من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب حارثة بن بدر وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حارثة بن بدر بن حصين بن قطن بن غدانة بن يربوع.
وقال خالد بن حبل: حارثة بن بدر بن مالك بن كليب بن غدانة بن يربوع.
وأم حارثة بن بدر امرأة من بني صريم بن الحارث، يقال لها: الصّدوف، بنت صدى.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سويّة المنقري، قال: مرّ عمرو بن الأهتم بحارثة بن بدر، والأحنف بن قيس، وزيد بن جبلة، وهم مجتمعون، فسلّم عليهم، ثم بقي مفكرا، فقالوا: مالك؟ فقال: ما في الأرض ثلاثة أنجب من آبائكم، حيث جاؤوا بأمثالكم من أمثال أمهاتكم! فضحكوا منه.
قال: وأم الأحنف: الزّافرية، واسمها حبّي، من باهلة، وأم زيد بن جبلة: عمرة بنت حذلم، من بني الشّعيراء. وأم حارثة: الصّدوف بنت صدى، من بني صريم بن الحارث.
وقد مضى نسب بني يربوع في نسب جرير وغيره من عشيرته من هذا الكتاب.
وفي بني غدانة يقول الفرزدق:
أبني غدانة إنّني حرّرتكمفوهبتكم لعطيّه بن جعال
لو لا عطيّة لاجتدعت أنوفكممن بين ألأم أعين وسبال
وكان عطية استوهب منه أعراضهم لصهر كان بينه وبينهم، وكان عطية سيّدا من سادات بني تميم. فلما سمع هذا الشعر قال: واللّه لقد امتن عليّ أبو فراس بهذه الهبة وما تممها حتى ارتجعها، ووصل الامتنان بتحريرهم بأقبح هجاء لهم.
قال: وكان عطية هذا جوادا، وفيه يقول جرير:
إن الجواد على المواطن كلهاوابن الجواد عطية بن جعال
يهب النجائب لا يملّ عطاءهاوالمقربات كأنهن سعالى
وحارثة بن بدر من فرسان بني تميم ووجوهها وساداتها وجودائها، وأحسب أنه قد أدرك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حال صباه وحداثته. وهو من ولد بني الأحنف بن قيس، وليس بمعدود في فحول الشعراء، ولكنه كان يعارض نظراءه الشّعر، وله من ذلك أشياء كثيرة ليست مما يلحقه بالمتقدمين في الشعر والمتصرفين في فنونه.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: أنبأنا عمر بن شبّة، قال: أنبأنا المدائني، قال: كان زياد مكرما لحارثة بن بدر، قابلا لرأيه، محتملا لما يعلمه من تناوله الشراب. فلما ولي عبيد اللّه بن زياد أخّر حارثة بعض التأخير، فعاتبه على ذلك. فقال له عبيد اللّه: إنك تتناول الشراب. فقال له: قد كان أبوك يعلم هذا منّي، ويقربني ويكرمني. فقال له: إن أبي كان لا يخاف من القالة في تقريبك ما أخاف، وإنّ اللسان إليّ فيك لأسرع منه إلى أبي. فقال حارثة:
وكم من أمير قد تجبّر بعد مامريت له الدنيا بسيفي فدرّت
إذا ما هي احلولت نفى حق مقسميويقسم لي منها إذا ما أمرّت
إذا زبنته عن فواق يريدهدعيت ولا أدعى إذا ما أقرّت
وقال حارثة بن بدر أيضا، وقد شاوره عبيد اللّه في بعض الأمر:
أهان وأقصى ثم ينتصحوننيومن ذا الذي يعطى نصيحته قسرا
رأيت أكفّ المصلتين عليكمملاء وكفّي من عطاياكم صفرا
متى تسألوني ما عليّ وتمنعواالذي لي لم أسطع على ذلكم صبرا
فقال له عبيد اللّه: فإني معوّضك ومولّيك، فولّاه.
أخبرني يحيى بن علي إجازة، قال: أنبأنا أحمد بن يحيى بن جابر البلاذريّ، قال: قال لي أبو اليقظان: حوّل زياد دعوة حارثة بن بدر و «ديوانه» في قريش، لمكانه منه، فقال فيه رجل من بني كليب يهجوه بذلك:
شهدت بأن حارثة بن بدرغدانيّ اللّهازم والكلام
سجاح في كتاب اللّه أدنىله من نوفل وبني هشام
يعني: سجاح، التي ادّعت النبوة، وهي امرأة من بني تميم.
قال أحمد بن يحيى: وقال المدائني: احترقت دار حارثة بن بدر بالبصرة، أحرقها بعض أعدائه من بني عمه، فقال في ذلك:
رأيت المنايا بادئات وعوّداإلى دارنا سهلا إليها طريقها
لها نبعة كانت تقينا فروعهافقد تلفت إلّا قليلا عروقها
قال: وكان لحارثة أخ يقال له: دارع، فأحرق مع ابن الحضرمي بالبصرة.
وقال أحمد يحيى أيضا: كان عطية بن جعال يهاجي حارثة بن بدر، ثم اصطلحا. وكان أيضا يهاجيه من قومه العكّمص، وكانت بنو سليط تروي هجاءه لحارثة بن بدر، فقال حارثة يهجوهم:
أراوية عليّ بنو سليطهجاء الناس يا لبني سليط
فما لحمي لتأكله سليطشبيها بالذكيّ ولا العبيط
أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن صالح بن سمح بن عمرة الأسدي أبو الحسن، قال: أنبأنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال: قال: روح بن السّكن: كان أنس بن زنيم الليثي صديقا لعبيد اللّه بن زياد، فرأى منه جفوة وأثرة لحارثة بن بدر الغداني، فقال:
أهان وأقصى ثم ترجى نصيحتيوأيّ امرىء يعطي نصيحته قسرا
رأيت أكفّ المصلتين عليكمملاء وكفّي من عطاياكم صفرا
فإن تسألوني ما عليّ وتمنعوا الّذي لي لم أسطع على ذلكم صبرا
رأيتكم تعطون من ترهبونهزربية قد وشحّت حلقا صفرا
وإنّي مع الساعي عليكم بسيفهإذا عظمكم يوما رأيت به كسرا
فقال عبيد اللّه بن زياد لحارثة بن بدر: أجبه. فاستعفاه لمودة كانت بينهما، فأكرمه على ذلك وأقسم عليه ليجيبّنه، فقال:
تبدلت من أنس إنّهكذوب المودّة خوّانها
أراه بصيرا بضرّ الخليلوخير الأخلّاء عورانها
فأجابه أنس فقال:
إن الخيانة شرّ الخليلوالكفر عندك ديوانها
بصرت به في قديم الزمانكما بصر العين إنسانها
فأجابه حارثة بن بدر فقال:
ألكنى إلى أنس إنّهعظيم الحواشة عندي مهيب
فما أبتغي عثرات الخليلولا أبغين عليه الوثوب
وما إن أرى ماله مغنمامن الدهر إن أعوزتني الكسوب
فقال أنس:
أحار بن بدر وأنت امرؤلعمري المتاع إليّ الحبيب
متى كان مالك لي مغنمامن الدهر إن أعوزتني الكسوب
وشرّ الأخلّاء عند البلاءوعند الرزيّة خلّ كذوب
قال: فتهادى أنس وحارثة الشعر عند عبيد اللّه زمانا، ووقع بينهما شرّ حتى قدم سلّم بن زياد من عند يزيد بن معاوية عاملا على خراسان وسجستان، فجعل ينتخب ناسا من أهل البصرة والكوفة، وكان الذي بين عبيد اللّه وبين سلم شيئا، فأرسل سلّم إلى أنس يعرض عليه صحبته وجعل له أن يستعمله على كورة، فقال له أنس: أمهلني حتى أنظر في أمري، وكتب إلى عبيد اللّه بن زياد.
ألم ترني خيّرت والأمر واقعفما كنت لما قلت بالمتخيّر
رضاك على شيء سواه ومن يكنإذا اختار ذا حزم من الأمر يظفر
فعدت لترضى عن جهاد وصاحبشفيق قديم الودّ كان موقّريّ
على أحد الثّغرين ثم تركتهوقد كنت في تأميره غير ممتري
فأمسكت عن سلم عناني وصحبتيليعرف وجه العذر قبل التعذر
فإن كنت لما تدر ما هي شيمتيفسل بي أكفائي وسل بي معشري
ألست مع الإحسان والجود ذا غنىوبأس إذا ما كفّروا في التّستّر
ورأي وقد أعصى الهوى خشية الرّدىوأعرف غبّ الأمر قبل التّدبّر
وما كنت لو لا ذاك ترتدّ بغبتيعليّ ارتداد المظلم المتجبّر
قال: ودفعها إلى عبيد اللّه بن زياد في صحيفة، فقرأها ثم دفعها إلى حارثة بن بدر، وقال له: اردد على أنس صحيفته فلا حاجة لنا فيها. فقال حارثة:
ألكني إلى من قال هذا وقل لهكذبت فما إن أنت بالمتخيّر
وإنك لو صاحبت سلما وجدتهكعهدك عهد السّوء لم يتغيّر
أتنصح لي يوما ولست بناصحلنفسك فاغشش ما بدا لك أو ذر
كذبت ولكن أنت رهن بخزيةويوم كأيام عبوس مذكّر
كأشقر أضحى بين رمحين إن مضىعلى الرّمح ينحر أو تأخّر يعقر
(قال): وأعجبت عبيد اللّه، وقال: لعمري لقد أجبته. على إرادتي وأمسك عبيد اللّه في يده الصحيفة، فلما دخل عليه أنس دفعها إليه، فنظر فيها، ثم قال لعبيد اللّه: لقد ردّ عليّ من لا أستطيع جوابه. وظنّ أن عبيد اللّه قالها، وخرج أنس والصحيفة في يده، فلقيه عبد الرحمن بن رألان فدفعها إليه أنس، فلما قرأها قال: هذا شعر حارثة بن بدر، أعرفه. فقال له أنس: صدقت واللّه، ثم قال لحارثة:
عجبت لهرج من زمان مضلّلورأي لألباب الرجال مغيّر
ومن حقبة عوجاء غول تلّبستعلى الناس جلد الأربد المتنمّر
فلا يعرف المعروف فيه لأهلهوإن قيل فيه منكر لم ينكّر
لحارثة الهدي الخنى لي ظالماولم أر مثل مدّر صيد مدّري
لحار بن بدر قد أتتني مقالةفما بال نكر منك من غير منكر
أيروي عليك الناس ما لا تقولهفتعذر أم أنت امرؤ غير معذر
فإن يك حقا ما يقال فلا يكندبيبا وجاهرني فما من تستّر
أقلّدك إن كنت امرأ خان عرضهقوافي من باقي الكلام المشهّر
وقد كنت قبل اليوم جرّبت أننيأشقّ على ذي الشّعر والمتشعّر
وأن لساني بالقصائد ماهرتعنّ له غرّ القوافي وتنبري
أصادفها حينا يسيرا وأبتغيلها مرّة شزرا إذا لم تيسّر
تناولني بالشتم في غير كنههفمهلا أبا الخيماء وابن المعذّر
هجوت وقد ساماك في الشعر خطّة الذّليل ولم يفعل كأفعال منكر
قال: وقال أنس بن زنيم لعبيد اللّه بن زياد، وفيه غناء:
سل أميري ما الذي غيّرهعن وصالي اليوم حتى ودّعه
لا تهنّي بعد إكرامك ليفشديد عادة منتزعه
لا يكن وعدك برقا خلّباإنّ خير البرق ما الغيث معه
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: زعم عاصم بن الحدثان أنّ حارثة بن بدر قال لعبيد اللّه بن ظبيان، وكانا في عرس لابن مسمع: هل لك في شراب؟ قال: نعم، فأتيا بنبيذ من زبيب وعسل، فأخذ ابن ظبيان العسّ فكرع فيه حتى كاد يأتي عليه، ثم ناوله حارثة. فقال له حارثة: يا بن ظبيان، إنك لطب بحسوها. فقال: أجل، واللّه إنّي لأشربها حلالا وأجاهر بها إذا أخفى غيري شرب الحرام. فقال له حارثة: من غيرك هذا؟ قال: سائلي عن هذا الأمر. فقال حارثة:
إذا كنت ندماني فخذها وسقّنيودع عنك من رآك تكرع في الخمر
فإنّي امرؤ ولا أشرب الخمر في الدّجاولكنني أحسو النبيذ من التمر
حيا وتقا للّه واللّه عالمبكل الذي نأتيه في السّر والجهر
ومثلك قد جرّبته وخبرتهأبا مطر والحين أسبابه تجري
حساها كمستدمى الغزال عتيقةإذا شعشعت بالماء طيّبة النّشر
أقام عليها دهره كل ليلةيشافهها حتى يرى وضح الفجر
فأصبح ميتا ميتة الكلب صحكةلأصحابه حتى يدهده في القبر
فما إن بكاه غير دنّ ومزهروغانية كالبدر واضحة الثّغر
وباطية كانت له خدن زنيةيعاقرها واللّيل معتكر السّتر
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا الكرانيّ، قال: حدثنا العمري عن عاصم بن الحدثان، قال: عاتب الأحنف بن قيس حارثة بن بدر على معاقرة الشّراب وقال له: قد فضحت نفسك وأسقطت قدرك، وأوجعه عتابا. فقال له: إني سأعتبك. فانصرف الأحنف طامعا في صلاحه، فلما أمسى راح إليه فقال له: اسمع يا أبا بحر ما قلت لك. فقال: هات، فأنشده:
يذمّ أبو بحر أمورا يريدهاويكرهها للأريحيّ المسوّد
فإن كنت عيّابا فقل ما تريدهودع عنك شربي لست فيه بأوحد
سأشربها صهباء كالمسك ريحهاوأشربها في كل ناد ومشهد
فنفسك فانصح يا بن قيس وخلّنيورأيي فما رأيي برأي مفنّد
وقائلة يا حار هل أنت ممسكعليك من التبذير قلت لها اقصدي
ضو لا تأمريني بالسّداد فإننيرأيت الكثير المال غير مخلّد
ولا عيب لي إلّا اصطباحي قهوةمتى يمتزجها الماء في الكأس تزبد
معتّقة صهباء كالمسك ريحهاإذا هي فاحت أذهبت غلّة الصّدي
ألا إنما الرّشد المبين طريقهخلاف الذي قد قلت إذ أنت مرشدي
سأشربها ما حجّ للّه راكبمجاهرة وحدي ومع كل مسعد
وأسعد ندماني وأتبع شهوتيوأبذل عفوا كلّ ما ملكت يدي
كذا العيش لا عيش ابن قيس وصحبهمن الشّرب للماء القراح المصرّد
فقال له الأحنف: حسبك، فإني أراك غير مقلع عن غيّك، ولن أعاتبك بعدها أبدا.
قال عاصم: ثم كان بعد ذلك بن الأحنف وحارثة كلام وخصومة، فافترقا عن مجلسهما متغاضبين، فبلغ حارثة أن الأحنف قال: أما واللّه لو لا ما يعلم لقلت فيه ما هو أهله. فقال حارثة: وهل يقدر على أن يذمني بأكثر من الشراب وحبّي له؟ وذلك أمر لست أعتذر منه إلى أحد، ثم قال في ذلك:
وكم لائم لي في الشراب زجرتهفقلت له دعني وما «أنا شارب
فلست عن الصهباء ما عشت مقصراوإن لا مني فيها اللئام الأشائب
أأترك لذّاتي وآتي هواكمألا ليس مثلي يا بن قيس يخالب
أنا الليث معدوّا عليه وعادياإذا سلّت البيض الرّقاق القواضب
فأنت حليم تزجر الناس عن هوىنفوسهم جهلا وحلمك عازب
فحلمك صنه لا تذله وخلّنيوشأني وأركب كلّ ما أنت راكب
فإنّي امرؤ عوّدت نفسي عادةوكل امرىء لا شك ما اعتاد طالب
أجود بمالي ما حييت سماحةوأنت بخيل يجتويك المصاحب
فما أنت أو ما غيّ من كان غاوياإذا أنت لم تسدد عليك المذاهب
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: أنبأنا أبو الأسود الخليل بن أسد، قال: أنبأنا العمري عن العتبي، قال: أجرى الوليد بن عبد الملك الخيل وعنده حارثة بن بدر الغداني، وهو حينئذ في ألف وستمائة من العطاء، فسبق الوليد، فقال حارثة: هذه فرصة. فقام فهنّاه ودعا له، ثم قال:
إلى الألفين مطّلع قريبزيادة أربع لي قد بقينا
فإن أهلك فهنّ لكم وإلافهنّ من المتاع لكم سنينا
فقال له الوليد: فتشاطرني ذلك: لك مائتان ولي مائتان. فصيّر عطاءه ألفا وثمانمائة. ثم أجرى الوليد الخيل، فسبق أيضا، فقال حارثة: هذه فرصة أخرى. فقام فهنأه ودعا له، ثم قال:
وما احتجب الألفان إلّا بهيّنهما الآن أدنى منهما قبل ذالكا
فجد بهما تفديك نفسي فإننيمعلّق آمالي ببعض حبالكا
فأمر الوليد له بالمائتين، فانصرف وعطاؤه ألفان.
أخبرني محمد بن يحيى، أنبأنا محمد بن زكريا، قال: أنبأنا مهدي بن سابق، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن شبيب بن شيبة، عن أبيه، قال: قال زياد يوما لحارثة بن بدر: من أخطب الناس، أنا أو أنت؟ فقال: الأمير أخطب مني إذا توعّد ووعد، وأعطى ومنع، وبرق ورعد، وأنا أخطب منه في الوفادة وفي الثناء والتّحبير، وأنا أكذب إذا خطبت، فأحشو كلامي بزيادة مليحة شهيّة، والأمير يقصد إلى الحقّ وميزان العدل ولا يزيد فيه شعيرة ولا ينقص منه. فقال له زياد: قاتلك اللّه! فلقد أجدت تخليص صفتك وصفتي، من حيث أعطيت نفسك الخطابة كلّها وأرضيتني وتخلّصت. ثم التفت إلى أولاده فقال: هذا لعمركم البيان الصريح.
أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكريا عن الحرمازيّ، قال: شرب حارثة بن بدر مع بني زياد ليلة إلى الصّبح فأكثر، وصرف ومزجوا، فلما أن غدا على زياد كان وجهه شديد الحمرة، ففطن له زياد، فقال: مالك يا حارثة؟ فقال: أكلت البارحة رمّانا فأكثرت. قال: قد عرفت مع من أكلته، ولكنهم قشّروه وأكلته بقشره فأصارك إلى ما ترى.
قال الحرمازي: قال بعض أهل العلم: إنّ زيادا استعمل حارثة على سرّق. فمات زياد وهو بها، ثم إنه بلغه موته، فقال حارثة يرثيه:
إن الرزيّة في قبر بمنزلةتجري عليها بظهر الكوفة المور
أدّت إليه قريش نعش سيدهاففيه ضافي النّدى والحزم مقبور
أبا المغيرة والدنيا مغيّرةوإنّ من غرّ بالدنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفةوكان عندك للنّكراء تنكير
وكنت تؤتي فتعطي الخير عن سعةفاليوم بابك دون الهجر مهجور
ولا تلين إذا عوسرت مقتسراوكلّ أمرك ما يوسرت ميسور
قال: وكان الذي أتاه بنعيه مسعود بن عمرو الأزديّ، فقال حارثة:
لقد جاء مسعود أخو الأزد غدوةبداهية غرّاء باد حجولها
من الشر ظلّ الناس فيها كأنهموقد جاء بالأخبار من لا يحيلها
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: أنبأنا العمري عن أحمد بن خالد بن منجوف، عن مؤرّج السّدوسي، قال: دخل حارثة بن بدر على عبيد اللّه بن زياد وعنده سعد الرّابية أحد بني عمرو بن يربوع بن حنظلة، وكان شريرا يضحك ابن زياد ويلهيه، وله يقول الفرزدق:
إني لأبغض سعدا أن أجاورهولا أحبّ بني عمرو بن يربوع
قوم إذا حاربوا لم يخشهم أحدوالجار فيهم ذليل غير ممنوع
فلما جلس حارثة قال له سعد: يا حارثة، أينع الكرم؟ قال: نعم، واستودع ماءه الأصيص، فمه؟ قال: إني لم أرد بأسا. قال: أجل! ولست من أهل البأس: ولكن هل لك علم بالأتان إذا اعتاص رحمها، كيف يسطى عليها، أكما يسطى على الفرس، أم كيف؟ قال: واحدة بواحدة، والبادي أظلم، سألتني عما لا علم لي به، وسألتك عما تعلم. قال: أنت بما سألتك عنه أعلم مني بما سألتني عنه، ولكن من شاء جهّل نفسه وأنكر ما يعرف. وقال حارثة يهجو سعدا:
لا ترج مني يا بن سعد هوادةولا صحبة ما أرزمت أمّ حائل
أعند الأمير ابن الأمير تعيبنيوأنت ابن عمرو مضحك في القبائل
ولو غيرنا يا سعد رمت حريمهبخسف لقد غودرت لحما لآكل
فشالت بك العنقاء أو صرت لحمةلأغبس عوّاء العشيّات عاسل
أخبرني هاشم بن محمد، قال: أنبأنا الرّياشي عن الأصمعي وأبي عبيدة، قالا: كان حارثة بن بدر يجالس مالك بن مسمع فإذا جاء وقت يشرب فيه قام، فأراد مالك أن يعلم من حضره أنه قام ليشرب، فقال له: إلى أين تمضي يا أبا العنبس؟ قال، أجيء بعبّاد بن الحصين يفقأ عينك الأخرى - وقال الأصمعيّ: «أمضي فأفقأ عين عبّاد بن الحصين لآخذ لك بثأرك - وكان عباد فقأ عين مالك يوم المربد.
قال: وذكر المدائنيّ أن حارثة بن بدر كان يومئذ - وهو يوم فتنة مسعود - على خيل حنظلة بإزاء بكر بن وائل، فجعل عبس بن مطلق بن ربيعة الصّريمي على الخيل بحيال الأزد، ومعه سعد والربّاب والأساورة، وقال حارثة بن بدر:
سيكفيك عبس أخو كهمسمقارعة الأزد بالمربد
ويكفيك عمرو وأشياعهلكيز بن أفصى وما عدّدوا
وأكفيك بكرّا إذا أقبلتبطعن يشيب له الأمرد
فلما اصطف الناس، أرسل مالك بن مسمع إلى ضرار بن القعقاع يسأله الصلح على أن يعطيه ما أحبّ، فقال له حارثة: إنه واللّه ما أرسل إليك نظرا لك ولا إبقاء عليك، ولكنه أراد أن يغري بينك وبين سعد. فمضى ضرار إلى راية الأحنف فحملها وحمل على مالك فهزمه، وفقئت عينه يومئذ.
أخبرني محمد بن يحيى قال: أنبأنا محمد بن زكريا، عن محمد بن سلام، عن أبي اليقظان قال: مرّ حارثة بن بدر بالمسجد الذي يقال له «مسجد الأحامرة» بالبصرة فرأى مشيخة قد خضبوا لحاهم بالحنّاء فقال: ما هذه الأحامرة؟ فالمسجد الآن يلقّب «مسجد الأحامرة» منذ يوم قال حارثة هذا القول.
أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكريا، عن القحذمي، قال: عرض لحارثة بن بدر رجل من الخلج في أمر كرهه عند زياد، فقال فيه حارثة:
لقد عجبت وكم للدهر من عجبمما تزيّد في أنسابها الخلج
كانوا خسّا أو زكّا من دون أربعةلم يخلقوا وجدود الناس تعتلج
الخسا: الفرد، والزّكا: الزوج.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: أنبأنا أحمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمدبن عمر بن زياد الكندي، قال: أنبأنا يحيى بن آدم، عن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كنت عند عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب فأنشدته لحارثة بن بدر:
وكان لنا نبع تقينا عروقهفقد بلغت إلا قليلا حلوقها
وشيّب رأسي واستخفّ حلومنارعود المنايا فوقنا وبروقها
وإنّا لتستحلي المنايا نفوسناونترك أخرى مرّة ما تذوقها
رأيت المنايا بادئات وعوداإلى دارنا سهلا إليها طريقها
فقد قسّمت نفسي فريقين منهمافريق مع الموتى وعندي فريقها
قال الشّعبي: فقال لي ابن جعفر: نحن كنا أحقّ بهذا الشعر. وجاءه غلامه بدراهم في منديل، فقال له: هذه غلّة أرضك بمكان كذا وكذا. فقال: ألقها في حجر الشّعبي. فألقاها في حجري.
أخبرني الحسن بن علي، قال: أنبأنا أحمد بن الحارث الخراز، عن المدائني، عن مسلمة بن محارب: أن زيادا استعمل حارثة بن بدر على كوار، وهو إذ ذاك عامل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه على فارس، وكان حارثة بن بدر صاحب شراب، فكتب زياد إلى حارثة يحثّه على جباية الخراج، فكتب إليه علقمة بن معبد المازني:
ألم تر أنّ حارثة بن بدريصلّي وهو أكفر من حمار
وأن المال يعرف من حواهويعرف بالزّواني والعقار
وقال المدائني في خبره هذا: حمل زياد بن أبيه حارثة بن بدر على بغلة يقال لها «أطلال» كان خرزاذ بن الهربد ابتاعها بأربعة آلاف درهم وأهداها له، فركبها حارثة، وكان فيها نفار، فصرعته عن ظهرها، فقام فركبها، وقال:
ما هاج أطلال بجنبي حرمهتحمل وضّاحا رفيع الحكمه
أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكرياء، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر عن أبي عبيدة وعبد اللّه بن محمد، قالا: مرّ سليمان بن عمرو بن مرثد بحارثة بن بدر وهو بفارس يريد خراسان، فأنزله وقراه وقرى أصحابه، وحملهم وإياه، فلما ركبوا للمسير قال سليمان:
قريت فأحسنت القرى وسقيتنامعتّقة صهباء كالعنبر الرّطب
وواسيتنا فيما ملكت تبرّعاوكنت ابن بدر نعم ذو منزل الرّكب
وأنت لعمري في تميم عمادهاإذا ما تداعت للعلى موضع القطب
وفارسها في كل يوم كريهةوملجؤها إن حلّ خطب من الخطب
وعندكم نال الغنى من أرادهإذا ما خطرتم كالضّراغمة الغلب
يرى الحلق الماذيّ فوق حمامتهمإذا الحرب شبّت بالمهنّدة القضب
وعند الرّخا والأمن غيث ورحمةلمن يعتريهم خائفا صولة الحرب
وجدتهم جودا صباحا وجوههمكراما على العلّات في فادح الخطب
كأن دنانيرا على قسماتهمإذا جئتهم قد خفت نكبا من النّكب
فمن مبلغ عنّي تميما فخيركمغدانة حقّا قاله غير ذي لعب
فقال حارثة يجيبه:
وأسحم ملآن جررت لفتيةكرام أبوهم خير بكر بن وائل
وأطولهم كفّا وأصدقهم حياوأكرمهم عند اختلاف المناصل
من المرثديّين الذين إذا انتدوارأيت نديّا جدّه غير خامل
فعالهم زين لهم ووجوههمتزين الذي يأتونه في المحافل
فسقيا ورعيا لابن عمرو بن مرثدسليمان ذي المجد التليد الحلاحل
فتى لم يزل يسمو إلى كل نجدةفيدرك ما أعيت يد المتناول
فحسبك بي علما به وبفضلهإذا ذكر الأقوام أهل الفضائل
أخبرني عمي، قال: أنبأنا الكراني، قال: أنبأنا العمري، عن عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان، قال: دخل أنس بن زنيم على عبيد اللّه بن زياد، وعنده حارثة بن بدر، وكان بينهما تعارض ومقارضة قبل ذلك، فلما خرج أنس قال عبيد اللّه لحارثة: أيّ رجل هو أنس عندك؟ قال: هو عندي - أصلح اللّه الأمير - كما قلت فيه:
يبيت بطينا من لحوم صديقهخميصا من التّقوى ومن طلب الحمد
ينام إذا ما الليل جنّ ظلامهويسري إلى حاجاته نومة الفهد
يراعي عذارى قومه كلما دجاله الليل والسو آت كالأسد الورد
جريئا على أكل الحرام وفعلهجبانا عن الأقران معترم الكرد
فلما كان من الغد، دخل أنس على عبيد اللّه، فقال له عبيد اللّه، بحضرة حارثة: إني سألت هذا عنك فأخبرني بما كرهته لك، ولم أكن إخالك كما نعتّ لي - فقال: أصلح اللّه الأمير، إن يكن قال خيرا فأنا أهله، وإن قال غير ذلك فلم يعد ما هو أولى به منّي، أما واللّه لو كان - أصلح اللّه الأمير - حقّا، لحفظ غيبتي، فلقد أوليته حسن الثّناء بما ليس أهله، واللّه يعلم أني كنت كاذبا، وما إخال ما قاله فيّ إلّا عقوبة، فإن عقوبة الكذب حاضرة، وثمرة الكذب الندامة، فقد لعمري أجنيتها بكذبي وقولي فيه ما ليس فيه. وهو عندي كما أقول - أصلح اللّه الأمير - وأنشد:
يحلى لي الطرف ابن بدر وإننيلأعرف في وجه ابن بدر لي البغضا
رآني شجّا في حلقه ما يسيغهفما إن يزال الدهر يجرض بي جرضا
وما لي من ذنب إليه علمتهسوى أن رآني في عشيرته محضا
وإنّ ابن بدر في تميم مكركسإذا سيم خسفا أو مشنّعة أغضى
فعش يا بن بدر ما بقيت كما أرىكثير الخنا لا تسأم الذلّ والغضّا
تعيب الرجال الصالحين وفعلهموتبذل بخلا دون ما نلته العرضا
وترضى بما لا يرتضي الحرّ مثلهوذو الحلم بالتّخييس والذّلّ لا يرضى
قال: وقال أنس في حارثة بن بدر ينسبه إلى الخمر والفجور:
أحار بن بدر باكر الراح إنهاتنسّيك ما قدّمت في سالف الدّهر
تنسّيك أسبابا عظاما ركبتهاوأنت على عمياء في سنن تجري
أتذكر ما أسديت واخترت فعلهوجئت من المكروه والشّر والنّكر
إذا قلت مهلا نلت عرضي فما الذيتعيب على مثلي هبلت أبا عمرو
أليس عظيما أن تكايد حرةمهفهفة الكشحين طيبة النّشر
فإن كنت قد أزمعت بشرك بالذيعرفت به إذ أنت تخزي ولا تدري
فدع عنك شرب الخمر وارجع إلى التيبها يرتضي أهل النباهة والذّكر
عليك نبيذ التمر إن كنت شاربافإن نبيذ التمر خير من الخمر
ألا إنّ شرب الخمر يزري بذي الحجىويذهب بالمال التّلاد وبالوفر
فصبرا عن الصّهباء واعلم بأننينصيح وأنّي قد كبرت عن الزّجر
وأنك إن كفكفتني عن نصيحةتركتك يا حار بن بدر إلى الحشر
أأبذل نصحي ثمّ تعصي نصيحتيوتهجرني عنها هبلت أبا بدر
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد، عن أبيه، قال: لما ولي حارثة بن بدر سرّق خرج معه المشيّعون من البصرة وفيهم أبو الأسود الدّؤلي، فلما انصرف المشيعون دنا منه أبو الأسود فقال له:
أحار بن بدر قد وليت إمارةفكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئا تصيبهفحظّك من ملك العراقين سرّق
فإن جميع الناس إما مكذّبيقول بما يهوى وإما مصدّق
يقولون أقوالا بظنّ وشبهةفإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا
فلا تعجزن فالعجز أبطأ مركبوما كل من يدعى إلى الرّزق يرزق
وكاثر تميما بالغنى إن للغنىلسانا به يسطو العييّ وينطق
فقال له حارثة:
جزاك مليك الناس خير جزائهفقد قلت معروفا وأوصيت كافيا
أمرت بحزم لو أمرت بغيرهلألفيتني فيه لرأيك عاصيا
ستلقى أخا يصفيك بالود حاضراويوليك حفظ الغيب إن كنت نائيا
أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن عاصم ابن الحدثان، قال: لما ندب حارثة بن بدر لقتال الأزارقة بدولاب لقيهم، فلما حميت الحرب بينهم واشتدّت، قال حارثة لأصحابه:
كرنبوا ودولبواوحيث شئتم فاذهبوا
ثم انهزم، فقال غوث بن الحباب يهجوه ويعيّره بالفرار، ويعيره بشرب الخمر ومعاقرتها.
أحار بن بدر دونك الكأس إنهابمثلك أولى من قراع الكتائب
عليك بها صهباء كالمسك ريحهايظلّ أخوها للعدا غيرهائب
فدع عنك أقواما وليت قتالهمفلست صبورا عند وقع القواضب
وخذها كعين الدّيك تشفي من الجوىوتترك ذا الهمّات حصر المذاهب
إذا شعشعت بالماء خلت حبابهانظائم درّ أو عيون الجنادب
كأنك إذ تحسو ثلاثة أكؤسمن التّيه قرم من قروم المرازب
ودع عنك أبناء الحروب وشدّهمإذا خطروا مثل الجمال المصاعب
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا العلاء بن الفضل بن أبي سوية، قال: حدّثني أبي، قال: كانت في تميم حمالتان، فاجتمعوا في مقبرة بني شيبان، فقال لهم الأحنف: لا تعجلوا حتى يحضر سيّدكم. فقالوا: من سيدنا غيرك؟ قال: حارثة بن بدر. قال: وقدم حارثة من الأهواز بمال كثير فبلغه ما قال الأحنف، فقال: اغرمنيها واللّه ابن الزّافريّة! ثم أتاهم كأنه لم يعلم فيما اجتمعوا، فقال فيم اجتمعتم؟ فأخبروه.
فقال: لا تلقوا فيهما أحدا فهما عليّ، ثم أتى منزله فقال:
خلت الديار فسدت غير مسوّدومن الشّقاء تفرّدي بالسّودد
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه، قال: خرج أصحاب الحديث إلى سفيان بن عيينة فازدحموا، فقال: لقد هممت ألا أحدثكم شهرا. فقام إليه شاب من أهل العراق، فقال له: يا أبا محمد، ألن جانبك، وحسّن قولك، وتأسّ بصالحي سلفك، وأجمل مجالسة جلسائك، فقد أصبحت بقية الناس، وأمينا للّه ورسوله على العلم، واللّه إن الرجل ليريد الحجّ فتتعاظمه مشقته حتى يكاد أن يقيم، فيكون لقاؤه إياك وطمعه فيك أكثر ما يحرّكه عليه. قال: فخضع سفيان وتواضع ورقّ وبكى، ثم تمثّل بقول حارثة:
خلت الديار فسدت غير مسوّدومن الشقاء تفرّدي بالسّودد
ثم حدّثهم بعد ذلك بكل ما أرادوا إلى أن رحلوا.
: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ ومحمد بن الحسين الكندي، قالا: حدثنا الخليل بن أسد، قال: حدثنا العمري، عن الهيثم بن عديّ، عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة: أن حارثة بن بدر الغداني كان سعى في الأرض فسادا، فأهدر عليّ ابن أبي طالب عليه السّلام دمه، فهرب فاستجار بأشراف الناس، فلم يجره أحد، فقيل له: عليك بسعيد بن قيس الهمدانيّ فلعله أن يجيرك. فطلب سعيدا فلم يجده، فجلس في طلبه حتى جاء، فأخذ بلجام فرسه فقال: أجرني أجارك اللّه، قال: ويحك، مالك؟
قال: أهدر أمير المؤمنين دمي. قال: وفيم ذاك؟ قال: سعيت في الأرض فسادا. قال: ومن أنت؟ قال: حارثة بن بدر الغداني. قال: أقم. وانصرف إلى عليّ عليه السّلام فوجده قائما على المنبر يخطب، فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء الّذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادا؟ قال: أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. قال: يا أمير المؤمنين، إلّا من؟ قال: إلّا من تاب. قال: فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائبا، وقد أجرته. قال: أنت رجل من المسلمين وقد أجرنا من أجرت. ثم قال عليّ عليه السّلام وهو على المنبر: أيها الناس، إني كنت نذرت دم حارثة بن بدر، فمن لقيه فلا يعرض له. فانصرف إليه سعيد بن قيس فأعلمه وحمله وكساه، وأجازه بجائزة سنية، فقال فيه حارثة:
اللّه يجزي سعيد الخير نافلةأعني سعيد بن قيس قرم همدان
أنقدني من شفا غبراء مظلمةلو لا شفاعته ألبست أكفاني
قالت تميم بن مرّ لا نخاطبهوقد أبت ذلكم قيس بن عيلان
قال الهيثم: لم يكن الحسن بن عمارة يروي من هذا الشعر غير هذه الثلاثة الأبيات، وأخذت الشعر كلّه من حماد الرّاوية، فقلت له: ممّن أخذته قال: من سمّاك ابن حرب. وهو:
أساغ في الحلق ريقا كان يجرضنيوأظهر اللّه سرّي بعد كتمان
إني تداركني عفّ شمائلهآباؤه حين ينمى خير قحطان
ينميه قيس وزيد والفتى كربوذو جبائر من أولاد عثمان
وذو رعين وسيف وابن ذي يزنوعلقم قبلهم أعني ابن نبهان
قال: فلما أراد الانصراف إلى البصرة شيّعه سعيد بن قيس إلى نهر البصريين في ألف راكب، وحمله وجهزه، فقال حارثة:
لقد سررت غداة النهر إذ برزتأشياخ همدان فيها المجد والخير
يقودهم ملك جزل مواهبهواري الزّناد لدى الخيرات مذكور
أعني سعيد بن قيس خير ذي يزنسامي العماد لدى السّلطان محبور
ما إن يلين إذا ما سيم منقصةلكن له غضب فيها وتنكير
أغرّ أبلج يستسقى الغمام بهجنابه الدهر يضحي وهو ممطور
أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا محمد بن زكريا، قال: حدّثنا محمد ابن معاوية الزيادي، عن القحذمي، قال: كان حارثة بن بدر فصيحا بليغا عارفا بأخبار الناس وأيامهم، حلوا شاعرا ذا فكاهة، فكان زياد يأنس به طول حياته، فلما مات وولي عبيد اللّه ابنه، كان يجفوه، فدخل إليه في جمهور الناس، فجلس متواريا منه حتى خفّ الناس، ثم قام فأذكره بحقوقه على زياد وأنسه به. فقال له: ما أعرفني بما قلت! غير أنّ أبي كان قد عرفه الناس وعرفوا سيرته، فلم يكن يلصق به من أهل الرّيبة مثل ما يلحقني، مع الشباب وقرب العهد بالإمارة، فأما إن قلت ما قلت فاختر مجالستي إن شئت ليلا وإن شئت نهارا. فقال: الليل أحبّ إليّ. فكان يدعوه ليلا فيسامره، فلما عرفه استحلاه، فغلب عليه ليله ونهاره حتى كان يغيب فيبعث من يحضره، فجاءه ليلة وبوجهه آثار، فقال له: ما هذا يا حار؟ قال: ركبت فرسي الأشقر فلجّج بي مضيقا فسحجني. قال: لكنك لو ركبت أحد الأشهبين لم يصبك شيء من هذا. يعني: اللبن والماء.
أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكريا، قال: أنبأنا محمد ابن معاوية الزيادي، عن القحذمي، عن عمه، قال: خرج حارثة بن بدر إلى سلّم بن زياد بخراسان فأوصى رجلا من غدانة أن يتعاهد امرأته الشّماء ويقوم بأمرها، فكان الغدانيّ يأتيها فيتحدث عندها ويطيل، حتى أحبّها وصبا بها، فكتب إلى حارثة يخبره أنها فسدت عليه وتغيّرت، ويشير عليه بفراقها، ويقول له: إنها قد فضحتك من تلعّب الرجال بها. فكتب إليها بطلاقها، وكتب في آخر كتابه:
ألا آذنا شمّاء بالبين إنهأبى أود الشمّاء أن يتقوّما
قال: فلما طلّقها وقضت عدّتها، خطبها الغدانيّ فتزوجها، وكان حارثة شديد الحبّ لها، وبلغه ذلك، وما صنعت، فقال:
لعمرك ما فارقت شمّاء عن قلىولكن أطلت النّأي عنها فملّت
مقيما بمرورّوذ لا أنا قافلإليها ولا تدنو إذا هي حلّت
أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكريا، قال: أنبأنا مهدي بن سابق، قال: أنبأنا عطاء، عن عاصم بن الحدثان، قال: تزوج حارثة بن بدر ميسة بنت جابر، وكانت تذكر بجمال وعقل ولسان، فلما هلك حارثة تزوّجها بشر بن شعاف بعده فلم تحمده، فقالت ترثي حارثة:
بدّلت بشرا شقاء أو معاقبةمن فارس كان قدما غير خوّار
يا ليتني قبل بشر كان عاجلنيداع من اللّه أو داع من النّار
وقالت أيضا فيه:
ما خار لي ذو العرش لمّا استخرتهوعذّبني أن صرت لابن شعاف
فما كان لي بعلا وما كان مثلهيكون حليفا أو ينال إلا في
فيا ربّ قد أوقعتني في بليّةفكن لي حصنا منه ربّ وكاف
ونحّ إلهي ربقتي من يد امرىءشتيم محيّاه لكل مصافي
هو السّوأة السّواء لا خير عندهلطالب خير أو أحذّ قوافي
يرى أكلة إن نلتها قلع ضرسهوما تلك زلفى يال عبد مناف
وإن حادث عضّ الشّعافيّ لم يكنصليبا ولا ذا تدرأ وقذاف
أخبرني محمد بن مزيد، قال: أنبأنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن عاصم ابن الحدثان، قال: لقي أنس بن زنيم الدّئلي حارثة بن بدر فقال له: يا حارثة، قد قلت لك أبياتا فاسمعها. فقال: هاتها، فأنشده:
فحتّى متى أنت ابن بدر مخيّموصحبك يحسون الحليب من الكرم
فإن كان شرّا فاله عنه وخلّهلغيرك من أهل التّخبّط والظّلم
وإن كان غنما يا بن بدر فقد أرىسئمت من الإكثار من ذلك الغنم
وإن كنت ذا علم بها واحتسائهافما لك تأتي ما يشينك عن علم
تق اللّه وأقبل يا بن بدر نصيحتيودعها لمن أمسى بعيدا من الحزم
فلو أنها كانت شرابا محلّلاوقلت لي اتركها لأوضعت في الحكم
وأيقنت أن القول ما قلت فانتفعبقولي ولا تجعل كلامي من الجرم
فربّ نصيح الجيب ردّ انتصاحهعليه بلا ذنب وعوجل بالشّتم
فقال له حارثة: لقد قلت فأحسنت، ونصحت فبالغت، جزيت الخير أبا زنيم. فلما رجع إلى منزله، أتاه ندماؤه فذكر لهم ما قال ابن زنيم، فقالوا: واللّه ما نرى ذلك إلا حسدا. ثم قال حارثة بن بدر لابن زنيم:
يعيب عليّ الرّاح من لو يذوقهالجنّ بها حتى يغيّب في القبر
فدعها أو امدحها فإنّا نحبّهاصراحا كما أغراك ربّك بالهجر
علام تذمّ الرّاح والرّاح كاسمهاتريح الفتى من همّه آخر الدّهر
فلمني فإن اللّوم فيها يزيدنيغراما بها إن الملامة قد تغرى
وباللّه أولي صادقا لو شربتهالأقصرت عن عذلي وملت إلى عذري
وإن شئت جرّبها وذقها عتيقةلها أرج كالمسك محمودة الخبر
فإن أنت لم تخلع عذارك فالحنيوقل لي لحاك اللّه من عاجز غمر
وقبلك ما قد لامني في اصطباحهاوفي شربها بدر فأعرضت عن بدر
وحاسيتها قوما كأنّ وجوههمدنانير في الّلأواء والزّمن النّكر
فدعني من التّعذل فيها فإننيخلقت أبيّا لا ألين على القسر
أجود وأعطي المنفسات تبرّعاوأغلي بها عند اليسارة والعسر
وأشربها حتى أخرّ مجدّلامعتّقة صهباء طيّبة النّشر
ولو لا النّهى لم أصح ما عشت ساعةولكنني نهنهت نفسي عن الهجر
فقصّرت عنها بعد طول لجاجةوحبّ لها في سرّ أمري وفي الهجر
وحقّ لمثلي أن يكفّ عن الخنىويقصر عن بعض الغواية والنّكر
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حمّاد عن أبيه، عن أبي عبيدة: أن عبيد اللّه بن زياد استعمل حارثة بن بدر على نيسابور فغاب عنه أشهرا، ثم قدم فدخل عليه، فقال له: ما جاء بك ولم أكتب إليك؟ قال: استنظفت خراجك وجئت به وليس لي بها عمل، فما مقامي؟ قال: أو بذلك أمرتك؟ ارجع فاردد عليهم الخراج وخذه منهم نجوما حتى تنقضي السنة وقد فرغت من ذلك، فإنه أرفق بالرعيّة وبك، واحذر أن تحملهم على بيع غلّاتهم ومواشيهم ولا التّعنيف عليهم. فرجع فردّ الخراج عليهم، وأقام يستخرجه منهم نجوما حتى مضت السنة.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدّثنا الرياشيّ عن الأصمعي، قال: قال الأحنف بن قيس: ما غبت عن أمر قطّ فحضره حارثة بن بدر إلا وثقت بإحكامه إيّاه وجودة عقده له، وكان حارثة بن بدر من الدّهاة.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابيّ، قال: كان حارثة بن بدر يصيب من الشراب، وكان حظيّا عند زياد، فعوتب زياد على رأيه فيه. فقال: أتلومونني على حارثة؟ فو اللّه ما تفل في مجلسي قطّ، ولا حكّ ركابه ركابي، ولا سار معي في علاوة الريح فغبّر عليّ، ولا دعوته قطّ فاحتجت إلى تجشّم الالتفات إليه حتى يوازيني، ولا شاورته في شيء إلا نصحني، ولا سألته عن شيء من أمر العرب وأخبارها إلا وجدته به بصيرا.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قالا: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا الأصمعيّ، قال: لما كان يوم دولاب وأفضت الحرب إلى حارثة بن بدر صاح: من جاءنا من الموالي فله فريضة العرب، ومن جاءنا من الأعراب فله فريضة المهاجر. فلما رأى ما يلقى أصحابه من الأزارقة قال:
أير الحمار فريضة لشبابكموالخصيتان فريضة الأعراب
عضّ الموالي جلد أير أبيهمإن الموالي معشر الخيّاب
ثم قال:
كرنبوا ودولبواوشرّقوا وغرّبوا
وحيث شئتم فاذهبوا
يعني بقوله «كرنبوا» أي خذوا طريق كرنبى، و «دولبوا»: خذوا طريق دولاب.
أخبرني محمد بن زكريا الصحّاف، قال: حدّثنا قعنب بن محرز، قال: حدثنا الهيثم بن عديّ، عن ابن عيّاش، عن المغيرة بن المنتشر، قال: إنّا عند عبيد اللّه بن زياد، وعنده الأحنف بن قيس وحارثة بن بدر، وكان حارثة يتّهم بالشراب. فقال له عبيد اللّه: يا حارثة، أيّ الشراب أطيب؟ قال: برّة طبريّة؛ بأقطة عنزبّة، بسمنة عربيّة، بسكرة سوسيّة. فتبسّم عبيد اللّه، ثم قال للأحنف: يا أبا بحر، أيّ الشّراب أطيب؟ قال: الخمر. فقال له عبيد اللّه: وما يدريك ولست من أهلها؟ قال: من يستحلّها لا يعدوها إلى غيرها، ومن يحرّمها يتأوّل فيها حتى يشربها. قال: فضحك عبيد اللّه.
أخبرني أحمد بن محمد أبو الحسن الأسدي وعمرو بن عبد اللّه العتكي، قالا: حدّثنا الرياشيّ. وقال العتكي في خبره: «عن أبي عبيدة»، ولم يقله الأسديّ ولا تجاوز الرياشيّ به: إن حارثة كان بكوار من أردشير خره يتنزه فقال:
ألم تر أن حارثة بن بدرأقام بدير أبلق من كوارا
ثم قال لجند كانوا معه: من أجاز هذا البيت فله حكمه. فقال له رجل منهم: أنا أجيزه على أن تجعل لي الأمان من غضبك، وتجعلني رسولك إلى البصرة، وتطلب لي القفل من الأمير. قال: ذلك لك. قال: ثم رد عليه نشيد البيت، فقال الرجل:
مقيما يشرب الصّهباء صرفاإذا ما قلت تصرعه استدارا
فقال له حارثة: لك شرطك، ولو كنت قلت لنا شيئا يسرنا لسررناك.
كتب إليّ أبو خليفة الفضل بن الحباب، أخبرنا محمد بن سلّام، قال: قدم الأبيرد الرّياحيّ على حارثة بن بدر فقال له: اكسني ثوبين أدخل بهما على الأمير. فكساه ثوبين لم يرضهما، فقال فيه:
أحارث أمسك فضل برديك إنماأجاع وأعرى اللّه من كنت كاسيا
وكنت إذا استمطرت منك سحابةلتمطرني عادت عجاجا وسافيا
أحارث عاود شربك الخمر إننيرأيت زيادا عنك أصبح لاهيا
فبلغت زيادا، وبلغت حارثة، فقال: قبحه اللّه! لقد شهد عليّ بما لم يعلم، ولم أدع جوابه إلّا لما يعلم.
أخبرني محمد بن مزيد، قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن عاصم ابن الحدثان، قال: كان الحكم بن المنذر بن الجارود يشرب الشراب، فقيل له في ذلك وعوتب، وعرف أن الصّلتان العبدي هجاه فقال فيه:
ترك الأشياء طرّا وانحنىيشرب الصّهباء من ماء العنب
لا يخاف الناس قد أدمنهاوهي تزري باللّئيم المؤتشب
وهي بالأشراف أزرى وإلىغاية التّأنيب تدعو ذا الحسب
فدع الخمر أبا حرب وسدقومك الأدنين من بين العرب
فقال: لعنه اللّه! واللّه ما ترك للصلح موضعا، ولقد صدق، ولو لا الشرب لكنت الرجل الكامل، وما يخفي عليّ قبيحه وسوء القالة فيه، ولكني سمعت حارثة بن بدر الغداني أنشد أبياتا يوما فحملتني على المجاهرة الشراب، وإن كان ذلك إليّ بغيضا. قيل له: وما الأبيات؟ قال: سمعته ينشد:
أذهب عني الغمّ والهمّ والذيبه تطرد الأحداث شرب المروّق
فو اللّه ما أنفكّ بالرّاح مهتراولو لا لام فيها كلّ حرّ موفّق
فما لائمي فيها وإن كان ناصحابأعلم منّي بالرّحيق المعتّق
ولكنّ قلبي مستهام بحبهاوحبّ القيان رأي كلّ محمّق
أحبّ التي لا أملك الدّهر بغضهاوذلك فعل معجب كلّ أخرق
سأشربها صرفا وأسقي صحابتيوأطلب غرّات الغزال المنطّق
أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن عاصم بن الحدثان، قال: كان لحارثة بن بدر نديم من قريش يصيب معه الشراب، ولا يفارقه إذا شرب، وقال فيه.
وأبيض من أولاد سعد بن مالكسقيت من الصّهباء حتى تقطّرا
وحتى رأى الشّخص القريب بسكرهشخوصا فنادى يال سعد وكبّرا
فقلت أسكران؟ فقال مكابراأبى اللّه لي أن أستخفّ وأسكرا
فقلت له اشرب هذه بابليّةتخال بها مسكا ذكيا وعنبرا
فلما حساها هرّها ثمّ إنّهتماسك شيئا واجما متفكّرا
وقال أعدها قلت صبرا سويعةفهوّم شيئا ثم قام فبربرا
فقلت له نم ساعة علّ ما أرىمن السّكر يبدي منك صرما مذكّرا
قال إسحاق: قال عاصم بن الحدثان:
كان أبو صخر مخارق بن صخر أحد بني ربيعة بن مالك شاعرا، وهو خال أبي حزانة، أو خال أبي جميعة، وكان صديقا لحارثة بن بدر، فدخل عليه يوما. وهو مصطبح، فعاتبه حارثة بن بدر وقال له: قد أسقطت الخمر قدرك ومروءتك. قال له: دع عنك هذا الجنون وهلمّ نتساعد واسمع ما قلت.
قال: هاته، فأنشده:
غدا ناصحا لم يأل جهدا مخارقيلوم على شرب السّلاف المعتّق
فقلت أبا صخر دع الناس يجهلواودونكها صهباء ذات تألّق
تراها إذا ما الماء خالط جسمهاتخايل في كفّ الوصيف المنطّق
لها أرج كالمسك تذهب ريحهاعماية حاسيها بحسن ترفّق
وكم لائم فيها بصير بفضلهارمته بسهم صائب متزلّق
فظلّ لريّاها يعضّ ندامةيديه وأرغى بعد طول تمطّق
وقال لك العذر ابن بدر على التيتسلّي هموم المستهام المشوّق
فلست ابن صخر تاركا شرب قهوةلقول لئيم جاهل متحذلق
يعيب عليّ الشّرب والشرب همّهليحسب ذا رأي أصيل مصدّق
فما أنا بالغرّ ابن صخر ولا الذييصمّم في شيء من الأمر موبق
فقال له مخارق بن صخر: إنما عاتبتك لأن الناس قد كثّروا فيك، ورأيت النصيحة للّه واجبة عليّ، وكرهت أن تضع لذّتك قدرك، فإن أطعتني في تركها وإلّا فلا تجاهر بها، فإنك قادر على أن تبلغ حاجتك في ستر. فقال حارثة: ما عندي غير ما سمعت، فتركه وانصرف.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: أنبأنا الرياشيّ عن محمد بن سلام، عن يونس بن حبيب، قال: لما بنى قيل مولى زياد داره بالسّبابجة، صنع طعاما ودعا أصحاب زياد، فدخلوا الحمام المعروف بحمّام فيل، وخرجوا فتغدّوا عنده، وركب فيل وأصحابه الهماليج والمقاريف والبغال، واجتاز بهم معه على حارثة بن بدر وأبي الأسود الدّؤليّ وهما جالسان، فقال أبو الأسود:
لعمر أبيك ما حمّام كسرىعلى الثّلثين من حمّام فيل
فقال له حارثة:
وما إيجافنا خلف المواليبسنّتنا على عهد الرّسول
أخبرني محمد بن مزيد، قال: أنبأنا حماد عن أبيه، عن عاصم بن الحدثان، قال: حدثني عمي عن الحارث الهجيمي، قال: ذكر حلم الأحنف بن قيس عند عبيد اللّه بن زياد وعنده حارثة بن بدر، فنفس عليه حارثة ذلك، فقال لعبيد اللّه: أيها الأمير، ما يبلغ حلم من لا قدرة له ولا يملك لعدوّه ضرّا ولا لصديقه نفعا. وإنما يتكلّف الدخول فيما لا يعنيه؟ فبلغ ذلك من قوله. الأحنف فقال: أهون بحارثة وكلامه؟ وما حارثة ومقداره؟ أليس الذي يقول - قبح اللّه رأيه - في قوله:
إذا ما شربت الراح أبدت مكارميوجدت بما حازت يداي من الوفر
وإن سبّني جهلا نديمي لم أزدعلى اشرب سقاك اللّه طيّبة النّشر
أرى ذاك حقّا واجبا لمنادميإذا قال لي غير الجميل من النّكر
أخبرني عمّي، قال: أنبأنا الكرانيّ، قال: أنبأنا الرياشيّ عن الأصمعي، قال: كان لحارثة بن بدر جارية يقال لها «ميسة» وكان بها مشغوفا، فلما مات تزوجت بعده بشر بن شغاف. فهؤلاء الشّغافيون من ولدها، وفيها يقول حارثة:
خليليّ لو لا حبّ ميسة لم أبلأفي اليوم لاقيت المنيّة أم غدا
خليليّ إن أفشيت سرّي إليكمافلا تجعلا سرّي حديثا مبدّدا
وإن أنتما أفشيتماه فلا رأتعيونكما يوم الحساب محمّدا
ولا زلتما في شقوة ما بقيتماتذوقان عيشا سيّ ء الحال أنكدا
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: أنبأنا الحسين بن عليل، قال: أنبأنا مسعود بن بشر عن أبي عبيدة، قال: اجتاز حارثة بن بدر الغداني بمجلس من مجالس قومه من بني تميم ومعه كعب مولاه، فكلما اجتاز بقوم قاموا إليه وقالوا: مرحبا بسيدنا، فلما ولّى قال له كعب: ما سمعت كلاما قطّ أقرّ لعيني ولا ألذّ بسمعي من هذا الكلام الذي سمعته اليوم. فقال له حارثة: لكني لم أسمع كلاما قطّ أكره لنفسي وأبغض إليّ مما سمعته. قال: ولم! قال: ويحك يا كعب! إنما سوّدني قومي حين ذهب خيارهم وأماثلهم، فاحفظ عني هذا البيت:
خلت الدّيار فسدت غير مسوّدومن الشّقاء تفرّدي بالسّودد
قال: واشتكى حارثة بن بدر وأشرف على الموت، فجعل قومه يعودونه فقالوا له: هل لك من حاجة أو شيء تريده؟ قال: نعم، اكسروا رجل مولاي كعب لئلا يبرح من عندي فإنه يؤنسني. ففعلوا، وأنشأ يقول:
يا كعب مهلا فلا تجزع على أحديا كعب لم يبق منّا غير أجساد
يا كعب ما راح من قوم ولا بكرواإلا وللموت في آثارهم حادي
يا كعب ما طلعت شمس ولا غربتإلّا تقرّب آجالا لميعاد
يا كعب كم من حمى قوم نزلت بهعلى صواعق من زجر وإيعاد
فإن لقيت بواد حيّة ذكرافاذهب ودعني أمارس حيّة الوادي
صوت
عش فحبيّك سريعا قاتليوالضّنى إن لم تصلني واصلي
ظفر الشّوق بقلب دنففيك والسّقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنىتركاني كالقضيب الذّابل
الشعر لخالد الكاتب، والغناء للمسدود، رمل مطلق في مجرى الوسطى. وذكر جحظة أن هذا الرمل أخذ عنه، وأنه أول صوت سمعه فكتبه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع