من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار العباس بن الأحنف ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو - فيما ذكر ابن النطّاح - العبّاس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة ابن جدّان بن كلدة من بني عديّ بن حنيفة.
وأخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني القاسم بن إسماعيل قال سمعت إبراهيم بن العبّاس يقول: العبّاس بن الأحنف بن الأسود بن قدامة بن هميان من بني هفان بن الحارث بن الذّهل بن الدّول بن حنيفة.
قال: وكان حاجب بن قدامة عمّ العبّاس من رجال الدّولة.
قال محمد بن يحيى وحدّثني أبو عبد اللّه الكنديّ قال حدّثني محمد بن بكر الحنفيّ الشاعر قال حدّثني أبي قال: سمعت العبّاس بن الأحنف يذكر أنّ هوذة بن عليّ الحنفيّ قد ولده من قبل بعض أمهاته.
وكان العبّاس شاعرا غزلا ظريفا مطبوعا، من شعراء الدّولة العبّاسيّة، وله مذهب حسن، ولديباجة شعره رونق، ولمعانيه عذوبة ولطف. ولم يكن يتجاوز الغزل إلى مديح ولا هجاء، ولا يتصرّف في شيء من هذه المعاني. وقدّمه أبو العباس المبرّد في كتّاب الرّوضة على نظرائه، وأطنب في وصفه، وقال: رأيت جماعة من الرّواة للشعر يقدّمونه. قال: وكان العبّاس من الظّرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلا ولم يكن فاسقا، وكان ظاهر النّعمة ملوكيّ المذهب شديد التّترّف، وذلك بيّن في شعره. وكان قصده الغزل وشغله النسيب، وكان حلوا مقبولا غزلا غزير الفكر واسع الكلام كثير التصرّف في الغزل وحده، ولم يكن هجّاء ولا مدّاحا.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا أبو ذكوان قال: سمعت إبراهيم بن العباس يصف العبّاس بن الأحنف، فقال: كان واللّه ممّن إذا تكلّم لم يحبّ سامعه أن يسكت، وكان فصيحا جميلا ظريف اللّسان، لو شئت أن تقول كلامه كله شعر لقلت.
حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثني عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر قال: رأيت نسخا من شعر العبّاس بن الأحنف بخراسان، وكان عليها مكتوب: «شعر الأمير أبي الفضل العبّاس».
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد قال حدّثني صالح بن عبد الوهاب: أنّ العبّاس بن الأحنف كان من عرب خراسان، ومنشؤه ببغداد، ولم تزل العلماء تقدّمه على كثير من المحدثين، ولا تزال قد ترى له الشيء البارع جدا حتى تلحقه بالمحسنين.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا يموت بن المزرّع قال.
سمعت خالي (يعني الجاحظ) يقول: لو لا أنّ العبّاس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاما وخاطرا ما قدّر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه، لأنه لا يهجو ولا يمدح ولا يتكسّب ولا يتصرّف، وما نعلم شاعرا لزم فنا واحدا لزومه فأحسن فيه وأكثر.
حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثنا محمد بن القاسم بن خلّاد قال: أنشد الحرمازيّ أبو عليّ وأنا حاضر للعبّاس بن الأحنف:
صوت
لا جزى اللّه دمع عيني خيراوجزى اللّه كلّ خير لساني
نمّ دمعي فليس يكتم شيئاورأيت اللّسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طيّفاستدلّوا عليه بالعنوان
- الغناء لعريب رمل - ثم قال الحرمازيّ: هذا واللّه طراز يطلب الشعراء مثله فلا يقدرون عليه.
أخبرني محمد قال حدّثني حسين بن فهم قال سمعت العطويّ يقول: كان العبّاس بن الأحنف شاعرا مجيدا غزلا، وكان أبو الهذيل العلّاف يبغضه ويلعنه لقوله:
إذا أردت سلوا كان ناصركمقلبي، وما أنا من قلبي بمنتصر
فأكثروا أو أقلّوا من إساءتكمفكلّ ذلك محمول على القدر
قال: فكان أبو الهذيل يلعنه لهذا ويقول: يعقد الكفر والفجور في شعره.
قال محمد بن يحيى: وأنشدني محمد بن العباس اليزيديّ شعرا للعباس أظنّه يهجو به أبا الهذيل - وما سمعت للعبّاس هجاء غيره -:
يا من يكذّب أخبار الرسول لقدأخطأت في كلّ ما تأتي وما تذر
كذّبت بالقدر الجاري عليك فقدأتاك منّي بما لا تشتهي القدر
حدثني محمد بن يحيى قال حدّثني محمد بن سعيد عن الرياشيّ قال: قيل للأصمعيّ - أو قلت له - ما أحسن ما تحفظ للمحدثين؟ قال: قول العبّاس بن الأحنف:
صوت
لو كنت عاتبة لسكّن روعتيأملي رضاك وزرت غير مرّاقب
لكن مللت فلم تكن لي حيلةصدّ الملول خلاف صدّ العاتب
الغناء للعبّاس أخي بحر رمل.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ ومحمد بن العبّاس اليزيديّ قالا، واللفظ لهاشم، قال حدّثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ قال: دخل عمّي على الرشيد والعبّاس بن الأحنف عنده، فقال العبّاسي للرشيد: دعني أعبث بالأصمعيّ. قال له الرشيد: إنه ليس ممن يحتمل العبث. فقال: لست أعبث به عبثا يشقّ عليه. قال: أنت أعلم. فلما دخل عمّي قال له: يا أبا سعيد، من الذي يقول:
إذا أحببت أن تصنع شيئا يعجب الناسا
فصوّر هاهنا فوزاوصوّر ثمّ عبّاسا
فإن لم يدنوا حتّىترى رأسيهما راسا
فكذّبها بما قاستوكذّبه بما قاسى
فقال له عمّي يعرّض بأنه نبطيّ: قاله الذي يقول:
إذا أحببت أن تبصر شيئا يعجب الخلقا
فصوّر هاهنا دوراوصوّر هاهنا فلقا
فإن لم يدنوا حتّىترى خلقيهما خلقا
فكذّبها بما لاقتوكذّبه بما يلقى
قال: فخجل العبّاس، وقال له الرشيد: قد نهيتك فلم تقبل.
حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال أنشدني إبراهيم بن العبّاسي للعبّاس بن الأحنف:
صوت
قالت ظلوم سميّة الظّلممالي رأيتك ناحل الجسم
يا من رمى قلبي فاقصدهأنت العليم بموضع السّهم
فقلت له: إن أبا حاتم السّجستانيّ حكى عن الأصمعيّ أنه أنشد للعبّاس بن الأحنف:
صوت
أتأذنون لصبّ في زيارتكمفعندكم شهوات السمع والبصر
لا يضمر السّوء إن طال الجلوس بهعفّ الضمير ولكن فاسق النظر
فقال الأصمعيّ: ما زال هذا الفتى يدخل يده في جرابه فلا يخرج شيئا، حتى أدخلها فأخرج هذا، ومن أدمن طلب شيء ظفر ببعضه. فقال إبراهيم بن العبّاس: أنا لا أدري ما قال الأصمعيّ، ولكن أنشدك للعبّاس ما لا تدفع أنت ولا غيرك فضله، ثم أنشدني قوله:
واللّه لو أنّ القلوب كقلبهامارقّ للولد الضعيف الوالد
وقوله:
لكن مللت فلم تكن لي حيلةصدّ الملول خلاف صدّ العاتب
وقوله:
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوىجاءت أمور لا تطاق كبار
ثم قال: هذا واللّه ما لا يقدر أحد على أن يقول مثله أبدا.
حدّثني عمّي قال حدّثني ميمون بن هارون قال: كنّا عند الحسن بن وهب فقال لبنان: غنّيني:
أتأذنون لصبّ في زيارتكمفعندكم شهوات السّمع والبصر
لا يضمر السوء إن طال الجلوس بهعفّ الضمير ولكن فاسق النظر
قال: فضحكت ثم قالت: فأيّ خير فيه إن كان كذا أو أيّ معنّى! فخجل الحسن من نادرتها عليه، وعجبنا من حدّة جوابها وفطنتها.
حدّثني الصّوليّ قال أخبرنا أحمد بن إسماعيل النّصيبيني قال سمعت سعيد بن جنيد يقول: ما أعرف أحسن من شعر العبّاس في إخفاء أمره حيث يقول:
أريدك بالسلام فأتّقيهمفأعمد بالسلام إلى سواك
وأكثر فيهم ضحكي ليخفىفسنّي ضاحك والقلب باك
حدّثني الصّولي قال حدّثني عليّ بن محمد بن نصر قال حدّثني خالي أحمد بن حمدون قال: كان بين الواثق وبين بعض جواريه شرّ فخرج كسلان، فلم أزل أنا والفتح بن خاقان نحتال لنشاطه، فرآني أضاحك الفتح فقال: قاتل اللّه ابن الأحنف حيث يقول:
عدل من اللّه أبكاني وأضحكهافالحمد للّه عدل كلّ ما صنعا
اليوم أبكي على قلبي وأندبهقلب ألحّ عليه الحبّ فانصدعا
فقال الفتح: أنت واللّه يا أمير المؤمنين في وضع التّمثّل موضعه أشعر منه وأعلم وأظرف.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلّبيّ عن أبيه قال: قالت للواثق جارية له كان يهواها وقد جرى بينهما عتب: إن كنت تستطيل بعزّ الخلافة فأنا أدلّ بعزّ الحبّ.
أتراك لم تسمع بخليفة عشق قبلك قطّ فاستوفى من معشوقه حقّه؛ ولكنّي لا أرى لي نظيرا في طاعتك. فقال الواثق: للّه درّ ابن الأحنف حيث يقول:
أما تحسبيني أرى للعاشقينبلى، ثم لست أرى لي نظيرا
لعلّ الذي بيديه الأمورسيجعل في الكره خيرا كثيرا
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني المغيرة بن محمد المهلّبيّ قال: سمعت الزبير يقول: ابن الأحنف أشعر الناس في قوله:
تعتلّ بالشّغل عنّا ما تكلّمناالشغل للقلب ليس الشغل للبدن
ويقول: لا أعلم شيئا من أمور الدنيا خيرها وشرّها إلا وهو يصلح أن يتمثّل فيه بهذا النصف الأخير.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن سعيد عن حماد بن إسحاق قال: كان أبي يقول: لقد ظرف ابن الأحنف في قوله يصف طول عهده بالنّوم:
قفا خبّراني أيّها الرجلانعن النوم إنّ الهجر عنه نهاني
وكيف يكون النوم أم كيف طعمهصفا النّوم لي إن كنتما تصفان
قال: على قلّة إعجابه بمثل هذه الأشعار.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني ميمون بن هارون بن مخلد قال حدّثنا أحمد بن إبراهيم قال: رأيت سلمة بن عاصم ومعه شعر العباس بن الأحنف، فعجبت منه وقلت: مثلك - أعزّك اللّه - يحمل هذا! فقال: ألا أحمل شعر من يقول:
صوت
أسأت أن أحسنت ظنّي بكموالحزم سوء الظنّ بالنّاس
يقلقني الشوق فآتيكموالقلب مملوء من الياس
غنّى هذين البيتين حسين بن محرز خفيف رمل بالوسطى. وأوّل الصوت:
يا فوز يا منية عبّاسواحربا من قلبك القاسي
وروى أحمد بن إبراهيم قال: أتاني أعرابيّ فصيح ظريف، فجعلت أكتب عنه أشياء حسانا؛ ثم قال: أنشدني لأصحابكم الحضريّين. فأنشدته للعبّاس بن الأحنف:
ذكرتك بالتّفّاح لمّا شممتهوبالرّاح لما قابلت أوجه الشّرب
تذكّرت بالتفّاح منك سوالفاوبالرّاح طعما من مقبّلك العذب
فقال: هذا عندك وأنت تكتب عنّي! لا أنشدك حرفا بعد هذا.
وحدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى الكاتب قال سمعت عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل يقول: ما
أعرف في العراق أحسن من قول ابن الأحنف:
سبحان ربّ العلا ما كان أغفلنيعما رمتني به الأيام والزمن
من لم يذق فرقة الأحباب ثم يرىآثارهم بعدهم لم يدر ما الحرن
قال أبو بكر: وقد غنّى عبد اللّه بن العبّاس فيه صوتا خفيف رمل.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا ميمون بن هارون قال: سمعت حسين بن الضّحّاك يقول: لو جاء العبّاس بن الأحنف بقوله ما قاله في بيتين في أبيات لعذر، وهو قوله:
لعمرك ما يستريح المحبّحتى يبوح بأسراره
فقد يكتم المرء أسرارهفتظهر في بعض أشعاره
ثم قال: أمّا قوله في هذا المعنى الذي لم يتقدّمه فيه أحد فهو:
الحبّ أملك للفؤاد بقهرهمن أن يرى للسّتر فيه نصيب
وإذا بدا سرّ اللبيب فإنّهلم يبد إلّا والفتى مغلوب
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني الغلابيّ قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال قال أبو العتاهية: ما حسدت أحدا إلا العبّاس بن الأحنف في قوله:
إذا امتنع القريب فلم تنلهعلى قرب فذاك هو البعيد
فإني كنت أولى به منه وهو بشعري أشبه منه بشعره. فقلت له: صدقت، هو يشبه شعرك.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني أبو الحسن الأنصاريّ قال: سمعت الكنديّ يقول: العباس بن الأحنف مليح ظريف حكيم جزل في شعره، وكان قليلا ما يرضيني الشعر. فكان ينشد له كثيرا:
صوت
ألا تعجبون كما أعجبحبيب يسيء ولا يعتب
وأبغي رضاه على سخطهفيأبى عليّ ويستصعب
فيا ليت حظّي إذا ما أسأت أنّك ترضى ولا تغضب
أخبرني الصوليّ قال حدّثنا محمد بن الفضل قال حدّثني حماد بن إسحاق قال: كان جدّي إبراهيم مشغوفا بشعر العبّاس، فتغنّى في كثير من شعره، فذكر أشعارا كثيرة حفظت منها:
صوت
وقد ملئت ماء الشّباب كأنّهاقضيب من الرّيحان ريّان أخضر
هم كتموني سيرهم حين أزمعواوقالوا اتّعدنا للرّواح وبكّروا
ذكر الهشاميّ أنّ اللحن في هذين البيتين لعلّوية رمل، وفي كتاب ابن المكيّ أنه لابن سريح، وهو غلط.
وقد أخبرني الحسن بن عليّ عن الحسين بن فهم قال: أنشد المأمون قول عبّاس بن الأحنف:
هم كتموني سيرهم حين أزمعواوقالوا اتّعدنا للرّواح وبكّروا
فقال المأمون: سخروا بأبي الفضل.
قال: وحفظت منها:
صوت
تمنّى رجال ما أحبّوا وإنماتمنّيت أن أشكو إليك وتسمعا
أرى كلّ معشوقيّن غيري وغيرهاقد استعذبا طول الهوى وتمتّعا
الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل بالبنصر. وفيه ثقيل أوّل بالوسطى ينسب إلى يزيد حوراء وإلى سليم بن سلّام.
قال وحفظت منها:
بكت عيني لأنواعمن الحزن وأوجاع
وأني كلّ يوم عندكم يحظى بي السّاعي
أعيش الدّهر إن عشتبقلب منك مرتاع
وإن حلّ بي البعدسينعاني لك النّاعي
الغناء لإبراهيم الموصليّ ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفي كتاب إبراهيم بن المهديّ الذي رواه الهشاميّ عنه أن لإبراهيم بن المهديّ فيه لحنين: ثقيلا أوّل وماخوريا. وفيه هزج محدث.
أخبرني الصوليّ قال حدّثنا أصحابنا عن محمد بن الفضل عن حمّاد بن إسحاق قال: ما غنّى جدّي في شعر أحد من الشعراء أكثر ممّا غنّى في شعر ذي الرّمّة وعبّاس بن الأحنف.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه التّميميّ قال: كنا في مجلس ابن الأعرابيّ، إذ أقبل رجل من ولد سعيد بن سالم كان يلزم ابن الأعرابيّ، وكان يحبّه ويأنس به، فقال له: ما أخّرك عنّي؟ فاعتذر بأشياء ثم قال: كنت مع مخارق عند بعض بني الرّشيد فوهب له مائة ألف درهم على صوت غنّاه به، فاستكثر ذلك ابن الأعرابيّ واستهاله وعجب منه، وقال: ما هو؟ قال: غنّاه بشعر عبّاس بن الأحنف:
بكت عيني لأنواعمن الحزن وأوجاع
وأني كل يوم عندكم يحظى بي السّاعي
فقال ابن الأعرابيّ: أمّا الغناء فما أدري ما هو، ولكن هذا واللّه كلام قريب مليح.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن الهيثم قال حدّثني محمد بن عمرو الرّوميّ قال: كنّا عند الواثق فقال: أريد أن أصنع لحنا في شعر معناه أنّ الإنسان كائنا من كان لا يقدر على الاحتراس من عدوّه، فهل تعرفون في هذا شيئا؟ فأنشدنا ضروبا من الأشعار؛ فقال: ما جئتم بشيء مثل قول عبّاس بن الأحنف:
قلبي إلى ما ضرّني داعييكثر أسقامي وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوّي إذاكان عدوّي بين أضلاعي
أسلمني للحبّ أشياعيلمّا سعى بي عندها السّاعي
لقلّما أبقى على كلّ ذايوشك أن ينعاني النّاعي
قال: فعمل فيه الواثق لحنه الثقيل الأوّل، النّشيد بالوسطى.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى أو حدّثت به عنه عن عليّ بن الجهم قال: انصرفت ليلة من عند المتوكل، فلما دخلت منزلي جاءني رسوله يطلبني، فراعني ذلك وقلت: بلاء تتبّعت به بعد انصرافي، فرجعت إليه وجلا، فأدخلت عليه وهو في مرقده. فلما رآني ضحك، فأيقنت بالسلامة؛ فقال: يا عليّ، أنا مذ فارقتك ساهر؛ خطر على قلبي هذا الشعر الذي يغنّي فيه أخي، قول الشاعر: قلبي إلى ما ضرّني داعي الأبيات. فحرصت أن أعمل مثل هذا فلم يجئني، أو أن أعمل مثل اللّحن فما أمكنني؛ فوجدت في نفسي نقصا، فقلت: يا سيّدي، كان أخوك خليفة يغنّي وأنت خليفة لا تغنّى؛ فقال: قد واللّه أهديت إلى عيني نوما، أعطوه ألف دينار، فأخذتها وانصرفت.
أنشد أبو الحارث جميز من شعره فقال: إنه قاله في طباخة: وجدت في كتاب الشّاهيني بغير إسناد: أنشد أبو الحارث جمّيز قول العباس بن الأحنف.
قلبي إلى ما ضرّني داعي
الأبيات. فبكى ثم قال: هذا شعر رجل جائع في جارية طبّاخة مليحة، فقلت له: من أين قلت ذاك؟ قال: لأنه بدأ فقال:
قلبي إلى ما ضرّني داعي
وكذلك الإنسان يدعوه قلبه وشهوته إلى ما يضرّه من الطّعام والشّراب فيأكله، فتكثر عللّه وأوجاعه، وهذا تعريض، ثم صرّح فقال:
كيف احتراسي من عدوّي إذاكان عدوّي بين أضلاعي
وليس للإنسان عدوّ بين أضلاعه إلّا معدته، فهي تتلف ماله، وهي سبب أسقامه، وهي مفتاح كلّ بلاء عليه، ثم قال:
إن دام لي هجرك يا مالكيأوشك أن ينعاني النّاعي
فعلمت أنّ الطبّاخة كانت صديقته، وأنها هجرته ففقدها وفقد الطّعام، فلو دام ذلك عليه لمات جوعا ونعاه النّاعي.
وحدّثني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن عيسى قال: جاء عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع إلى الحسن بن وهب، وعنده بنان جارية محمد بن حمّاد، وهي نائمة سكرى وهو يبكي عندها. فقال له: مالك؟ قال: قد كنت نائما فجاءتني فأنبهتني وقالت: اجلس حتى تشرب فجلست، فو اللّه ما غنّت عشرة أصوات حتى نامت وما شربت إلّا قليلا، فذكرت قول أشعر الناس وأظرفهم، العبّاس بن الأحنف.
صوت
أبكى الذين أذاقوني مودّتهمحتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
فأنا أبكي وأنشد هذا البيت.
وحدّثني الصّوليّ قال حدّثني القاسم بن إسماعيل قال: سمعت إبراهيم بن العبّاس يقول: ما رأيت كلاما محدثا أجزل في رقّة، ولا أصعب في سهولة، ولا أبلغ في إيجاز، من قول العباس بن الأحنف:
تعالي تجدّد دارس العهد بينناكلانا على طول الجفاء ملوم
قال الصّوليّ: ووجدت بخطّ عبد اللّه بن الحسن: أنشد أبو محمد الحسن بن مخلد قال: أنشدني إبراهيم بن العباس بن الأحنف:
صوت
إن قال لم يفعل وإن سيل لميبذل وإن عوتب لم يعتب
صبّ بعصياني ولو قال ليلا تشرب البارد لم أشرب
إليك أشكو ربّ ما حلّ بيمن صدّ هذا المذنب المغضب
غنّى في هذه الأبيات أحمد بن صدقة هزجا بالوسطى. وفيها لحن آخر لغيره - قال الحسن بن مخلد: ثم قال لي إبراهيم بن العباس: هذا واللّه الكلام الحسن المعنى، السهل المورد، القريب المتناول، المليح اللفظ، العذب المستمع.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلّبيّ قال: سمعت عليّ بن يحيى يقول: من الشعر المرزوق من المغنّين خاصّة العباس بن الأحنف، وخاصّة قوله:
نام من أهدى لي الأرقامستريحا سامني قلقا
فإنه غنّى فيه جماعة من المغنّين، منهم إبراهيم الموصليّ وابنه إسحاق وغيرهما. قال: وكان يستحسن هذا الشعر، وأظن استحسانه إيّاه حمله على أن قال في رويّه وقافيته:
بأبي واللّه من طرقاكابتسام البرق إذ خفقا
وعمل فيه لحنا من خفيف الثقيل في الإصبع الوسطى. هكذا رواه الصّوليّ: وأخبرني جحظة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق قال: قال أبي: هذا الصوت: نام من أهدى لي الأرقا
من الأشعار المحظوظة في الغناء لكثرة ما فيه من الصّنعة واشتراك المغنين في ألحانه. وذكر محمد بن الحسن الكاتب عن عليّ بن محمد بن نصر عن جدّه حمدون أنّه قال ذلك ولم يذكره عن إسحاق.
نسبة هذين الصوتين منهما
صوت
نام من أهدى لي الأرقامستريحا زادني قلقا
لو يبيت الناس كلّهمبسهادي بيّض الحدقا
كان لي قلب أعيش بهفاصطلى بالحبّ فاحترقا
أنا لم أرزق مودّتكمإنما للعبد ما رزقا
لإسحاق في هذا الشعر خفيف بالوسطى في مجراها. ولأبيه إبراهيم أيضا فيه خفيف ثقيل آخر. ولابن جامع فيه لحنان: رمل مطلق في مجرى الوسطى في الأوّل والثالث، وخفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى أيضا في الأبيات كلها. وفيه لسليم هزج، وفيه لعّلويه ثقيل أوّل.
نسبة صوت علي بن يحيى
صوت
بأبي واللّه من طرقاكابتسام البرق إذ خفقا
زادني شوقا بزورتهوملا قلبي به حرقا
من لقلب هائم دنفكلّما سلّيته قلقا
زارني طيف الحبيب فمازاد أن أغرى بي الأرقا
الشعر لعليّ بن يحيى، وذكر الصّوليّ أن الغناء له خفيف ثقيل أوّل بالوسطى.
وذكر أبو العبيس بن حمدون أنّ هذا الخفيف الثقيل من صنعته. وفيه لعريب ثاني ثقيل بالوسطى أيضا.
حدّثني الصّوليّ قال: سمعت عبد اللّه بن المعتزّ يقول: لو قيل: ما أحسن شيء تعرفه؟ قلت: شعر العبّاس بن الأحنف:
صوت
قد سحّب الناس أذيال الظنون بناوفرّق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمي بالحبّ غيركموصادق ليس يدري أنّه صدقا
قال: وللمسدود في هذا الشعر لحن. قال: ولم يغنّ المسدود أحسن من غنائه في شعر العبّاس بن الأحنف. هكذا ذكر الصّوليّ، ولم يأت بغير هذا. ولإسحاق في هذين البيتين ثقيل أوّل بالبنصر من نسخة عمرو بن بانة الثانية. ولابن جامع ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ. وليزيد حوراء خفيف ثقيل عنه. وللمسدود رمل.
ولعبد اللّه بن العباس الرّبيعيّ خفيف رمل.
وأخبرني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن سعيد قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: غضب الفضل بن الربيع على جارية له كانت أحبّ الناس إليه، فتأخّرت عن استرضائه، فغمّه ذلك، فوجّه إلى أبي يعلمه ويشكوها إليه. فكتب إليه أبي: لك العزّة والشرف، ولأعدائك الذّل والرّغم. واستعمل قول العباس بن الأحنف:
تحمّل عظيم الذنب ممّن تحبّهوإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنك إلّا تغفر الذنب في الهوىيفارقك من تهوى وأنفك راغم
فقال: صدقت، وبعث إليها فترضّاها.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني أبو بكر بن أبي خيثمة قال: قيل لمصعب الزّبيري: إن الناس يستبردون شعر العباس بن الأحنف. فقال: لقد ظلموه، أليس الذي يقول:
صوت
قالت ظلوم سميّة الظّلممالي رأيتك ناحل الجسم
يا من رمى قلبي فاقصدهأنت العليم بموقع السّهم
الغناء لأبي العبيس أو ابنه إبراهيم، ماخوريّ.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا ميمون بن هارون قال حدّثني أبو عبد اللّه الهشاميّ الحسن بن أحمد قال حدّثنا عمرو بن بانة قال: كنّا في دار أمّ جعفر جماعة من الشعراء والمغنّين، فخرجت جارية لها وكمّها مملوء دراهم، فقالت: أيّكم القائل:
من ذا يعيرك عينة تبكي بهاأرأيت عينا للبكاء تعار
فأومىء إلى العباس بن الأحنف، فنثرت الدراهم في حجره فنفضها فلقطها الفرّاشون، ثم دخلت ومعها ثلاثة نفر من الفرّاشين على عنق كلّ فرّاش بدرة فيها دراهم، فمضوا بها إلى منزل العبّاس بن الأحنف:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال: أنشد الرشيد قول العبّاس بن الأحنف:
من ذا يعيرك عينه تبكي بها
فقال: من لا صحبه اللّه ولا حاطه.
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني عون بن محمّد الكنديّ قال: كنّا مع مخلد الموصليّ في مجلس وكان معنا عبد اللّه بن ربيعة الرّقّيّ؛ فأنشد مخلد الموصلي قصيدة له يقول فيها:
كلّ شيء أقوى عليه ولكنليس لي بالفراق منك يدان
فجعل يستحسنه ويردّده، فقال له عبد اللّه: أنت الفداء لمن ابتدأ هذا المعنى فأحسن فيه حيث يقول:
سلبتني من السّرور ثياباوكستني من الهموم ثيابا
كلما أغلقت من الوصل بابافتحت لي إلى المنيّة بابا
عذّبيني بكلّ شيء سوى الصدّ فما ذقت كالصدود عذابا
قال: فضحك الموصليّ. والشعر للعباس بن الأحنف.
وأخبرني الصّوليّ قال حدّثني أبو الحسن الأسديّ قال: سمع الرّياشيّ يقول، وقد ذكر عنده العباس بن الأحنف: واللّه لو لم يقلّ من الشعر إلا هذين البيتين لكفيا:
صوت
أحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
صرت كأني ذبالة نصبتتضيء للنّاس وهي تحترق
وفي هذين البيتين لحن لعبد اللّه بن العبّاس من الثقيل الثاني بالبنصر. وفيه لخزرج رمل أوّل عن عبد اللّه بن العبّاس:
أنت لا نعلمين ما الهمّ والحزن ولا تعلمين ما الأرق
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد المبرّد قال حدّثني بعض مشايخ الأزد عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ قال: كان الرشيد يقدّم أبا العتاهية حتى يجوز الحدّ في تقديمه، وكنت أقدّم العبّاس بن الأحنف؛ فاغتابني بعض الناس عند الرشيد وعابني عنده، وقال عقب ذلك: وبحسبك يا أمير المؤمنين أنه يخالفك في العباس بن الأحنف على حداثة سنّه وقلّة حذقه وتجريبه، ويقدّمه على أبي العتاهية مع ميلك إليه. وبلغني الخبر فدخلت على الرّشيد؛ فقال لي ابتداء: أيما أشعر عندك: العباس بن الأحنف أو أبو العتاهية؟ فعلمت الذي يريد، فأطرقت كأني مستثبت ثم قلت: أبو العتاهية أشعر. قال: أنشدني لهذا ولهذا؛ قلت: فبأيّهما أبدأ؟ قال: بالعباس. قال: فأنشدته أجود ما أرويه للعبّاس، وهو قوله:
أحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
فقال لي: أحسن، فأنشدني لأبي العتاهية، فأنشدته أضعف ما أقدر عليه، وهو قوله:
كأنّ عتّابة من حسنهادمية قسّ فتنت قسّها
يا ربّ لو أنسيتنيها بمافي جنّة الفردوس لم أنسها
إني إذا مثل التي لم تزلدائبة في طحنها كدسها
حتى إذا لم يبق منها سوىحفنة برّ قتلت نفسها
قال: أتعيّره هذا! فأين أنت عن قوله:
قال لي أحمد ولم يدر ما بيأتحبّ الغداة عتبة حقّا
فتنفّست ثم قلت نعم حبّا جرى في العروق عرقا فعرقا
ويحك! أتعرف لأحد مثل هذا، أو تعرف أحدا سبقه إلى قوله: «فتنفّست ثم قلت كذا وكذا»! اذهب ويحك فاحفظها؛ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ولو كنت سمعت بها لحفظتها. قال إسحاق: وما أشكّ إني كنت أحفظ لها حينئذ من أبي العتاهية، ولكنّي إنما أنشدت ما أنشدت تعصّبا.
قال محمد بن يزيد: وحدّثت من غير وجه أنّ الرشيد ألف العباس بن الأحنف؛ فلما خرج إلى خراسان طال مقامه بها، ثم خرج إلى أرمينية والعباس معه ماشيا إلى بغداد، فعارضه في طريقه فأنشده:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بناثم القفول فقد جئنا خراسانا
ما أقدر اللّه أن يدني على شحطسكان دجلة من سكّان جيحان
متى الذي كنت أرجوه وآملهأمّا الذي كنت أخشاه فقد كانا
عين الزمان أصابتنا فلا نظرتوعذّبت بصنوف الهجر ألوانا
- في هذين البيتين الأخيرين رمل بالوسطى ينسب إلى مخارق وإلى غيره - قال فقال له الرشيد: قد اشتقت يا عبّاس وأذنت لك خاصة، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم قال: سمعت مصعبّا الزّبيريّ يقول: العباس بن الأحنف وعمرو العرّاف ما ابتدلا شعرهما في رغبة ولا رهبة، ولكن فيما أحبّاه، فلزما فنّا واحدا لو لزمه غيرهما ممّن يكثر إكثارهما لضعف فيه.
ذكر الأصوات التي تجمع النّغم العشر
منها:
صوت
توهّمت بالخيف رسما محيلالعزّة تعرف منه الطّلولا
تبدّل بالحيّ صوت الصّدىونوح الحمامة تدعو هديلا
عروضه من المتقارب. الخيف الذي عناه كثيّر ليس بخيف منّي، بل هو موضع آخر في بلاد ضمرة.
والطّلول: جمع طلل، وهو ما كان له شخص وجسم عال من آثار الدّيار. والرّسم ما لم يكن له شخص وجسم. والصّدى هاهنا: طائر، وفي موضع آخر: العطش. ويزعم أهل الجاهليّة أن الصّدى طائر يخرج من رأس المقتول فلا يزال يصيح أسقوني حتى يدرك بثأره. قال طرفة:
كريم يروّي نفسه في حياتهستعلم إن متنا صدّى أيّنا الصّدي
والحمام: القماريّ ونحوها من الطير. والهديل: أصواتها.
الشعر لكثيّر والغناء لعبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر، ونسبه إلى جاريته وكنى عنها، فذكر أن الصّنعة لبعض من كثرت دربته بالغناء وعظم علمه وأتعب نفسه حتى جمع النّغم العشر في هذا الصوت، وذكر أن طريقته من الثقيل الأوّل، وأنّه ليس يجوز أن ينسبه إلى موضع إصبع مفردة؛ لأن ابتداءه على المثنى مطلقا، ثم بسبّابة المثنى، ثم وسطى المثنى، ثم بنصر المثنى، ثم خنصر المثنى، ثم سبّابة الزّير، ثم وسطاه، ثم بنصره، ثم خنصره، ثم النّغمة الحادّة، وهي العاشرة. وفيه لابن محرز ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر. وفيه لابن الهربذ رمل بالوسطى عن عمرو، وهذا الصوت من الثقيل الثاني، وهو الذي ذكر إسحاق في كتاب النّغم وعللها أن لحن ابن محرز فيه يجمع ثمانيا من النغم العشر، وأنه لا يعرف صوتا يجمعها غيره، وأنه يمكن من كان له علم ثاقب بالصناعة أن يأتي في صوت واحد بالنّغم العشر، بعد تعب طويل ومعاناة شديدة. وذكر عبيد اللّه أن صانع هذا الصوت الذي كنى عنه فعل ذلك وتلطّف له حتى أتى بالنغم العشر في هذا متوالية من أوّلها إلى آخرها، وأتى بها في الصوت الذي بعده متفرّقة على غير توال إلّا أنها كلّها فيه، وذكر أن ذلك الصوت أحسن مسموعا وأحلى. وحكى ذلك أيضا عنه
يحيى بن عليّ بن يحيى في «كتاب النّغم». وإذ فرغت من حكاية ما ذكره وحكاه عبيد اللّه في نسبة هذا الصوت فقد ينبغي ألّا أجرى الأمر فيه على التقليد دون القول الصحيح فيما ذكره وحكاه. والذي وصفه من جهة النغم العشر متوالية في صوت واحد محال لا حقيقة له، ولا يمكن أحدا بتّة أن يفعله. وأنا أبيّن العلّة في ذلك على تقريب، إذ كان استقصاء شرحها طويلا. وقد ذكرته في رسالة إلى بعض إخواني في علل النغم، وشرحت هناك العلّة في أن قسّم الغناء قسمين وجعل على مجريين: الوسطى والبنصر دون غيرهما، حتى لا يدخل واحدة منهما على صاحبتها في مجراها قرب مخرج الصوت، إذا كان على الوسطى منه إذا كان على البنصر وشبهه به. فإذا أراد مريد إلحاق هذا بهذا لم يمكنه بتّة على وجه ولا سبب؛ ولا يوجد في استطاعة حيوان أن يتلو إحداهما بالأخرى. وإذا أتبعت إحداهما بالأخرى في ناي أو آلة من آلات الزمر تفصّلت إحداهما من الأخرى. وإنما قلّت النغم في غناء الأوائل لأنهم قسّموها قسمين بين هاتين الإصبعين، فوجدوهما إذا دخلت إحداهما مع الأخرى في طريقتها لم يكن ذلك إلا بعد أن يفصل بينهما بنغم أخرى للسبّابة والخنصر يدخل بينهما حتى تتباعد المسافة بينهما، ثم لا يكون لذلك الغناء ملاحة ولا طيب للمضادّة في المجريين، فتركوه ولم يستعملوه؛ فإن كان صحّ لعبيد اللّه عمل في النغم العشر في صوت، فلعلّه صحّ له في الصوت الذي ذكر أنه فرّقها فيه؛ فأما المتوالية - على ما ذكره هاهنا - فمحال، ولست أقدر في هذا الموضع على شرح أكثر من هذا، وهو في الرسالة التي ذكرتها مشروح.
صوت من المائة المختارة
يا دار عبلة من مشارق مأسلدرس الشّؤون وعهدها لم ينجل
واستبدلت عفر الظّباء كأنماأبعارها في الصّيف حبّ الفلفل
ذكر يحيى بن عليّ أن الشعر لعنترة بن شدّاد، وليس ذلك بصحيح. وذكر غيره من الرّواة أنه لعبد قيس بن خفاف البرجمي، وليس ذلك بصحيح أيضا، والشعر لحارثة بن بدر الغداني من قصيدة له طويلة يفتخر فيها ويذكر سالف أيامه. وقد ذكرت المختار منها بعقب أخبار حارثة وبعد انقضائها. والغناء المختار لأبي دلف العجلي، ولحنه في المختار ثقيل أول، وفيه ألحان كثيرة.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع