من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عليّ بن الجهم ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عليّ بن الجهم بن بدر بن الجهم بن مسعود بن أسيد بن أذينة بن كرّاز بن كعب بن مالك بن عيينة بن جابر بن الحارث بن عبد البيت بن الحارث بن سامة بن لؤيّ بن غالب. هكذا يدّعون، وقريش تدفعهم عن النّسب وتسمّيهم بني ناجية، ينسبون إلى أمّهم ناجية، وهي امرأة سامة بن لؤيّ. وكان سامة، فيما يقال، خرج إلى ناحية البحرين مغاضبا لأخيه كعب بن لؤيّ في مماظّة كانت بينهما، فطأطأت ناقته رأسها إلى الأرض لتأخذ شيئا من العشب، فعلق بمشفرها أفعى فعطفته على قتبها فحكّته به، فدبّ الأفعى على القتب حتى نهش ساق سامة فقتله. فقال أخوه يرثيه:
عين جودي لسامة بن لؤيّعلفت ساق ساقه العلّاقه
ربّ كأس هرقتها ابن لؤيّحذر الموت لم تكن مهراقه
وقال من يدفع بني سامة من نسّابي قريش: وكانت معه امرأته ناجية. فلمّا مات تزوّجت رجلا من أهل البحرين فولدت منه الحارث، ومات أبوه وهو صغير. فلمّا ترعرع طمعت أمّه في أن تلحقه بقريش، فأخبرته أنه ابن سامة بن لؤيّ. فرحل من البحرين إلى عمّه كعب وأخبره أنه ابن أخيه سامة. فعرف كعب أمّه وظنّه صادقا في دعواه. ومكث عنده مدّة، حتى قدم مكة ركب من أهل البحرين، فرأوا الحارث فسلّموا عليه وحادثوه ساعة. فسألهم عنه كعب بن لؤيّ ومن أين يعرفونه، فقالوا له: هذا ابن رجل من أهل بلدنا يقال له فلان، وشرحوا له خبره. فنفاه كعب ونفى أمّه، فرجعا إلى البحرين فكانا هناك، وتزوّج الحارث وأعقب هذا العقب.
وروي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «عمّي سامة لم يعقب». وكان بنو ناجية ارتدّوا عن الإسلام. ولما ولي عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه الخلافة دعاهم إلى الإسلام؛ فأسلم بعضهم وأقام الباقون على الرّدّة فسباهم واسترقّهم؛ فآشتراهم مصقلة بن هبيرة منه وأدّى ثلث ثمنهم وأشهد بالباقي على نفسه، ثم أعتقهم وهرب من تحت ليله إلى معاوية، فصاروا أحرارا، ولزمه الثمن، فشعّث عليّ بن أبي طالب شيئا من داره، وقيل بل هدمها. فلم يدخل مصقلة الكوفة حتى قتل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه.
وزعم ابن الكلبيّ: أنّ سامة بن لؤيّ ولد غالب بن سامة وأمّه ناجية، ثم هلك سامة فخلف عليها ابنه الحارث بن سامة، ثم هلك ابنا سامة ولم يعقبا، وأنّ قوما من بني ناجية بنت جرم بن ربّان علاف ادّعوا أنهم بنو سامة بن لؤيّ، وأنّ أمّهم ناجية هذه ونسبوها هذا النسب، وانتموا إلى الحارث بن سامة وهم الذين باعهم عليّ بن أبي طالب إلى مصقلة. قال: ودليل ذلك وأنّ هؤلاء بنو ناجية بنت جرم قول علقمة الخصيّ التّميميّ أحد بني ربيعة بن مالك:
زعمتم أنّ ناجي بنت جرمعجوز بعد ما بلي السّنام
فإن كانت كذاك فألبسوهافإنّ الحلى للأنثى تمام
وهذا أيضا قول الهيثم بن عديّ. فأمّا الزّبير بن بكّار فإنّه أدخلهم في قريش وقال: هم قريش العازبة. وإنما سمّوا العازبة لأنهم عزبوا عن قومهم فنسبوا إلى أمّهم ناجية بنت جرم بن ربّان وهو علاف، وهو أوّل من اتخذ الرّحال العلافيّة فنسبت إليه. واسم ناجية ليلى؛ وإنما سمّيت ناجية لأنها سارت في مفازة معه فعطشت فاستسقته ماء، فقال لها: الماء بين يديك، وهو يريها السّراب، حتى جاءت الماء فشربت وسمّيت ناجية. وللزّبير في إدخالهم في قريش مذهب وهو مخالفة فعل أمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه وميله إليهم لإجماعهم على بغضه رضي اللّه عنه، حسب المشهور المأثور من مذهب الزّبير في ذلك.
وكان عليّ بن الجهم شاعرا فصيحا مطبوعا؛ وخصّ بالمتوكّل حتى صار من جلسائه، ثم أبغضه لأنه كان كثير السّعاية إليه بندمائه والذّكر لهم بالقبيح عنده، وإذا خلا به عرّفه أنهم يعيبونه ويثلبونه ويتنقّصونه، فيكشف عن ذلك فلا يجد له حقيقة، فنفاه بعد أن حبسه مدّة. وأخباره تذكر على شرح بعد هذا. وكان ينحو نحو مروان بن أبي حفصة في هجاء آل أبي طالب وذمّهم والإغراء بهم وهجاء الشّيعة، وهو القائل:
ورافضة تقول بشعب رضوىإمام، خاب ذلك من إمام
إمام من له عشرون ألفامن الأتراك مشرعة السّهام
وفيه يقول البحتريّ:
إذا ما حصّلت عليا قريشفلا في العير أنت ولا النّفير
وما رغثاؤك الجهم بن بدرمن الأقمار ثمّ ولا البدور
ولو أعطاك ربّك ما تمنّىلزاد الخلق في عظم الأيور
علام هجوت مجتهدا عليّابما لفّقت من كذب وزور
أما لك في استك الوجعاء شغليكفّك عن أذى أهل القبور
وسمعه أبو العيناء يوما يطعن على عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فقال له: أنا أدري لم تطعن على عليّ أمير المؤمنين. فقال له: أتعني قصّة بيعه أهلي من مصقلة بن هبيرة؟ قال: لا! أنت أوضع من ذلك، ولكن لأنه قتل الفاعل فعل قوم لوط والمفعول به، وأنت أسفلهما.
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد الهشاميّ قال: كان عليّ بن الجهم قد هجا بختيشوع، فسبّه عند المتوكّل فحبسه المتوكّل. فقال عليّ بن الجهم في حبسه عدّة قصائد كتب بها إلى المتوكل فأطلقه بعد سنة، ثم نفاه بعد ذلك إلى خراسان. فقال أوّل ما حبس قصيدة كتب بها إلى أخيه، أوّلها قوله:
توكّلنا على ربّ السماءوسلّمنا لأسباب القضاء
ووطّنّا على غير اللّيالينفوسا سامحت بعد الإباء
وأفنية الملوك محجّباتوباب اللّه مبذول الفناء
هي الأيّام تكلمنا وتأسووتأتي بالسعادة والشقاء
وما يجدي الثّراء على غنيّإذا ما كان محظور العطاء
حلبنا الدّهر أشطره ومرّتبنا عقب الشّدائد والرّخاء
وجرّبنا وجرّب أوّلونافلا شيء أعزّ من الوفاء
ولم ندع الحياء لمسّ ضرّوبعض الضرّ يذهب بالحياء
ولم نحزن على دنيا تولّتولم نسبق إلى حسن العزاء
توقّ النّاس يابن أبي وأمّيفهم تبع المخافة والرّجاء
ولا يغررك من وغد إخاءلأمر ما غدا حسن الإخاء
ألم تر مظهرين عليّ عيباوهم بالأمس إخوان الصّفاء
فلمّا أن بليت غدوا وراحواعليّ أشدّ أسباب البلاء
أبت أخطارهم أن ينصرونيبمال أو بجاه أو ثراء
وخافوا أن يقال لهم خذلتمصديقا فادّعوا قدم الجفاء
تضافرت الرّوافض والنّصارىوأهل الاعتزال على هجائي
- يعني بأهل الاعتزال عليّ بن يحيى المنجّم وقد كان بلغه عنه ذكر له: -
وعابوني وما ذنبي إليهمسوى علمي بأولاد الزّناء
فبختيشوع يشهد لابن عمرووعزّون لهارون المرائي
وما الجذماء بنت أبي سميربجذماء اللّسان عن الخناء
إذا ما عدّ مثلكم رجالافما فضل الرجال على النساء
عليكم لعنة اللّه ابتداءوعودا في الصّباح وفي المساء
إذا سمّيتم للنّاس قالواأولئك شرّ من تحت السّماء
أنا المتوكّليّ هوى ورأياوما بالواثقيّة من خفاء
وما حبس الخليفة لي بعاروليس بمؤيسي منه التنائي
أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد قال قال لي أبو الشّبل البرجميّ: ما شعر عليّ بن الجهم في الحبس بدون شعر عديّ بن زيد.
أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد قال: كان سبب حبس المتوكّل عليّ بن الجهم أنّ جماعة من الجلساء سعوا به إليه وقالوا له: إنه يجمّش الخدم ويغمزهم، وإنّه كثير الطعن عليك والعيب لك والإزراء على أخلاقك؛ ولم يزالوا به يوغرون صدره عليه حتى حبسه؛ ثم أبلغوه عنه أنه هجاه. فنفاه إلى خراسان وكتب بأن يصلب إذا وردها يوما إلى الليل. فلما وصل إلى الشاذياخ حبسه طاهر بن عبد اللّه بن طاهر بها، ثم أخرج فصلب يوما إلى الليل مجرّدا ثم أنزل. فقال في ذلك:
لم ينصبوا بالشّاذياخ عشيّةالإثنين مسبوقا ولا مجهولا
نصبوا بحمد اللّه ملء قلوبهمشرفا وملء صدورهم تبجيلا
ما ازداد إلا رفعة بنكولهوازدادت الأعداء عنه نكولا
هل كان إلّا الليث فارق غيلهفرأيته في محمل محمولا
لا يأمن الأعداء من شدّاتهشدّا يفصّل هامهم تفصيلا
ما عابه أن بزّ عنه لباسهفالسيف أهول ما يرى مسلولا
إن يبتذل فالبدر لا يزري بهأن كان ليلة تمّه مبذولا
أو يسلبوه المال يحرن فقدهضيفا ألمّ وطارقا ونزيلا
أو يحبسوه فليس يحبس سائرمن شعره يدع العزيز ذليلا
إنّ المصائب ما تعدّت دينهنعم وإن صعبت عليه قليلا
واللّه ليس بغافل عن أمرهوكفى بربك ناصرا ووكيلا
ولتعلمنّ إذا القلوب تكشّفتعنها الأكنّة من أضلّ سبيلا
أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد قال: كتب المتوكّل إلى طاهر بن عبد اللّه بإطلاق عليّ بن الجهم. فلمّا أطلقه قال:
أطاهر إنّي عن خراسان راحلومستخبر عنها فما أنا قائل
أأصدق أم أكني عن الصّدق أيّماتخيّرت أدّته إليك المحافل
وسارت به الرّكبان واصطفقت بهأكفّ قيان واجتبته القبائل
وإنّي بغالي الحمد والذّمّ عالمبما فيهما نامي الرّميّة ناضل
وحقّا أقول الصّدق إنّي لمائلإليك وإن لم يحظ بالودّ مائل
ألا حرمة ترعى ألا عقد ذمّةلجار ألا فعل لقول مشاكل
ألا منصف إن لم نجد متفضّلاعلينا ألا قاض من الناس عادل
فلا تقطعن غيظا عليّ أناملافقبلك ما عضّت عليّ الأنامل
أطاهر إن تحسن فإنّي محسنإليك وإن تبخل فإنّي باخل
فقال له طاهر: لا تقل إلّا خيرا فإني لا أفعل بك إلّا ما تحبّ؛ فوصله وحمله وكساه.
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد قال: كان عليّ بن الجهم في مجلس فيه قينة، فعابثها وجمّشها، فباعدته وأعرضت عنه، فقال فيها:
خفي اللّه فيمن قد تبلت فؤادهوغادرته نضوا كأنّ به وقرا
دعي البخل لا أسمع به منك إنّماسألتك أمرا ليس يعري لكم ظهرا
فقالت له: صدقت يا أبا الحسن، ليس يعري لنا ظهرا، ولكنّه يملأ بطنا!!
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا إبراهيم بن المدبّر قال حدّثنا علي بن الجهم قال: كان الحارثيّ يجيء إلى حلوان وأنا أتولّاها - وكان عليّ بن الجهم على مظالمها - فإذا وردها وقع الإرجاف، فلم يزل متّصلا حتى يخرج، فإذا خرج سكن الإرجاف. فأتاني مرّة وظهر كوكب الذّنب في تلك الليلة، فقلت:
لمّا بدا أيقنت بالعطبفسألت ربّي خير منقلب
لم يطلعا إلّا لآبدةالحارثيّ وكوكب الذّنب
يا معشر البصراء لا تتطرّفواجيشي ولا تتعرّضوا لنكيري
ردّوا عليّ الحارثيّ فإنّهأعمى يدلّس نفسه في العور
أخبرني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال أنشدني إبراهيم بن المدبّر لعليّ بن الجهم وذكر أن عليّا أنشده إيّاه لنفسه:
أميل مع الذّمام على ابن أمّيوآخذ للصّديق من الشّقيق
وإن ألفيتني حرّا مطاعافإنّك واجدي عبد الصديق
أفرّق بين معروفي ومنّيوأجمع بين مالي والحقوق
فقال إبراهيم: كذب واللّه عليّ بن الجهم وأثم. واللّه لهذا الشعر أشهر بإبراهيم بن العبّاس من إبراهيم بالعباس أبيه.
أخبرني الحسن قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثنا إبراهيم بن المدبّر قال قال المتوكّل: عليّ بن الجهم أكذب خلق اللّه. حفظت عليه أنّه أخبرني أنه أقام بخراسان ثلاثين سنة، ثم مضت مدّة أخرى وأنسي ما أخبرني به، فأخبرني أنه أقام بالثغور ثلاثين سنة، ثم مضت مدّة أخرى وأنسي الحكايتين جميعا، فأخبرني أنه أقام بالجبل ثلاثين سنة، ثم مضت مدّة أخرى فأخبرني أنه أقام بمصر والشأم ثلاثين سنة، فيجب أن يكون عمره على هذا وعلى التقليل مائة وخمسين سنة، وإنما يزاهي سنّه الخمسين سنة. فليت شعري أيّ فائدة له في هذا الكذب وما معناه فيه!!
أخبرني محمد بن إبراهيم قال حدّثنا عبد اللّه بن المعتزّ، وحدّثني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد قال: إجتمع عليّ بن الجهم مع قوم من ولد عليّ بن هشام في مجلس، فعربد عليه بعضهم، فغضب وخرج من المجلس، واتّصل الشرّ بينهم حتى تقاطعوا وهجروه وعابوه واغتابوه. فقال يهجوهم:
بني متيّم هل تدرون ما الخبروكيف يستر أمر ليس يستتر
حاجبتكم: من أبوكم يا بني عصبشتّى ولكنّما للعاهر الحجر
قد كان شيخكم شيخا له خطرلكنّ أمّكم في أمرها نظر
ولم تكن أمّكم - واللّه يكلؤها -محجوبة دونها الحرّاس والسّتر
كانت مغنّية الفتيان إن شربواوغير ممنوعة منهم إذا سكروا
وكان إخوانه غرّا غطارفةلا يمكن الشيخ أن يعصي إذا أمروا
قوم أعفّاء إلّا في بيوتكمفإنّ في مثلها قد تخلع العذر
فأصبحت كمراح الشّول حافلةمن كلّ لاقحة في بطنها درر
فجئتم عصبا من كلّ ناحيةنوعا مخانيث في أعناقها الكبر
فواحد كسرويّ في قراطقهوآخر قرشيّ حين يختبر
ما علم أمّكم من حلّ مئزرهاومن رماها بكم يأيّها القذر
قوم إذا نسبوا فالأم واحدةواللّه أعلم بالآباء إذ كثروا
لم تعرفوا الطّعن إلّا في أسافلكموأنتم في المخازي فتية صبر
أحببت إعلامكم إنّي بأمركموأمر غيركم من أهلكم خبر
تفكّهون بأعراض الكرام وماأنتم وذكركم السادات يا عرر
هذا الهجاء الذي تبقى مياسمهعلى جباهكم ما أورق الشّجر
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال: كتب صاحب الخبر إلى المتوكّل أن الحسن بن عبد الملك بن صالح احترق فمات. فقال عليّ بن الجهم: قد بلغني أنّ العامل قتله وصانع صاحب الخبر حتى كتب بهذا. وكان يسعى بالجلساء إلى المتوكّل فأبغضه وأمره بأن يلزم بيته، ثم بلغه أنه هجاه فحبسه. وأحسن شعر قاله في الحبس قصيدته التي أوّلها:
قالت حبست فقلت ليس بضائريحبسي وأيّ مهنّد لا يغمد
أو ما رأيت اللّيث يألف غيلهكبرا وأوباش السّباع تردّد
والشمس لو لا أنّها محجوبةعن ناظريك لما أضاء الفرقد
والبدر يدركه السّرار فتنجليأيّامه وكأنّه متجدّد
والغيث يحصره الغمام فما يرىإلّا وريّقه يروع ويرعد
والزاعبيّة لا يقيم كعوبهاإلّا الثّقاف وجذوة تتوقّد
والنار في أحجارها مخبوءةلا تصطلى إن لم تثرها الأزند
والحبس ما لم تغشه لدنيّةشنعاء نعم المنزل المتورّد
بيت يجدّد للكريم كرامةويزار فيه ولا يزور ويحمد
لو لم يكن في الحبس إلّا أنّهلا يستذلّك بالحجاب الأعبد
كم من عليل قد تخطّاه الرّدىفنجا ومات طبيبه والعوّد
يا أحمد بن أبي دواد إنّماتدعى لكلّ عظيمة يا أحمد
أبلغ أمير المؤمنين فدونهخوض الرّدى ومخاوف لا تنفد
أنتم بنو عمّ النبيّ محمدأولى بما شرع النبيّ محمّد
ما كان من كرم فأنتم أهلهكرمت مغارسكم وطاب المحتد
أمن السّويّة يابن عمّ محمدخصم تقرّبه وآخر تبعد
إنّ الذين سعوا إليك بباطلحسّاد نعمتك التي لا تجحد
شهدوا وغبنا عنهم فتحكّموافينا وليس كغائب من يشهد
لو يجمع الخصماء عندك مجلسيوما لبان لك الطريق الأقصد
فبأيّ جرم أصبحت أعراضنانهبا تقسّمها اللئيم الأوغد
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق قال قال لي أبو الفضل الرّبعيّ قال قال لي عليّ بن الجهم: دخلت على المتوكّل وقد بلغني أنّه كلّم قبيحة جاريته فأجابته بشيء أغضبه، فرماها بمخدّة فأصابت عينها فأثّرت فيها، فتأوّهت وبكت وبكى المعتزّ لبكائها؛ فخرج المتوكّل وقد حمّ من الغمّ والغضب. فلما بصر بي دعاني وإذا الفتح يري بختيشوع القارورة ويشاوره فيها. فقال لي: قل يا عليّ في علّتي هذه شيئا وصف أنّ الطبيب ليس يدري ما بي؛ فقلت:
تنكّر حال علّتي الطّبيبوقال أرى بجسمك ما يريب
جسست العرق منك فدلّ جسّيعلى ألم له خبر عجيب
فما هذا الذي بك هات قل ليفكان جوابه منّي النّحيب
وقلت أيا طبيب الهجر دائيوقلبي يا طبيب هو الكئيب
فحرّك رأسه عجبا لقوليوقال الحب ليس له طبيب
فأعجبني الذي قد قال جدّاوقلت بلى إذا رضي الحبيب
فقال هو الشفاء فلا تقصّرفقلت أجل ولكن لا يجيب
ألا هل مسعد يبكي لشجويفإنّي هائم فرد غريب
فقال: أحسنت وحياتي! يا غلام اسقني قدحا؛ فجاءه بقدح فشرب وسقيت الجماعة مثله. وخرجت إليه فضل الشاعرة بأبيات أمرتها قبيحة أن تقولها عنها. فقرأها فإذا هي:
أكتمنّ الذي في القلب من حرقحتى أموت ولم يعلم به الناس
ولا يقال شكا من كان يعشقهإنّ الشّكاة لمن تهوى هي الياس
ولا أبوح بشيء كنت أكتمهعند الجلوس إذا ما دارت الكاس
فقال المتوكّل: أحسنت يا فضل. وأمر لها ولي بعشرين ألف درهم، ودخل إلى قبيحة فترضّاها.
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد قال: خرج عليّ بن الجهم إلى الشام في قافلة، فخرجت عليهم الأعراب في خساف فهرب من كان في القافلة من المقاتلة، وثبت عليّ بن الجهم فقاتلهم قتالا شديدا، وثاب الناس إليه فدفعهم ولم يحظوا بشيء. فقال في ذلك:
صبرت ومثلي صبره ليس ينكروليس على ترك التّقحّم يعذر
غريزة حرّ لا اختلاق تكلّفإذا خام في يوم الوغى المتصبّر
ولمّا رأيت الموت تهفو بنودهوبانت علامات له ليس تنكر
وأقبلت الأعراب من كلّ جانبوثار عجاج أسود اللّون أكدر
بكلّ مشيح مستميت مشمّريجول به طرف أقبّ مشمّر
بأرض خساف حين لم يك دافعولا مانع إلّا الصّفيح المذكّر
فقلّل في عينيّ عظم جموعهمعزيمة قلب فيه ما جلّ يصغر
بمعترك فيه المنايا جواسرونار الوغى بالمشرفيّة تسعر
فما صنت وجهي عن ظبات سيوفهمولا انحزت عنهم والقنا تتكسّر
ولم أك في حرّ الكريهة محجماإذا لم يكن في الحرب للورد مصدر
إذا ساعد الطّرف الفتى وجنانهوأسمر خطّيّ وأبيض مبتر
فذاك، وإن كان الكريم بنفسه،إذا اصطكّت الأبطال في النّقع عسكر
منعتهم من أن ينالوا قلامةوكنت شجاهم والأسنّة تقطر
وتلك سجايانا قديما وحادثبها عرف الماضي وعزّ المؤخّر
أبت لي قروم أنجبتني أن أرىوإن جلّ خطب خاشعا أتضجّر
أولئك آل اللّه فهر بن مالكبهم يجبر العظم الكسير ويكسر
هم المنكب العالي على كلّ منكبسيوفهم تفني وتغني وتفقر
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق والحسن بن عليّ قالا جميعا حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عيسى بن أبي حرب قال حدّثني عليّ بن الجهم قال: حبسني أبي في الكتّاب، فكتبت إلى أمي:
يا أمّتا أفديك من أمّأشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرّح الصّبيان كلّهموبقيت محصورا بلا جرم
قال: وهو أوّل شعر قلته وبعثت به إلى أمّي؛ فأرسلت إلى أبي: واللّه لئن لم تطلقه لأخرجنّ حاسرة حتى أطلقه. قال عيسى فحدّثت بهذا الخبر إبراهيم بن المدبّر فقال: عليّ بن الجهم كذّاب، وما يمنعه من أن يكون ولّد هذا الحديث وقال هذا الشعر وله ستون سنة، ثم حدّثكم أنه قاله وهو صغير، ليرفع من شأن نفسه!.
مدح أحمد بن أبي دواد وكان منحرفا عنه ليشفع له في حبسه فقعد عنه فهجاه وشمت به بعد أن نفاه المتوكل: أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد قال: كان أحمد بن أبي دواد منحرفا عن عليّ بن الجهم لاعتقاده مذهب الحشويّة. فلما حبس عليّ بن الجهم مدح أحمد بن أبي دواد عدّة مدائح، وسأله أن يقوم بأمره ويشفع فيه، فلم يفعل وقعد عنه. فمنها قوله:
يا أحمد بن أبي دواد إنّماتدعى لكلّ عظيمة يا أحمد
أبلغ أمير المؤمنين ودونهخوض الرّدى ومخاوف لا تنفد
أنتم بنو عمّ النبيّ محمدأولى بما شرع النبيّ محمّد
وهذه الأبيات من قصيدته التي أوّلها:
قالت حبست فقلت ليس بضائري
فلمّا نفى المتوكّل أحمد بن أبي دواد شمت به عليّ بن الجهم وهجاه فقال:
يا أحمد بن أبي دواد دعوةبعثت إليك جنادلا وحديدا
ما هذه البدع التي سمّيتهابالجهل منك العدل والتوحيدا
أفسدت أمر الدّين حين وليتهورميته بأبي الوليد وليدا
لا محكما جزلا، ولا مستطرفاكهلا، ولا مستحدثا معمودا
شرها، إذا ذكر المكارم والعلاذكر القلايا مبدئا ومعيدا
ويودّ لو مسخت ربيعة كلّهاوبنو إياد صحفة وثريدا
وإذا تربّع في المجالس خلتهضبعا وخلت بني أبيه قرودا
وإذا تبسّم ضاحكا شبّهتهشرقا تعجّل شربه مردودا
لا أصبحت بالخير عين أبصرتتلك المناخر والثّنايا السّودا
أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد قال: كتب عليّ بن الجهم إلى طاهر من الحبس:
إن كان لي ذنب فلي حرمةوالحقّ لا يدفعه الباطل
وحرمتي أعظم من زلّتيلو نالني من عدلكم نائل
ولي حقوق غير مجهولةيعرفها العاقل والجاهل
وكلّ إنسان له مذهبوأهل ما يفعله الفاعل
وسيرة الأملاك منقولةلا جائر يخفى ولا عادل
وقد تعجّلت الذي خفتهمنك ولم يأت الذي آمل
حدّثني عمّي قال حدّثنا محمد قال: كان عليّ بن الجهم يعاشر جماعة من فتيان بغداد لما أطلق من حبسه وردّ من النفي، وكانوا يتقاينون ببغداد، ويلزمون منزل مقيّن بالكرخ يقال له المفضّل. فقال فيه عليّ بن الجهم:
نزلنا بباب الكرخ أطيب منزلعلى محسنات من قيان المفضّل
فلابن سريج والغريض ومعبدبدائع في أسماعنا لم تبدّل
أوانس ما للضّيف منهنّ حشمةولا ربّهنّ بالجليل المبجّل
يسرّ إذا ما الضّيف قلّ حياؤهويغفل عنه وهو غير مغفّل
ويكثر من ذمّ الوقار وأهلهإذا الضّيف لم يأنس ولم يتبذّل
ولا يدفع الأيدي المريبة غيرةإذا نال حظّا من لبوس ومأكل
ويطرق إطراق الشّجاع مهابةليطلق طرف الناظر المتأمّل
أشر بيد واغمز بطرف ولا تخفرقيبا إذا ما كنت غير مبخّل
وأعرض عن المصباح والهج بمثلهفإن خمد المصباح فادن وقبّل
وسل غير ممنوع وقل غير مسكتونم غير مذعور وقم غير معجل
لك البيت ما دامت هداياك جمّةوكنت مليّا بالنّبيذ المعسّل
فبادر بأيّام الشّباب فإنّهاتقضّى وتفنى والغواية تنجلي
ودع عنك قول الناس أتلف مالهفلان فأضحى مدبرا غير مقبل
هل الدهر إلّا ليلة طرحت بناأواخرها في يوم لهو معجّل
سقى اللّه باب الكرخ من متنزّهإلى قصر وضّاح فبركة زلزل
مساحب أذيال القيان ومسرح الحسان ومثوى كلّ خرق معذّل
لو انّ امرأ القيس بن حجر يحلّهالأقصر عن ذكر الدّخول وحومل
إذا لرأى أن يمنح الودّ شادنامقصّر أذيال القبا غير مسبل
إذا الليل أدنى مضجعي منه لم يقلعقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال أنشدني عليّ بن الجهم لنفسه:
وإذا جزى اللّه امرأ بفعالهفجزى أخا لي ماجدا سمحا
ناديته عن كربة فكأنّماأطلعت عن ليل به صبحا
فقلت له: ويلك! هذا لإبراهيم بن العبّاس يقوله في محمد بن عبد الملك الزيّات! فجحدني وكابر. فدخل يوما عليّ بن الجهم إلى إبراهيم بن العبّاس وأنا عنده. فلمّا رآني قال: اجتمع الإبراهيمان. فتركته ساعة ثم أنشدت البيتين، وقلت لإبراهيم بن العباس: إنّ هذا يزعم أنّ هذين البيتين له. فقال: كذب، هذان لي في محمد ابن عبد الملك الزيّات. فقال له عليّ بن الجهم بقحة: ألم أنهك أن تنتحل شعري! فغضب إبراهيم وجعل يقول له بيده: سوءة عليك سوءة لك! ما أوقحك! وهو لا ينكر في ذلك ولا يخجل. ثم التقينا بعد مدّة فقال: أرأيت كيف أخزيت إبراهيم بن العباس!! فجعلت أعجب من صلابة وجهه.
حدّثني عمّي قال أنشدنا محمد بن سعد لعليّ بن الجهم وفيه غناء:
اعلمي يا أحبّ شيء إليّاأنّ شوقي إليك قاض عليّا
إن قضى اللّه لي رجوعا إليكملا ذكرت الفراق ما دمت حيّا
إنّ حرّ الفراق أنحل جسميوكوى القلب منك بالشّوق كيّا
حدّثني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد قال: كان محمد بن عبد الملك الزيّات منحرفا عن عليّ بن الجهم وكان يسبعه عند الخليفة ويعيبه ويذكره بكلّ قبيح. فقال فيه عليّ بن الجهم:
لعائن اللّه متابعاتمصبّحات ومهجّرات
على ابن عبد الملك الزيّاتعرّض شمل الملك للشّتات
وأنفذ الأحكام جائراتعلى كتاب اللّه ذاريات
وعن عقول الناس خارجاتيرمي الدواوين بتوقيعات
معقّدات كرقى الحيّاتسبحان من جلّ عن الصّفات
بعد ركوب الطّوف في الفراتوبعد بيع الزّيت بالحبّات
صرت وزيرا شامخ الثّباتهارون يابن سيّد السّادات
أما ترى الأمور مهملاتتشكو إليك عدم الكفاة
فعاجل العلج بمرهفاتمن بعد ألف صخّب الأصوات
بمثمرات غير مورقاتترى بمتنيه مرصّفات
أخبرني عمي قال حدّثني محمد بن سعد قال: كان عليّ بن الجهم سأل عمر بن الفرج الرّخّجيّ معاونته، واسترفده في نكبته فلم يعاونه ولم يرفده، ثم قبض على عمر بن الفرج وأسلم إلى نجاح ليصادره. فقال عليّ بن الجهم له:
أبلغ نجاحا فتى الفتيان مألكةتمضي بها الرّيح إصدارا وإيرادا
لن يخرج المال عفوا من يدي عمرأو يغمد السّيف في فوديه إغمادا
الرّخّجيّون لا يوفون ما وعدواوالرّخّجيّات لا يخلفن ميعادا
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهماتيه الملوك وأفعال المماليك
أردت شكرا بلا برّ ومرزئةلقد سلكت طريقا غير مسلوك
ظننت عرضك لا يرمى بقارعةوما أراك على حال بمتروك
أخبرني عمّي قال حدّثني الحسن بن الحسن بن رجاء عن أبيه قال: كان لسليمان بن وهب نديم يأنس به ويألفه، فعربد عليه ليلة من الليالي عربدة قبيحة، فاطّرحه وجفاه مدّة. فوقف له على الطريق. فلما مرّ به وثب إليه فقال له: أيها الوزير، ألا تكون في أمري كما قال عليّ بن الجهم:
القوم إخوان صدق بينهم نسبمن المودّة لم يعدل بها نسب
تراضعوا درّة الصّهباء بينهمفأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب
لا تحفظنّ على السّكران زلّتهولا تريبنك من أخلاقه ريب
فقال له سليمان: قد رضيت عنك رضا صحيحا، فعد إلى ما كنت عليه من ملازمتي.
الورد يضحك والأوتار تصطخبوالنّاي يندب أشجانا وينتحب
والرّاح تعرض في نور الرّبيع كماتجلى العروس عليها الدّرّ والذّهب
واللّهو يلحق مغبوقا بمصطبحوالدور سيّان محثوث ومنتخب
وكلّما انسكبت في الكأس آونةأقسمت أنّ شعاع الشّمس ينسكب
أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد قال حدّثني أسلم مولى عبد اللّه بن طاهر قال: دخل عليّ بن الجهم يوما على عبد اللّه بن طاهر في غدوة من غدوات الرّبيع وفي السماء غيم رقيق والمطر يجيء قليلا ويسكن قليلا، وقد كان عبد اللّه عزم على الصّبوح. فغاضبته حظيّة له، فتنغّص عليه عزمه وفتر. فخبّر عليّ بن الجهم بالخبر وقيل له: قل في هذا المعنى شيئا، لعله ينشط للصّبوح. فدخل عليه فأنشده:
صوت
أما ترى اليوم ما أحلى شمائلهصحو وغيم وإبراق وإرعاد
كأنّه أنت يا من لا شبيه لهوصل وهجر وتقريب وإبعاد
فباكر الرّاح واشربها معتّقةلم يدّخر مثلها كسرى ولا عاد
واشرب على الرّوض إذ لاحت زخارفهزهر ونور وأوراق وأوراد
كأنّما يومنا فعل الحبيب بنابذل وبخل وإيعاد وميعاد
وليس يذهب عنّي كلّ فعلكمغيّ ورشد وإصلاح وإفساد
فاستحسن الأبيات وأمر له بثلاثمائة دينار؛ وحمله وخلع عليه، وأمر بأن يغنّى في الأبيات. الغناء لبذل الطّاهريّة، خفيف رمل. وفيه لغيرها هزج.
حدّثني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد قال حدّثني رجل من أهل خراسان قال: رأيت عليّ بن الجهم بعد ما أطلق من حبسه جالسا في المقابر؛ فقلت له: ويحك! ما يجلسك ها هنا؟!
فقال:
يشتاق كلّ غريب عند غربتهويذكر الأهل والجيران والوطنا
وليس لي وطن أمسيت أذكرهإلّا المقابر إذ صارت لهم وطنا
حدّثني عمّي قال أنشدنا أحمد بن عبيد ومحمد بن سعد لعليّ بن الجهم وفيه غناء:
صوت
لو تنصّلت إلينالوهبنا لك ذنبك
بأبي ما أبغض العيش إذا فارقت قربك
ليتني أملك قلبيمثل ما تملك قلبك
أيّها الواثق باللّه لقد ناصحت ربّك
ما رأى النّاس إماماأنهب الأموال نهبك
أصبحت حجّتك العليا وحزب اللّه حزبك
الغناء لعريب رمل. وفيه لغيرها هزج.
حدّثني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد قال: كان عليّ بن الجهم قد مدح أبا أحمد بن الرّشيد فلم يعطه شيئا، فقال يهجوه:
يا أبا أحمد لا ينجي من الشّعر الفرار
لبني العبّاس أحلام عظام ووقار
ولهم في الحرب إقدام ورأي واصطبار
ولهم ألسنة تبري كما تبري الشّفار
ولعطفيك عن المجد شماس وازورار
حدّثني جحظة وعمّي قالا حدّثنا عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر قال: دخل إلينا عليّ بن الجهم بعقب موت أبي والمجلس حافل بالمعزّين، فمثل قائما وأنشدنا يرثيه:
أيّ ركن وهى من الإسلامأيّ يوم أخنى على الأيّام
جلّ رزء الأمير عن كلّ رزءأدركته خواطر الأوهام
سلبتنا الأيّام ظلّا ظليلاوأباحت حمى عزيز المرام
يا بني مصعب حللتم من الناس محلّ الأرواح في الأجسام
فإذا رابكم من الدّهر ريبعمّ ما خصّكم جميع الأنام
انظروا هل ترون إلّا دموعاشاهدات على قلوب دوامي
من يداوي الدّنيا ومن يكلأ الملك لدى فادح الخطوب العظام
نحن متنا بموته وأجلّ الخطب موت السّادات والأعلام
لم يمت والأمير طاهر حيّدائم الإنتقام والإنعام
وهو من بعده نظام المعاليوقوام الدّنيا وسيف الإمام
قال: فما أذكر أني بكيت أو رأيت في دورنا باكيا أكثر من يومئذ.
حدّثني عمّي قال حدّثنا أبو الدّهقانة النّديم قال: دخلنا يوما إلى المعتزّ وهو مصطبح على صوت اختاره واقترحه على عريب، وأظنّ الصنعة لها، فلم يزل يشرب عليه بقيّة يومه، فلمّا سكر أمر لها بثلاثين ألف درهم، وفرّق على الجلساء كلّهم الجوائز والطّيب والخلع.
والصوت:
العين بعدك لم تنظر إلى حسنوالنّفس بعدك لم تسكن إلى سكن
كأنّ نفسي إذا ما غبت غائبةحتى إذا عدت لي عادت إلى بدني
والشعر لعليّ بن الجهم.
حدّثني جحظة ومحمد بن خلف وكيع وعمّي قالوا جميعا حدّثنا عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر قال: لمّا أطلق أبي طاهر عليّ بن الجهم من الحبس أقام معه بالشّاذياخ مدّة. فخرجوا يوما إلى الصّيد، واتّفق لهم مرج كثير الطير والوحش، وكانت أيّام الزّعفران، فاصطادوا صيدا كثيرا حسنا، وأقاموا يشربون على الزّعفران. فقال علي بن الجهم يصف ذلك:
وطئنا رياض الزّعفران وأمسكتعلينا البزاة البيض حمر الدّرارج
ولم تحمها الأدغال منّا وإنّماأبحنا حماها بالكلاب النوابج
بمستروحات سابحات بطونهاعلى الأرض أمثال السّهام الزّوالج
ومستشرفات بالهوادي كأنهاوما عقفت منها رؤوس الصّوالج
ومن دالعات ألسنا فكأنّهالحى من رجال خاضعين كواسج
فلينا بها الغيطان فليا كأنّهاأنامل إحدى الغانيات الحوالج
فقل لبغاة الصّيد هل من مفاخربصيد وهل من واصف أو مخارج
قرنّا بزاة بالصّقور وحوّمتشواهيننا من بعد صيد الزّمامج
حدّثني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد قال: كتب عليّ بن الجهم إلى المتوكّل وهو محبوس:
صوت
أقلني أقالك من لم يزليقيك ويصرف عنك الرّدى
ويغذوك بالنّعم السابغاتوليدا وذا ميعة أمردا
وتجري مقاديره بالذيتحبّ إلى أن بلغت المدى
ويعليك حتى لو انّ السماءتنال لجاوزتها مصعدا
فما بين ربّك جلّ اسمهوبينك إلّا نبيّ الهدى
فشكرا لأنعمه إنّهإذا شكرت نعمة جدّدا
وعفوك عن مذنب خاضعقرنت المقيم به المقعدا
إذا ادّرع الليل أفضى بهإلى الصّبح من قبل أن يرقدا
عفا اللّه عنك ألا حرمةتعوذ بفضلك أن أبعدا
لئن جلّ ذنب ولم أعتمدلأنت أجلّ وأعلى يدا
ألم تر عبدا عدا طورهومولى عفا ورشيدا هدى
ومفسد أمر تلافيتهفعاد فأصلح ما أفسدا
فلا عدت أعصيك فيما أمرت حتى أزور الثّرى ملحدا
وإلّا فخالفت ربّ السماءوخنت الصّديق وعفت النّدى
وكنت كعزّون أو كابن عمرومبيح العيال لمن أولدا
يكثّر في البيت صبيانهيغيظ بهم معشرا جسّدا
حدّثني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد قال: لمّا فلج ابن أبي دواد شمت به عليّ بن الجهم وأظهر ذلك له وقال فيه:
لم يبق منك سوى خيالك لامعافوق الفراش ممهّدا بوساد
فرحت بمصرعك البريّة كلّهامن كان منهم موقنا بمعاد
كم مجلس للّه قد عطّلتهكي لا يحدّث فيه بالإسناد
ولكم مصابيح لنا أطفأتهاحتى يزول عن الطريق الهادي
ولكم كريمة معشر أرملتهاومحدّث أوثقت في الأقياد
إنّ الأسارى في السّجون تفرّجوالمّا أتتك مواكب العوّاد
وغدا لمصرعك الطبيب فلم يجدشيئا لدائك حيلة المرتاد
فذق الهوان معجّلا ومؤجّلاواللّه ربّ العرش بالمرصاد
لا زال فالجك الذي بك دائباوفجعت قبل الموت بالأولاد
نطق الهوى بجوى هو الحقّوملكتني فليهنك الرّقّ
رفقا بقلبي يا معذّبهرفقا وليس لظالم رفق
وإذا رأيتك لا تكلّمنيضاقت عليّ الأرض والأفق
يا رحمة للغريب بالبلد النازح ما ذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوابالعيش من بعده وما انتفعا
وقال لمغنّ حضر معه مجلسا وكان غير طيّب:
كنت في مجلس فقال مغنّي القوم كم بيننا وبين الشتاء
فذرعت البساط منّي إليهقلت هذا المقدار قبل الغناء
فإذا ما عزمت أن تتغنّىآذن الحرّ كلّه بانقضاء
أخبرني عليّ بن العبّاس بن أبي طلحة قال حدّثني عبد اللّه بن المعتزّ قال: لمّا حبس أمير المؤمنين المتوكّل عليّ بن الجهم، وأجمع الجلساء على عداوته وإبلاغ الخليفة عنه كلّ مكروه ووصفهم مساويه، قال هذه القصيدة يمدحه ويذكّره حقوقه عليه، وهي:
عفا اللّه عنك ألا حرمةتعوذ بعفوك أن أبعدا
ووجّه بها إلى بيدون الخادم، فدخل بها إلى قبيحة وقال لها: إنّ عليّ بن الجهم قد لاذبك وليس له ناصر سواك، وقد قصده هؤلاء النّدماء والكتّاب لأنه رجل من أهل السنّة وهم روافض، فقد اجتمعوا على الإغراء بقتله. فدعت المعتزّ وقالت له: اذهب بهذه الرّقعة يا بنيّ إلى سيّدك وأوصلها إليه، فجاء بها ووقف بين يدي أبيه. فقال له: ما معك فديتك؟ فدنا منه وقال: هذه رقعة دفعتها إليّ أمّي. فقرأها المتوكّل وضحك. ثم أقبل عليهم فقال: أصبح أبو عبد اللّه - فديته - خصمكم. هذه رقعة عليّ بن الجهم يستقيل، وأبو عبد اللّه شفيعه، وهو ممن لا يردّ، وقرأها عليهم. فلمّا بلغ إلى قوله:
فلا عدت أعصيك فيما أمرتإلى أن أحلّ الثّرى ملحدا
وإلّا فخالفت ربّ السماءوخنت الصّديق وعفت النّدى
وكنت كعزّون أو كابن عمرومبيح العيال لمن أولدا
وثب ابن حمدون وقال للمعتزّ: يا سيّدي فمن دفع هذه الرّقعة إلى السيّدة؟ قال بيدون الخادم: أنا.
فقالوا له: أحسنت تعادينا وتوصل رقعة عدوّنا في هجائنا!! فانصرف بيدون وقام المعتزّ فانصرف. واستلب ابن حمدون قوله:
وكنت كعزّون أو كابن عمرومبيح العيال لمن أولدا
فجعل ينشدهم إيّاه وهم يشتمون ابن حمدون ويضجّون والمتوكّل يضحك ويصفّق ويشرب حتى سكر ونام، وسرقوا قصيدته من بين يدي المتوكّل وانصرفوا، ولم يوقّع بإطلاقه ونسيه. فقالوا لابن حمدون: ويلك! تعيد هجاءنا وشتمنا!! فقال: يا حمقى واللّه لو لم أفعل ذلك فيضحك ويشرب حتى يسكر وينام لوقّع في إطلاقه ووقعنا معه في كلّ ما نكره.
أخبرني عليّ بن الحسين قال حدّثني جعفر بن هارون بن زياد قال حدّثني أحمد بن حمدون قال: لمّا افتتحت أرمينية وقتل إسحاق بن إسماعيل دخل عليّ بن الجهم فأنشد المتوكّل قصيدته التي يهنّيه فيها بالفتح ويمدحه، فقال فيها وأومأ بيده إلى الرسول الوارد بالفتح وبرأس إسحاق بن إسماعيل:
أهلا وسهلا بك من رسولجئت بما يشفي من الغليل
بجملة تغني عن التفصيلبرأس إسحاق بن إسماعيل
قهرا بلا ختل ولا تطويل
فاستحسن جميع من حضر ارتجاله هذا وابتداءه، وأمر له المتوكّل بثلاثين ألف درهم، وتمّم القصيدة. وفيها يقول:
جاوز نهر الكرّ بالخيولتردي بفتيان كأسد الغيل
معوّدات طلب الذّحولخزر العيون طيبي النّصول
شعث على شعث من الفحولجيش يلفّ الحزن بالسّهول
كأنّه معتلج السّيوليسوسه كهل من الكهول
لا ينثني للصّعب والذّلولعلى أغرّ واضح الحجول
حتى إذا أصحر للمخذولناجزه بصارم صقيل
ضربا طلحفا ليس بالقليلومنجنيق مثل حلق الفيل
ترفضّ عن خرطومه الطويلصواعق من حجر السّجّيل
تترك كيد القوم في تضليلما كان إلّا مثل رجع القيل
حتى انجلت عن حزبه المفلولوعن نساء حسّر ذهول
صوارخ يعثرن في الذّيولثواكل الأولاد والبعول
لا والذي يعرف العقولمن غير تحديد ولا تمثيل
ما قام للّه وللرسولبالدّين والدّنيا وبالتّنزيل
أخبرني علي بن العبّاس قال حدّثني محمد بن عبد السلام قال: رأيت مع عليّ بن يحيى المنجّم قصيدة عليّ بن الجهم يمدح المتوكّل ويصف الهارونيّ، فقلت له: يا أبا الحسن، ما هذه القصيدة معك؟ فضحك وقال: قصيدة لعليّ بن الجهم سألني عرضها على أمير المؤمنين فعرضتها. فلمّا سمع قوله:
وقبّة ملك كأنّ النّجوم تصغي إليها بأسرارها
تخرّ الوفود لها سجّداإذا ما تجلّت لأبصارها
وفوّارة ثأرها في السماءفليست تقصّر عن ثارها
تردّ على المزن ما أنزلتإلى الأرض من صوب مدرارها
تهلّل وجهه واستحسنها. فلما انتهيت إلى قوله:
تبوّأت بعدك قعر السّجونوقد كنت أرثي لزوّارها
غضب وتربّد وجهه وقال: هذا بما كسبت يداه، ولم يسمع تمام القصيدة.
أخبرني عليّ بن العبّاس قال حدّثني الحسين بن موسى قال: لمّا شاع في الناس مذهب عليّ بن الجهم وشرّه وذكره كلّ أحد بسوء من صديقه وعدوّه تحاماه الناس، فخرج عن بغداد إلى الشأم، فاتّفقنا في قافلة إلى حلب. وخرج علينا نفر من الأعراب، فتسرّع إليهم قوم من المقاتلة، وخرج فيهم فقاتل قتالا شديدا وهزم الأعراب. فلمّا كان من غد خرج علينا منهم خلق كثير، فتسرّعت إليهم المقاتلة وخرج فيهم فأصابته طعنة قتلته، فجئنا به واحتملناه وهو ينزف دمه. فلما رآني بكى وجعل يوصيني بما يريد. فقلت له: ليس عليك بأس. فلما أمسينا قلق قلقا شديدا وأحسّ بالموت، فجعل يقول:
أزيد في الليل ليلأم سال بالصّبح سيل
ذكرت أهل دجيلوأين منّي دجيل
فأبكى كلّ من كان في القافلة، ومات مع السّحر، فدفن في ذلك المنزل على مرحلة من حلب.
ومن صنعة أبي عيسى بن المتوكّل
صوت
إن الناس غطّوني تغطّيت عنهموإن بحثوا عنّي ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهمفسوف ترى ماذا تثير النّبائث
الشعر لأبي دلامة. والغناء لأبي عيسى بن المتوكّل، ولحنه ثقيل أوّل عن المعتزّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع