تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عبد اللّه بن علقمة وتعشقه حبيشة

فيه ٥٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن زكريا الغلابيّ قال حدّثنا العباس بن بكّار قال حدّثنا ابن دأب قال: كان من حديث عبد اللّه بن علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة أنه خرج مع أمّه وهو مع ذلك غلام يفعة دون المحتلم لتزور جارة لها، وكان لها بنت يقال لها حبيشة بنت حبيش أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة. فلما رآها عبد اللّه بن علقمة أعجبته ووقعت في نفسه، وانصرف وترك أمّه عند جارتها، فلبثت عندها يومين.

ثم أتاها عبد اللّه بن علقمة ليرجعها إلى منزلها، فوجد حبيشة قد زيّنت لأمر كان في الحيّ، فازداد بها عجبا، وانصرف بأمّه في غداة تمطر، فمشى معها شيئا ثم أنشأ يقول:

وما أدري بلى إنّي لأدريأصوب القطر أحسن أم حبيش
حبيشة والذي خلق الهداياوما عن بعدها للصّبّ عيش

فسمعت ذلك أمّه فتغافلت عنه وكرهت قوله. ثم مشيا مليّا، فإذا هو بظبي على ربوة من الأرض، فقال:

يا أمّتا أخبريني غير كاذبةوما يريد مسول الحقّ بالكذب
أتلك أحسن أم ظبي برابيةلا بل حبيشة في عيني وفي أربي

فزجرته أمّه وقالت له: ما أنت وهذا! نزوّجك بنت عمك فهي أجمل من تلك. وأتت امرأة عمّه فأخبرتها خبره، وقالت: زيّني ابنتك له، ففعلت وأدخلتها عليه. فلما رآها أطرق. فقالت له أمّه: أيّهما الآن أحسن؟ فقال:

إذا غيّبت عنّي حبيشة مرّةمن الدّهر لم أملك عزاء ولا صبرا
كأنّ الحشى حرّ السّعير يحشّهوقود الغضى والقلب مستعرا

وجعل يراسل الجارية وتراسله حتى علقته كما علقها، وكثر قوله للشعر فيها. فمن ذلك قال:

حبيشة هل جدّي وجدّك جامعبشملكم شملي وأهلكم أهلي
وهل أنا ملتفّ بثوبك مرّةبصحراء بين الأليتين إلى النخل
وهل أشتفي من ريق ثغرك مرّةكراح ومسك خالطا ضرب النّحل

فلما بلغ أهلها خبرهما حجبوها عنه مدّة، وهو يزيد غراما بها ويكثر قول الشعر فيها. فأتوها فقالوا لها: عديه السّرحة، فإذا أتاك فقولي له: نشدتك اللّه إن كنت أحببتني فو اللّه ما على الأرض شيء أبغض إليّ منك، ونحن قريب نستمع ما تقولين. فوعدته وجلسوا قريبا يستمعون، وجلست عند السّرحة، وأقبل عبد اللّه لوعدها. فلما دنا منها دمعت عينها والتفتت إلى حيث أهلها جلوس، فعرف أنهم قريب فرجع. وبلغه ما قالوا لها أن تقوله فأنشأ يقول:

لو قلت ما قالوا لزدت جوّى بكمعلى أنه لم يبق ستر ولا صبر
ولم يك حبّي عن نوال بذلتهفيسليني عنه التجهّم والهجر
وما أنس م الأشياء لا أنس دمعهاونظرتها حتى يغيّبني القبر

وبعث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على أثر ذلك خالد بن الوليد إلى بني عامر بن عبد مناة بن كنانة وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوه وإلّا قاتلهم. فصبحهم خالد بن الوليد بالغميصاء وقد سمعوا به فخافوه فظعنوا، وكانوا قتلوا أخاه الفاكه بن الوليد وعمّه الفاكه بن المغيرة في الجاهليّة، وكانوا من أشدّ حيّ في كنانة بأسا يسمّون «لعقة الدّم». فلما صبحهم خالد ومعه بنو سليم، وكانت بنو سليم طلبتهم بمالك بن خالد بن صخر بن الشّريد وإخوته كرز وعمرو والحارث، وكانوا قتلوهم في موطن واحد. فلما صبحهم خالد في ذلك اليوم ورأوا معه بني سليم زادهم ذلك نفورا. فقال لهم خالد: أسلموا تسلموا. قالوا: نحن قوم مسلمون. قال: فألقوا سلاحكم وانزلوا. قالوا: لا واللّه. فقال جذيمة بن الحارث أحد بني أقرم: يا قوم، لا تضعوا سلاحكم، واللّه ما بعد وضع السلاح إلّا القتل.

قالوا: لا واللّه لا نلقي سلاحنا ولا ننزل، ما نحن منك ولا لمن معك بآمنين. قال خالد: فلا أمان لكم إن لم تنزلوا. فنزلت فرقة منهم فأسرهم، وتفرّق بقيّة القوم فرقتين، فأصعدت فرقة وسفلت فرقة أخرى.

قال ابن دأب: فأخبرني من لا أتّهم عن عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلميّ قال: كنت يومئذ في جند خالد، فبعثنا في أثر ظعن مصعدة يسوق بهنّ فتية، فقال: أدركوا أولئك. قال: فخرجنا في أثرهم حتى أدركناهم وقد مضوا، ووقف لنا غلام شابّ على الطريق. فلما انتهينا إليه جعل يقاتلنا وهو يقول:

بيّنّ أطراف الذّيول واربعنمشي حييّات كأن لم يفزعن
إن يمنع اليوم نساء تمنعن

فقاتلنا طويلا فقتلناه، ومضينا حتى لحقنا الظّعن، فخرج إلينا غلام كأنه الأوّل، فجعل يقاتلنا ويقول:

أقسم ما إن خادر ذو لبدةيزأر بين أيكة ووهده
يفرس شبّان الرجال وحدهبأصدق الغداة منّي نجده

فقاتلنا حتى قتلناه، وأدركنا الظّعن فأخذناهنّ، فإذا فيهن غلام وضيء به صفرة في لونه كالمنهوك، فربطناه بحبل وقدّمناه لنقتله؛ فقال لنا: هل لكم في خير؟ قلنا: وما هو؟ قال: تدركون بي الظّعن أسفل الوادي ثم تقتلونني؛ قلنا: نفعل. فخرجنا حتى نعارض الظّعن أسفل الوادي. فلما كان بحيث يسمعن الصوت، نادى بأعلى صوته: اسلمي حبيش، عند نفاد العيش. فأقبلت إليه جارية بيضاء حسناء فقالت: وأنت فاسلم على كثرة الأعداء، وشدّة البلاء. فقال: سلام عليكم دهرا، وإن بقيت عصرا. قالت: وأنت سلام عليك عشرا، وشفعا تترى، وثلاثا وترا. فقال:

إن يقتلوني يا حبيش فلم يدعهواك لهم منّي سوى غلّة الصدر
وأنت التي أخليت لحمي من دميوعظمي وأسبلت الدموع على نحري

فقالت له:

ونحن بكينا من فراقك مرّةوأخرى وآسيناك في العسر واليسر
وأنت - فلا تبعد فنعم فتى الهوى -جميل العفاف في المودّة والسّتر

فقال لها:

أريتك إن طالبتكم فوجدتكمبحلية أو أدركتكم بالخوانق
ألم يك حقّا أن ينوّل عاشقتكلّف إدلاج السّرى والودائق

فقالت: بلى واللّه. فقال:

فلا ذنب لي إذ قلت إذ نحن جيرةأثيبي بودّ قبل إحدى البوائق
أثيبي بودّ قبل أن تشحط النّوىوينأى خليط بالحبيب المفارق

قال ابن أبي حدرد: فضربنا عنقه، فتقحّمت الجارية من خدرها حتى أتت نحوه فالتقمت فاه، فنزعنا منها رأسه وإنها لتكسع بنفسها حتى ماتت مكانها. وأفلت من القوم غلام من بني أقرم يقال له السّميدع حتى اقتحم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره بما صنع خالد وشكاه.

قال ابن دأب: فأخبرني صالح بن كيسان أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سأله: «هل أنكر عليه أحد ما صنع»؟ فقال: نعم، رجل أصفر ربعة ورجل أحمر طويل. فقال عمر: أنا واللّه يا رسول اللّه أعرفهما، أمّا الأوّل فهو ابني وصفته، وأما الثاني فهو سالم مولى أبي حذيفة. وكان خالد قد أمر كلّ من أسر أسيرا أن يضرب عنقه، فأطلق عبد اللّه بن عمر وسالم مولى أبي حذيفة أسيرين كانا معهما. فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليّا رضي اللّه عنه بعد فراغه من حنين وبعث معه بإبل وورق وأمره أن يديهم فوداهم، ثم رجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فسأله فقال عليّ: قدمت عليهم فقلت لهم: هل لكم أن تقبلوا هذا الجمل بما أصيب منكم من القتلى والجرحى وتحلّلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالوا نعم. فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثاني بما دخلكم من الرّوع والفزع؟ قالوا نعم. فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثالث وتحلّلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ممّا علم وممّا لم يعلم؟ قالوا نعم. قال: فدفعته إليهم، وجعلت أديهم، حتى إني لأدي ميلغة الكلب، وفضلت فضلة فدفعتها إليهم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أفقبلوها؟» قال نعم. قال: «فو الذي أنا عبده لهي أحبّ إليّ من حمر النّعم».

وقالت سلمى بنت عميس:

وكم غادروا يوم الغميصاء من فتىأصيب فلم يجرح وقد كان جارحا
ومن سيّد كهل عليه مهابةأصيب ولمّا يعله الشيب واضحا
أحاطت بخطّاب الأيامى وطلّقتغداتئذ من كان منهنّ ناكحا
ولو لا مقال القوم للقوم أسلمواللاقت سليم يوم ذلك ناطحا

قال ابن دأب: وأمّا سبب قتلهم القرشيّين، فإنه كان نفر من قريش بضعة عشر أقبلوا من اليمن حتى نزلوا على ماء من مياه بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، وكان يقال لهم «لعقة الدّم» وكانوا ذوي بأس شديد. فجاءت إليهم بنو عامر فقالوا للقرشيّين: إيّاكم أن يكون معكم رجل من فهم؛ لأنه كان له عندهم ذحل. قالوا: لا واللّه ما هو معنا، وهو معهم. فلما راحوا أدركهم العامريّون ففتّشوهم فوجدوا الفهميّ معهم في رحالهم، فقتلوه وقتلوهم وأخذوا أموالهم. فقال راجزهم:

إنّ قريشا غدرت وعادهنحن قتلنا منهم بغاده
عشرين كهلا مالهم زياده

وكان فيمن قتل يومئذ عفّان بن أبي العاصي أبو عثمان بن عفّان، وعوف بن عوف أبو عبد الرحمن بن عوف، والفاكه بن المغيرة، والفاكه بن الوليد بن المغيرة. فأرادت قريش قتالهم حتى خذلتهم بنو الحارث بن عبد مناة فلم يفعلوا شيئا. وكان خالد بن عبيد اللّه أحد بني الحارث بن عبد مناة فيمن حضر الوقعة هو وضرار. فأشار إلى ذلك ضرار بن الخطاب بقوله:

دعوت إلى خطّة خالدامن المجد ضيّعها خالد
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «دعوت إلى خطة خالدا»
فو اللّه أدري أضاهى بهابني العمّ أم صدره بارد
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «دعوت إلى خطة خالدا»
ولو خالد عاد في مثلهالتابعه عنق وارد
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «دعوت إلى خطة خالدا»

وقال ضرار أيضا:

أرى ابني لؤيّ أسرعا أن تسالماوقد سلكت أبناؤها كلّ مسلك
فإن أنتم لم تثأروا برجالكمفدوكوا الذي أنتم عليه بمدوك
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «أرى ابني لؤي أوشكا أن يسالما»
فإنّ أداة الحرب ما قد جمعتمومن يتّق الأقوام بالشّر يترك

فلما كان يوم فتح مكة بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالجيوش إلى قبائل بني كنانة حوله، فبعث إلى بني ضمرة نميلة بن عبد اللّه اللّيثيّ، وإلى بني الدّئل عمرو بن أميّة الضّمريّ، وبعث إلى بني مدلج عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ، وبعث إلى بني بغيض ومحارب بن فهر عبد اللّه بن نهيك أحد بني مالك بن حسل، وبعث إلى بني عامر بن عبد مناة خالدا.

فوافاهم خالد بماء يقال له الغميصاء؛ وقد كان خبره سقط إليهم، فمضى منهم سلف قتله بقوم منهم، يقال لهم بنو قيس بن عامر وبنو قعين بن عامر وهم خير القوم وأشرفهم، فأصيب من أصيب. فلما أقبل خالد ودخل المدينة قال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا خالد ما دعاك إلى هذا»! قال: يا رسول اللّه آيات سمعتهنّ أنزلت عليك. قال: «وما هي»؟

قال: قول اللّه عزّ ذكره: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ

وجاءني ابن أمّ أصرم فقال لي: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمرك أن تقاتل. فحينئذ بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوداهم.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا سعد بن أبي نصر قال حدّثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن رجل من مزينة يقال له ابن عاصم عن أبيه قال: بعثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سريّة وأمرنا ألّا نقتل أحدا إن رأينا مسجدا أو سمعنا أذانا - قال وكيع وأخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا إبراهيم بن بشّار الرّماديّ قال حدّثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل عن ابن عاصم هذا عن أبيه بهذا الحديث قال -: فبينا نحن نسير إذا بفتى يسوق ظعائن؛ فعرضنا عليه الإسلام فإذا هو لا يعرفه؛ فقال: ما أنتم صانعون بي إن لم أسلم؟ قلنا: نحن قاتلوك. قال: فدعوني ألحق هذه الظعائن، فتركناه؛ فأتى هودجا منها وأدخل رأسه فيه وقال: اسلمي حبيش، قبل نفاد العيش. فقالت: وأنت فاسلم تسعا وترا، وثمانيا تترى، وعشرا أخرى. فقال لها:

فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرةأثيبي بودّ قبل إحدى البوائق
أثيبي بودّ قبل أن تشحط النّوىوينأى أمير بالحبيب المفارق

قال: ثم جاء فضربنا عنقه. فخرجت من ذلك الهودج جارية جميلة فجنأت عليه، فما زالت تبكي حتى ماتت.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وعمرو بن عبد اللّه العتكيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال: يروى أن خالد بن الوليد كان جالسا عند النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فسئل عن غزوته بني جذيمة فقال: إن أذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تحدّثت. فقال: «تحدّث». فقال: لقيناهم بالغميصاء عند وجه الصبح، فقاتلناهم حتى كاد قرن الشمس يغيب، فمنحنا اللّه أكتافهم فتبعناهم نطلبهم، فإذا بغلام له ذوائب على فرس ذنوب في أخريات القوم، فبوّأت له الرمح فوضعته بين كتفيه؛ فقال: لا إله، فقبضت عنه الرّمح؛ فقال: إلّا اللّات أحسنت أو أساءت. فهمسته همسة أذريته وقيذا؛ ثم أخذته أسيرا فشددته وثاقا؛ ثم كلمته فلم يكلّمني، واستخبرته فلم يخبرني. فلما كان ببعض الطريق رأى نسوة من بني جذيمة يسوق بهنّ المسلمون، فقال: أيا خالد! قلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت واقفي على هؤلاء النّسوة؟! فأتيت على أصحابي ففعلت، وفيهن جارية تدعى حبيشة؛ فقال لها: ناوليني يدك فناولته يدها في ثوبها؛ فقال: اسلمي حبيش، قبل نفاد العيش. فقالت: حيّيت عشرا، وتسعا وترا، وثمانيا تترى. فقال:

أريتك إن طالبتكم فوجدتكمبحلية أو أدركتكم بالخوانق
ألم يك حقّا أن ينوّل عاشقتكلّف إدلاج السّرى والودائق
وقد قلت إذ أهلي لأهلك جيرةأثيبي بودّ قبل إحدى الصّعائق
أثيبي بودّ قبل أن تشحط النّوىوينأ أمير بالحبيب المفارق
فإنّي لا ضيّعت سرّ أمانتيولا راق عيني بعد عينك رائق
سوى أنّ ما نال العشيرة شاغلعن الودّ إلا أن يكون التّوامق

فلما جاء على حاله تلك قدّمته فضربت عنقه. فأقبلت الجارية ووضعت رأسه في حجرها وجعلت ترشفه وتقول:

لا تبعدن يا عمرو حيّا وهالكافحقّ بحسن المدح مثلك من مثلي
لا تبعدن يا عمرو حيّا وهالكافقد عشت محمود الثّنا ماجد الفعل
فمن لطراد الخيل تشجر بالقناوللفخر يوما عند قرقرة البزل

وجعلت تبكي وتردّد هذه الأبيات حتى ماتت وإن رأسه لفي حجرها. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد رفعت لي يا خالد وإن سبعين ملكا لمطيفون بك يحضّونك على قتل عمرو حتى قتلته».

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد اللّه بن المنذر عن صفيّة بنت الزبير بن هشام قالت: كان أبو السائب المخزوميّ رجلا صالحا زاهدا متقلّلا يصوم الدّهر، وكان أرقّ خلق اللّه وأشدّهم غزلا. فوجّه ابنه يوما يأتيه بما يفطر عليه، فأبطأ الغلام إلى العتمة. فلما جاء قال له: يا عدوّ نفسه، ما أخّرك إلى هذا الوقت؟

قال: جزت بباب بني فلان فسمعت منه غناء فوقفت حتى أخذته. فقال: هات يا بنيّ، فو اللّه لئن كنت أحسنت لأحبونّك، ولئن كنت أسأت لأضربنّك. فاندفع يغنّي بشعر كثير:

ولما علوا شغبا تبيّنت أنهتقطّع من أهل الحجاز علائقي
فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنهاإلى بلد ناء قليل الأصادق

فلم يزل يغنّيه إلى نصف الليل. فقالت له زوجته: يا هذا، قد انتصف الليل وما أفطرنا. قال لها: أنت طالق إن كان فطورنا غيره. فلم يزل يغنّيه إلى السّحر. فلما كان السّحر قالت له زوجته: هذا السّحر وما أفطرنا! فقال: أنت طالق إن كان سحورنا غيره. فلما أصبح قال لابنه: خذ جبّتي هذه وأعطني خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما. فقال له: يا أبت، أنت شيخ وأنا شابّ وأنا أقوى على البرد منك. قال: يا بنيّ، ما ترك صوتك هذا للبرد عليّ سبيلا ما حييت.

أخبرني وكيع قال أنشدنا أحمد بن يزيد الشّيبانيّ عن مصعب الزّبيريّ لسليمان ابن أبي دباكل قال:

فهلا نظرت الصبح يا بعل زينبفتقضى لبانات الحبيب المفارق
يروح إذا يمسي حنينا ويغتديوتهجيره عند احتدام الودائق
فطر جاهدا أو كن حليفا لصخرةممنّعة في رأس أرعن شاهق
فما زال هذا الدهر من شؤم صرفهيفرّق بين العاشقين الأوامق
فيبعدنا ممّن نريد اقترابهويدني إلينا من نحبّ نفارق
ولما علوا شغبا تبيّنت أنهتقطّع من أهل الحجاز علائقي
فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنهاإلى بلد ناء قليل الأصادق

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»