يظفرن بالصيد كلّماجلون الثّنايا الغرّ والأعين النّجلا
يخالسن ميعادا يرعن لقولهاإذا نطقت كانت مقالتها فصلا
يرين قريبا بيتها وهي لا ترىسوى بيتها بيتا قريبا ولا سهلا
فقالت له فليحة: كأنك تريد رخيّة! قال: إي واللّه! قالت: إنّي أخشى أن تجيء منك بولد وهي لغير رشدة. فقال لها: إنّ الدّنس لا يلحق الأعقاب ولا يضرّ الأحساب. فقالت له: فما يضرّ إذا! واللّه ما يضرّ إلا الأعقاب والأحساب، وقد وهبتها لك. فسرّ بذلك وقال: أما واللّه لقد أعطيتك خيرا منها. قالت: وما هو؟ قال: أبيات جميل التي أنشدتك إيّاها؛ لقد مكثت أسعى في طلبها حولين. فضحكت وقالت: مالي ولأبيات جميل! واللّه ما ابتغيت إلا مسرّتك. قال: فولدت منه غلاما. وكانت فليحة تدعو اللّه ألّا يبقيه. فبينا محمد في بعض هربه من المنصور والجارية وابنها معه إذ رهقهما الطلب، فسقط الصبيّ من الجبل فتقطّع. فكان محمد بعد ذلك يقول: أجيب في هذا الصبي دعاء فليحة.
وقال الهيثم بن عديّ وأصحابه في أخبارهم: لمّا نذر أهل بثينة دم جميل وأباحهم السلطان قتله، أعذروا إلى أهله. وكانت منازلهم متجاورة، إنما هم بيوتات يفترقون كما يفترق البطون والأفخاذ والقبائل غير متباعدين؛ ألم تر إلى قول جميل:
أبيت مع الهلّاك ضيفا لأهلهاوأهلي قريب موسعون أولو فضل
فمشت مشيخة الحيّ إلى أبيه - وكان يلقّب صباحا وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله - فشكوه إليه وناشدوه اللّه والرّحم وسألوه كفّ ابنه عمّا يتعرّض له ويفضحهم به في فتاتهم؛ فوعدهم كفّه ومنعه ما استطاع، ثم انصرفوا. فدعا به فقال له: يا بنيّ! حتى متى أنت عمه في ضلالك، لا تأنف من أن تتعلق بذات بعل يخلو بها وينكحها وأنت عنها بمعزل ثم تقوم من تحته إليك فتغرّك بخداعها وتريك الصفاء والمودّة وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرّة لمن ملكها، فيكون قولها لك تعليلا وغرورا، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة؛ إن هذا لذلّ وضيم! ما أعرف أخيب سهما ولا أضيع عمرا منك. فأنشدك اللّه إلّا كففت وتأملت أمرك؛ فإنك تعلم أنّ ما قلته حقّ، ولو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها، ولكنّ هذا أمر قد فات واستبدّ به من قدّر له، وفي النساء عوض.
فقال له جميل: الرأي ما رأيت، والقول كما قلت؛ فهل رأيت قبلي أحدا قدر أن يدفع عن قلبه هواه، أو ملك أن يسلي نفسه، أو استطاع أن يدفع ما قضي عليه! واللّه لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت، ولكن لا سبيل إلى ذلك، وإنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي، وأنا أمتنع من طروق هذا الحيّ والإلمام بهم ولو متّ كمدا؛ وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه. وقام وهو يبكي؛ فبكى أبوه ومن حضر جزعا لما رأوا منه.
فذلك حين يقول جميل:
صوت
ألا من لقلب لا يملّ فيذهلأفق فالتّعزي عن بثينة أجمل
سلا كلّ ذي ودّ علمت مكانهوأنت بها حتى الممات موكّل
فما هكذا أحببت من كان قبلهاولا هكذا فيما مضى كنت تفعل
- الغناء لمالك ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق -
فيا قلب دع ذكرى بثينة إنّهاوإن كنت تهواها تضنّ وتبخل
وقد أيأست من نيلها وتجهّمتولليأس إن لم يقدر النّيل أمثل
وإلّا فسلها نائلا قبل بينهاوأبخل بها مسؤولة حين تسأل
وكيف ترجّي وصلها بعد بعدهاوقد جدّ حبل الوصل ممن تؤمّل
وإنّ التي أحببت قد حيل دونهافكن حازما، والحازم المتحوّل
ففي اليأس ما يسلي وفي الناس خلّةوفي الأرض عمّن لا يواتيك معزل
بدا كلف منّي بها فتثاقلتوما لا يرى من غائب الوجد أفضل
هبيني بريئا نلته بظلامةعفاها لكم أو مذنبا يتنصّل
قناة من المرّان ما فوق حقوهاوما تحته منها نقّا يتهيّل
قال وقال أيضا في هذه الحال:
صوت
أعن ظعن الحيّ الألى كنت تسألبليل فردّوا عيرهم وتحمّلوا
فأمسوا وهم أهل الديار وأصبحواومن أهلها الغربان بالدار تحجل
- في هذين البيتين لسياط خفيف رمل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو -
على
حين ولّى الأمر عنّا وأسمحتعصا البين وانبتّ الرجاء المؤمّل
فما هو إلّا أن أهيم بذكرهاويحظى بجدواها سواي ويجذل
وقد أبقت الأيّام منّي على العداحساما إذا مسّ الصريبة يفصل
ولست كمن إن سيم ضيما أطاعهولا كامرىء إن عضّه الدهر ينكل
لعمري لقد أبدى لي البين صفحهوبيّن لي ما شئت لو كنت أعقل
وآخر عهدي من بثينة نظرةعلى موقف كادت من البين تقتل
فللّه عينا من رأى مثل حاجةكتمتكها والنفس منها تململ
وإني لأستبكي إذا ذكر الهوىإليك وإنّي من هواك لأوجل
نظرت ببشر نظرة ظلت أمتريبها عبرة والعين بالدمع تكحل
إذا ما كررت الطّرف نحوك ردّهمن البعد فيّاض من الدمع يهمل
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية قال: لمّا أراد جميل الخروج إلى الشأم، هجم ليلا على بثينة وقد وجد غفلة. فقالت له: أهلكتني واللّه وأهلكت نفسك! ويحك! أما تخاف!. فقال لها: هذا وجهي إلى الشأم، إنما جئتك مودّعا. فحادثها طويلا ثم ودّعها، وقال: يا بثينة، ما أرانا نلتقي بعد هذا، وبكيا طويلا. ثم قال لها وهو يبكي:
ألا لا أبالي جفوة الناس ما بدالنا منك رأي يا بثين جميل
وما لم تطيعي كاشحا أو تبدّليبنا بدلا أو كان منك ذهول
وإنّي وتكراري الزيارة نحوكمبثين بذي هجر بثين يطول
وإن صباباتي بكم لكثيرةبثين ونسيانيكم لقليل
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكار قال حدّثني شيوخ من عذرة: أنّ مروان بن الحكم خرج مسافرا في نفر من قريش ومعه جميل بن معمر وجوّاس بن قطبة أخو عبيد اللّه بن قطبة. فقال مروان لجوّاس: انزل فارجز بنا، وهو يريد أن يمدحه. فنزل جوّاس وقال:
يقول أميري هل تسوق ركابنافقلت له حاد لهنّ سوائيا
تكرّمت عن سوق المطيّ ولم يكنسياق المطيّ همّتي ورجائيا
جعلت أبي رهنا وعرضي سادراإلى أهل بيت لم يكونوا كفائيا
إلى شرّ بيت من قضاعة منصباوفي شرّ قوم منهم قد بداليا
فقال مروان: اركب لا ركبت!. ثم قال لجميل: انزل فارجز بنا، وهو يريد أن يمدحه. فنزل جميل فقال:
أنا جميل في السّنام الأعظمالفارع الناس الأعزّ الأكرم
أحمي ذماري ووجدت أقرميكانوا على غارب طود خضرم
أعيا على النّاس فلم يهدّم
فقال: عدّ عن هذا. فقال جميل:
لهفا على البيت المعدّي لهفامن بعد ما كان قد استكفّا
ولو دعا اللّه ومدّ الكفّالرجفت منه الجبال رجفا
فقال له اركب لا ركبت!.
قال الزّبير وحدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّليّ قال: كان جميل مع الوليد بن عبد الملك في سفر والوليد على نجيب؛ فرجز به مكين العذريّ فقال:
يا بكر هل تعلم من علاكاخليفة اللّه على ذراكا
فقال الوليد لجميل: انزل فارجز، وظنّ الوليد أنه يمدحه. فنزل فقال:
أنا جميل في السّنام من معدّفي الذّروة العلياء والرّكن الأشدّ
والبيت من سعد بن زيد والعددما يبتغي الأعداء منّي ولقد
أضري بالشّتم لساني ومردأقود من شئت وصعب لم أقد
فقال له الوليد: اركب لا حملك اللّه!. قال: وما مدح جميل أحدا قطّ.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا يونس بن عبد اللّه بن سالم قال: وقف جميل على الحزين الدّيليّ والحزين ينشد الناس. فقال له الحزين وهو لا يعرفه: كيف تسمع شعري؟
قال: صالح وسط. فغضب الحزين وقال له: ممّن أنت؟ فو اللّه لأهجونّك وعشيرتك!. فقال جميل: إذا تندم. فأقبل الحزين يهمهم يريد هجاءه. فقال جميل:
الدّيل أذناب بكر حين تنسبهموكلّ قوم لهم من قومهم ذنب
فقامت له بنو الدّيل وناشدوه اللّه إلّا كفّ عنهم، ولم يزالوا به حتى أمسك وانصرف.
أخبرني الحرميّ ومحمد بن مزيد - واللفظ له - قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن الضحّاك عن أبيه قال: لمّا هاجى عبيد اللّه بن قطبة جميلا واستعلى عليه جميل، أعرض عنه، واعترضه أخوه جوّاس بن قطبة فهجاه وذكر أختا لجميل. وكان جميل قبل ذلك يحتقره ولا ينصب له، حتى هجا أخته فقال فيهما ذكرها به من شعره:
إلى فخذيها العبلتين وكانتابعهدي لفّاوين أردفتا ثقلا
فغضب جميل حينئذ فواعده للمراجزة. قال الزّبير فحدّثني بعض آل العبّاس بن سهل بن سعد عن عبّاس قال: قدمت من عند عبد الملك بن مروان وقد أجازني وكساني بردا، كان ذلك البرد أفضل جائزتي، فنزلت وادي القرى فوافقت الجمعة بها فاستخرجت بردي الذي من عند عبد الملك وقلت أصلّي مع الناس؛ فلقيني جميل، وكان صديقا لي، فسلّم بعضنا على بعض وتساءلنا ثم افترقنا. فلما أمسيت إذا هو قد أتاني في رحلي فقال: البرد الذي رأيته عليك تعيرنيه حتى أتجمّل به؛ فإنّ بيني وبين جوّاس مراجزة، وتحضر فتسمع. قال قلت: لا! بل هو لك كسوة، فكسوته إيّاه، وقلت لأصحابي: ما من شيء أحبّ إليّ من أن أسمع مراجزتهما. فلمّا أصبحنا جعل الأعاريب يأتون أرسالا حتى اجتمع منهم بشر كثير، وحضرت وأصحابي، فإذا بجميل قد جاء وعليه حلّتان ما رأيت مثلهما على أحد قطّ، وإذا بردي الذي كسوته إيّاه قد جعله جلّا لجمله؛ فتراجزا فرجز جميل، وكانت بثينة تكنى أمّ عبد الملك، فقال:
يا أمّ عبد الملك اصرمينيفبيني صرمى أوصليني
أبكي وما يدريك ما يبكينيأبكي حذار أن تفارقيني
وتجعلي أبعد منّي دونيإنّ بني عمّك أوعدوني
أن يقطعوا رأسي إذا لقونيويقتلوني ثم لا يدوني
كلّا وربّ البيت لو لقونيشفعا ووترا لتواكلوني
قد علم الأعداء أنّ دونيضربا كإيزاغ المخاض الجون
ألا أسبّ القوم إذ سبّونيبلى وما مرّ على دفين
وسابحات بلوي الحجونقد جرّبوني ثم جرّبوني
حتى إذا شابوا وشيّبونيأخزاهم اللّه ولا يخزيني
أشباه أعيار على معينأحسن حسّ أسد حرون
فهنّ يضرطن من اليقينأنا جميل فتعرّفوني
وما تقنّعت فتنكرونيوما أعيّنكم لتسألوني
أنمى إلى عاديّة طحونينشقّ عنها السّيل ذو الشؤون
غمر يدقّ رجح السّفينذو حدب إذا يرى حجون
تنحلّ أحقاد الرجال دوني
قال: ورجز جميل أيضا:
أنا جميل في السّنام من معدّ
وقد تقدّمت هذه الأرجوزة. ثم رجز بعده جوّاس فلم يصنع شيئا. قال: فما رأيت غلبة مثلها قطّ.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا بهلول بن سليمان عن العلاء بن سعيد البلويّ وجماعة غيره من قومه: أنّ رجلا من بني عذرة كان يقال له خوّات، أمّه بلويّة، وكان شاعرا، وكان جميل ابن جذاميّة. فخرج جميل إلى أخواله بجذام وهو يقول:
جذام سيوف اللّه في كلّ موطنإذا أزمت يوم اللّقاء أزام
هم منعوا ما بين مصر فذي القرىإلى الشأم من حلّ به وحرام
بضرب يزيل الهام عن سكناتهوطعن كإيزاغ المخاض تؤام
إذا قصرت يوما أكفّ قبيلةعن المجد نالته أكفّ جذام
فأعطوه مائة بكرة. قال: وخرج خوّات إلى أخواله من بليّ وهو يقول:
إنّ بليّا غرّة يهتدى بهاكما يهتدي الساري بمطّلع النجم
هم ولدوا أمّي وكنت ابن أختهمولم أتخوّل جذم قوم بلا علم
قال: فأعطوه مائة غرّة ما بين فرس إلى وليدة؛ ففخر على صاحبه، وذكر أن الغرّة الواحدة ممّا أتى به ممّا معه تعدل كلّ شيء أتى به جميل. فقال عبيد اللّه بن قطبة:
ستقضي بيننا حكماء سعدأقطبة كان خيرا أم صباح
قال: وكان عبد اللّه بن معمر أبو جميل يلقّب صباحا. وكان عبيد اللّه بن قطبة يلقّب حماظا. فقال النّخار العذريّ أحد بني الحارث بن سعد: قطبة كان خيرا من صباح. فقال جميل يهجو بني الأحبّ رهط قطبة ويهجو النّخّار:
إنّ أحبّ سفّل أشرارحثالة عودهم خوّار
أذلّ قوم حين يدعى الجاركما أذلّ الحارث النّخّار
وقال الأبيرق العتبي: قطبة كان خيرا من صباح. فقال جميل:
يا بن الأبيرق وطب بتّ مسندهإلى وسادك من حمّ الذّرى جون
وأكلتان إذا ما شئت مرتفقابالسير من نغل الدفين مدهون
أذكر وأمّك منّي حين تنكبنيجنّي فيغلب جنّي كلّ مجنون
وقال جماعة من شعراء سعد في تفضيل قطبة على صباح أقوالا أجابهم عنها جميل فأفحمهم؛ حتى قال له جعفر بن سراقة أحد بني قرّة:
نحن منعنا ذا القرى من عدوّناوعذرة إذ نلقى يهودا ويعشرا
منعناه من عليا معدّ وأنتمسفاسيف روح بين قرح وخيبرا
فريقان رهبان بأسفل ذي القرىوبالشأم عرّافون فيمن تنصّرا
فلمّا بلغت جميلا اتّقاه وعلم أنه سيعلو عليه؛ فقال جميل:
بنى عامر أنّى انتجعتم وكنتمإذا حصّل الأقوام كالخصية الفرد
فأنتم ولأيّ موضع الذّلّ حجرةوقرّة أولى بالعلاء وبالمجد
فأعرض عنه جعفر - قال الزبير: بنو عامر بن ثعلبة بن عبد اللّه بن ذبيان بن الحارث بن سعد رهط هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حيّة بن الكاهن وهو سلمة بن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد اللّه بن ذبيان بن سعد هذيم بن زيد. وزيادة ابن زيد بن مالك بن عامر بن قرّة بن خنبس بن عمرو بن ثعلبة بن عبد اللّه بن ذبيان بن الحارث بن سعد هذيم.
ولأي بن عبد مناة بن الحارث بن سعد هذيم - قال: فدخل جميل على هدبة بن خشرم السجن وهو محبوس بدم زيادة بن زيد، وأهدى له بردين من ثياب كساه إيّاهما سعيد بن العاصي، وجاءه بنفقة؛ فلما دخل عليه عرض ذلك عليه؛ فقال هدبة: أنت يا بن قميئة الذي تقول:
بني عامر أنّى انتجعتم وكنتمإذا عدّد الأقوام كالخصية الفرد
أما واللّه لئن خلّص اللّه لي ساقيّ لأمدّنّ لك مضامرك؛ خذ برديك ونفقتك. فخرج جميل؛ فلما بلغ باب السجن خارجا قال: اللهمّ أغن عنّي أجدع بني عامر!. وكانت بنو عامر قد قلّوا فحالفوا لأيا.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزوميّ قال حدّثني شيخ من أهلي عن أبيه عن الحارث مولى هشام بن المغيرة الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة:
يا أبا الحارث قلبي طائر
قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميل بن عبد اللّه بن معمر وقد اجتمعا بالأبطح؛ فأنشد جميل قصيدته:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبليبثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلا يا جميل وإننيلأقسم ما بي من بثينة من مهل
أحلما فقبل اليوم كان أوانهأم أخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل
لقد أنكحوا حربي نبيها ظعينةلطيفة طيّ البطن ذات شوّى خذل
وكم قد رأينا ساعيا بنميمةلآخر لم يعمد بكفّ ولا رجل
ا إذ ما تراجعنا الذي كان بينناجرى الدمع من عيني بثينة بالكحل
صوت
كلانا بكى أو كاد يبكي صبابةإلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي
فلو تركت عقلي معي ما طلبتهاولكن طلابيها لما فات من عقلي
فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بهاويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي
وقالت لأتراب لها لا زعانفقصار ولا كسّ الثّنايا ولا ثعل
إذا حميت شمس النّهار اتقينهابأكسية الدّيباج والخزّ ذي الخمل
تداعين فاستعجمن مشيا بذي الغضادبيب القطا الكدريّ في الدّمث السّهل
إذا ارتعن أو فزّعن قمن حوالهاقيام بنات الماء في جانب الضّحل
أجدّي لا ألقى بثينة مرّةمن الدهر إلا خائفا أو على رجل
خليليّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
قال: وأنشده عمر قوله:
جرى ناصح بالودّ بيني وبينهافقرّبني يوم الحصاب إلى قتلي
فما أنس م الأشياء أنس موقفيوموقفها وهنا بقارعة النخل
فلمّا تواقفنا عرفت الذي بهاكمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
فقلن لها هذا عشاء وأهلناقريب ألمّا تسأمي مركب البغل
فقالت فما شئتنّ قلن لها انزليفللأرض خير من وقوف على رحل
فأقبلن أمثال الدّمى فاكتنفنهاوكلّ يفدّي بالمودّة والأهل
نجوم دراريّ تكنّفن صورةمن البدر وافت غير هوج ولا ثجل
فسلّمت واستأنست خيفة أن يرىعدوّ مكاني أو يرى كاشح فعلي
فقالت وألقت جانب السّتر إنمامعي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقّبولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي
فلما اقتصرنا دونهن حديثناوهنّ طيبات بحاجة ذي التّبل
عرفن الذي نهوى فقلن ائذني لنانطف ساعة في برد ليل وفي سهل
فقالت فلا تلبثن قلن تحدّثيأتيناك وانسبن انسياب مها الرمل
وقمن وقد أفهمن ذا اللّبّ أنماأتين الذي يأتين من ذاك من أجلي
فقال جميل: هيهات يا أبا الخطّاب: لا أقول واللّه مثل هذا سجيس الليالي! وما خاطب النساء مخاطبتك أحد؛ وقام مشمّرا.
نسبة ما في هذا الخبر من «الأغاني»
صوت
خليليّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
أبيت مع الهلّاك ضيفا لأهلهاوأهلي قريب موسعون ذوو فضل
فلو تركت عقلي معي ما طلبتهاولكن طلابيها لما فات من عقلي
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وذكر حمّاد والهشاميّ أن فيه لنافع الخير مولى عبد اللّه بن جعفر لحنا من الثقيل الأوّل.
ومنها:
صوت
ألا أيّها البيت الذي حيل دونهبنا أنت من بيت وأهلك من أهل
ثلاثة أبيات فبيت أحبّهوبيتان ليسا من هواي ولا شكلّيّ
كلانا بكى أو كاد يبكي صبابةإلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي
الغناء لإسحاق خفيف ثقيل الثاني بالبنصر.
ومنها:
صوت
لقد فرح الواشون أن صرمت حبليبثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلا يا جميل وإننيلأقسم ما بي عن بثينة من مهل
الغناء لابن محرز من كتاب يونس ولم يجنّسه، وذكر إسحاق أنه مما ينسب إلى ابن محرز وابن مسجح، ولم يصحّ عنده لأيّهما هو ولا ذكر طريقته.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني غير واحد من الرواة عن صالح بن حسّان قال أخبرني نافع مولى عبد اللّه بن جعفر - وما رأيت أحدا قطّ كان أشكل ظرفا ولا أزين في مجلس ولا أحسن غناء منه - قال: قدمنا مع عبد اللّه بن جعفر مرّة على معاوية؛ فأرسل إليّ يزيد يدعوني ليلا؛ فقلت: أكره أن يعلم أمير المؤمنين مكاني عندك فيشكوني إلى ابن جعفر. قال فامهل حتى إذا سمر أمير المؤمنين فإن ابن جعفر يكون معه فلا يفتقدك ونخلو نحن بما نريد قبل قيامهما. فأتيته فغنّيته؛ فو اللّه ما رأيت فتى أشرف أريحيّة منه؛ واللّه لألقى عليّ من الكسا الخزّ والوشي وغيره ما لم أستطع حمله، ثم أمر لي بخمسمائة دينار. قال: وذهب بنا الحديث وما كنّا فيه، حتى قام معاوية ونهض ابن جعفر معه، وكان باب يزيد في سقيفة معاوية؛ فسمع صوتي، فقال لابن جعفر: ما هذا يا بن جعفر؟ قال: هذا واللّه صوت نافع. فدخل علينا؛ فلما أحسّ به يزيد تناوم. فقال له معاوية: مالك يا بنيّ؟ قال: صدعت فرجوت أن يسكن عنّي بصوت هذا. قال: فتبسّم معاوية وقال: يا نافع، ما كان أغنانا عن قدومك!. فقال له ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، إن هذا في بعض الأحايين يذكي القلب. قال: فضحك معاوية وانصرف. فقال لي ابن جعفر: ويلك! هل شرب شيئا؟ قلت: لا واللّه. قال: واللّه إنّي لأرجو أن يكون من فتيان بني عبد مناف الذين ينتفع بهم. قال نافع: ثم قدمنا على يزيد مع عبد اللّه بن جعفر بعد ما استخلف، فأجلسه معه على سريره ودخلت حاشيته تسلّم عليه ودخلت معهم. فلما نظر إليّ تبسّم. ثم نهض ابن جعفر وتبعناه. فقيل له: نظر إلى نافع وتبسم.
فقال ابن جعفر: هذا تأويل تلك الليلة. فقضى حوائج ابن جعفر وأضعف ما كان يصله به معاوية. فلما أراد الانصراف أتاه يودعه ونحن معه؛ فأرسل إليّ يزيد فدخلت عليه. قال: ويحك يا نافع! ما أخّرتك إلا لأتفرّغ لك.
هات لحنك:
خليليّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
فأسمعته؛ فقال: أعد ويلك! فأعدته، ثم قال: أعد فأعدته ثلاثا. فقال: أحسنت؛ فسل حاجتك. فما سألته في ذلك اليوم شيئا إلا أعطانيه. ثم قال: إن يصلح لنا هذا الأمر من قبل ابن الزّبير فلعلّنا أن نحجّ فتلقانا بالمدينة! فإنّ هذا الأمر لا يصلح إلّا هناك. قال نافع: فمنعنا واللّه من ذلك شؤم ابن الزّبير.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفريّ قال حدّثنا القاسم بن أبي الزّناد قال: خرج عمر بن أبي ربيعة يريد الشأم، فلما كان بالجناب لقيه جميل؛ فقال له عمر: أنشدني، فأنشده:
خليليّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
ثم قال جميل: أنشدني يا أبا الخطّاب، فأنشده:
ألم تسأل الأطلال والمتربّعاببطن حليّات دوارس بلقعا
فلما بلغ إلى قوله:
فلما توافقنا وسلّمت أشرقتوجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا
تبالهن بالعرفان لمّا عرفننيوقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا
وقرّبن أسباب الهوى لمتيّمبقيس ذراعا كلّما قسن إصبعا
قال: فصاح جميل واستخذى وقال: ألا إن النّسيب أخذ من هذا، وما أنشده حرفا، فقال له عمر: اذهب بنا إلى بثينة حتى نسلّم عليها. فقال له جميل: قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها، وهاتيك أبياتها. فأتاها عمر حتى وقف على أبياتها وتأنّس حتى كلّم؛ فقال: يا جارية، أنا عمر بن أبي ربيعة، فأعلمي بثينة مكاني. فخرجت إليه بثينة في مباذلها وقالت: واللّه يا عمر لا أكون من نسائك اللّاتي يزعمن أن قد قتلهنّ الوجد بك؛ فانكسر عمر؛ قال وإذا امرأة أدماء طوالة.
وأخبرني بهذا الخبر عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن المسيّبيّ والزّبير فذكر مثل ما ذكره الزبير وزاد فيه قال: فقال لها قول جميل:
وهما قالتا لو أنّ جميلاعرض اليوم نظرة فرآنا
بينما ذاك منهما وإذا بيأعمل النّصّ سيرة زفيانا
نظرت نحو تربها ثم قالتقد أتانا - وما علمنا - منانا
فقالت: إنه استملى منك فما أفلح؛ وقد قيل: اربط الحمار مع الفرس، فإن لم يتعلّم من جريه تعلّم من خلقه.
وذكر الهيثم بن عديّ وأصحابه في أخبارهم: أن جميلا طال مقامه بالشأم ثم قدم، وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحيّ تذكر شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه، وواعدته لموضع يلتقيان فيه؛ فسار إليها وحدّثها طويلا وأخبرها خبره بعدها. وقد كان أهلها رصدوها، فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما، فوثب جميل فانتضى سيفه وشدّ عليهما فاتّقياه بالهرب؛ وناشدته بثينة اللّه إلّا انصرف، وقالت له: إن أقمت فضحتني، ولعل الحيّ أن يلحقوك. فأبى وقال: أنا مقيم وامضي أنت وليصنعوا ما أحبّوا. فلم تزل تناشده حتى انصرف. وقال في ذلك وقد هجرته وانقطع التلاقي بينهما مدّة:
ألم تسأل الربع الخلاء فينطقوهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
وقفت بها حتى تجلّت عمايتيوملّ الوقوف الأرحبيّ المنوّق
تعزّ وإن كانت عليك كريمةلعلّك من رقّ لبثنة تعتق
لعمركم إن البعاد لشائقيوبعض بعاد البين والنأي أشوق
لعلّك محزون ومبد صبابةومظهر شكوى من أناس تفرّقوا
وبيض غريرات تثنّي خصورهاإذا قمن أعجاز ثقال وأسؤق
غرائز لم يلقين بؤس معيشةيجنّ بهنّ الناظر المتنوّق
وغلغلت من وجد إليهنّ بعد ماسريت وأحشائي من الخوف تخفق
معي صارم قد أخلص القين صقلهله حين أغشيه الضّريبة رونق
فلو لا احتيالي ضقن ذرعا بزائربه من صبابات إليهنّ أولق
تسوك بقضبان الأراك مفلّجايشعشع فيه الفارسيّ المروّق
أبثنة للوصل الذي كان بيننانضا مثل ما ينضوا الخضاب فيخلق
أبثنة ما تنأين إلا كأنّنيبنجم الثّريّا ما نأيت معلّق
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت على الرشيد يوما فقال لي: يا إسحاق، أنشدني أحسن ما تعرف في عتاب محبّ وهو ظالم متعتّب.
فقلت: يا أمير المؤمنين قول جميل:
رد الماء ما جاءت بصفو ذنائبهودعه إذا خيضت بطرق مشاربه
أعاتب من يحلو لديّ عتابهوأترك من لا أشتهي وأجانبه
ومن لذّة الدنيا وإن كنت ظالماعناقك مظلوما وأنت تعاتبه
فقال: أحسن واللّه! أعدها عليّ؛ فأعدتها حتى حفظها، وأمر لي بثلاثين ألف درهم وتركني وقام فدخل إلى دار الحرم.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن السّعيديّ قال: حدّثني رجل كان يصحب جميلا من أهل تيماء قال: كنت يوما جالسا مع جميل وهو يحدّثني وأحدّثه، إذ ثار وتربّد وجهه، فأنكرته ورأيت منه غير ما كنت أرى، ووثب نافرا مقشعرّ الشعر متغيّر اللون، حتى أتي بناقة له قريبة من الأرض مجتمعة موثّقة الخلق فشدّ عليها رحله، ثم أتي بمحلب فيه لبن فشربه، ثم ثنّى فشربت حتى رويت؛ ثم قال لي: اشدد أداة رحلك واشرب واسق جملك فإني ذاهب بك إلى بعض مذاهبي، ففعلت. فجال في ظهر ناقته وركبت ناقتي، فسرنا بياض يومنا وسواد ليلتنا، ثم أصبحنا فسرنا يومنا كلّه، لا واللّه ما نزلنا إلا للصّلاة، فلما كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوة فمال إليهنّ، ووجدنا الرجال خلوفا، وإذا قدر لبن ثمّ وقد جهدت جوعا وعطشا. فلما رأيت القدر اقتحمت عن بعيري وتركته جانبا، ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرّها حتى رويت؛ فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت عليّ وإذا هي على رأسي قلنسية، فضحكن منّي وغسلن ما أصابني. وأتي جميل بقرى فو اللّه ما التفت إليه. فبينا هو يحدّثهنّ إذا رواعي الإبل، وقد كان السلطان أحلّ لهم دمه إن وجدوه في بلادهم؛ وجاء الناس فقالوا له: ويحك! انج وتقدّم! فو اللّه ما أكبرهم كلّ الإكبار. وغشيه الرجال فجعلوا يرمونه ويطردونه، فإذا قربوا منه قاتلهم ورمى فيهم. وهام بي جملي، فقال لي يسّر: لنفسك مركبا خلفي، فأردفني خلفه. ولا واللّه ما انكسر ولا انحلّ عن فرصته حتى رجع إلى أهله، وقد سار ستّ ليال وستة أيّام وما التفت إلى طعام.
وشكا زوج بثينة إلى أبيها وأخيها إلمام جميل بها؛ فوجّهوا إلى جميل فأعذروا إليه وشكوه إلى عشيرته وأعذروا إليهم وتوعّدوه وإيّاهم. فلامه أهله وعنّفوه وقالوا: استخلص إليهم ونبرأ منك ومن جريرتك. فأقام مدّة لا يلمّ بها. ثم لقي ابني عمّه روقا ومسعدة، فشكا إليهما ما به وأنشدهما قوله:
صوت
زورا بثينة فالحبيب مزورإن الزيارة للمحبّ يسير
إنّ الترحّل، إن تلبّس أمرناواعتاقنا قدر أحمّ، بكور
- الغناء لعريب رمل بالوسطى -
صوت
إنّي عشيّة رحت وهي حزينةتشكو إليّ صبابة لصبور
وتقول بت عندي فديتك ليلةأشكو إليك فإنّ ذاك يسير
- الغناء لسليم خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه ثقيل أوّل بالبنصر ذكر الهشاميّ أنه لمخارق، وذكر حبش أنه لإبراهيم. وذكر حبش أن لحن مخارق خفيف رمل -
غرّاء مبسام كأنّ حديثهادرّ تحدّر نظمه منثور
محطوطة المتنين مضمرة الحشىريّا الرّوادف خلقها ممكور
لا حسنها حسن ولا كدلالهادلّ ولا كوقارها توقير
إنّ اللسان بذكرها لموكّلوالقلب صاد والخواطر صور
ولئن جزيت الودّ منّي مثلهإني بذلك يا بثين جدير
فقال له روق: إنك لعاجز ضعيف في استكانتك لهذه المرأة وتركك الاستبدال بها مع كثرة النساء ووجود من هو أجمل منها، وإنّك منها بين فجور أرفعك عنه، أو ذلّ لا أحبّه لك، أو كمد يؤدّيك إلى التّلف، أو مخاطرة بنفسك لقومها إن تعرّضت لها بعد أعذارهم إليك. وإن صرفت نفسك عنها وغلبت هواك فيها وتجرّعت مرارة الحزم حتى تألفها وتصبر نفسك عليها طائعة أو كارهة ألفت ذلك وسلوت. فبكى جميل وقال: يا أخي، لو ملكت اختياري لكان ما قلت صوابا، ولكني لا أملك الاختيار ولا أنا إلّا كالأسير لا يملك للنفسه نفعا، وقد جئتك لأمر أسألك ألّا تكدر ما رجوته عندك فيه بلوم، وأن تحمل على نفسك في مساعدتي. فقال له: فإن كنت لا بدّ مهلكا نفسك فاعمل على زيارتها ليلا؛ فإنها تخرج مع بنات عمّ لها إلى ملعب لهنّ، فأجيء معك حينئذ سرّا، ولي أخ من رهط بثينة من بني الأحبّ، نأوي عنده نهارا، وأسأله مساعدتك على هذا، فتقيم عنده أيّاما نهارك وتجتمع معها بالليل إلى أن تقضي أربك؛ فشكره. ومضى روق إلى الرجل الذي من رهط بثينة، فأخبره الخبر واستعهده كتمانه وسأله مساعدته فيه.
فقال له: لقد جئتني بإحدى العظائم؛ ويحك! إن في هذا معاداتي الحيّ جميعا إن فطن به. فقال: أنا أتحرّز في أمره من أن يظهر، فواعده في ذلك؛ ومضى إلى جميل فأخبره بالقصة، فأتيا الرجل ليلا فأقاما عنده. وأرسل إلى بثينة بوليدة له بخاتم جميل فدفعته إليها؛ فلما رأته عرفت، فتبعتها وجاءته فتحدّثا ليلتهما. وأقام بموضعه ثلاثة أيام ثم ودّعها، وقال لها: عن غير قلى واللّه ولا ملل يا بثينة كان وداعي لك، ولكنّي قد تذممت من هذا الرجل الكريم وتعريضه نفسه لقومه، وأقمت عنده ثلاثا ولا مزيد على ذلك، ثم انصرف. وقال في عذل روق ابن عمه إيّاه:
لقد لامني فيها أخ ذو قرابةحبيب إليه في ملامته رشدي
وقال أفق حتى متى أنت هائمببثنة فيها قد تعيد وقد تبدي
فقلت له فيها قضى اللّه ما ترىعليّ وهل فيما قضى اللّه من ردّ
فإن بك رشدا حبّها أو غوايةفقد جئته ما كان منّي على عمد
صوت
لقد لجّ ميثاق من اللّه بينناوليس لمن لم يوف اللّه من عهد
فلا وأبيها الخير ما خنت عهدهاولا لي علم بالذي فعلت بعدي
وما زادها الواشون إلا كرامةعليّ وما زالت مودّتها عندي
- الغناء لمتيّم ثقيل أوّل عن الهشاميّ، وذكر ابن المعتزّ أنه لشارية، وذكر ابن خرداذبه أنه لقلم الصالحيّة -
أفي الناس أمثالي أحبّ فحالهمكحالي أم أحببت من بينهم وحدي
وهل هكذا يلقى المحبّون مثل مالقيت بها أم لم يجد أحد وجدي
وقال جميل فيها:
خليليّ عوجا اليوم حتى تسلّماعلى عذبة الأنياب طيّبة النّشر
ألمّا بها ثم اشفعا لي وسلّماعليها سقاها اللّه من سائغ القطر
وبوحا بذكرى عند بثنة وانظراأترتاح يوما أم تهشّ إلى ذكرى
فإن لم تكن تقطع قوى الودّ بينناولم تنس ما أسلفت في سالف الدهر
فسوف يرى منها اشتياق ولوعةببين وغرب من مدامعها يجري
وإن تك قد حالت عن العهد بعدناوأصغت إلى قول المؤنّب والمزري
فسوف يرى منها صدود ولم تكنبنفسي من أهل الخيانة والغدر
أعوذ بك اللّهمّ أن تشحط النّوىببثنة في أدنى حياتي ولا حشري
وجاور إذا ما متّ بيني وبينهافيا حبّذا موتي إذا جاورت قبري
عدمتك من حبّ أما منك راحةوما بك عنّي من توان ولا فتر
ألا أيّها الحبّ المبرّح هل ترىأخا كلف يغري بحبّ كما أغري
أجدّك لا تبلى وقد بلى الهوىولا ينتهي حبيّ بثينة للزجر
أغري أجدّك لا تبلى وقد بلي الهوىولا ينتهي حبّي بثيّنة للزّجر
صوت
هي البدر حسنا والنساء كواكبوشتّان ما بين الكواكب والبدر
لقد فضّلت حسنا على الناس مثلماعلى ألف شهر فضّلت ليلة القدر
غنّت شارية في هذين البيتين خفيف رمل من رواية ابن المعتزّ.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرنا إسحاق بن محمد بن أبان قال حدّثني الرّحال بن سعد المازنيّ قال: وقع بين جميل وبثينة هجر في غيرة كان غارها عليها من فتى كان يتحدّث إليها من بني عمها، فكان جميل يتحدّث إلى غيرها، فيشقّ ذلك على بثينة وعلى جميل، وجعل كلّ واحد منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه. فدخل جميل يوما وقد غلبه الأمر إلى البيت الذي كان يجتمع فيه مع بثينة. فلما رأته بثينة جاءت إلى البيت ولم تبرز له؛ فجزع لذلك جميل؛ وجعل كلّ واحد منهما يطالع صاحبه؛ وقد بلغ الأمر من جميل كلّ مبلغ، فأنشأ يقول:
لقد خفت أن يغتالني الموت عنوةوفي النفس حاجات إليك كما هيا
وإني لتثنيني الحفيظة كلّمالقيتك يوما أن أبثّك مابيا
ألم تعلمي يا عذبة الرّيق أنّنيأظلّ إذا لم أسق ريقك صاديا
قال: فرقّت له بثينة، وقالت لمولاة لها كانت معها: ما أحسن الصدق بأهله! ثم اصطلحا. فقالت له بثينة: أنشدني قولك:
تظلّ وراء السّتر ترنو بلحظهاإذا مرّ من أترابها من يروقها
فأنشدها إيّاها؛ فبكت وقالت: كلّا يا جميل! ومن ترى أنه يروقني غيرك!.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبي قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال ذكر أيوب بن عباية قال: خرجت من تيماء في أغباش السّحر، فرأيت عجوزا على أتان، فتكلّمت فإذا أعرابية فصيحة. فقلت: ممن أنت؟ فقالت: عذريّة. فأجريت ذكر جميل وبثينة؛ فقالت: واللّه إنّا لعلى ماء لنا بالجناب وقد تنكّبنا الجادّة لجيوش كانت تأتينا من قبل الشأم تريد الحجاز، وقد خرج رجالنا لسفر وخلّفوا معنا أحداثا؛ فانحدروا ذات عشيّة إلى صرم قريب منا يتحدّثون إلى جوار منهم، فلم يبق غيري وغير بثينة، إذ انحدر علينا منحدر من هضبة تلقاءنا، فسلّم ونحن مستوحشون وجلون. فتأمّلته ورددت السلام فإذا جميل. فقلت: أجميل؟ قال: إي واللّه؛ وإذا به لا يتماسك جوعا، فقمت إلى قعب لنا فيه أقطّ مطحون وإلى عكّة فيها سمن وربّ، فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت: أصب من هذا، فأصاب منه؛ وقمت إلى سقاء فيه لبن فصببت عليه ماء باردا فشرب منه وتراجعت نفسه. فقلت له: لقد بلغت ولقيت شرّا، فما أمرك؟ قال: أنا واللّه في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرجة، فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودّعكم وأنا عامد إلى مصر. فتحدّثنا ساعة ثم ودّعنا وشخص، فلم تطل غيبته أن جاءنا نعيه. فزعموا أنه قال حين حضرته الوفاة:
صدع النّعيّ وما كنى بجميلوثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجر الذّيل في وادي القرىنشوان بين مزارع ونخيل
قومي بثينة فاندبي بعويلوابكي خليلك دون كلّ خليل
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثني محمد بن القاسم عن الأصمعيّ قال: حدّثني رجل شهد جميلا لمّا حضرته الوفاة بمصر أنه دعاه فقال: هل لك في أن أعطيك كلّ ما أخلّفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك؟ فقال قلت: اللهم نعم. قال: إذا أنا متّ فخذ حلّتي هذه التي في عيبتي فاعزلها جانبا ثم كلّ شيء سواها لك، وارحل إلى رهط بني الأحبّ من عذرة - وهم رهط بثينة - فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها، ثم البس حلّتي هذه واشققها ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذمّ. ثم أنشدني هذه الأبيات:
صدع النّعيّ وما كنى بجميلوثوى بمصر ثواء غير قفول
- وذكر الأبيات المتقدّمة - فلما قضى وواريته أتيت رهط بثينة ففعلت ما أمرني به جميل، فما استتممت الأبيات حتى برزت إليّ امرأة يتبعها نسوة قد فرعتهنّ طولا وبرزت أمامهن كأنها بدر قد برز في دجنّة وهي تتعثّر في مرطها حتى أتتني، فقالت: يا هذا، واللّه لئن كنت صادقا لقد قتلتني، ولئن كنت كاذبا لقد فضحتني. قلت:
واللّه ما أنا إلّا صادق، وأخرجت حلّته. فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكّت وجهها، واجتمع نساء الحيّ يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيّا عليها ساعة، ثم قامت وهي تقول:
وإنّ سلوّي عن جميل لساعةمن الدّهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمرإذا متّ بأساء الحياة ولينها
قال: فلم أر يوما كان أكثر باكيا وباكية منه يومئذ.
صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه
أمسى الشباب مودّعا محموداوالشيب مؤتنف المحلّ جديدا
وتغيّر البيض الأوانس بعدماحمّلتهنّ مواثقا وعهودا
عروضه من الكامل. الشعر ليزيد بن الطّثريّة، والغناء لإسحاق، ولحنه المختار من الثقيل الأوّل بالبنصر.
وفيه لبابويه خفيف ثقيل بالوسطى، كلاهما من رواية عمرو بن بانة.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع