من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار يزيد بن ضبّة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم قال حدّثني أحمد بن الهيثم عن الحسن بن إبراهيم بن سعدان عن عبد العظيم بن عبد اللّه بن يزيد بن ضبّة الثّقفيّ قال: كان جدّي يزيد بن ضبّة مولّى لثقيف. واسم أبيه مقسم؛ وضبّة أمّه غلبت على نسبه؛ لأن أباه مات وخلّفه صغيرا، فكانت أمّه تحضن أولاد المغيرة بن شعبة ثم أولاد ابنه عروة بن المغيرة، فكان جدّي ينسب إليها لشهرتها.
قال: وولاؤه لبني مالك بن حطيط ثم لبني عامر بن يسار. قال عبد العظيم: وكان جدّي يزيد بن ضبّة منقطعا إلى الوليد بن يزيد في حياة أبيه متصلا به لا يفارقه.
فلما أفضت الخلافة إلى هشام أتاه جدّي مهنّئا بالخلافة. فلما استقرّ به المجلس ووصلت إليه الوفود وقامت الخطباء تثني عليه والشعراء تمدحه، مثل جدّي بين السّماطين فاستأذنه في الإنشاد، فلم يأذن له، وقال: عليك بالوليد فامدحه وأنشده، وأمر بإخراجه. وبلغ الوليد خبره، فبعث إليه بخمسمائة دينار، وقال له: لو أمنت عليك هشاما لما فارقتني، ولكن اخرج إلى الطائف، وعليك بمالي هناك؛ فقد سوّغتك جميع غلّته، ومهما احتجت إليّ من شيء بعد ذلك فالتمسه منّي. فخرج إلى الطائف، وقال يذكر ما فعله هشام به:
أرى سلمى تصدّ وما صددناوغير صدودها كنّا أردنا
لقد بخلت بنائلها عليناولو جادت بنائلها حمدنا
وقد ضنّت بما وعدت وأمستتغيّر عهدها عمّا عهدنا
ولو علمت بما لاقيت سلمىفتخبرني وتعلم ما وجدنا
تلمّ على تنائي الدار منّافيسهرنا الخيال إذا رقدنا
ألم تر أنّنا لمّا وليناأمورا خرّقت فوهت سددنا
رأينا الفتق حين وهي عليهموكم من مثله صدع رفأنا
إذا هاب الكريهة من يليهاوأعظمها الهيوب لها عمدنا
وجبّار تركناه كليلاوقائد فتنة طاغ أزلنا
فلا تنسوا مواطننا فإنّاإذا ما عاد أهل الجرم عدنا
وما هيضت مكاسر من جبرناولا جبرت مصيبة من هددنا
ألا من مبلغ عنّي هشامافما منّا البلاء ولا بعدنا
وما كنّا إلى الخلفاء نفضيولا كنّا نؤخّر إن شهدنا
ألم يك بالبلاء لنا جزاءفنجزى بالمحاسن أم حسدنا
وقد كان الملوك يرون حقّالوافدنا فنكرم إن وفدنا
ولينا الناس أزمانا طوالاوسسناهم ودسناهم وقدنا
ألم تر من ولدنا كيف أشبىوأشبينا وما بهم قعدنا
نكون لمن ولدناه سماءإذا شيمت مخايلنا رعدنا
وكان أبوك قد أسدى إليناجسيمة أمره وبه سعدنا
كذلك أوّل الخلفاء كانوابنا جدّوا كما بهم جددنا
هم آباؤنا وهم بنونالنا جبلوا كما لهم جبلنا
ونكوي بالعداوة من بغاناونسعد بالمودّة من وددنا
نرى حقّا لسائلنا علينافنحبوه ونجزل إن وعدنا
ونضمن جارنا ونراه منّافنرفده فنجزل إن رفدنا
وما نعتدّ دون المجد مالاإذا يغلى بمكرمة أفدنا
وأتلد مجدنا أنّا كرامبحدّ المشرفيّة عنه ذدنا
قال: فلم يزل مقيما بالطائف إلى أن ولي الوليد بن يزيد الخلافة، فوفد إليه. فلما دخل عليه والناس بين يديه جلوس ووقوف على مراتبهم هنّأه بالخلافة؛ فأدناه الوليد وضمّه إليه، وقبّل يزيد بن ضبّة رجليه والأرض بين يديه؛ فقال الوليد لأصحابه: هذا طريد الأحول لصحبته إيّاي وانقطاعه إليّ. فاستأذنه يزيد في الإنشاد وقال له: يا أمير المؤمنين، هذا اليوم الذي نهاني عمّك هشام عن الإنشاد فيه قد بلغته بعد يأس، والحمد للّه على ذلك. فأذن له، فأنشده:
سليمى تلك في العيرقفي أسألك أو سيري
إذا ما بنت لم تأويلصبّ القلب مغمور
وقد بانت ولم تعهدمهاة في مها حور
وفي الآل حمول الحيّ تزهى كالقراقير
يواريها وتبدو منه آل كالسّمادير
وتطفو حين تطفو فيه كالنّخل المواقير
لقد لاقيت من سلمىتباريح التّناكير
دعت عيني لها قلبيوأسباب المقادير
وما إن من به شيبإذا يصبو بمعذور
لسلمى رسم أطلالعفتها الرّيح بالمور
خريق تنخل التّرببأذيال الأعاصير
فأوحش إذ نأت سلمىبتلك الدّور من دور
سأرمي قانصات البيد إن عشت بعسبور
من العيس شجوجاةطواها النّسع بالكور
إذا ما حقب منهاقرنّاه بتصدير
زجرنا العيس فارقدّتبإعصاف وتشمير
تقاسيها على أينبإدلاج وتهجير
إذا ما اعصوصب الآلومال الظّلّ بالقور
وراحت تتّقي الشمسمطايا القوم كالعور
إلى أن يفضح الصبحبأصوات العصافير
لتعتام الوليد القرم أهل الجود والخير
كريم يهب البزلمع الخور الجراجير
تراعي حين تزجيهاهويّا كالمزامير
كما جاوبت النّيبرباع الخلج الخور
ويعطى الذهب الأحمر وزنا بالقناطير
بلوناه فأحمدناه في عسر وميسور
كريم العود والعنصر غمر غير منزور
له السّبق إلى الغايات في ضمّ المضامير
إمام يوضح الحقّله نور على نور
مقال من أخي ودّبحفظ الصدق مأثور
بإحكام وإخلاصوتفهيم وتحبير
قال: فأمر الوليد بأن تعدّ أبيات القصيدة ويعطى لكل بيت ألف درهم؛ فعدّت فكانت خمسين بيتا فأعطي خمسين ألفا. فكان أوّل خليفة عدّ أبيات الشعر وأعطى على عددها لكل بيت ألف درهم؛ ثم لم يفعل ذلك إلّا هارون الرشيد، فإنه بلغه خبر جدّي مع الوليد فأعطى مروان بن أبي حفصة ومنصورا النّمريّ لمّا مدحاه وهجوا آل أبي طالب لكل بيت ألف درهم.
قال عبد العظيم وحدّثني أبي وجماعة من أصحاب الوليد: أنّ الوليد خرج إلى الصيد ومعه جدّي يزيد بن ضبّة، فاصطاد على فرسه السّنديّ صيدا حسنا، ولحق عليه حمارا فصرعه؛ فقال لجدّي: صف فرسي هذا وصيدنا اليوم؛ فقال في ذلك: وأحوى سلس المرسن مثل الصّدع الشّعب
سما فوق منيفاتطوال كالقنا سلب
طويل الساق عنجوجأشقّ أصمع الكعب
على لأم أصمّ مضمّر الأشعر كالقعب
ترى بين حواميهنسورا كنوى القسب
معالى شنج الأنساء سام جرشع الجنب
طوى بين الشّراسيفإلى المنقب فالقنب
يغوص الملحم القائم ذو حدّ وذو شغب
عتيد الشّدّ والتّقريب والإحضار والعقب
صليب الأذن والكاهل والموقف والعجب
عريض الخدّ والجبهة والبركة والهلب
إذا ما حثّه حاثّيباري الرّيح في غرب
وإن وجّهه أسرع كالخدروف في الثّقب
وقفّاهنّ كالأجدل لما انضمّ للضّرب
ووالى الطعن يختارجواشن بدّن قبّ
ترى كلّ مدلّ قاثما يلهث كالكلب
كأن الماء في الأعطاف منه قطع العطب
كأن الدّم في النّحرقذال علّ بالخضب
يزين الدار موقوفاويشفي قرم الرّكب
قال: فقال له الوليد: أحسنت يا يزيد الوصف وأجدته، فاجعل لقصيدتك تشبيبا وأعطه الغزيّل وعمر الوادي حتى يغنيّا فيه؛ فقال:
صوت
إلى هند صبا قلبيوهند مثلها يصبي
وهند غادة غيداء من جرثومة غلب
وما إن وجد الناسمن الأدواء كالحبّ
لقد لجّ بها الإعراض والهجر بلا ذنب
ولمّا أقض من هندومن جاراتها نحبي
أرى وجدي بهند داثما يزداد عن غبّ
وقد أطولت إعراضاوما بغضهم طبّي
ولكن رقبة الأعين قد تحجز ذا اللّبّ
ورغم الكاشح الراغم فيها أيسر الخطب
قال: ودفع هذه الأبيات إلى المغنّين فغنّوه فيها.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ عن الأصمعيّ، وحدّثني به محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم قال حدّثنا الأصمعيّ قال: كان يزيد بن ضبّة مولى ثقيف، ولكنّه كان فصيحا، وقد أدركته بالطائف، وقد كان يطلب القوافي المعتاصة والحوشيّ من الشعر.
قال أبو حاتم في خبره خاصّة وحدّثني غسّان بن عبد اللّه بن عبد الوهاب الثقفيّ عن جماعة من مشايخ الطائفيّين وعلمائهم قالوا: قال يزيد بن ضبّة ألف قصيدة، فاقتسمتها شعراء العرب وانتحلتها، فدخلت في أشعارها.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع