من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي عيسى بن الرّشيد ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
اسمه أحمد، وقيل بل اسمه صالح بن الرشيد. وهذا النّسب أشهر من أن يشرح. وأمّه أمّ ولد بربريّة.
وكان من أحسن النّاس وجها ومجالسة وعشرة، وأمجنهم وأحدّهم نادرة وأشدّهم عبثا. وكان يقول شعرا ليّنا طيّبا من مثله.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفاف قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد الورّاق قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن طاهر أنه سمع أباه يقول: سمعت أبي (يعني طاهر بن الحسين) يحدّث أنه سمع الرشيد يقول للمأمون: أنت تعلم أنك أحبّ الناس إليّ، ولو أستطيع أن أجعل لك وجه أبي عيسى لفعلت.
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني مسيّح بن حاتم العكليّ قال حدّثنا إبراهيم بن محمد قال: كان يقال: انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد، ومن أولاد الرشيد إلى أولاد محمد وأبي عيسى. وكان أبو عيسى إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه أكثر مما يجلسون للخلفاء.
حدّثني محمد قال حدّثني يعقوب بن بنان قال حدّثني عليّ بن الحسين الإسكافيّ قال: كنت عند أبي الصّقر إسماعيل بن بلبل وعنده عريب، فسمعتها تقول: انتهى جمال الرشيد إلى محمد الأمين وأبي عيسى، ما رأى الناس مثلهما، وكان المعتزّ في طرازهما. قال: وسمعتها تقول لأبي العباس بن حمدون: ما غناؤك من غناء أبي عيسى بن الرّشيد! وما سمعت قطّ غناء أحسن من غنائه، ولا رأيت وجها أحسن من وجهه.
أخبرني محمد قال حدّثني الغلابيّ قال حدّثنا يعقوب بن جعفر قال: قال الرّشيد لأبي عيسى ابنه وهو صبيّ: ليت جمالك لعبد اللّه (يعني المأمون). فقال له: على أنّ حظّه منك لي. فعجب من جوابه على صباه وضمّه إليه وقبّله.
وأخبرني الحسن بن عليّ وأحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قالا حدّثنا عبد للّه بن أبي سعد عن محمد بن عبد اللّه بن طاهر عن أبيه قال: حدّثني من شهد المأمون ليلة وهم يتراءون هلال شهر رمضان وأبو عيسى أخوه معه وهو مستلق على قفاه، فرأوه وجعلو يدعون. فقال أبو عيسى قولا أنكر عليه في ذلك المعنى. كأنه كان متسخّطا لورود الشهر، فما صام بعده.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا الحسين بن فهم قال: قال أبو عيسى بن الرشيد:
دهاني شهر الصّوم لا كان من شهروما صمت شهرا بعده آخر الدّهر
فلو كان يعديني الإمام بقدرةعلى الشهر لاستعديت جهدي على الشّهر
فناله بعقب قوله هذا الشعر صرع، فكان يصرع في اليوم مرّات إلى أن مات، ولم يبلغ شهرا آخر.
مدح إبراهيم بن المهدي غناءه: وذكر عليّ بن الهشاميّ عن جدّه ابن حمدون قال: قلت لإبراهيم بن المهديّ: من أحسن الناس غناء؟
قال: أنا. قلت: ثم من؟ قال: أبو عيسى بن الرّشيد. قلت: ثم من؟ قال: مخارق.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني ابن أبي سعد قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن طاهر قال حدّثنا محمد بن سعيد أخو غالب الصّعديّ قال: كان أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين يتغدّيان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى هندباءة فغمسها في الخلّ وضرب بها عين طاهر الصحيحة. فغضب طاهر وشقّ ذلك عليه وقال: يا أمير المؤمنين إحدى عينيّ ذاهبة، والأخرى على يدي عدل، يفعل هذا بي بين يديك!! فقال له المأمون: يا أبا الطّيّب إنه واللّه ليعبث بي أكثر من هذا العبث.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن طاهر قال حدّثني أبو عيسى بن عليّ بن عيسى بن ماهان قال: بينا المأمون يخطب يوم الجمعة على المنبر بالرّصافة وأخوه أبو عيسى تلقاء وجهه في المقصورة، إذ أقبل يعقوب بن المهديّ وكان أفسى الناس، معروفا بذلك. فلما أقبل وضع أبو عيسى كمّه على أنفه، وفهم المأمون ما أراد فكاد أن يضحك. فلمّا انصرف بعث إلى أبي عيسى فأحضره وقال له: واللّه لهممت أن أبطحك فأضربك مائة درّة! ويلك! أردت أن تفضحني بين أيدي الناس يوم جمعة وأنا على المنبر! إيّاك أن تعود لمثل هذه!. قال: وكان يعقوب بن المهديّ لا يقدر أن يمسك الفساء إذا جاءه. فاتخذت له داية مثلّثة وطيّبتها وتنوّقت فيها. فلمّا وضعتها تحته فسا، فقال: هذه ليست بطيّبة. فقالت له الداية: فديتك! هذه قد كانت طيّبة وهي مثلثة، فلما ربّعتها فسدت.
قال: وكان يعقوب هذا محمّقا، كان يخطر بباله الشيء فيشتهيه فيثبته في إحصاء خزائنه. فضجّ خازنه من ذلك، فكان يثبت الشيء ثم يثبت تحته أنه ليس عنده، وإنما أثبته ليكون ذكره عنده إلى أن يملكه. فوجد في دفتر له فيه ثبت ثياب: «ثبت ما في الخزانة من الثّياب المثقّلة الإسكندرانيّة والهشاميّة، لا شي ء - أستغفر اللّه - بل عندنا منها زرحية كانت للمهدي. الفصوص الياقوت الأحمر التي من حالها كذا وكذا لا شي ء - أستغفر اللّه - بل عندنا منها درج كان فيه للمهديّ خاتم هذه صفته». فحمل ذلك الدفتر إلى المأمون، فضحك لمّا قرأه حتى فحص برجله وقال: ما سمعت بمثل هذا قطّ!.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا سليمان بن داود المهلّبيّ قال حدّثني الهيثم بن محمد بن عبّاد عن أبيه قال: كان المأمون أشدّ الناس حبّا لأبي عيسى أخيه، كان يعدّه للأمر بعده، وتذاكرنا ذلك كثيرا، وسمعته يقول يوما: إنه ليسهل عليّ أمر الموت وفقد الملك، وما يسهل شيء منهما على أحد، وذلك لمحبّتي أن يلي أبو عيسى الأمر من بعدي لشدّة حبّي إيّاه.
أخبرني محمد بن عليّ قال حدّثني عبد اللّه بن المعتزّ قال: كان سبب موت أبي عيسى بن الرّشيد أنه كان يحب صيد الخنازير، فوقع عن دابّته فلم يسلم دماغه، فكان يتخبّط في اليوم مرّات إلى أن مات.
حدّثني محمد قال حدّثنا أبو العيناء قال حدّثنا محمد بن عبّاد المهلّبيّ قال: لمّا مات أبو عيسى بن الرّشيد دخلت إلى المأمون وعمامتي عليّ، فخلعت عمامتي ونبذتها وراء ظهري - والخلفاء لا تعزّى في العمائم - ودنوت. فقال لي: يا محمد، حال القدر دون الوطر. فقلت: يا أمير المؤمنين، كلّ مصيبة أخطأتك تهون، فجعل اللّه الحزن لك لا عليك.
أخبرنا محمد قال حدّثنا عون بن محمد قال سمعت هبة اللّه بن إبراهيم يقول: مات أبو عيسى بن الرّشيد سنة تسع ومائتين، وصلّى عليه المأمون ونزل في قبره، وامتنع من الطعام أياما حتى خاف أن يضرّ ذلك به.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني أبو العيناء قال سمعت محمد بن عبّاد يقول: لمّا توفّي أبو عيسى بن الرّشيد وجد المأمون عليه وجدا شديدا، وكان له محبّا وإليه مائلا. فركب إلى داره حتى حضر أمره وصلّى عليه، وحضره الناس، وكنت فيمن حضر، فما رأيت مصابا حزينا قطّ أجمل أمرا في مصيبة ولا أحرق وجدا منه من رجل صامت تجري دموعه على خدّيه من غير كلح ولا استنثار.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن أبي سعد الورّاق قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن طاهر قال حدّثني أبي قال قال أحمد بن أبي دواد: دخلت على المأمون في أوّل صحبتي أيّاه وقد توفّي أخوه أبو عيسى وكان له محبّا وهو يبكي ويمسح عينيه بمنديل، فقعدت إلى جنب عمرو بن مسعدة وتمثّلت قول الشاعر:
نقص من الدّنيا وأسبابهانقص المنايا من بني هاشم
ولم يزل على تلك الحال ساعة يبكي، ثم مسح عينيه وتمثّل:
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغضفحسبك منّي ما تجنّ الجوانح
كأن لم يمت حيّ سواك ولم تنحعلى أحد إلّا عليك النوائح
ثم التفت إليّ فقال: هيه يا أحمد! فتمثّلت قول عبدة بن الطّبيب:
عليك سلام اللّه قيس بن عاصمورحمته ما شاء أن يترحّما
تحيّة من أوليته منك نعمةإذا زار عن شحط بلادك سلّما
وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
فبكى ساعة ثم التفت إلى عمرو بن مسعدة فقال: هيه يا عمرو! قال: نعم يا أمير المؤمنين
بكّوا حذيفة لم تبكّوا مثلهحتى تعود قبائل لم تخلق
فإذا عريب وجوار معها يسمعن ما يدور بيننا، فقلن: اجعلوا لنا معكم في القول نصيبا. فقال لها المأمون: قولي، فربّ صواب منك كثير. فقالت:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمروليس لعين لم يفض ماؤها عذر
كأنّ بني العبّاس يوم وفاتهنجوم سماء خرّ من بينها البدر
فبكى وبكينا. ثم قال لها المأمون: نوحي، فناحت وردّ عليها الجواري. فبكى المأمون حتى قلت: قد خرجت نفسه، وبكينا معه أحرّ بكاء، ثم أمسكت. فقال لها المأمون: اصنعي فيه لحنا وغنّي به. فصنعت فيه لحنا على مذهب النّوح وغنّته إيّاه على العود. فو الذي لا يحلف بأجلّ منه لقد بكينا عليه غناء أكثر ممّا بكينا عليه نوحا.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا الطّبيب بن محمد الباهليّ قال حدّثني موسى بن سعيد عن أخيه عمرو قال: لمّا مات أبو عيسى بن الرشيد وجد عليه المأمون وجدا شديدا حتى امتنع من النّوم ولم يطعم شيئا.
فدخل عليه أبو العتاهية، فقال له المأمون: حدّثني يا أبا إسحاق بحديث بعض الملوك ممن كان في مثل حالنا وفارقها. فقال: يا أمير المؤمنين، لبس سليمان بن عبد الملك أفخر ثيابه ومسّ أطيب طيبه وركب أفره خيله وتقدّم إلى جميع من معه أن يركب في مثل زيّه وأكمل سلاحه، ونظر في مرآته فأعجبته هيئته وحسنه، فقال: أنا الملك الشابّ، ثم قال لجارية له: كيف ترين؟ فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقىغير أن لا بقاء للإنسان
أنت خلو من العيوب وممّايكره الناس غير أنّك فاني
فأعرض بوجهه، فلم تدر عليه الجمعة إلّا وهو في قبره. قال: فبكى المأمون والناس، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم. قال: وهذان البيتان لموسى شهوات.
ومن غناء أبي عيسى وجيّد صنعته، والشعر له، وطريقته من الثقيل الثاني مطلق في مجرى البنصر. وذكر حبش أن فيه لحسين بن محرز أيضا صنعة من خفيف الرّمل:
صوت
رقدت عنك سلوتيوالهوى ليس يرقد
وأطار السّهاد نومي فنومي مشرّد
أنت بالحسن منك ياحسن الوجه تشهد
وفؤادي بحسن وجهك يشقى ويكمد
ومن غنائه أيضا وهو من صدور صنعته في شعر الأخطل - ولحنه من الثقيل الأوّل -:
صوت
إذا ما زياد علّني ثم علّنيثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذيل حتى كأننيعليك أمير المؤمنين أمير
ولإسحاق في هذا الشعر رمل بالبنصر عن عمرو.
وممن عرفت له صنعة من أولاد الخلفاء عبد الله بن موسى الهادي
صوته في شعر له:
فمن صنعته:
صوت
تقاضاك دهرك ما أسلفاوكدّر عيشك بعد الصّفا
فلا تجز عنّ فإنّ الزمانرهين بتشتيت ما ألّفا
وما زال قلبك مأوى السروركثير الهوى ناعما مترفا
ألحّ عليك بروعاتهوأقبل يرميك مستهدفا
الشعر والغناء لعبد اللّه بن موسى. ولحنه ماخوريّ وهو خفيف الثقيل الثاني بالوسطى.
أخبرني أحمد بن جعفر حجظة قال حدّثني أبو حشيشة قال: كان عبد اللّه بن موسى الهادي أضرب الناس بالعود وأحسنهم غناء. وكان له غلام أسود يقال له قلم، فعلّمه الصوت وحذّقه. فاشترته منه أمّ جعفر بثلاثمائة ألف درهم. قال أبو حشيشة فحدّثني دلشاد غلام عبد اللّه بن موسى قال: كنت أنا وثقيف الخادم الأسود مولى الفضل بن الربيع نضارب مولاي عبد اللّه بن موسى وقد أخذ النّبيذ من الجماعة. فضرب عبد اللّه وثقيف صوتا فاختلفا فيه وتشاجرا. فقال عبد اللّه: كذا أخذته من منصور زلزل. وقال ثقيف: كذا أخذته منه، وطال تشاجرهما فيه. وكان ثقيف معربدا يذهب عقله من أدنى شيء يشربه، وكان عبد اللّه أيضا معربدا. فغضب ثقيف ورفع العود وهو لا يعقل، فضرب به رأس عبد اللّه بن موسى فطوّقه إيّاه.
وابتدر خدم عبد اللّه؛ فقال لهم عبد اللّه بن موسى: لا تمسّوه وأخرجوا العود من عنقي فأخرجوه. وكان عبد اللّه بن موسى أشدّ خلق اللّه عربدة أيضا، فرزق في ذلك اليوم حلما لم ير مثله، وقال لخدمه: إن قتلته قتلت كلبا وتحدّث الناس بذلك، ولكن اخلعوا عليه وهبوا له ولا يدخل منزلي أبدا.
قال جحظة قال أبو حشيشة أخبرني الحفصيّ المعزفيّ قال: دعاني عبد اللّه بن موسى يوما ودعاني أخوه إسماعيل؛ فآثرت إسماعيل لما كان في عبد اللّه من العربدة. فلم نشعر إلّا بعبد اللّه قد وافانا وقت العصر على برذون أشهب متقلّدا سيفا وهو سكران. فلما رأيناه تطايرنا في الحجر، فنزل عن دابّته وجلس. وجثا إسماعيل بين يديه إجلالا له، وقال له: يا سيّدي قد سررتني بتفضّلك ومصيرك إليّ. قال: دعني من هذا، من عندك؟ قال: فلان وفلان، فعدّ جماعة من كان عنده. قال له: هاتهم.
فدعا بنا فخرجنا وقد متنا فزعا. فأقبل عليّ من بينهم فقال لي: يا حفصيّ! أبعث إليك ثلاثة أيام تباعا فتدعني وتجيء إلى إسماعيل! وضرب بيده إلى سيفه، فقام إسماعيل بيني وبينه وقال: نعم! يجيئني ويدعك؛ لأنه لا ينصرف من عندك إلّا بشجّة أو عربدة مع حرمان، ولا ينصرف من عندي إلّا ببرّ مع خلعة ووعد محصّل، أفتلومه على ذلك!. فكفّ عبد اللّه وكان شديد العربدة وقام وانصرف.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني عون بن محمد الكنديّ قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن أبيه سليمان بن داود - وكان يكتب لأبي جعفر - قال: كنت جالسا مع عبد اللّه بن موسى الهادي، فمرّ به خادم لصالح بن الرّشيد. فقال له: ما اسمك؟ فقال له: اسمي «لا تسل». فأعجبه حسنه وحسن منطقه فقال لي: قم بنا حتى نسرّ اليوم بذكر هذا البدر، فقمت معه.
وشادن مرّبنايجرح باللّحظ المقل
مظلوم خصر ظالممنه إذا يمشي الكفل
اعتدلت قامتهواللحظ منه ما عدل
بدر تراه أبداطالع سعد ما أفل
سألته عن اسمهفقال لي اسمي «لا تسل»
وأطلعت في وجنتيه وردتان من خجل
فقلت ما أخطأ منسمّاك بل قال المثل
لا تسألن عن شادنفاق جمالا وكمل
قال: وقال فيه - وقد قيل إنه من هذه الأبيات -:
عزّ الذي نهوى وذلّصبّ الفؤاد مختبل
لجّ به الهجر وذا الهجر إذا لجّ قتل
من شادن منتطقفاق جمالا وكمل
تناصف الحسن بهفلا تسل عن «لا تسل»
وقال حدّثني محمد بن أحمد المكيّ عن أبيه قال: دعاني عبد اللّه بن موسى يوما فقال لي: أتقوّم غلاما ضاربا مغنّيا قيمة عدل لا حيف فيه على البائع ولا على المشتري؟ فقلت نعم. فأخرج إليّ ابنه القاسم وكنت قد عرفته، وهو أحسن من القمر ليلة البدر، فأخذ عودا فضرب، فأكببت على يديه أقبّلهما. فقال لي عبد اللّه: أتقبّل يد غلام مملوك!! قلت: بأبي وأمّي هو من مملوك! وقبّلت رجله أيضا. فقال: أمّا إذ عرفته فأحبّ أن تضاربه، ففعلت. فلمّا رأى الغلام زيادتي عليه في الضّرب اغتمّ وأقبل على أبيه فقال له كالمعتذر من ذنبه: أنا متلذّذ وهذا متكسّب. فضحكت وقلت: هو ذاك يا سيّدي.
وعجبت من حدّة جوابه معتذرا على صغر سنّه.
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني عبد اللّه بن المعتزّ قال: كان عبد اللّه بن موسى جوادا كريما ممدّحا، وفيه يقول الشاعر - وفيه لعلويه لحن من خفيف الثّقيل الأول بالبنصر -:
صوت
أعبد اللّه أنت لنا أميروأنت من الزمان لنا مجيز
حكيت أباك موسى في العطاياإمام النّاس والملك الكبير
صوت
إنّ أسماء أرسلتوأخو الشوق مرسل
أرسلت تستزيرنيوتفدّي وتعذل
ولحنه فيه رمل. قال: وفيه لابن سريج والغريض ومالك ألحان.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش في كتاب المغتالين قال حدّثني أبو سعيد السّكّريّ عن محمد بن حبيب قال: كان عبد اللّه بن موسى الهادي معربدا، وكان قد أحفظ المأمون مما يعربد عليه إذا شرب معه. فأمر بأن يحبس في منزله فلا يخرج منه؛ وأقعد على بابه حرسا. ثم تذمّم من ذلك فأظهر له الرّضا وصرف الحرس عن بابه، ثم نادمه فعربد عليه أيضا وكلّمه بكلام أحفظه. وكان عبد اللّه مغرما بالصّيد، فأمر المأمون خادما من خواصّ خدمه يقال له «حسين» فسمّه في درّاج وهو بمرسى أباد، فدعا عبد اللّه بالعشاء، فأتاه حسين بذلك الدّرّاج فأكله. فلما أحسّ بالسمّ ركب في الليل وقال لأصحابه: هو آخر ما تروني. قال: وأكل معه من الدّرّاج خادمان، فأمّا أحدهما فمات من وقته، وأمّا الآخر فبقي مدّة ثم مات، ومات عبد اللّه بعد أيام.
وممن رويت له صنعة من أولاد الخلفاء عبد اللّه بن محمد الأمين
فمن مشهور صنعته:
ألا يا دير حنظلة المفدّىلقد أورثتني سقما وكدّا
أزفّ من العقار إليك دنّاوأجعل تحته الورق المندّى
الشعر والغناء لعبد اللّه بن محمد الأمين، أخبرني بذلك محمد بن يحيى الصّوليّ عن عبد اللّه بن المعتزّ وله فيه لحنان خفيف رمل وخفيف ثقيل. وفيه لعبد اللّه بن موسى الهادي رمل. وفيه ثاني ثقيل، وذكر حبش - وهو ممن لا يحصّل قوله - أنه لحنين، ولم يصحّ عندنا من صانعه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع