تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر أخبار الفرزدق في هذا الشعر خاصة دون غيره

ديوان الفرزدقفيه ١٣١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

لأنّ أخباره كثيرة جدّا، فكرهت أن أثبتها ها هنا في غناء مشكوك فيه، فذكرت نسبه وخبره في هذا الشعر خاصة، وأخباره تأتي بعد هذا في موضع مفرد يتسع لطول أحاديثه

الفرزدق لقب غلب عليه. واسمه همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.

وهو وجرير والأخطل أشعر طبقات الإسلامييّن والمقدّم في الطبقة الأولى منهم. وأخباره تذكر مفردة في موضع آخر يتّسع لها، ونذكر هاهنا في هذا المعنى. فأخبرني خبره في ذلك جماعة. فممّن أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة، وأخبرني به أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلّام، وأخبرني به محمد ابن العباس اليزيديّ عن السّكّريّ عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة وابن الأعرابيّ، قال عمر بن شبّة خاصّة في خبره حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثني أبي:

أنّ عبد اللّه بن الزّبير تزوّج تماضر بنت منظور بن زبّان، وأمّها مليكة بنت خارجة بن سنان بن أبي حارثة، فخاصم الفرزدق امرأته النّوار إلى ابن الزّبير. هكذا ذكر محمد بن يحيى ولم يذكر السبب في الخصومة، وذكرها عمر بن شبّة ولم يروها عن أحد، وذكرها ابن حبيب عن أصحابه، وذكرها أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة: أن رجلا من بني أميّة خطب النّوار بنت أعين المجاشعيّة، فرضيته وجعلت أمرها إلى الفرزدق. فقال لها: أشهدي لي بذلك على نفسك شهودا ففعلت، واجتمع الناس لذلك. فتكلّم الفرزدق ثم قال: اشهدوا أنّي قد تزوّجتها وأصدقتها كذا وكذا، فأنا ابن عمّها وأحقّ بها. فبلغ ذلك النّوار فأبته واستترت من الفرزدق وجزعت ولجأت إلى بني قيس بن عاصم المنقريّ. فقال فيها:

بني عاصم لا تلجئوها فإنكمملاجىء للسّوءات دسم العمائم
بني عاصم لو كان حيّا أبوكمللام بنيه اليوم قيس بن عاصم

فقالوا: واللّه لئن زدت على هذين البيتين لتقتلنّك غيلة. فنافرته إلى عبد اللّه بن الزّبير وأرادت الخروج إليه؛ فتحامى الناس كراءها. ثم إن رجلا من بني عديّ يقال له زهير بن ثعلبة وقوما يعرفون ببني أمّ النّسير أكروها؛ فقال الفرزدق:

ولو لا أن تقول بنو عنديّأليست أمّ حنظلة النّوار
أتتكم يا بني ملكان عنّيقواف لا تقسّمها التّجار

يعني بالنّوار هاهنا بنت جلّ بن عديّ بن عبد مناة وهي أمّ حنظلة بن مالك بن زيد مناة وهي إحدى جدّاته. وقال فيها أيضا:

سرى بالنّوار عوهجيّ يسوقهعبيد قصير الشّبر نائي الأقارب
تؤمّ بلاد الأمن دائبة السّرىإلى خير وال من لؤيّ بن غالب
فدونك عرسي تبتغي نقض عقدتيوإبطال حقّي باليمين الكواذب

وقال أيضا:

ولو لا أنّ أمّي من عديّوأني كاره سخط الرّباب
إذا لأتى الدواهي من قريبجزاء غير منصرف العقاب
وصلت على بني ملكان منّيبجيش غير منتظر الإياب

وقال لزهير أيضا:

لبئس العب ء يحمله زهيرعلى أعجاز صرمته نوار
لقد أهدت وليدتنا إليكمعوائر لا تقسّمها التّجار

وقال لبني أمّ النّسير:

لعمري لقد أردى النّوار وساقهاإلى الغور أحلام خفاف عقولها
أطاعت بني أمّ النّسير فأصبحتعلى قتب يعلو الفلاة دليلها
وقد سخطت منّي النّوار الذي ارتضىبه قبلها الأزواج خاب رحيلها
وإن امرأ أمسى تحبّب زوجتيكماش إلى أسد الشّرى يستبيلها
ومن دون أبوال الأسود بسالةوبسطة أيد يمنع الضّيم طولها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لقد أردى نوار وساقها»
وإنّ أمير المؤمنين لعالمبتأويل ما أوصى العباد رسولها
فدونكها يابن الزّبير فإنهامولّعة يوهي الحجارة قيلها

فلما قدمت مكّة نزلت على بنت منظور بن زبّان، واستشفعت بها إلى زوجها عبد اللّه. وانضمّ الفرزدق إلى حمزة بن عبد اللّه بن الزّبير، وأمّه بنت منظور هذه، ومدحه فقال:

أصبحت قد نزلت بحمزة حاجتيإنّ المنوّه باسمه الموثوق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أصبحت قد نزلت بحمزة حاجتي»

الأبيات. وقال فيه أيضا:

يا حمز هل لك في ذي حاجة غرضتأنضاؤه بمكان غير ممطور
فأنت أحرى قريش أن تكون لهاوأنت بين أبي بكر ومنظور
بين الحواريّ والصّدّيق في شعبنبتن في طيّب الإسلام والخير
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا حمز هل لك في ذي حاجة غرضت»

هذه الأبيات كلّها من رواية أبي زيد خاصّة. قالوا جميعا: وقال في النّوار:

هلمّي لابن عمّك لا تكونيكمختار على الفرس الحمارا

وقال فيها أيضا:

تخاصمني النّوار وغاب فيهاكرأس الضّبّ يلتمس الجرادا

قال أبو زيد في خبره خاصّة: فجعل أمر الفرزدق يضعف وأمر النّوار يقوى. وقال الفرزدق:

أمّا بنوه فلم تقبل شفاعتهموشفعت بنت منظور بن زبّانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»

صوت

ليس الشّفيع الذي يأتيك مؤتزرامثل الشّفيع الذي يأتيك عريانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»

- غنّت في هذا البيت عريب خفيف ثقيل أوّل بالبنصر - فبلغ ابن الزّبير هذا فدعا النّوار فقال: إن شئت فرّقت بينكما وقتلته فلا يهجونا أبدا، وإن شئت سيّرته إلى بلاد العدوّ. فقالت: ما أريد واحدة منهما. قال: فإنه ابن عمّك وهو فيك راغب، أفأزوّجه إيّاك؟ قالت نعم. فزوّجه إيّاها. فكان الفرزدق يقول: خرجنا متباغضين ورجعنا متحابّين.

أخبرني أحمد قال حدّثني عمرو بن شبّة قال قال عثمان بن سليمان: شهدت الفرزدق يوم نازع النّوار فتوجّه القضاء عليه، فأشفق من ذلك وتعرّض لابن الزّبير بكلام أغضبه، وكان ابن الزّبير حديدا. فقال له ابن الزّبير: أيا ألأم الناس! وهل أنت وقومك إلا جالية العرب! وأمر به فأقيم. وأقبل علينا فقال: إن بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة فاستلبوه؛ وأجمعت العرب عليها لما انتهكت ما لم ينتهكه أحد قطّ فأجلتها من أرض تهامة. فلما كان في طائفة من ذلك اليوم لقيني الفرزدق فقال: هيه! أيعيّرنا ابن الزّبير جلاءنا عن البيت! اسمع! ثم قال:

فإن تغضب قريش ثم تغضبفإنّ الأرض ترعاها تميم
هم عدد النجوم وكلّ حيّسواهم لا تعدّ لهم نجوم
فلو لا بنت مرّ من نزارلما صحّ المنابت والأديم
بها كثر العديد وطاب منكموغيركم أحذّ الرّيش هيم
فمهلا عن تذلّل من عززتمبخولته وعزّ به الحميم
أعبد اللّه مهلا عن أذاتيفإنّي لا الضعيف ولا السّؤوم
ولكنّي صفاة لم تؤبّستزلّ الطير عنها والعصوم
أنا ابن العاقر الخور الصّفايابصوءر حيث فتّحت العكوم

وذكر الزّبير بن بكّار عن عمه أن عبد اللّه بن الزّبير لمّا حكم على الفرزدق قال: إنما حكمت عليّ بهذا لأفارقها فتثب عليها؛ وأمر به فأقيم، وقال له ما قال في بني تميم. قال: ثم خرج عبد اللّه بن الزّبير إلى المسجد فرأى الفرزدق في بعض طرق مكة وقد بلغته أبياته التي قالها، فقبض ابن الزّبير على عنقه فكاد يدقّها، ثم قال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاولو رضيت رمح استه لاستقرّت

قال الزّبير: وهذا الشعر لجعفر بن الزّبير.

أخبرنا أبو خليفة قال أخبرنا ابن سلّام قال أخبرنا إبراهيم بن حبيب الشّهيد قال: قال ابن الزّبير للفرزدق: ما حاجتك بها وقد كرهتك! كن لها أكره وخلّ سبيلها. فخرج وهو يقول: ما أمرني بطلاقها إلا ليثب عليها. فبلغ ذلك ابن الزّبير فخرج وقد استهلّ هلال ذي الحجّة ولبس ثياب الإحرام يريد البيت الحرام، فألفى الفرزدق بباب المسجد عند الباعة، فأخذ بعنقه فغمزها حتى جعل رأسه بين ركبتيه وقال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاولو رضيت رمح استه لاستقرّت

قال الزّبير: وهذا البيت لجعفر بن الزبير.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة عن محمد بن يحيى عن أبيه قال: لمّا قال الفرزدق في ابن الزّبير:

أمّا بنوه فلم تقبل شفاعتهموشفّعت بنت منظور بن زبّانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»

قال جعفر بن الزّبير:

ألّا تلكم عرس الفرزدق جامحاولو رضيت رمح استه لاستقرّت

فقال عبد اللّه بن الزّبير: أتجزرنا كلبا من كلاب بني تميم! لئن عدت لم أكلّمك أبدا.

قال: وتماضر التي عناها الفرزدق أمّ خبيب وثابت ابني عبد اللّه بن الزّبير. وماتت عند عبد اللّه، فتزوّج أختها أمّ هاشم فولدت له هاشما وحمزة وعبّادا.

قال: وفي أمّ هاشم يقول الفرزدق يستعينها على ابن الزّبير ويشكو طول مقامه:

تروّحت الرّكبان يا أمّ هاشموهنّ مناخات لهنّ حنين
وخيّسن حتى ليس فيهنّ نافقلبيع ولا مركوبهن سمين

قال: وهذا يدلّ على أن النّوار كانت استعانت بأمّ هاشم لا بتماضر.

فلما أذنت النوار في تزويجها منه استعان في مهرها سلم بن زياد فأعانه: فما أذنت النّوار لعبد اللّه في تزويجها بالفرزدق حكم لها عليه بمهر مثلها عشرة آلاف درهم. فسأل: هل بمكة أحد يعينه؟ فدلّ على سلم بن زياد، وكان ابن الزّبير حبسه، فقال فيه:

دعي مغلقي الأبواب دون فعالهمومرّي تمشّي بي - هبلت - إلى سلم
إلى من يرى المعروف سهلا سبيلهويفعل أفعال الكرام التي تنمي

ثم دخل على سلم فأنشده. فقال له: هي لك ومثلها نفقتك، ثم أمر له بعشرين ألفا فقبضها. فقالت له زوجته أمّ عثمان بنت عبد اللّه بن عثمان بن أبي العاصي الثّقفيّة: أتعطي عشرين ألفا وأنت محبوس! فقال:

ألا بكرت عرسي تلوم سفاهةعلى ما مضى منّي وتأمر بالبخل
فقلت لها والجود منّي سجيّةوهل يمنع المعروف سؤّاله مثلي
ذريني فإنّي غير تارك شيمتيولا مقصر عن السّماحة والبذل
ولا طارد ضيفي إذا جاء طارقافقد طرق الأضياف شيخي من قبلي
أأبخل! إنّ البخل ليس بمخلدولا الجود يدنيني إلى الموت والقتل
أبيع بني حرب بآل خويلدوما ذاك عند اللّه في البيع بالعدل
وأشري ابن مروان الخليفة طائعابنجل بني العوّام! قبّح من نجل
فإن تظهروا لي البخل آل خويلدفما دلّكم دلّي ولا شكلكم شكلي
وإن تقهروني حيث غابت عشيرتيفمن عجب الأيام أن تقهروا مثلي

قال دماذ في خبره: ثم اصطلحا ورضيت به، وساق إليها مهرها ودخل بها وأحبلها قبل أن تخرج من مكة ثم خرج بها وهما عديلان في محمل. فكانت لا تزال تشارّه وتخالفه، لأنها كانت صالحة حسنة الدّين وكانت تكره كثيرا من أمره. فتزوّج عليها حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد اللّه بن عمرو بن الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، فتزوّجها على مائة من الإبل. فقالت له النّوّار: ويلك! تزوّجت أعرابيّة دقيقة السّاقين بوّالة على عقبيها على مائة بعير!. فقال الفرزدق يفضّلها عليها ويعيّرها أنها كانت تربّيها أمة:

لجارية بين السّليل عروقهاوبين أبي الصّهباء من آل خالد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت غناني من العاج قاصف»
أحقّ بإغلاء المهور من التيربت وهي تنزو في حجور الولائد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لجارية بين السليل عروقها»

ومدحها أيضا فقال:

عقيلة من بني شيبان ترفعهادعائم للعلا من آل همّام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لو أن حدراء تجزيني كما زعمت»
من آل مرّة بين المستضاء بهممن رهط صيد مصاليت وحكّام
بين الأحاوص من كلب مركّبهاوبين قيس بن مسعود وبسطام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لو أن حدراء تجزيني كما زعمت»

وقال أيضا يمدحها ويعرّض بالنّوار:

لعمري لأعرابيّة في مظلّةتظلّ بأعلى بيتها الرّيح تخفق
كأمّ غزال أو كدرّة غائصإذا ما أنت مثل الغمامة تشرق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لأعرابية في مظلة»
أحبّ إلينا من ضناك ضفنّةإذا وضعت عنها المراوح تعرق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لأعرابية في مظلة»

فقال بعض باهلة يجيبه:

أعوذ باللّه من غول مغوّلةكأنّ حافرها في الحدّ ظنبوب
تستروح الشاة من ميل إذا ذبحتحبّ اللّحام كما يستروح الذّيب

وأغضب الفرزدق النّوار بمدحه إيّاها، فقالت: واللّه لأخزينّك يا فاسق! وبعثت إلى جرير فجاءها؛ فقالت: ألا ترى ما قال لي الفاسق! وشكت إليه. فقال:

فلا أنا معطي الحكم عن شفّ منصبولا عن بنات الحنظليّين راغب
وهنّ كماء المزن يشفى به الصّدىوكانت ملاحا غيرهنّ المشارب
لقد كنت أهلا أن تسوق دياتكمإلى آل زيق أن يعيبك عائب
للشاعر جرير، من قصيدة «لست بمعطي الحكم عن شف منصب»
وما عدلت ذات الصّليب ظعينةعتيبة والرّدفان منها وحاجب
ألا ربّما لم نعط زيقا بحكمهوأدّى إلينا الحكم والغلّ لازب
للشاعر جرير، من قصيدة «لست بمعطي الحكم عن شف منصب»
حوينا أبا زيق وزيقا وعمّهوجدّه زيق قد حوتها المقانب
للشاعر جرير، من قصيدة «لست بمعطي الحكم عن شف منصب»

فأجابه الفرزدق بقصيدة منها:

ألست إذ القعساء أنسل ظهرهاإلى آل بسطام بن قيس بخاطب
فنل مثلها من مثلهم ثم لمهمبملكك من مال مراح وعازب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
فلو كنت من أكفاء حدراء لم تلمعلى دارميّ بين ليلى وغالب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
وإني لأخشى إن خطبت إليهمعليك التي لاقى يسار الكواعب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»

- يسار كان عبدا لبني غدانة، فأراد مولاته على نفسها، فنهته مرّة بعد مرة، وألحّ فوعدته، فجاء فقالت له: إني أريد أن أبخّرك فإن رائحتك متغيّرة؛ فوضعت تحته مجمرة وقد أعدّت له حديدة حادّة، فأدخلت يدها فقبضت على ذكره وهو يرى أن ذلك لشيء، فقطعته بالموسى؛ فقال: «صبرا على مجامر الكرام» فذهبت مثلا - عاد الشعر:

ولو قبلوا منّي عطيّة سقتهإلى آل زيق من وصيف مقارب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
هم زوّجوا قبلي ضرارا وأنكحوالقيطا وهم أكفاؤنا في المناسب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
ولو تنكح الشمس النجوم بناتهاإذا لنكحناهنّ قبل الكواكب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»

وقال جرير:

يا زيق أنكحت قينا باسته حمميا زيق ويحك من أنكحت يا زيق
غاب المثنّى فلم يشهد نجيّكماوالحوفزان ولم يشهدك مفروق
أين الألى أنزلوا النعمان مقتسراأم أين أبناء شيبان الغرانيق
يا ربّ قائلة بعد البناء بهالا الصّهر راض ولا ابن القين معشوق

وقال الفرزدق لجرير في هذا:

إن كان أنفك قد أعياك محملهفاركب أتانك ثم اخطب إلى زيق

قال: ولامه الحجّاج وقال: أتزوّجت ابنة نصرانيّ على مائة ناقة؟! قال: وما هي في جود الأمير! قال: فاشترى الإبل وساقها.

فلمّا كان في بعض الطريق ومعه أوفى بن خنزير أحد بني التّيم بن شيبان بن ثعلبة دليله رأى كبشا مذبوحا، فقال: يا أوفى، هلكت واللّه حدراء!. قال: ما لك بذلك من علم!. فلمّا بلغ قال له بعض قومها: هذا البيت فانزل، وأمّا حدراء فهلكت. وقد عرفنا الذي يصيبكم في دينكم من ميراثها وهو النصف فهو لك عندنا. فقال: لا واللّه لا أرزأ منه قطميرا، وهذه صدقتها فاقبضوها. فقال: يا بني دارم! واللّه ما صاهرنا أكرم منكم. قال: وفي هذه القصة يقول الفرزدق:

عجبت لحادينا المقحّم سيرهبنا موجفات من كلال وظلّعا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عجبت لحادينا المقحم سيره»
ليدنينا ممن إلينا لقاؤهحبيب ومن دار أردنا لتجمعا
ولو يعلم الغيب الذي من أمامنالكرّ بنا حادي المطيّ فأسرعا
يقولون زر حدراء والتّرب دونهاوكيف بشيء وصله قد تقطّعا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عجبت لحادينا المقحم سيره»
ومامات عند ابن المراغة مثلهاولا تبعته ظاعنا حيث ودّعا
يقول ابن خنزير بكيت ولم تكنعلى امرأة عينا أخيك لتدمعا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عجبت لحادينا المقحم سيره»
وأهون رزء لامرىء غير جازعرزيّة مرتجّ الرّوادف أفرعا

وقال ابن سلّام فيما أخبرنا به أبو خليفة عنه قال حدّثني حاجب بن زيد وأبو الغرّاف قالا: تزوّج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدّين وهو عبد اللّه بن عمرو بن الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان على حكم أبيها، فاحتكم مائة من الإبل. فدخل على الحجّاج فعذله فقال: أتزوّجتها على حكمها وحكم أبيها مائة بعير وهي نصرانية وجئتنا متعرّضا أن نسوقها عنك! اخرج ما لك عندنا شي ء!. فقال عنبسة بن سعيد بن العاصي وأراد نفعه: أيها الأمير، إنها من حواشي إبل الصدقة؛ فأمر له بها. فوثب عليه جرير فقال:

يا زيق قد كنت من شيبان في حسبيا زيق ويحك من أنكحت يا زيق
أنكحت ويحك قينا باسته حمميا زيق ويحك هل بارت بك السّوق

ثم ذكر باقي القصيدة بمثل رواية دماذ.

قال ابن سلّام: وأراد الفرزدق أن تحمل؛ فاعتلّوا عليه وقالوا: ماتت، كراهة أن يهتك جرير أعراضهم. فقال جرير:

وأقسم ما ماتت ولكنّه التوىبحدراء قوم لم يروك لها أهلا
رأوا أن صهر القين عار عليهموأن لبسطام على غالب فضلا
إذا هي حلّت مسحلان وحاربتبشيبان لاقى القوم من دونها شغلا

وحدراء هذه هي التي ذكرها الفرزدق في أشعاره. ومن ذلك قوله:

صوت

عزفت بأعشاش وما كدت تعزفوأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عزفت بأعشاش وما كدت تعزف»
ولجّ بك الهجران حتى كأنّماترى الموت في البيت الذي كنت تألف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عزفت بأعشاش وما كدت تعزف»

عروضه من الطويل. عزفت عن الشيء انصرفت عنه، عزف يعزف عزوفا. الشعر للفرزدق. والغناء لسلسل، ثاني ثقيل بالوسطى. وفيه لحن للغريض من الثّقيل الأوّل بالبنصر من رواية حبش.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش ومحمد بن العباس اليزيديّ قالا حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ قال حدّثنا محمد بن حبيب وأبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال قال اليربوعيّ: قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص الزّهريّ: قدم الفرزدق المدينة في إمارة أبان بن عثمان. قال: فإني والفرزدق وكثيّرا لجلوس في المسجد نتناشد الأشعار، إذ طلع علينا غلام شخت آدم في ثوبين ممصّرين (أي مصبوغين بصفرة غير شديدة) ثم قصد نحونا حتى جاء إلينا فلم يسلّم، فقال: أيّكم الفرزدق؟ فقلت مخافة أن يكون من قريش: أهكذا تقول لسيّد العرب وشاعرها! فقال: لو كان كذلك لم أقل هذا له. فقال له الفرزدق: ومن أنت لا أمّ لك؟! قال: رجل من بني الأنصار ثم من بني النّجّار ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم. بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب وتزعم مضر ذلك لك، وقد قال صاحبنا حسّان شعرا فأردت أن أعرضه عليك وأؤجّلك سنة؛ فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب وإلا فأنت كذّاب منتحل.

ثم أنشده قول حسّان:

لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
متى ما تزرنا من معدّ عصابةوغسّان نمنع حوضنا أن يهدّما

- قيل إن قوله: «وغسان» هاهنا قسم أقسم به، لأن غسّان لم تكن تغزوهم مع معدّ -

أبى فعلنا المعروف أن ننطق الخناوقائلنا بالعرف إلّا تكلّما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
ولدنا بني العنقاء وابني محرّقفأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

فأنشده القصيدة إلى آخرها وقال له: إني قد أجّلتك فيها حولا، ثم انصرف. وانصرف الفرزدق مغضبا يسحب رداءه ما يدري أيّ طريق يسلك، حتى خرج من المسجد. قال: فأقبل كثيّر عليّ فقال: قاتل اللّه الأنصاريّ! ما أفصح لهجته، وأوضح حجّته، وأجود شعره!. قال: فلم نزل في حديث الفرزدق والأنصاريّ بقيّة يومنا. حتى إذا كان الغد خرجت من منزلي إلى مجلسي الذي كنت فيه بالأمس؛ وأتاني كثيّر فجلس معي. فإنّا لنتذاكر الفرزدق ونقول: ليت شعري ما فعل، إذ طلع علينا في حلّة أفواف يمانية موشّاة، له غديرتان، حتى جلس في مجلسه بالأمس، ثم قال: ما فعل الأنصاريّ؟ قال: فنلنا منه وشتمناه. فقال: قاتله اللّه! ما رميت بمثله ولا سمعت بمثل شعره! فارقتكما فأتيت منزلي فأقبلت أصعّد وأصوّب في كلّ فنّ من الشعر، فلكأنّي مفحم أو لم أقل قطّ شعرا حتى نادى المنادي بالفجر، فرحلت ناقتي ثم أخذت بزمامها فقدتها حتى أتيت ذبابا، ثم ناديت بأعلى صوتي: أخاكم أبا لبنى - وقال سعدان: أبا ليلى! - فجاش صدري كما يجيش المرجل، ثم عقلت ناقتي وتوسّدت ذراعها؛ فما قمت حتى قلت مائة وثلاثة عشر بيتا. فبينا هو ينشدنا، إذ طلع علينا الأنصاريّ حتى انتهى إلينا فسلّم ثم قال: أما إني لم آتك لأعجلك عن الأجل الذي وقّتّه لك، ولكنّي أحببت ألّا أراك إلا سألتك عما صنعت. فقال: اجلس، ثم أنشده:

عزفت بأعشاش وما كدت تعزف

فلمّا فرغ الفرزدق من إنشاده قام الأنصاريّ كئيبا. فلمّا توارى طلع أبوه وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في مشيخة من الأنصار، فسلّموا علينا وقالوا: يا أبا فراس، قد عرفت حللنا ومكاننا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووصيّته بنا.

وقد بلغنا أنّ سفيها من سفهائنا تعرّض لك، فنسألك باللّه لمّا حفظت فينا وصيّة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ووهبتنا له ولم تفضحنا.

قال إبراهيم بن محمد: فأقبلت أكلّمه أنا وكثيّر؛ فلما أكثرنا عليه قال: اذهبوا فقد وهبتكم لهذا القرشيّ.

قال: وقد كان جرير قال:

ألا أيّها القلب الطّروب المكلّفأفق ربّما ينأى هواك ويسعف
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا أيها القلب الطروب المكلف»
ظللت وقد خبّرت أن لست جازعالربع بسلمانين عينك تذرف
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا أيها القلب الطروب المكلف»

فجعل الفرزدق هذه القصيدة نقيضة لها.

نسبة ما في الخبر من الأصوات

منها:

صوت

لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحىوأسيافنا يقطرن من نحدة دما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
ولدنا بنى العنقاء وابنى محرّقفأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

عروضه من الطويل. الشعر لحسّان بن ثابت. والغناء لمعبد خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو بن بانة.

أخبرني عمّي الحسن بن محمد قال حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ عن أبي عبد الرحمن الثّقفي، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة، وأخبرنا إبراهيم بن أيّوب الصائغ عن ابن قتيبة: أن نابغة بني ذبيان كان تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء؛ فدخل إليه حسّان بن ثابت وعنده الأعشى وقد أنشده شعره وأنشدته الخنساء قولها:

قذى بعينك أم بالعين عوّار

حتى انتهت إلى قولها:

وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة بهكأنه علم في رأسه ثار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»
وإنّ صخرا لمولانا وسيّدناوإن صخرا إذا نشتو لنحّار

فقال: لو لا أن أبا بصير أنشدني قبلك لقلت: إنك أشعر الناس! أنت واللّه أشعر من كل ذات مثانة. قالت: واللّه ومن كلّ ذي خصيتين. فقال حسّان: أنا واللّه أشعر منك ومنها. قال: حيث تقول ماذا؟ قال: حيث أقول:

لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
ولدنا بني العنقاء وابني محرّقفأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

فقال: إنك لشاعر لو لا أنك قلّلت عدد جفانك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك. وفي رواية أخرى: فقال له: إنك قلت «الجفنات» فقلّلت العدد ولو قلت «الجفان» لكان أكثر. وقلت «يلمعن في الضّحى» ولو قلت «يبرقن بالدّجى». لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقا. وقلت «يقطرن من نجدة دما» فدللت على قلة القتل ولو قلت «يجرين» لكان أكثر لانصباب الدّم. وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك. فقام حسّان منكسرا منقطعا.

مما يغنّي فيه من قصيدة الفرزدق الفائية قوله:

صوت

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

فيه رمل بالوسطى، يقال: إنه لابن سريج، وذكر الهشاميّ أنه من منحول يحيى المكّيّ.

أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد الكلابيّ قال: وقف الفرزدق على جميل والناس مجتمعون عليه وهو ينشد:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

فأشرع إليه رأسه من وراء الناس وقال: أنا أحقّ بهذا البيت منك. قال: أنشدك اللّه يا أبا فراس!. فمضى الفرزدق وانتحله.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير قال حدّثني أبي عن جدّي: أن الفرزدق لقي كثيّرا فقال له: ما أشعرك يا كثيّر في قولك:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّماتمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

فعرّض له بسرقته إيّاه من جميل:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّماتمثّل لي ليلى على كلّ مرقب
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «فإن تك حلت فالشعاب كثيرة»

فقال له كثيّر: أنت يا فرزدق أشعر منّي في قولك:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

- قال: وهذا البيت لجميل سرقه الفرزدق - فقال الفرزدق لكثيّر: هل كانت أمّك ترد البصرة؟ قال: لا! ولكن أبي كان نزيلا لأمّك.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن ابن شهاب عن طلحة بن عبد اللّه بن عوف قال: لقي الفرزدق كثيّرا بقارعة البلاط وأنا وهو نمشي؛ فقال له الفرزدق: يا أبا صخر! أنت أنسب العرب حيث تقول:

أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

قال: وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

- قال عبد العزيز: وهذان البيتان جميعا لجميل، سرق أحدهما الفرزدق، وسرق الآخر كثيّر - فقال له الفرزدق: يا أبا صخر، هل كانت أمّك ترد البصرة؟ قال: لا! ولكن أبي كان كثيرا يردها. قال طلحة: فو الذي نفسي بيده لقد تعجّبت من كثيّر وجوابه، وما رأيت أحدا قطّ أحمق منه؛ لقد دخلت عليه يوما في نفر من قريش، وكنّا كثيرا نهزأ به، وكان يتشيّع تشيّعا قبيحا، فقلنا له: كيف تجدك يا أبا صخر؟ فقال: بخير. هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟

قلت: نعم! يتحدّثون أنك الدجّال. قال: واللّه إن قلت ذلك إنّي لأجد في عيني هذه ضعفا منذ أيام!.

ألا أيّها القلب الطّروب المكلّفأفق ربّما ينأى هواك ويسعف
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا أيها القلب الطروب المكلف»
ظللت وقد خبّرت أن لست جازعالربع بسلمانين عينك تذرف
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا أيها القلب الطروب المكلف»

الشعر لجرير. والغناء لمحمد بن الأشعث الكوفيّ ثاني ثقيل بالبنصر، عن عمرو بن بانة. وقال حبش: فيه ثقيل أوّل بالوسطى. وليس ذلك بصحيح.

رجع الحديث إلى سياقه حديث الفرزدق والنّوار:

تزوّج رهيمة بنت غنيم اليربوعية: قال دماذ: وتزوّج الفرزدق على النّوار امرأة من اليرابيع، وهم بطن من النّمر بن قاسط حلفاء لبنى الحارث بن عباد القينيّ، وقد انتسبوا فيهم. فقالت له النّوار: وما عسى أن تكون القينيّة؟! فقال:

أرتك نجوم اللّيل والشمس حيّةزحام بنات الحارث بن عباد
نساء أبوهنّ الأغرّ ولم تكنمن الحتّ في أجبالها وهداد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أراها نجوم الليل والشمس حية»
ولم يكن الجوف الغموض محلّهاولا في الهجاريّين رهط زياد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أراها نجوم الليل والشمس حية»
أبوها الذي أدنى النّعامة بعد ماأبت وائل في الحرب غير تماد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أراها نجوم الليل والشمس حية»

- يعني بأبيها الذي أدنى النعامة الحارث بن عباد، وأراد قوله:

قرّبا مربط النّعامة منّي
عدلت بها ميل النّوار فأصبحتمقاربة لي بعد طول بعاد
وليست وإن أنبأت أنّي أحبّهاإلى دار ميّات النّجار جياد

وقال أبو عبيدة حدّثني أعين بن لبطة قال: تزوّج الفرزدق، مضارّة للنّوار، امرأة يقال لها رهيمة بنت غنيم بن درهم من اليرابيع، قوم من النّمر بن قاسط في بني الحارث بن عباد. وأمّها الحميضة من بني الحارث. فنافرته الحميضة فاستعدت عليه. فأنكرها الفرزدق وقال: أنا منها بريء، وطلّق ابنتها وقال:

إن الحميضة كانت لي ولا بنتهامثل الهراسة بين النّعل والقدم
إذا أتت أهلها منّي مطلّقةفلن أردّ عليها زفرة النّدم

مضى الحديث. ولم أجد لأحد من الخلفاء الذين ذكرتهم والذين لم أذكرهم، بعد الواثق، صنعة يعتدّ بها إلا المعتضد، فإنه صنع صنعة متقنة عجيبة، أبرّت على صنعة سائر الخلفاء سوى الواثق، وفضل فيها أكثر أهل الزمان الذي نشأ فيه. وإنما ذكرت صنعة من بينهما، لأنها قد رويت، فأمّا حقيقة الغناء الجيّد فليس بينهما مثلهما.

وذكر عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر صنعة المعتضد فقرّظها، وقال: لم أجد لحنا قديما قد جمع من النّغم ما جمعه لحن ابن محرز في شعر مسافر بن أبي عمرو وهو:

يا من لقلب مقصرترك المنى لفواتها

فإنه جمع من النغم العشر ثمانيا، ولحن ابن محرز أيضا في شعر كثيّر:

توهّمت بالخيف رسما محيلالعزّة تعرف منه الطّلولا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «توهمت بالخيف رسما محيلا»

وهو أيضا يجمع ثمانيا من النّغم. وقد تلطّف بعض من له دربة وحذق بهذه الصناعة حتى جمع النّغم العشر في هذا الصوت الأخير متوالية، وجمعها في صوت آخر غير متوالية، وهو في شعر ابن هرمة:

فإنّك إذ أطمعتني منك بالرضاوأيأستني من بعد ذلك بالغضب

وأعجب من ذلك ما عمله أمير المؤمنين المعتضد باللّه؛ فإنه صنع في رجز دريد بن الصّمّة «يا ليتني فيها جذع» لحنا من الثقيل الأوّل يجمع النّغم العشر، فأتى به مستوفى الصنعة محكم البناء، صحيح الأجزاء والقسمة، مشبع المفاصل، كثير الأدوار، لا حقا بجيّد صنعة الأوائل. وإنما زاد فضله على من تقدّمه لأنه عمله في ضرب من الرجز قصير جدّا، واستوفى فيه الصنعة كلّها على ضيق الوزن، فصار أعجب مما تقدّمه؛ إذ تلك عملت في أوزان تامّة وأعاريض طوال يتمكّن الصانع فيها من الصنعة ويقتدر على كثرة التصرّف؛ وليس هذا الوزن في تمكّنه من ذلك فيه مثل تلك.

نسبة هذا اللحن

صوت

يا ليتني فيها جذعأخبّ فيها وأضع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «يا ليتني فيها جذع»
أقود وطفاء الزّمعكأنها شاة صدع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «يا ليتني فيها جذع»

الشعر لدريد بن الصّمّة. والغناء للمعتضد، ولحنه ثقيل أوّل يجمع النّغم العشر.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»