من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار دريد بن الصمة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو دريد بن الصّمّة. واسم الصّمّة، فيما ذكر أبو عمرو، معاوية الأصغر بن الحارث بن معاوية الأكبر بن بكر بن علقة، وقيل علقمة، بن خزاعة بن غزيّة بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن. وأما أبو عبيدة فقال: هو دريد بن الصّمّة، واسمه معاوية بن الحارث بن بكر بن علقة ولم يذكر معاوية. وقال ابن سلّام: الحارث بن معاوية بن بكر بن علقة.
ودريد بن الصّمّة فارس شجاع شاعر فحل، وجعله محمد بن سلّام أوّل شعراء الفرسان. وقد كان أطول الفرسان الشعراء غزوا، وأبعدهم أثرا، وأكثرهم ظفرا، وأيمنهم نقيبة عند العرب، وأشعرهم دريد بن الصّمّة.
وقال أبو عبيدة: كان دريد بن الصّمّة سيّد بني جشم وفارسهم وقائدهم، وكان مظفّرا ميمون النّقيبة، وغزا نحو مائة غزاة ما أخفق في واحدة منها، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وخرج مع قومه في يوم حنين مظاهرا للمشركين، ولا فضل فيه للحرب، وإنّما أخرجوه تيمّنا به وليقتبسوا من رأيه، فمنعهم مالك بن عوف من قبول مشورته، وخالفه لئلا يكون له ذكر، فقتل دريد يومئذ على شركه. وخبره يأتي بعد هذا.
وكان لدريد أخوة وهم عبد اللّه الذي قتلته غطفان، وعبد يغوث قتله بنو مرّة، وقيس قتله بنو أبي بكر بن كلاب، وخالد قتله بنو الحارث بن كعب، أمّهم جميعا ريحانة بنت معد يكرب الزّبيديّ أخت عمرو بن معد يكرب كان الصّمّة سباها ثم تزوّجها فأولدها بنيه. وإيّاها يعني أخوها عمرو بقوله في شعره:
أمن ريحانة الدّاعي السّميعيؤرّقني وأصحابي هجوع
إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
وكان لدريد ابن يقال له سلمة، وكان شاعرا وهو الذي رمى أبا عامر الأشعريّ بسهم فأصاب ركبته فقتله وارتجز فقال:
إن تسألوا عنّي فإني سلمهابن سمادير لمن توسّمه
أضرب بالسيف رؤوس المسلمه
وكانت لدريد أيضا بنت يقال لها عمرة وكانت شاعرة، ولها فيه مراث كثيرة.
أخبرني بخبره هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة وأخبرني به محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، وأخبرني بأخبار له مجموعة ومتفرّقة جماعة من شيوخنا أذكرهم في مواضعهم، وأخبرني أيضا بخبره محمد بن خلف بن المرزبان عن صالح بن محمد عن أبي عمرو الشّيبانيّ وقد بيّنت رواية كل واحد منهم في موضعها، قال أبو عبيدة سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أحسن شعر قيل في الصبر على النوائب قول دريد بن الصّمّة حيث يقول:
تقول ألا تبكي أخاك! وقد أرىمكان البكا لكن بنيت على الصبر
لمقتل عبد اللّه والهالك الذيعلى الشّرف الأعلى قتيل أبي بكر
وعبد يغوث أو خليلي خالدوعزّ مصابا حثو قبر على قبر
أبى القتل إلّا آل صمّة إنهمأبوا غيره والقدر يجري إلى القدر
فإمّا ترينا ما تزال دماؤنالدى واتر يشقى بها آخر الدهر
فإنّا للحم السيف غير نكيرةونلحمه حينا وليس بذي نكر
يغار علينا واترين فيشتفىبنا إن أصبنا، أو نغير على وتر
بذاك قسمنا الدّهر شطرين قسمةفما ينقضي إلا ونحن على شطر
وأخبرني ابن عمّار قال: حدّثني يعقوب بن إسرائيل قال حدّثني محمد بن القاسم الأسديّ عن صاعد مولى الكميت بن زيد يقول: أحسن شعر قيل في الصبر على النوائب قول دريد بن الصّمّة، وذكر هذه الأبيات.
قال أبو عبيدة: فأما عبد اللّه بن الصّمّة فإن السبب في مقتله إنه كان غزا غطفان ومعه بنو جشم وبنو نصر أبناء معاوية فظفر بهم وساق أموالهم في يوم يقال له يوم اللّوى ومضى بها. ولما كان منهم غير بعيد قال: انزلوا بنا، فقال له أخوه دريد: يا أبا فرعان - وكانت لعبد اللّه ثلاث كنى: أبو فرعان، وأبو ذفافة، وأبو أوفى، وكلّها قد ذكرها دريد في شعره -: نشدتك اللّه ألّا تنزل فإنّ غطفان ليست بغافلة عن أموالها، فأقسم لا يريم حتى يأخذ مرباعه وينقع نقيعه، فيأكل ويطعم ويقسم البقيّة بين أصحابه، فبينا هم في ذلك وقد سطعت الدّواخن، إذا بغبار قد ارتفع أشدّ من دخانهم، وإذا عبس وفزارة وأشجع قد أقبلت فقالوا لربيئتهم: انظر ما ذا ترى؟ فقال أرى قوما جعادا كأن سرابيلهم قد غمست في الجاديّ قال: تلك أشجع، ليست بشيء. ثم نظر فقال: أرى قوما كأنهم الصّبيان، أسنّتهم عند آذان خيلهم. قال: تلك فزارة. ثم نظر فقال: أرى قوما أدمانا كأنما يحملون الجبل بسوادهم، يخدّون الأرض بأقدامهم خدّا، ويجرّون رماحهم جرّا، قال: تلك عبس والموت معهم! فتلاحقوا بالمنعرج من رميلة اللّوى فاقتتلوا فقتل رجل من بني قارب وهم من بني عبس عبد اللّه بن الصّمّة فتنادوا: قتل أبو ذفافة! فعطف دريد فذبّ عنه فلم يغن شيئا وجرح دريد فسقط فكفّوا عنه وهم يرون أنه قتل، واستنقذوا المال ونجا من هرب. فمرّ الزّهدمان وهما من بني عبس، وهما زهدم وقيس ابنا حزن بن وهب بن رواحة وإنما قيل لهم الزّهدمان تغليبا لأشهر الاسمين عليهما، كما قيل العمران لأبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما، والقمران للشمس والقمر. قال دريد: فسمعت زهدما العبسيّ يقول لكردم الفزاريّ إني لأحسب دريدا حيّا فانزل فأجهز عليه، قال: قد مات، قال: انزل فانظر إلى سبّته هل ترمّز؟ قال دريد: فسددت من حتارها أي من شرجها، قال فنظر فقال: هيهات، أي قد مات، فولّى عنّي، قال ومال بالزّجّ في شرج دريد فطعنه فيه فسال دم كان قد احتقن في جوفه، قال دريد فعرفت الخفّة حينئذ فأمهلت، حتى إذا كان الليل مشيت وأنا ضعيف قد نزفني الدّم حتى ما أكاد أبصر، فجزت بجماعة تسير فدخلت فيهم، فوقعت بين عرقوبي بعير ظعينة، فنفر البعير فنادت: نعوذ باللّه منك، فانتسبت لها فأعلمت الحيّ بمكاني، فغسل عنّي الدم وزوّدت زادا وسقاء فنجوت، وزعم بعض الغطفانيّين أن المرأة كانت فزاريّة وأنّ الحيّ كانوا علموا بمكانه فتركوه فداوته المرأة حتى برأ ولحق بقومه، قال: ثم حجّ كردم بعد ذلك في نفر من بني عبس، فلما قاربوا ديار دريد تنكّروا خوفا، ومرّ بهم فأنكرهم، فجعل يمشي فيهم ويسألهم من هم؟ فقال له كردم: عمّن تسأل؟ فدفعه دريد، وقال: أمّا عنك وعمّن معك فلا أسأل أبدا، وعانقه، وأهدي إليه فرسا وسلاحا، وقال له: هذا بما فعلت بي يوم اللّوى.
وقال دريد يرثي أخاه عبد اللّه:
أرثّ جديد الحبل من أمّ معبدبعاقبة وأخلفت كلّ موعد
وبانت ولم أحمد إليك جوارهاولم ترج منّا ردّة اليوم أوغد
وهي طويلة وفيها يقول:
أعاذلتي كّلّ امرىء وابن أمّهمتاع كزاد الراكب المتزوّد
أعاذل إن الرّزء أمثال خالدولا رزء ممّا أهلك المرء عن يد
نصحت لعارض وأصحاب عارضورهط بني السّوداء والقوم شهّدي
فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجّجسراتهم في الفارسيّ المسرّد
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوىفلم يستبينوا الرّشد إلّا ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرىغوايتهم وأنّني غير مهتد
وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوتغويت، وإن ترشد غزيّة أرشد
دعاني أخي والخيل بيني وبينهفلما دعاني لم يجدني بقعدد
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسافقلت أعبد اللّه ذلكم الرّدي
فإن يك عبد اللّه خلّى مكانهفلم يك وقّافا ولا طائش اليد
ولا برما إذا الرياح تناوحتبرطب العضاه والهشيم المعضّد
نظرت إليه والرّماح تنوشهكوقع الصّياصي في النّسيج الممدّد
فطاعنت عنه الخيل حتى تبدّدتوحتى علاني اشقر اللّون مزبد
فما رمت حتى خرّقتني رماحهموغودرت أكبو في القنا المتقصّد
قتال امّرىء واسى أخاه بنفسهوأيقن أنّ المرء غير مخلّد
صبور على وقع المصائب حافظمن اليوم أعقاب الأحاديث في غد
في بعض هذه الأبيات غناء وهو:
صوت
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوىفلم يستبينوا الرّشد إلّا ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرىغوايتهم وأنّني غير مهتد
وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوتغويت وإن ترشد غزيّة أرشد
الغناء ليحيى المكيّ ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى البنصر من رواية ابنه أحمد، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحمد. وهذه الأبيات تمثّل بها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه عند منصرفه من صفّين.
حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجليّ قال حدّثنا حسين بن نضر بن مزاحم قال حدّثنا عمر بن سعيد عن أبي مخنف عن رجاله أن عليّا عليه السّلام لمّا اختلفت كلمة أصحابه في أمر الحكمين وتفرّقت الخوارج وقالوا له ارجع عن أمر الحكمين وتب واعترف بأنك كفرت إذ حكّمت، ولم يقبل ذلك منهم، وخالفوه وفارقوه تمثّل بقول دريد:
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوىفلم يستبينوا الرّشد إلّا ضحى الغد
قال أبو عبيدة: كانت لعبد اللّه بن الصّمّة ثلاثة أسماء وثلاث كنى: عبد اللّه ومعبد وخالد. ويكنى أبا ذفافة وأبا فرعان وأبا أوفى.
وقال دريد:
أبا ذفافة من للخيل إذ طردتفاضطرّها الطعن في وعث وإيجاف
يا فارس الخيل في الهيجاء إذ شغلتكلتا اليدين درورا غير وقّاف
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس أنه كان يقول: أفضل بيت قالته العرب في الصبر على النوائب قول دريد بن الصّمّة:
قليل التّشكّي للمصيبات حافظمن اليوم أعقاب الأحاديث في غد
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير عن أبي المهاجر، وذكر مثله أبو عمرو الشّيبانيّ، أنّ أمّ معبد التي ذكرها دريد في شعره هذا كانت امرأته فطلّقها، لأنها رأته شديد الجزع على أخيه، فعاتبته على ذلك وصغّرت شأن أخيه وسبّته، فطلّقها وقال فيها:
أرثّ جديد الحبل من أم معبدبعاقبة وأخلفت كلّ موعد
وبانت ولم أحمد إليك جوارهاولم ترج منا ردّة اليوم أوغد
فقالت له أمّ معبد: بئس واللّه ما أثنيت عليّ يا أبا قرّة! لقد أطعمتك مأدومي، وبثثتك مكتومي، وأتيتك باهلا غير ذات صرار وما استفرمت قبلك إلّا من حيض.
وقال أبو عبيدة في خبره: بلغ دريد بن الصّمّة أن زوجته سبّت أخاه فطلّقها وألحقها بأهلها وقال في ذلك:
أعبد اللّه إن سبّتك عرسيتقدّم بعض لحمي قبل بعض
إذا عرس امرىء شتمت أخاهفليس فؤاد شانئه بحمض
معاذ اللّه أن يشتمن رهطيوأن يملكن إبرامي ونقضي
أخبرنا هاشم بن محمد قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال: أغار دريد بن الصّمّة بعد مقتل أخيه عبد اللّه على غطفان يطالبهم بدمه، فاستقراهم حيّا حيّا، وقتل من بني عبس ساعدة بن مرّ، وأسر ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب، أسره مرّة بن عوف الجشميّ. فقالت بنو جشم: لو فاديناه! فأبى ذلك دريد عليهم، وقتله بأخيه عبد اللّه، وقتل من بني فزارة رجلا يقال له حزام وإخوة له، وأصاب جماعة من بني مرّة ومن بني ثعلبة بن سعد ومن أحياء غطفان، وذلك في يوم الغدير. وفي هذا اليوم وفي من قتل فيه منهم يقول:
تأبّد من أهله معشرفجوّ سويقة فالأصفر
فجزع الحليف إلى واسطفذلك مبدى وذا محضر
فأبلغ سليمى وألفافهاوقد يعطف النّسب الأكبر
بأنّي ثأرت بإخوانكموكنت كأنّي بهم مخفر
صبحنا فزارة سمر القنافمهلا فزارة لا تضجروا
وأبلغ لديك بني مازنفكيف الوعيد ولم تقرروا
فإن تقتلوا فتية أفردواأصابهم الحين أو تظفروا
فإنّ حزاما لدى معركوأخوته حولهم أنسر
ويوم يزيد بني ناشبوقبل يزيدكم الأكبر
أثرنا صريخ بني ناشبورهط لقيط فلا تفخروا
تجرّ الضّباع بأوصالهمويلقحن منهم ولم يقبروا
جزينا بني عبس جزاء موفّرابمقتل عبد اللّه يوم الذّنائب
ولو لا سواد الليل أدرك ركضنابذي الرّمث والأرطى عياض بن ناشب
قتلنا بعبد اللّه خير لداتهذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
قال أبو عبيدة: أنشد عبد الملك بن مروان شعر دريد بن الصّمّة هذا فقال: كاد دريد أن ينسب ذؤاب بن أسماء إلى آدم. فلما بلغ المنشد قوله:
ولو لا سواد الليل أدرك ركضنابذي الرّمث والأرطى عياض بن ناشب
قال عبد الملك: ليت الشمس كانت بقيت له قليلا حتى يدركه.
قتلنا بعبد اللّه خير لداتهوخير شباب الناس لو ضمّ أجمعا
ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قاربمنيّته أجرى إليها وأوضعا
فتى مثل متن السيف يهتزّ للنّدىكعالية الرّمح الرّدينيّ أروعا
وقال ابن الكلبيّ: قالت ريحانة بنت معد يكرب لدريد بن الصّمّة بعد حول من مقتل أخيه: يا بنيّ إن كنت عجزت عن طلب الثأر بأخيك فاستعن بخالك وعشيرته من زبيد، فأنف من ذلك وحلف لا يكتحل ولا يدّهن ولا يمسّ طيبا ولا يأكل لحما ولا يشرب خمرا حتى يدرك ثأره، فغزا هذه الغزاة وجاءها بذؤاب بن أسماء فقتله بفنائها، وقال: هل بلغت ما في نفسك؟! قالت: نعم متّعت بك! وروي عن ابن الكلبيّ لريحانة في هذا المعنى أبيات لم تحضرني وقد كتبت خبرها.
وأمّا قتيل أبي بكر الذي ذكره دريد فإنه أخوه قيس بن الصّمّة، قتله بنو أبي بكر بن كلاب. وكان السبب في ذلك، فيما أخبرني به هاشم بن محمد عن دماذ عن أبي عبيدة، أنّه غزا في قومه بني خزاعة من بني جشم، فأغاروا على إبل لبني كعب بن أبي بكر بن كلاب، فانطلقوا بها. وخرج بنو أبي بكر بن كلاب في طلبها حتى إذا دنوا منهم قال عمرو بن سفيان الكلابيّ، وكان حازما عاقلا، امكثوا، ومضى هو متنكّرا حتى لقي رجلا من بني خزاعة فسلّم عليه واستسقاه فسقاه وانتسب له هلاليّا، فسأله عن قومه وأين مرعى إبلهم، وأعلمه أنه جاء رائدا لقومه يريد مجاورتهم، فخبّره الرجل بكلّ ما أراد، فرجع إلى قومه وقد عرف بغيته، فصبح القوم فظفرت بهم بنو كلاب وقتلوا قيس بن الصّمّة، وذهبوا بإبل بني خزاعة وارتجعوا إبلهم. وكان يقال لعمرو بن سفيان ذو السيفين، لأنه كان يلقى الحرب ومعه سيفان خوفا من أن يخونه أحدهما. وإيّاه عنى دريد بن الصّمّة بقوله:
إنّ امرءا بات عمرو بين صرمتهعمرو بن سفيان ذو السّيفين مغرور
يا آل سفيان ما بالي وبالكموهل تنتهون وباقي القول مأثور؟
يا آل سفيان ما بالي وبالكموأنتم كبير وفي الأحلام عصفور
هلّا نهيتم أخاكم عن سفاهتهإذ تشربون وغاوي الخمر مدحور؟
لا أعرفن لمّة سوداء داجيةتدعو كلابا وفيها الرمح مكسور
لن تسبقوني ولو أمهلتكم شرفاعقبى إذا أبطأ الفحج المخاصير
وأخبرنا بخبر ابتداء هذه الحروب محمد بن العبّاس اليزيديّ قال قرأت على أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابيّ قال: أغارت بنو عامر بن صعصعة وبنو جشم بن معاوية على أسد وغطفان، وكان دريد بن الصّمّة وعمرو بن سفيان بن ذي اللّحية متساندين، فدريد على بني جشم بن معاوية، وعمرو بن سفيان على بني عامر. فقال عبد اللّه بن الصّمّة لأخيه: إنّي غير معطيك الرّياسة، ولكنّ لي في هذا اليوم شأنا. ثم اشترك عبد اللّه وشراحيل بن سفيان، فلما أغار القوم أخذ عبد اللّه من نعم بني أسد ستّين وأصاب القوم ما شاءوا. وأدرك رجل من بني جذيمة عبد اللّه بن الصّمّة فقال له عبد اللّه بن الصّمّة: ارجع فإني كنت شاركت شراحيل بن سفيان، فإن استطاع دريد فليأته وليأخذ مالي منه. وأقام دريد في أواخر الحيّ فقال له عمرو: ارتحل بالناس قبل أن يأتيك الصّراخ، فقال: إني أنتظر أخي عبد اللّه. حتى إذا أطال عليه قال له: إن أخاك قد أدرك فوارس من الحليفيّين يسوقون بظعنهم فقتلوه. فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيث يفترقون قال دريد لشراحيل: إن عبد اللّه أنبأني ولم يكذبني قطّ أن له شركة مع شراحيل فأدّوا إلينا شركته. فقالوا له: ما شاركناه قطّ. فقال دريد: ما أنا بتارككم حتى أستحلفكم عند ذي الخلصة (وثن من أوثانهم). فأجابوه إلى ذلك وحلفوا، ثم جاء عبد اللّه بغنيمة عظيمة فجاءوه ينشدونه الشّرك. فقال لهم دريد: ألم أحلّفكم حين ظننتم أن عبد اللّه قد قتل. فقالوا: ما حلفنا وجعلوا يناشدون عبد اللّه أن يعطيهم، فقال: لا، حتى يرضى دريد، فأبى أن يرضى فتوعّدوه أن يسرقوا إبله. فقال دريد في ذلك:
هل مثل قلبك في الأهواء معذوروالحبّ بعد مشيب المرء مغرور
وذكر الأبيات التي تقدّمت في الخبر قبل هذا وزاد فيها:
إذا غلبتم صديقا تبطشون بهكما تهدّم في الماء الجماهير
وأنتم معشر في عرقكم شنجبزخ الظهور وفي الأستاه تأخير
قد علم القوم أنّي من سراتهمإذا تقبّض في البطن المذاكير
وقد أروع سوام القوم ضاحيةبالجرد يركضها الشّعث المغاوير
يحملن كلّ هجان صارم ذكروتحتهم شزّب قبّ مضامير
أو عدتمو إبلي كلّا سمينعهابنو غزيّة لا ميل ولا صور
وأمّا عبد يغوث بن الصّمّة وخبر مقتله فإنه كان ينزل بين أظهر بني الصّادر فقتلوه. قال أبو عبيدة في خبره: قتله مجمّع بن مزاحم أخو شجنة بن مزاحم وهو من بني يربوع بن غيظ بن مرّة. فقال دريد بن الصّمّة:
أبلغ نعيما وأوفى إن لقيتهماإن لم يكن كان في سمعيهما صمم
فما أخي بأخي سوء فينقصهإذا تقارب بابن الصّادر القسم
ولن يزال شهابا يستضاء بهيهدي المقانب ما لم تهلك الصّمم
عاري الأشاجع معصوب بلمّتهأمر الزّعامة، في عرنينه شمم
قال أبو عبيدة: أمّا قوله «أو نديمي خالد»، فإنه يعني خالد بن الصّمّة؛ فإن بني الحارث بن كعب غزت بني جشم بن معاوية، فخرجوا إليهم فقاتلوهم فقتلت بنو الحارث خالد بن الصّمّة، وإيّاه عنى. وقال غير أبي عبيدة: خالد بن الحارث الذي عناه دريد هو عمّه خالد بن الحارث أخو الصّمّة بن الحارث قتلته أحمس (بطن من شنوءة)، وكان دريد بن الصّمّة أغار عليهم في قومه فظفر بهم واستاق إبلهم وأموالهم وسبى نساءهم وملأ يديه وأيدي أصحابه، ولم يصب أحد ممّن كان معه إلّا خالد بن الحارث عمّه، رماه رجل منهم بسهم فقتله؛ فقال دريد بن الصّمّة يرثيه:
يا خالدا خالد الأيسار والنّاديوخالد الرّيح إذ هبّت بصرّاد
وخالد القول والفعل المعيش بهوخالد الحرب إذ عضّت بأزراد
وخالد الرّكب إذ جدّ السّفار بهموخالد الحيّ لمّا ضنّ بالزاد
وقال أبو عبيدة: قال دريد يرثي أخاه خالدا:
أميم أجدّي عافي الرّزء واجشميوشدّي على رزء ضلوعك وابأسي
حرام عليها أن ترى في حياتهاكمثل أبي جعد فعودي أو اجلسي
أعفّ وأجدى نائلا لعشيرةوأكرم مخلود لدى كلّ مجلس
وألين منه صفحة لعشيرةوخيرا أبا ضيف وخيرا لمجلس
تقول هلال خارج من غمامةإذا جاء يجري في شليل وقونس
يشدّ متون الأقربين بهاؤهويخبث نفس الشانىء المتعبّس
وليس بمكباب إذا الليل جنّهنؤوم إذا ما أدلجوا في المعرّس
ولكنّه مدلاج ليل إذا سرىيندّ سراه كلّ هاد مملّس
هذه رواية أبي عبيدة.
وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن عمّه العبّاس بن هشام عن أبيه أن خالد بن الصّمّة قتل في غارة أغارتها بنو الحارث بن كعب على بني نصر بن معاوية في يوم يقال له يوم ثيل، فأصابوا ناسا من بني نصر.
وبلغ الخبر بني جشم فلحقوهم، ورئيس بني جشم يومئذ مالك بن حزن، فاستنقذوا ما كان في أيديهم من غنائم بني نصر، فأصابوا ذا القرن الحارثيّ أسيرا وفقئوا عين شهاب بن أبان الحارثيّ بسهم، وقتل يومئذ خالد بن الصّمّة وكان مع مالك بن حزن، وأصابت بنو جشم منهم ناسا، وكان رئيس بني الحارث بن كعب يومئذ شهاب بن أبان، ولم يشهد دريد بن الصّمّة ذلك اليوم؛ فلما رجعوا قتلوا ذا القرن بخالد بن الصّمّة، ولما قدّم لتضرب عنقه، صاح بأوس بن الصّمّة، وكان له صديقا، ولم يكن أوس حاضرا، فلم ينفعه ذلك وقتل. فلما قدم أوس غضب وقال: أقتلتم رجلا استجار باسمي! فقال عوف بن معاوية في ذلك:
نبّئت أوسا بكى ذا القرن إذ شرباعلى عكاظ بكاء غال مجهودي
إنّي حلفت بما جمّعت من نشبوما ذبحت على أنصابك السّود
لتبكينّ قتيلا منك مقترباإنّي رأيتك تبكي للأباعيد
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة، وأخبرني عبد اللّه بن مالك النحويّ الضّرير قال حدّثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال: تزوّج دريد بن الصّمّة امرأة فوجده ثيّبا، وكانوا قالوا له إنها بكر، فقام عنها قبل أن يصل إليها، وأخذ سيفه فأقبل به إليها ليضربها، فتلقّته أمّها لتدفعه عنها، فوقف يديها (أي حزّهما ولم يقطعهما)، فنظر إليها بعد ذلك وهي معصوبة فقال:
أقرّ العين أن عصبت يديهاوما إن تعصبان على خضاب
فأبقاهنّ أن لهنّ جدّاوواقية كواقية الكلاب
قالوا: يريد أن الكلب يصيبه الجرح فيلحس نفسه فيبرأ.
قال أبو عبيدة وابن الأعرابيّ جميعا في هذه الرواية: أسر دريد بن الصّمّة عياضا الثّعلبيّ أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان فأنعم عليه. ثم إن دريدا أتاه بعد ذلك يستثيبه. فقال له: إيت رحلك حتى أبعث إليك بثوابك؛ فانصرف دريد. فبعث إليه بوطب نصفه لبن ونصفه بول. فغضب دريد ولم يلبث إلّا قليلا حتى أغار على بني ثعلبة، واستاق إبل عياض، وأفلت عياض منه جريحا؛ فقال دريد في ذلك من قصيدة:
فإن تنج يدمى عارضاك فإنّناتركنا بنيك للضّباع وللرّخم
جزيت عياضا كفره وعقوقهوأخرجته من المدفّأة الدّهم
ألا هل أتاه ما ركبنا سراتهموما قد عقرنا من صفيّ ومن قرم
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: هجا دريد بن الصّمّة عبد اللّه بن جدعان التّيميّ تيم قريش فقال:
هل بالحوادث والأيام من عجبأم بابن جدعان عبد اللّه من كلب
إست حميت وهي في عكم ربّتهفي يوم حرّ شديد الشرّ والهرب
إذا لقيت بني حرب وأخوتهملا يأكلون عطين الجلد والأهب
لا ينكلون ولا تشوي رماحهممن الكماة ذوي الأبدان والجبب
فاقعد بطينا مع الأقوام ما قعدواوإن غزوت فلا تبعد من النّصب
فلو ثقفتك وسط القوم ترصدنيإذا تلبّس منك العرض بالحقب
وما سمعت بصقر ظلّ يرصدهمن قبل هذا بجنب المرج من خرب
قال: فلقيه عبد اللّه بن جدعان بعكاظ فحيّاه وقال له: هل تعرفني يا دريد؟ قال لا. قال: فلم هجوتني؟
قال: ومن أنت؟ قال: أنا عبد اللّه بن جدعان. قال: هجوتك لأنك كنت امرأ كريما، فأحببت أن أضع شعري موضعه. فقال له عبد اللّه: لئن كنت هجوت لقد مدحت؛ وكساه وحمله على ناقة برحلها. فقال دريد يمدحه:
إليك ابن جدعان أعملتهامخفّفة للسّرى والنّصب
فلا خفض حتّى تلاقي امرأجواد الرّضا وحليم الغضب
وجلدا إذا الحرب مرّت بهيعين عليها بجزل الحطب
رحلت البلاد فما إن أرىشبيه ابن جدعان وسط العرب
سوى ملك شامخ ملكهله البحر يجري وعين الذّهب
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلّام موقوفا عليه لم يتجاوزه إلى غيره، وحدّثني حبيب بن نصر المهلّبيّ وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة عن الأصمعيّ وأبي عبيدة، وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة، وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدثني عليّ بن المغيرة عن أبي عبيدة، وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو بكر العامريّ قال حدّثني ابن نوبة عن أبي عمرو الشّيبانيّ، وأخبرني عمّي قال حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابيّ، وقد جمعت أخبارهم على اختلاف ألفاظهم في هذا الموضع، أن دريد بن الصّمّة مرّ بالخنساء بنت عمرو بن الشّريد، وهي تهنأ بعيرا لها وقد تبذّلت حتى فرغت منه، ثم نضت عنها ثيابها فاغتسلت ودريد بن الصّمّة يراها وهي لا تشعر به فأعجبته؛ فانصرف إلى رحله وأنشأ يقول:
حيّوا تماضر واربعوا صحبيوقفوا فإن وقوفكم حسبي
أخناس قد هام الفؤاد بكموأصابه تبل من الحبّ
ما إن رأيت ولا سمعت بهكاليوم طالي أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنهيضع الهناء مواضع النّقب
متحسّرا نضح الهناء بهنضح العبير بريطة العصب
فسليهم عنّي خناس إذاعضّ الجميع الخطب ما خطبي
- قالوا: وتماضر اسمها. والخنساء لقب غلب عليها - فلما أصبح غدا على أبيها فخطبها إليه. فقال له أبوها: مرحبا بك أبا قرّة! إنك للكريم لا يطعن في حسبه، والسيّد لا يردّ عن حاجته، والفحل لا يقرع أنفه. - وقال أبو عبيدة خاصّة مكان «لا يطعن في حسبه» «لا يطعن في عيبه» - ولكن لهذه المرأة في نفسها ما ليس لغيرها، وأنا ذاكرك لها وهي فاعلة. ثم دخل إليها وقال لها: يا خنساء، أتاك فارس هوازن وسيّد بني جشم دريد بن الصّمّة يخطبك وهو من تعلمين، ودريد يسمع قولهما. فقالت: يا أبت، أتراني تاركة بني عمّي مثل عوالي الرّماح وناكحة شيخ بني جشم هامة اليوم أو غد!. فخرج إليه أبوها فقال: يا أبا قرّة قد امتنعت، ولعلّها أن تجيب فيما بعد.
فقال: قد سمعت قولكما، وانصرف. هذه رواية من ذكرت. وقال ابن الكلبيّ: قالت لأبيها: أنظرني حتى أشاور نفسي، ثم بعثت خلف دريد وليدة فقالت لها: انظري دريدا إذا بال، فإن وجدت بوله قد خرق الأرض ففيه بقيّة، وإن وجدته قد ساح على وجهها فلا فضل فيه. فاتّبعته وليدتها ثم عادت إليها فقالت: وجدت بوله قد ساح على وجه الأرض، فأمسكت. وعاود دريد أباها فعاودها فقالت له هذه المقالة المذكورة؛ ثم أنشأت تقول:
أتخطبني، هبلت، على دريدوقد أطردت سيّد آل بدر!
معاذ اللّه ينكحني حبركىيقال أبوه من جشم بن بكر
ولو أمسيت في جشم هديّالقد أمسيت في دنس وفقر
فغضب دريد من قولها وقال يهجوها:
وقاك اللّه يابنة آل عمرومن الفتيان أمثالي ونفسي
فلا تلدي ولا ينكحك مثليإذا ما ليلة طرقت بنحس
لقد علم المراضع في جمادىإذا استعجلن عن حزّ بنهس
بأنّي لا أبيت بغير لحموأبدأ بالأرامل حين أمسي
وأنّى لا ينال الحيّ ضيفيولا جاري يبيت خبيث نفس
إذا عقب القدور تكنّ مالاتحتّ حلائل الأبرام عرسي
وأصفر من قداح النّبع صلبخفيّ الوسم في ضرس ولمس
دفعت إلى المفيض إذا استقلّواعلى الرّكبات مطلع كلّ شمس
فإن أكدى فتامكة تؤدّىوإن أربى فإني غير نكس
وتزعم أنني شيخ كبيروهل خبّرتها أني ابن أمس
تريد شرنبث القدمين شثنايبادر بالجدائر كلّ كرس
وما قصرت يدي عن عظم أمرأهمّ به ولا سهمي بنكس
وما أنا بالمزجّى حين يسموعظيم في الأمور ولا بوهس
قال: فقيل للخنساء: ألا تجيبينه؟ فقالت: لا أجمع عليه أن أردّه وأهجوه.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: لما أسنّ دريد جعل له قومه بيتا مفردا عن البيوت، ووكّلوا به أمة تخدمه، فكانت إذا أرادت أن تبعد في حاجة قيّدته بقيد الفرس. فدخل إليه رجل من قومه فقال له: كيف أنت يا دريد؟ فأنشأ يقول:
أصبحت أقذف أهداف المنون كمايرمي الدّريئة أدنى فوقة الونر
في منصف من مدى تسعين من مائةكرمية الكاعب العذراء بالحجر
في منزل نازح م الحيّ منتبذكمربط العير لا أدعى إلى خبر
كأنّني خرب قصّت قوادمهأو جثّة من بغاث في يدي خصر
يمضون أمرهم دوني وما فقدوامنّي عزيمة أمر ما خلا كبري
ونومة لست أقضيها وإن متعتوما مضى قبل من شأوي ومن عمري
وأنني رابني قيد حبست بهوقد أكون وما يمشى على أثري
إن السّنين إذا قرّبن من مائةلوين مرّة أحوال على مرر
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: قالت امرأة دريد له: قد أسننت وضعف جسمك وقتل أهلك وفني شبابك، ولا مال لك ولا عدّة، فعلى أيّ شيء تعوّل إن طال بك العمر أو على أي شيء تخلّف أهلك إن قتلت؟ فقال دريد:
صوت
أعاذل إنما أفنى شبابيركوبي في الصّريخ إلى المنادي
مع الفتيان حتى كلّ جسميوأقرح عاتقي حمل النّجاد
أعاذل إنه مال طريفأحبّ إليّ من مال تلاد
أعاذل عدّتي بدني ورمحيوكلّ مقلّص شكس القياد
ويبقى بعد حلم القوم حلميويفنى قبل زاد القوم زادي
هذا الشعر رواه أبو عبيدة لدريد، وغيره يرويه لعمرو بن معد يكرب، وقول أبي عبيدة أصحّ. لابن محرز في هذه الأبيات ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أن لابن سريج فيها ثاني ثقيل بالبنصر. وخلط المغنّون بهذا الشعر قول عمرو بن معد يكرب في هذين اللحنين:
أريد حياته ويريد قتليعذيرك من خليلك من مراد
ولو لا قيتني ومعي سلاحيتكشّف شحم قلبك عن سواد
وقال أبو عبيدة فيما رويناه عن دماذ عنه: قتلت بنو يربوع الصّمّة أبا دريد غدرا، وأسروا ابن عمّ له؛ فغزاهم دريد ببني نصر فأوقع ببني يربوع وبني سعد جميعا، فقتل فيهم. وكان فيمن قتل عمّار بن كعب؛ وقال فيهم:
دعوت الحيّ نصرا فاستهلّوابشبّان ذوي كرم وشيب
على جرد كأمثال السّعاليورجل مثل أهمية الكثيب
فما جبنوا ولكنّا نصبناصدور الشّرعبيّة للقلوب
فكم غادرن من كاب صريعيمجّ نجيع جائفة ذنوب
وتلكم عادة لبني ربابإذا ما كان موت من قريب
فأجلوا والسّوام لنا مباحوكلّ كريمة خو عروب
وقد ترك ابن كعب في مكرّحبيسا بين ضبعان وذيب
لاقت قريش غداة العقيق أمرا لها وجدته وبيلا
وجئنا إليهم كموج الأتيّيعلو النّجاد ويملا المسيلا
وأعددت للحرب خيفانةورمحا طويلا وسيفا صقيلا
ومحكمة من دروع القيون تسمع للسيف فيها صليلا
وكان أخوه مالك شاعرا: قال: وكان أخوه مالك بن الصّمّة شاعرا؛ وهو القائل يرثي أخاه خالدا:
أبني غزيّة إنّ شلوا ماجداوسط البيوت السّود مدفع كركر
لا تسقني بيديك إن لم ألتمسبالخيل بين هبولة فالقرقر
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال: تحالف دريد بن الصّمّة ومعاوية بن عمرو بن الشّريد وتواثقا إن هلك أحدهما أن يرثيه الباقي بعده، وإن قتل أن يطلب بثأره. فقتل معاوية بن عمرو بن الشّريد، قتله هاشم بن حرملة بن الأشعر المرّيّ. فرثاه دريد بقصيدته التي أولها:
ألا هبّت تلوم بغير قدروقد أحفظتني ودخلت ستري
وإلّا تتركي لومي سفاهاتلمك عليه نفسك غير عصر
وفيها يقول:
فإنّ الرّزء يوم وقفت أدعوفلم أسمع معاوية بن عمرو
ولو أسمعته لأتاك يسعىحثيث السّعي أو لأتاك يجري
بشكّة حازم لا غمز فيهإذا لبس الكماة جلود نمر
عرفت مكانه فعطفت زوراوأين مكان زور يابن بكر
على إرم وأحجار ثقالوأغصان من السلمات سمر
وبنيان القبور أتى عليهاطوال الدهر شهرا بعد شهر
أخبرني عبد اللّه بن مالك النحويّ قال حدّثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال: وقف عارض الجشميّ على دريد وقد خرف وهو عريان وهو يكوّم كوم بطحاء بين رجليه يلعب بذلك؛ فجعل عارض يتعجّب مما صار إليه دريد. فرفع رأسه دريد إليه وقال:
كأنّني رأس حضنفي يوم غيم ودجن
يا ليتني عهد زمنأنفض رأسي وذقن
كأنّني فحل حصنأرسل في حبل عنن
أرسل كالظّبي الأرنألصق أذنا بأذن
قال: ثم سقط؛ فقال له عارض: انهض دريد! فقال:
لا نهض في مثل زماني الأوّلمحنّب الساق شديد الأعصل
ضخم الكراديس خميص الأشكلذي حنجر رحب وصلب أعدل
حدّثنا محمد بن جرير الطّبري قال حدّثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن الزّهريّ عن عبيد اللّه بن عبد اللّه قال: لمّا فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة أقام بها خمس عشرة ليلة يقصر، وكان فتحها في عشر ليال بقين من شهر رمضان. قال ابن إسحاق: وحدّثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: لمّا سمعت به هوازن جمعها مالك بن عوف النّصريّ، فاجتمعت إليه ثقيف مع هوازن، ولم يجتمع إليه من قيس إلّا هوازن وناس قليل من بني هلال، وغابت عنها كعب وكلاب، فجمعت نصر وجشم وسعد وبنو بكر وثقيف واحتشدت، وفي بني جشم دريد بن الصّمّة شيخ كبير فان ليس فيه شيء إلا التيمّن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجرّبا، وفي ثقيف في الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف. فلمّا أجمع مالك المسير حطّ مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم. فلمّا نزلوا بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصّمّة في شجار له يقاد به. فقال لهم دريد: بأيّ واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، ليس بالحزن الضّرس ولا السّهل الدّهس. مالي أسمع رغاء الإبل ونهيق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاء؟! قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. فقال: أين مالك؟ فدعي له به. فقال له: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإنّ هذا اليوم كائن له ما بعده من الأيام!. مالي أسمع رغاء البعير ونهيق الحمير وبكاء الصّبيان وثغاء الشاء؟! قال: سقت مع الناس نساءهم وأبناءهم وأموالهم. قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل مع كلّ رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. قال: فانقضّ به ووبخّه ولامه، ثم قال: راعي ضأن واللّه (أي أحمق)! وهل يردّ المنهزم شي ء! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قال: لم يشهدها أحد منهم. قال: غاب الحدّ والجدّ! لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب! ولوددت أنكم فعلتم مثل ما فعلوا. فمن شهدها منهم؟ قالوا: بنو عمرو بن عامر وبنو عوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضرّان. ثم قال: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا. ارفعهم إلى أعلى بلادهم وعلياء قومهم ثم الق القوم بالرجال على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك ولم تفضح في حريمك. قال: لا واللّه ما أفعل ذلك أبدا! إنك قد خرفت وخرف رأيك وعلمك. واللّه لتطيعنّني يا معشر هوازن أو لأتكئنّ على هذا السيف حتى يخرج من وراء ظهري - فنفس على دريد أن يكون له في ذلك اليوم ذكر ورأي - فقالوا له: أطعناك وخالفنا دريدا. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه. ثم قال:
يا ليتني فيها جذعأخبّ فيها وأضع
أقود وطفاء الزّمعكأنّها شاة صدع
قال: فلما لقيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انهزم المشركون فأتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجّه بعضهم نحو نخلة، وتبعت خيل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سلك نخلة، فأدرك ربيعة بن رفيع السّلميّ أحد بني يربوع بن سمّال بن عوف دريد بن الصّمّة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه كان في شجار له، فأناخ به فإذا هو برجل شيخ كبير ولم يعرفه الغلام. فقال له دريد: ماذا تريد؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السّلميّ. فأنشأ دريد يقول:
ويح ابن أكمة ماذا يريدمن المرعش الذّاهب الأدرد
فأقسم لو أنّ بي قوّةلولّت فرائصه ترعد
ويا لهف نفسي ألّا تكونمعي قوّة الشارخ الأمرد
ثم ضربه السّلميّ بسيفه فلم يغن شيئا. فقال له: بئس ما سلّحتك أمّك! خذ سيفي هذا من مؤخّر رحلي في القراب فاضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدّماغ، فإنّي كذلك كنت أفعل بالرجال، ثم إذا أتيت أمّك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصّمّة، فربّ يوم قد منعت فيه نساءك!. فزعمت بنو سليم أن ربيعة قال: لمّا ضربته بالسيف سقط فانكشف، فإذا عجانه وبطن فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل أعراء. فلمّا رجع ربيعة إلى أمّه أخبرها بقتله إياه؛ فقالت له: لقد أعتق قتيلك ثلاثا من أمهاتك. وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في آثار من توجّه قبل أوطاس أبا عامر الأشعريّ ابن عمّ أبي موسى الأشعريّ، فهزمهم اللّه جلّ وعزّ وفتح عليه. فيزعمون أنّ سلمة بن دريد بن الصّمّة رماه بسهم فأصاب ركبته فقتله (يعني أبا عامر).
فقالت عمرة بنت دريد ترثيه:
جزى عنّا الإله بني سليموأعقبهم بما فعلوا عقاق
وأسقانا إذا سرنا إليهمدماء خيارهم يوم التّلاقي
فربّ منوّه بك من سليمأجيب وقد دعاك بلا رماق
وربّ كريمة أعتقت منهموأخرى قد فككت من الوثاق
وقالت عمرة ترثيه أيضا:
قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقواوظلّ دمعي على الخدّين يبتدر
لو لا الذي قهر الأقوام كلّهمرأت سليم وكعب كيف تأتمر
إذا لصبّحهم غبّا وظاهرةحيث استقرّ نواهم جحفل ذفر
ونسخت من كتاب مترجم بأنه نسخ من نسخة عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ يأثره عن أبيه قال قال محمد بن السّائب الكلبيّ: كان دريد بن الصّمّة يوما يشرب مع نفر من قومه، فقالوا له: يا أبا ذفافة - وكان يكنى بأبي ذفافة وبأبي قرّة - أينجو بنو الحارث بن كعب منك وقد قتلوا أخاك خالدا!؟ فقال لهم: إنّ القوم جمرة مذحج، وهم أكفاء جشم، ولا يجمل بي هجاؤهم. فأحفظوه بكثرة القول وأغضبوه، فقال:
يا بني الحارث أنتم معشرزندكم وار وفي الحرب بهم
ولكم خيل عليها فتيةكأسود الغاب يحمين الأجم
ليس في الأرض قبيل مثلكمحين يرفضّ العدا غير جشم
لست للصّمّة إن لم آتكمبالخناذيذ تبارى في اللّجم
فتقرّ العين منكم مرّةبانبعاث الحرّ نوحا تلتدم
وترى نجران منكم بلقعاغير شمطاء وطفل قد يتم
فانظروها كالسّعالي شزّباقبل رأس الحول إن لم أخترم
قال: فنمي قوله إلى عبد اللّه بن عبد المدان، فقال يجيبه:
نبّئت أنّ دريدا ظلّ معترضايهدي الوعيد إلى نجران من حضن
كالكلب يعوي إلى بيداء مقفرةمن ذا يواعدنا بالحرب لم يحن
إن تلق حيّ بني الدّيّان تلقهمشمّ الأنوف إليهم عزّة اليمن
ما كان في الناس للدّيّان من شبهإلّا رعين وإلّا آل ذي يزن
أغمض جفونك عمّا لست نائلهنحن الذين سبقنا الناس بالدمن
نحن الذين تركنا خالدا عطباوسط العجاج كأنّ المرء لم يكن
إن تهجنا تهج أنجادا شرامحةبيض الوجوه مرافيدا على الزمن
أورى زياد لنا زندا ووالدناعبد المدان وأورى زنده قطن
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أبو بكر العامريّ عن ابن الأعرابيّ قال: أغار دريد بن الصّمّة في نفر من أصحابه، فمرّوا بأسماء بن زنباع الحارثي ومعه ظعينته زينب، فأحاطوا به لينتزعوها في يده، فقاتلهم دونها فقتل منهم وجرح، ثم اختلف هو ودريد طعنتين: فطعنه دريد فأخطأه، وطعنه أسماء فأصاب عينه، وانهزم دريد ولحق بأصحابه؛ فقال دريد في ذلك:
شلّت يميني ولا أشرب معتّقةإذ أخطأ الموت أسماء بن زنباع
قال: وهي قصيدة.
ونسخت من كتاب أبي عمرو الشّيبانيّ الذي ذكرته يأثره عن محمد بن السّائب الكلبيّ قال: جاور رجل من ثمالة عبد اللّه بن الصمّة، فهلك عبد اللّه وأقام الرجل في جوار دريد. وأغار أنس بن مدركة الخثعميّ على بني جشم، فأصاب مال الثّماليّ وأصاب ناسا من ثمالة كانوا جيرانا لدريد؛ فكفّ دريد عن طلب القوم وشغل بحرب من يليه، وقال لجاره ذلك: أمهلني عامي هذا. فقال الثماليّ: قد أمهلتك عامين. وخرج دريد ليلة لحاجته وقد أبطأ في أمر الثّماليّ، فسمعه يقول:
كساك دريد الدهر ثوب خزايةوجدّعك الحامي حقيقته أنس
دع الخيل والسّمر الطّوال لخثعمفما أنت والرّمح الطويل وما الفرس
وما أنت والغزو المتابع للعداوهمّك سوق العود والدّلو والمرس
فلو كان عبد اللّه حيّا لردّهاوما أصبحت إبلي بنجران تحتبس
ولا أصبحت عرسي بأشقى معيشةوشيخ كبير من ثمالة في تعس
يراعي نجوم الليل من بعد هجعةإلى الصبح محزونا يطاوله النّفس
وكنت وعبد اللّه حيّ وما أرىأبالي من الأعداء من قام أو جلس
فأصبحت مهضوما حزينا لفقدهوهل من نكير بعد حولين تلتمس
قال: فضاق دريد ذرعا بقوله، وشاور أولي الرأي من قومه؛ فقالوا له: ارحل إلى يزيد بن عبد المدان؛ فإنّ أنسا قد خلّف المال والعيال بنجران للحرب التي وقعت بين خثعم، وإن يزيد يردّها عليك. فقال دريد: بل أقدّم إليه قبل ذلك مدحة ثم أنظر ما موقعي من الرجل، فقال هذه القصيدة وبعث بها إلى يزيد:
بني الدّيّان ردّوا مال جاريوأسرى في كبولهم الثّقال
وردّوا السّبي إن شئتم بمنّوإن شئتم مفاداة بمال
فأنتم أهل عائدة وفضلوأيد في مواهبكم طوال
متى ما تمنعوا شيئا فليستحبائل أخذه غير السؤال
وحربكم بني الدّيّان حربيغصّ المرء منها بالزّلال
وجارتكم بني الدّيّان بسلوجاركم يعدّ مع العيال
حذا عبد المدان لكم حذاءمخصّرة الصدور على مثال
بني الدّيّان إنّ بني زيادهم أهل التكرّم والفعال
فأولوني بني الدّيّان خيراأقرّ لكم به أخرى الليالي
قال: فلما بلغ يزيد شعره قال: وجب حقّ الرجل! فبعث إليه أن اقدم علينا. فلما قدم عليه أكرمه وأحسن مثواه. فقال له دريد يوما: يا أبا النّضر، إني رأيت منكم خصالا لم أرها من أحد من قومكم: إني رأيت أبنيتكم متفرّقة، ونتاج خيلكم قليلا، وسرحكم يجيء معتّما، وصبيانكم يتضاغون من غير جوع. قال: أجل! أمّا قلّة نتاجنا فنتاج هوازن يكفينا وأمّا تفرّق أبنيتنا فللغيرة على النساء. وأمّا بكاء صبياننا فإنّا نبدأ بالخيل قبل العيال. وأمّا تمسّينا بالنّعم فإنّ فينا الغرائب والأرامل، تخرج المرأة إلى مالها حيث لا يراها أحد. قال: وأقبلت طلائعهم على يزيد، فقال شيخ منهم:
أتتك السلامة فارع النّعمولا تقل الدّهر إلّا نعم
وسرّح دريدا بنعمى جشموإن سالك المرء إحدى القحم
فقال له دريد: من أين جاء هؤلاء؟ فقال: هذه طلائعنا لا نسرح ولا نصطبح حتى يرجعوا إلينا. فقال له: ما ظلمكم من جعلكم جمرة مذجح. وردّ يزيد عليه الأسارى من قومه وجيرانه، ثم قال له: سلني ما شئت؛ فلم يسأله شيئا إلّا أعطاه إيّاه. فقال دريد في ذلك:
مدحت يزيد بن عبد المدانفأكرم به من فتى ممتدح
إذا المدح زان فتى معشرفإنّ يزيد يزين المدح
حللت به دون أصحابهفأورى زنادي لمّا قدح
وردّ النساء بأطهارهاولو كان غير يزيد فضح
وفكّ الرجال وكلّ امرىءإذا أصلح اللّه يوما صلح
وقلت له بعد عتق النساءوفكّ الرّجال وردّ اللّقح
أجرلي فوارس من عامرفأكرم بنفحته إذا نفح
وما زلت أعرف في وجههبكرّي السؤال ظهور الفرح
رأيت أبا النّضر في مذحجبمنزلة الفجر حين اتّضح
إذا قارعوا عنه لم يقرعواوإن قدّموه لكبش نطح
وإن حضر الناس لم يخزهموإن وازنوه بقرن رجح
فذاك فتاها وذو فضلهاوإن نابح بفخار نبح
قال وقال ابن الكلبيّ: خرج دريد بن الصّمّة في فوارس من قومه في غزاة له، فلقيه مسهر بن يزيد الحارثيّ، الذي فقأ عين عامر بن الطّفيل، يقود بامرأته أسماء بنت حزن الحارثيّة. فلما رآه القوم قالوا: الغنيمة، هذا فارس واحد يقود ظعينة، وخليق أن يكون الرجل قرشيّا. فقال دريد: هل منكم رجل يمضي إليه فيقتله ويأتينا به وبالظّعينة؟ فانتدب إليه رجل من القوم فحمل عليه، فلقيه مسهر فاختلفا طعنتين بينهما، فقتله مسهر بن الحارث. ثم حمل عليه آخر فكانت سبيله سبيل صاحبه؛ حتى قتل منهم أربعة نفر. وبقي دريد وحده فأقبل إليه؛ فلما رآه ألقى الخطام من يده إلى المرأة وقال: خذي خطامك؛ فقد أقبل إليّ فارس ليس كالفرسان الذين تقدّموه؛ ثم قصد إليه وهو يقول:
أما ترى الفارس بعد الفارسأرداهم عامل رمح يابس
فقال له دريد: من أنت للّه أبوك؟ قال: رجل من بني الحارث بن كعب. قال: أنت الحصين؟ قال لا. قال: فالمحجّل هوذة؟ قال لا. قال: فمن أنت؟ قال: أنا مسهر بن يزيد. قال: فانصرف دريد وهو يقول:
أمن ذكر سلمى ماء عينيك يهملكما انهلّ خزر من شعيب مشلشل
وماذا ترجّي بالسلامة بعد مانأت حقب وابيضّ منك المرجّل
وحالت عوادي الحرب بيني وبينهاوحرب تعلّ الموت صرفا وتنهل
قراها إذا باتت لديّ مفاضةوذو خصل نهد المراكل هيكل
كميش كتيس الرّمل أخلص متنهضريب الخلايا والنّقيع المعجّل
عتيد لأيّام الحروب كأنّهإذا انجاب ريعان العجاجة أجدل
يجاوب جردا كالسّراحين ضمّراترود بأبواب البيوت وتصهل
على كل حيّ قد أطلّت بغارةولا مثل ما لاقى الحماس وزعبل
- الحماس وزعبل: قبيلتان من بني الحارث بن كعب -
غداة رأونا بالغريف كأنّناحبيّ أدرّته الصّبا متهلّل
بمشعلة تدعو هوازن، فوقهانسيج من الماذيّ لأم مرفّل
لدى معرك فيها تركنا سراتهمينادون، منهم موثق ومجدّل
نجذّ جهارا بالسيوف رؤوسهموأرماحنا منهم تعلّ وتنهل
ترى كلّ مسودّ العذارين فارسيطيف به نسر وعرفاء جيأل
قال مؤلّف هذا الكتاب: هذه الأخبار التي ذكرتها عن ابن الكلبيّ موضوعة كلّها، والتوليد بيّن فيها وفي أشعارها، وما رأيت شيئا منها في ديوان دريد بن الصّمّة على سائر الروايات. وأعجب من ذلك هذا الخبر الأخير؛ فإنه ذكر فيه ما لحق دريدا من الهجنة والفضيحة في أصحابه وقتل من قتل معه وانصرافه منفردا، وشعر دريد هذا يفخر فيه بأنّه ظفر ببني الحارث وقتل أمائلهم؛ وهذا من أكاذيب ابن الكلبيّ. وإنما ذكرته على ما فيه لئلا يسقط من الكتاب شيء قد رواه الناس وتداولوه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع