من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب نابغة بني شيبان
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
النابغة اسمه عبد اللّه بن المخارق بن سليم بن حصرة بن قيس بن سنان بن حمّاد بن حارثة بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. شاعر بدويّ من شعراء الدولة الأمويّة. وكان يفد إلى الشأم إلى خلفاء بني أميّة فيمدحهم ويجزلون عطاءه. وكان فيما أرى نصرانيّا لأنّي وجدته في شعره يحلف بالإنجيل والرّهبان وبالأيمان التي يحلف بها النّصارى. ومدح عبد الملك بن مروان ومن بعده من ولده؛ وله في الوليد مدائح كثيرة.
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن العتبيّ قال: لما همّ عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه وتولية الوليد ابنه العهد، كان نابغة بني شيبان منقطعا إلى عبد الملك مدّاحا له؛ فدخل إليه في يوم حفل والناس حواليه وولده قدّامه، فمثل بين يديه وأنشده قوله: أشتقت
وانهلّ دمع عينك أنأضحى قفارا من أهله طلح
حتى انتهى إلى قوله:
أزحت عنّا آل الزبير ولوكانوا هم المالكين ما صلحوا
إن تلق بلوى فأنت مصطبروإن تلاق النّعمى فلا فرح
ترمي بعيني أقنى على شرفلم يؤذه عائر ولا لحح
آل أبي العاص آل مأثرةغرّ عتاق بالخير قد نفحوا
خير قريش وهم أفاضلهافي الجدّ جدّ وإن هم مزحوا
أرحبها أذرعا وأصبرهاأنتم إذا القوم في الوغى كلحوا
أمّا قريش فأنت وارثهاتكفّ من صعبهم إذا طمحوا
حفظت ما ضيّعوا وزندهمأو ريت إذ أصلدوا وقد قدحوا
آليت جهدا - وصادق قسمي -بربّ عبد تجنّه الكرح
يظلّ يتلو الإنجيل يدرسهمن خشية اللّه قلبه طفح
لابنك أولى بملك والدهونجم من قد عصاك مطّرح
داود عدل فاحكم بسيرتهثم ابن حرب فإنّهم نصحوا
وهم خيار فاعمل بسنّتهمواحي بخير واكدح كما كدحوا
قال: فتبّسم عبد الملك ولم يتكلم في ذلك بإنذار ولا دفع؛ فعلم الناس أنّ رأيه خلع عبد العزيز. وبلغ ذلك من قول النابغة عبد العزيز، فقال: لقد أدخل ابن النّصرانيّة نفسه مدخلا ضيّقا فأوردها موردا خطرا؛ وباللّه عليّ لئن ظفرت به لأخضبنّ قدمه بدمه.
وقال أبو عمرو الشّيبانيّ: لما قتل يزيد بن المهلّب دخل النابغة الشّيبانيّ على يزيد بن عبد الملك بن مروان، فأنشده قوله في تهنئته بالفتح:
ألا طال التنظّر والثّواءوجاء الصيف وانكشف الغطاء
وليس يقيم ذو شجن مقيمولا يمضي إذا ابتغي المضاء
طوال الدهر إلّا في كتابومقدار يوافقه القضاء
فما يعطى الحريص غنى لحرصوقد ينمي لذي الجود الثّراء
وكلّ شديدة نزلت بحيّسيتبعها إذا انتهت الرّخاء
يقول فيها:
أؤمّ فتى من الأعياص ملكاأغرّ كأن غرّته ضياء
لأسمعه غريب الشعر مدحاوأثني حيث يتّصل الثناء
يزيد الخير فهو يزيد خيراوينمي كلّما أبتغي النّماء
فضضت كتائب «الأزديّ» فضّابكبشك حين لفّهما اللقاء
سمكت الملك مقتبلا جديداكما سمكت على الأرض السماء
نرجّي أن تدوم لنا إماماوفي ملك الوليد لنا رجاء
«هشام» و «الوليد» وكلّ نفستريد لك الفناء لك الفداء
وهي قصيدة طويلة، فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب وأن توقّر له برّا وزبيبا، وكساه وأجزل صلته.
قال: ووفد إلى هشام لمّا ولي الخلافة؛ فلمّا رآه قال له: يا ماصّ ما أبقت المواسي من بظر أمّه! ألست القائل:
هشام والوليد وكلّ نفستريد لك الفناء لك الفداء
أخرجوه عنّي! واللّه لا يرزؤني شيئا أبدا وحرمه. ولم يزل طول أيامه طريدا؛ حتى ولي الوليد بن يزيد؛ فوفد إليه ومدحه مدائح كثيرة، فأجزل صلته.
حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عبيد اللّه بن محمد الكوفيّ عن العمريّ الخصّاف عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية أنه أنشده لنابغة بني شيبان:
أيها الساقي سقتك مزنةمن ربيع ذي أهاضيب وطشّ
امدح الكأس ومن أعملهاواهج قوما قتلونا بالعطش
إنما الكأس ربيع باكرفإذا ما غاب عنّا لم نعش
وكأنّ الشّرب قوم موّتوامن يقم منهم لأمر يرتعش
خرس الألسن ممّا نالهمبين مصروع وصاح منتعش
من حميّا قرقف حصّيّةقهوة حوليّة لم تمتحش
ينفع المزكوم منها ريحهاثم تنفى داءه إن لم تنشّ
كلّ من يشربها يألفهاينفق الأموال فيها كلّ هشّ
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الجمحيّ - قال ابن أبي الأزهر: وهو محمد بن سلّام -: غنّى أبو كامل مولى الوليد بن يزيد يوما بحضرة الوليد بن يزيد:
امدح الكأس ومن أعملهاواهج قوما قتلونا بالعطش
فسأل عن قائل هذا الشعر فقيل: نابغة بني شيبان؛ فأمر بإحضاره فأحضر؛ فاستنشده القصيدة فأنشده إياها؛ وظنّ أن فيها مدحا له فإذا هو يفتخر بقومه ويمدحهم؛ فقال له الوليد: لو سعد جدّك لكانت مديحا فينا لا في بني شيبان، ولسنا نخليك على ذلك من حظّ؛ ووصله وانصرف. وأوّل هذه القصيدة قوله:
خلّ قلبي من سليمى نبلهاإذ رمتني بسهام لم تطش
طفلة الأعطاف رؤد دميةوشواها بختريّ لم يحش
وكأنّ الدّرّ في أخراصهابيض كحلاء أقرّته بعشّ
ولها عينا مهاة في مهاترتعي نبت خزامى ونتش
حرّة الوجه رخيم صوتهارطب تجنيه كفّ المنتقش
وهي في الليل إذا ما عونقتمنية البعل وهمّ المفترش
وفيها يقول مفتخرا:
وبنو شيبان حولي عصبمنهم غلب وليست بالقمش
وردوا المجد وكانوا أهلهفرووا والجود عاف لم ينشّ
وترى الجرد لدى أبياتهمأرنات بين صلصال وجشّ
ليس في الألوان منها هجنةوضح البلق ولا عيب البرش
فبها يحوون أموال العداويصيدون عليها كلّ وحش
دميت أكفالها من طعنهمبالرّدينيّات والخيل النّجش
ننهل الخطّيّ من أعدائناثم نفري الهام إن لم نفترش
فإذا العيس من المحل غدتوهي في أعينها مثل العمش
حسّر الأوبار مما لقيتمن سحاب حاد عنها لم يرشّ
خسّف الأعين ترعى جوفةهمدت أوبارها لم تنتفش
ننعش العافي ومن لا ذبنابسجال الخير من أيد نعش
ذاك قولي وثنائي وهمأهل ودّي خالصا في غير غشّ
فسلوا شيبان إن فارقتهميوم يمشون إلى قبري بنعش
هل غشينا محرما في قومناأو جزينا جازيا فحشا بفحش
ومما يغنّي فيه من شعر نابغة بني شيبان:
صوت
ذرفت عيني دموعامن رسوم بحفير
موحشات طامساتمثل آيات الزّبور
وزقاق مترعاتمن سلافات العصير
مجلخدّات ملاءبطّنوهنّ بقير
فإذا صارت إليهمصيّرت خير مصير
من شباب وكهولحكمّوا كأس المدير
كم ترى فيهم نديمامن رئيس وأمير
ذكر يونس أنّ فيه لمالك لحنا ولابن عائشة آخر، ولم يذكر طريقتهما؛ وفيه خفيف رمل معروف لا أدري لحن أيّهما هو.
صوت من المائة المختارة
يا عمر حمّ فراقكم عمراوعزمت منّا النأي والهجرا
إحدى بني أود كلفت بهاحملت بلا ترة لنا وترا
وترى لها دلّا إذا نطقتتركت بنات فؤاده صعرا
كتساقط الرّطب الجنيّمن الأفنان لا بثرا ولا نزرا
الشعر لأبي دهبل الجمحيّ. والغناء لفزار المكّي، ولحنه المختار ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع