من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي دلامة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو دلامة زند بن الجون. وأكثر الناس يصحّف اسمه فيقول «زيد» بالياء، وذلك خطأ، وهو زند بالنون.
وهو كوفيّ أسود، مولى لبني أسد. كان أبوه عبدا لرجل منهم يقال له فضافض فأعتقه. وأدرك آخر أيّام بني أميّة، ولم يكن له في أيّامهم نباهة، ونبغ في أيام بني العبّاس، وانقطع إلى أبي عبّاس وأبي جعفر المنصور والمهديّ، فكانوا يقدّمونه ويصلونه ويستطيبون مجالسته ونوادره. وقد كان انقطع إلى روح بن حاتم المهلّبيّ أيضا في بعض أيّامه. ولم يصل إلى أحد من الشعراء ما وصل إلى أبي دلامة من المنصور خاصّة. وكان فاسد الدّين، رديء المذهب، مرتكبا للمحازم، مضيّعا للفروض، مجاهرا بذلك، وكان يعلم هذا منه ويعرف به، فيتجافى عنه للطف محلّه.
وكان أوّل ما حفظ من شعره وأسنيت الجوائز له به قصيدة مدح بها أبا جعفر المنصور وذكر قتله أبا مسلم. فأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن داود بن الجرّاح عن محمد بن القاسم عن أحمد بن حبيب قال: لمّا قال أبو دلامة قصيدته في قتل أبي مسلم التي يقول فيها:
أبا مسلم خوّفتني القتل فانتحىعليك بما خوّفتني الأسد الورد
أبا مسلم ما غيّر اللّه نعمةعلى عبده حتى يغيّرها العبد
أنشدها المنصور في محفل من الناس، فقال له: احتكم. قال: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها. فلمّا خلا به قال له: إيه!! أما واللّه لو تعدّيتها لقتلتك.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن مسلم عن أبيه: سمّى لي أبو دلامة نفسه زندا (بالنون) ابن الجون. وأسلم مولاه فضافض، وله أيضا شعر، وكان في الصّحابة.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني جعفر بن الحسين المهلّبيّ قال: كان أبو جعفر المنصور قد أمر أصحابه بلبس السّواد وقلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها، وأن يعلقوا السّيوف في المناطق، ويكتبوا على ظهورهم: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
فدخل عليه أبو دلامة في هذا الزّيّ. فقال له أبو جعفر: ما حالك؟ قال: شرّ حال، وجهي في نصفي، وسيفي في استي، وكتاب اللّه وراء ظهري، وقد صبغت بالسّواد ثيابي، فضحك منه وأعفاه وحده من ذلك، وقال له: إيّاك أن يسمع هذا منك أحد.
ونسخت من كتاب لابن النطّاح فذكر مثل هذه القصة سواء وزاد فيها:
وكنّا نرجّي من إمام زيادةفجاد بطول زاده في القلانس
تراها على هام الرجال كأنّهادنان يهود جلّلت بالبرانس
فضحك منه وأعفاه.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد النحويّ قال حدّثني الجاحظ قال: كان أبو دلامة بين يدي المنصور واقفا - وأخبرني إبراهيم بن أيّوب عن ابن قتيبة أنه كان واقفا بين يدي السّفّاح - فقال له: سلني حاجتك. قال أبو دلامة: كلب أتصيّد به. قال: أعطوه إيّاه. قال: ودابّة أتصيّد عليها.
قال: أعطوه. قال: وغلام يصيد بالكلب ويقوده. قال: أعطوه غلاما. قال: وجارية تصلح لنا الصّيد وتطعمنا منه. قال: أعطوه جارية. قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عبيدك فلا بدّ لهم من دار يسكنونها. قال: أعطوه دارا تجمعهم. قال: فإن لم تكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون! قال: قد أعطيتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وما الغامرة؟ قال: ما لا نبات فيه. فقال: قد أقطعتك أنا يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد. فضحك وقال: اجعلوها كلّها عامرة. قال: فأذن لي أن أقبّل يدك. قال: أمّا هذه فدعها. قال: واللّه ما منعت عيالي شيئا أقلّ ضررا عليهم منها. قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها: إبتدأ بكلب فسهّل القصّة به، وجعل يأتي بما يليه على ترتيب وفكاهة، حتى نال ما لو سأله بديهة لما وصل إليه.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني السّكّريّ عن محمد بن حبيب قال: اسم أبي دلامة زند بالنون، ومن الناس من يرويه بالياء، وكنّي أبا دلامة باسم جبل بمكة يقال له أبو دلامة، كانت قريش تئد فيه البنات في الجاهليّة؛ وهو بأعلى مكة.
وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة، وأخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن العمريّ عن الهيثم قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
إنّ الخليط أجدّ البين فانتجعواوزوّدوك خبالا بئس ما صنعوا
واللّه يعلم أن كادت لبينهميوم الفراق حصاة القلب تنصدع
عجبت من صبيتي يوما وأمّهمأمّ الدّلامة لمّا هاجها الجزع
لا بارك اللّه فيها من منبّهةهبّت تلوم عيالي بعد ما هجعوا
ونحن مشتبهو الألوان أوجهناسود قباح وفي أسمائنا شنع
إذا تشكّت إليّ الجوع قلت لهاما هاج جوعك إلّا الرّيّ والشّبع
- ويروى وهو الجيّد:
أذابك الجوع مذ صارت عيالتناعلى الخليفة منه الرّيّ والشّبع
لا والذي يا أمير المؤمنين قضىلك الخلافة في أسبابها الرّفع
مازلت أخلصها كسبي فتأكلهدوني ودون عيالي ثم تضطجع
شوهاء مشنأة في بطنها ثجلوفي المفاصل من أوصالها فدع
ذكّرتها بكتاب اللّه حرمتناولم تكن بكتاب اللّه تنتفع
فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبةأأنت تتلو كتاب اللّه يا لكع
اخرج لتبغ لنا مالا ومزرعةكما لجيراننا مال ومزدرع
واخدع خليفتنا عنها بمسألةإنّ الخليفة للسّؤّال ينخدع
فضحك أبو جعفر وقال: أرضوها عنّي واكتبوا له بمائتي جريب عامرة ومائتي جريب غامرة - وقال الهيثم: بستمائة جريب عامرة وغامرة - فقال له: أنا أقطعك يا أمير المؤمنين أربعة آلاف جريب غامرة فيما بين الحيرة والنّجف، وإن شئت زدتك. فضحك وقال: اجعلوها كلّها عامرة.
حدّثني محمد بن أحمد بن الطّلّاس قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال: شهد أبو دلامة بشهادة لجارة له عند ابن أبي ليلى على أتان نازعها فيها رجل. فلمّا فرغ من الشهادة قال: اسمع ما قلت فيك قبل أن آتيك ثم اقض ما شئت. قال: هات؛ فأنشده:
إن الناس غطّوني تعطّيت عنهموإن بحثوا عنّي ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهمليعلم يوما كيف تلك النّبائث
ثم أقبل على المرأة فقال: أتبيعينني الأتان؟ قالت نعم. قال: بكم؟ قالت: بمائة درهم. قال: ادفعوها إليها ففعلوا. وأقبل على الرجل فقال: قد وهبتها لك، وقال لأبي دلامة: قد أمضيت شهادتك ولم أبحث عنك، وابتعت ممّن شهدت له، ووهبت ملكي لمن رأيت. أرضيت؟ قال نعم، وانصرف.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا محمد بن سلّام عن عليّ بن إسماعيل قال: كنت أسقي أبا دلامة والسيّد، إذ خرجت بنت لأبي دلامة، فقال فيها أبو دلامة:
فما ولدتك مريم أمّ عيسىولا ربّاك لقمان الحكيم
أجزيا أبا هاشم. فقال السيد:
ولكن قد تضمّك أمّ سوءإلى لبّاتها وأب لئيم
فضحك لذلك. ثم غدا أبو دلامة إلى المنصور فألفاه في الرّحبة يصلح فيها شيئا يريده، فأخبره بقصّة بنته وأنشده البيتين، ثم اندفع فأنشده بعدهما:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمقوم لقيل اقعدوا يا آل عبّاس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلّكمإلى السماء فأنتم أظهر الناس
وقدّموا القائم المنصور رأسكمفالعين والأنف والأذنان في الرأس
فاستحسنها، وقال له: بأيّ شيء تحبّ أن أعينك على قبح ابتنك هذه؟ فأخرج خريطة قد كان خاطها من الليل فقال: تملأ لي هذه دراهم، فملئت فوسعت أربعة آلاف درهم.
وقد أخبرني بهذا الخبر عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال: دخل أبو عطاء السّنديّ يوما إلى أبي دلامة فاحتبسه عنده، ودعا بطعام فأكلا وشبعا، وخرجت إلى أبي دلامة صبيّة له فحملها على كتفه، فبالت عليه فنبذها عن كتفه، ثم قال:
بللت عليّ - لا حيّيت - ثوبيفبال عليك شيطان رجيم
فما ولدتك مريم أمّ عيسىولا ربّك لقمان الحكيم
ثم التفت إلى أبي عطاء فقال له: أجز. فقال:
صدقت أبا دلامة لم تلدهامطهّرة ولا فحل كريم
ولكن قد حوتها أمّ سوءإلى لبّاتها وأبّ لئيم
فقال له أبو دلامة: عليك لعنة اللّه! ما حملك على أن بلغت بي هذا كلّه! واللّه لا أنازعك بيت شعر أبدا.
فقال أبو عطاء: لأن يكون الهرب من جهتك أحبّ إليّ.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني عبد اللّه بن المعتزّ قال حدّثني أبو مالك عبد اللّه بن محمد قال حدّثني أبي قال: لمّا توفّي أبو العبّاس السفّاح دخل أبو دلامة على المنصور والناس عنده يعزّونه؛ فأنشأ أبو دلامة يقول:
أمسيت بالأنبار يابن محمدلم تستطع عن عقرها تحويلا
ويلي عليك أهلي كلّهمويلا وعولا في الحياة طويلا
فلتبكينّ لك النساء بعبرةوليبكينّ لك الرّجال عويلا
مات النّدى إذ متّ يابن محمدفجعلته لك في الثّراء عديلا
إنّي سألت الناس بعدك كلّهمفوجدت أسمح من سألت بخيلا
ألشقوتي أخّرت بعدك للتيتدع العزيز من الرجال ذليلا
فلأ حلفنّ يمين حقّ برّةباللّه ما أعطيت بعدك سولا
قال: فأبكى الناس قوله. فغضب المنصور غضبا شديدا وقال: لئن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعنّ لسانك. فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، إنّ أبا العباس أمير المؤمنين كان لي مكرما وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء اللّه بإخوة يوسف إليه، فقل كما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
فسرّي عن المنصور وقال: قد أقلناك يا أبا دلامة، فسل حاجتك. فقال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العبّاس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوبا وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعرف هذا؟ فقال: هؤلاء، وأشار إلى جماعة ممنن حضر. فوثب سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا: صدق أبو دلامة، نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب الخازن وهو مغيظ: يا سليمان ادفعها إليه وسيّره إلى هذا الطاغية (يعني عبد اللّه بن عليّ، وقد كان خرج بناحية الشام، وأظهر الخلاف). فوثب أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين، إني أعيذك باللّه أن أخرج معهم، فو اللّه إني لمشؤوم. فقال المنصور: امض فإن يمني يغلب شؤمك فاخرج.
فقال: واللّه يا أمير المؤمنين ما أحبّ لك أن تجرّب ذلك منّي على مثل هذا العسكر؛ فإني لا أدري أيّهما يغلب: أيمنك أم شؤمي، إلّا أني بنفسي أوثق وأعرف وأطول تجربة. قال: دعني من هذا فمالك من الخروج بد. فقال: إني أصدقك الآن، شهدت واللّه تسعة عشر عسكرا كلّها هزمت؛ وكنت سببها. فإن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك العشرين فافعل. فاستغرب أبو جعفر ضحكا، وأمره أن يتخلّف مع عيسى بن موسى بالكوفة.
أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال: لمّا مات أبو العبّاس السفّاح وولي المنصور، دخل عليه أبو دلامة، فقال له أبو جعفر: ألست القائل لأبي العبّاس:
وكنّا بالخليفة قد عقدنالواء الأمر فانتقض اللواء
فنحن رعيّة هلكت ضياعاتسوق بنا إلى الفتن الرّعاء
قال: ما قلت هذا يا أمير المؤمنين. قال: كذبت واللّه! أفلست القائل:
هلك النّدى إذ بنت يابن محمدفجعلته لك في التراب عديلا
ولقد سألت الناس بعدك كلّهمفوجدت أكرم من سألت بخيلا
ولقد حلفت على يمين برّةباللّه ما أعطيت بعدك سولا
فقال أبو دلامة: إنّ أخاك صلّى اللّه عليه غلبني على صبري، وسلبني عزيمتي، وعزّني بإحسانه إليّ وجزعي عليه، فقلت ما لم أتأمّله، وإني أرغب في الثمن فاستفره السّلعة حيّا وميّتا. فإن أعطيت ما أعطى، أخذت ما أخذ. فأمر به فحبس ثلاثا ثم خلّى سبيله ودعاه إليه فوصله، ثم عاد له إلى ما كان عليه.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثني أبو دلامة قال: أتي بي المنصور أو المهديّ وأنا سكران، فحلف ليخرجنّي في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلّبيّ لقتال الشّراة. فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما واللّه لو أنّ تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثّرت في عدوّك اليوم أثرا ترتضيه. فضحك وقال: واللّه العظيم لأدفعنّ ذلك إليك، ولآخذنّك بالوفاء بشرطك. ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إليّ، ودعا بغيرهما فاستبدل به. فلمّا حصل ذلك في يدي وزالت عنّي حلاوة الطمع، قلت له: أيها الأمير، هذا مقام العائذ بك، وقد قلت بيتين فاسمعهما. قال: هات، فأنشدته:
إني استجرتك أن أقدّم في الوغىلتطاعن وتنازل وضراب
فهب السّيوف رأيتها مشهورةفتركتها ومضيت في الهرّاب
ماذا تقول لما يجيء وما يرىمن واردات الموت في النّشّاب
فقال: دع عنك هذا وستعلم. وبرز رجل من الخوارج يدعو للمبارزة، فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة.
فقلت: أنشدك اللّه أيّها الأمير في دمي. قال: واللّه لتخرجنّ. فقلت: أيها الأمير فإنه أوّل يوم من الآخرة. وآخر يوم من الدنيا، وأنا واللّه جائع ما شبعت منّي جارحة من الجوع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج. فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصفّ. فلما رآني الشاري أقبل نحوي عليه فرو وقد أصابه المطر فابتلّ، وأصابته الشمس فاقفعلّ وعيناه تقدان، فأسرع إليّ. فقلت له: على رسلك يا هذا كما أنت، فوقف.
فقلت: أتقتل من لا يقاتلك؟ قال لا. قلت: أتقتل رجلا على دينك؟ قال لا. قلت: أفتستحلّ ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟ قال: لا، فاذهب عنّي إلى لعنة اللّه. قلت: لا أفعل أو تسمع منّي. قال: قل. قلت: هل كانت بيننا قطّ عداوة أو ترة، أو تعرفني بحال تحفظك عليّ، أو تعلم بين أهلي وأهلك وترا؟ قال: لا واللّه.
قلت: ولا أنا واللّه لك إلا جميل الرأي، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأريد السّوء لمن أراده لك.
قال: يا هذا جزاك اللّه خيرا فانصرف. قلت: إنّ معي زادا أحبّ أن آكله معك، وأحبّ مواكلتك لتتوكّد المودّة بيننا، ويرى أهل العسكر هوانهم علينا. قال: فافعل. فتقدّمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابّنا وجمعنا أرجلنا على معارفها والناس قد غلبوا ضحكا. فلما استوفينا ودّعني. ثم قلت له: إنّ هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني وتتعب. فإن رأيت ألّا تبرز اليوم فافعل. قال: قد فعلت، ثم انصرف وانصرفت.
فقلت لروح: أمّا أنا فقد كفيتك قرني فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك، فأمسك. وخرج آخر يدعو إلى البراز، فقال لي: اخرج إليه. فقلت:
إني أعوذ بروح أن يقدّمنيإلى البراز فتخزى بي بنو أسد
إنّ البراز إلى الأقران أعلمهمما يفرّق بين الروح والجسد
قد حالفتك المنايا إذ صمدت لهاوأصبحت لجميع الخلق بالرّصد
إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكموما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أنّ لي مهجة أخرى لجدت بهالكنّها خلقت فردا فلم أجد
فضحك وأعفاني.
أخبرني إبراهيم بن أيّوب عن ابن قتيبة قال قال أبو دلامة: كنت في عسكر مروان أيام زحف إلى سنان الخارجيّ. فلمّا التقى الزّحفان خرج منهم رجل فنادى: من يبارز! فلم يخرج إليه أحد إلّا أعجله ولم ينهنهه. فغاظ ذلك مروان وجعل يندب الناس على خمسمائة، فقتل أصحاب الخمسمائة، فزاد مروان وندبهم على ألف، ولم يزل يزيدهم حتى بلغ خمسة آلاف درهم. وكان تحتي فرس لا أخاف خونه؛ فلمّا سمعت بالخمسة آلاف ترقّبته واقتحمت الصّفّ. واقتحمت الصّفّ. فلمّا نظرني الخارجيّ علم أنّي خرجت للطمع؛ فأقبل إليّ متهيّئا وإذا عليه فرو قد أصابه المطر فابتلّ، ثم أصابته الشمس فأقفعلّ، وإذا عيناه تقدان كأنّهما من غورهما في وقبين. فلمّا دنا منّي أنشأ يقول:
وخارج أخرجه حبّ الطّمعفرّ من الموت وفي الموت وقع
من كان ينوي أهله فلا رجع
فلمّا وقرت في أذني انصرفت عنه هاربا. وجعل مروان يقول: من هذا الفاضح؟ إيتوني به، فدخلت في غمار النّاس فنجوت.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني أحمد بن سعيد قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا جعفر بن الحسين اللّهبيّ قال: عزم موسى بن داود بن عليّ الهاشميّ على الحج. فقال لأبي دلامة: احجج معي ولك عشرة آلاف درهم. فقال: هاتها؛ فدفعت إليه، فأخذها وهرب إلى السّواد، فجعل ينفقها هناك ويشرب بها الخمر. فطلبه موسى فلم يقدر عليه، وخشي فوت الحج فخرج. فلمّا شارف القادسيّة إذا هو بأبي دلامة خارجا من قرية إلى أخرى وهو سكران، فأمر بأخذه وتقييده وطرحه في محمل بين يديه ففعل ذلك به. فلمّا سار غير بعيد أقبل على موسى وناداه:
يأيّها الناس قولوا أجمعون معاصلّى الإله على موسى بن داود
كأنّ ديباجتي خدّيه من ذهبإذا بدا لك في أثوابه السّود
إنّي أعوذ بداود وأعظمهمن أن أكلّف حجّا يابن داود
خبّرت أنّ طريق الحجّ معطشةمن الشراب وما شربي بتصريد
واللّه ما فيّ من أجر فتطلبهولا الثناء على ديني بمحمود
فقال موسى: ألقوه لعنه اللّه عن المحمل ودعوه ينصرف، فألقي وعاد إلى قصفه بالسّواد، حتى نفدت العشرة آلاف درهم.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير عن جعفر بن الحسين اللّهبيّ، وأخبرني عمّي عن الكرانيّ عن العمري عن الهيثم بن عديّ قالا: قال أبو أيّوب الموريانيّ لأبي جعفر، وكان يشنأ أبا دلامة،: إنّ أبا دلامة معتكف على الخمر فما يحضر صلاة ولا مسجدا، وقد أفسد فتيان العسكر. فلو أمرته بالصلاة معك لأجرت فيه وفي غيره من فتيان عسكرك بقطعه عنهم. فلمّا دخل عليه أبو دلامة قال له: يابن اللّخناء، ما هذا المجون الذي يبلغني عنك!. قال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين ما أنا والمجون وقد شارفت باب قبري!. قال: دعني من استكانتك وتضرّعك، وإيّاك أن تفوتك صلاة الظهر والعصر في مسجدي. فلئن فاتتاك لأحسننّ أدبك ولأطيلنّ حبسك. فوقع في شرّ ولزم المسجد أيّاما، ثم كتب قصّته ودفعها إلى المهديّ فأوصلها إلى أبيه، وكان فيها:
ألم تعلما أنّ الخليفة لزّتيبمسجده والقصر مالي وللقصر!
أصلّي به الأولى جميعا وعصرهافويلي من الأولى وويلي من العصر
أصلّيهما بالكره في غير مسجديفمالي في الأولى ولا العصر من أجر
لقد كان في قومي مساجد جمّةسواه ولكن كان قدرا من القدر
يكلفني من بعد ما شبت خطّةيحطّ بها عنّي الثقيل من الوزر
وما ضرّه واللّه يغفر ذنبهلو انّ ذنوب العالمين على ظهري
قال: فلمّا قرأ المنصور قصّته ضحك وأعفاه من الحضور معه، وأحلفه أن يصلّي الصلاة في مسجد قبيلته.
أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد عن الزّبير عن عمّه، ونسخت من بعض الكتب عن نصر بن محمد الخرّاز عن أبيه عن الهيثم بن عديّ وروّانيه بعض من روى عن الزّبير.
أنّ أبا جعفر كان يحبّ العبث بأبي دلامة - وقال الآخر: إنّ أبا العبّاس السّفّاح كان يحب ذلك - فكان يسأل عنه فيوجد في بيوت الخمّارين لا فضل فيه. فعاتبه على انقطاعه عنه؛ فقال: إنما أفعل ذلك خوفا أن تملّني.
فعلم أنه يحاجزه، فأمر الربيع أن يوكّل به من يحضره الصلوات معه في جماعة في الدار. فلمّا طال ذلك عليه قال:
ألم تريا أنّ الخليفة لزّنيبسمجده والقصر مالي وللقصر!
فقد صدّني عن مسجد أستلذّهأعلّل فيه بالسّماع وبالخمر
وكلّفني الأولى جميعا وعصرهافويلي من الأولى وعولي من العصر
أصلّيهما بالكره في غير مسجديفمالي من الأولى ولا العصر من أجر
يكلّفني من بعد ما شبت توبةيحطّ بها عني المثاقيل من وزري
لقد كان في قومي مساجد جمّةولم ينشرح يوما لغشيانها صدري
وواللّه مالي نيّة في صلاتهولا البرّ والإحسان والخير من أمري
وما ضرّه واللّه يغفر ذنبهلو انّ ذنوب العالمين على ظهري
فبلغته الأبيات فقال: صدق! ما يضرّني ذلك، واللّه لا يصلح هذا أبدا، فدعوه يعمل ما يشاء. وقال الهيثم في خبره: فقال له أبو جعفر: قد أعفيناك من هذه الحال، ولكن على ألّا تدع القيام معنا في ليالي شهر رمضان فقد أظل. فقال: أفعل. قال: إنك إن تأخّرت لشرب الخمر علمت ذلك. وو اللّه لئن فعلت لأحدّنّك. فقال أبو دلامة: البليّة في شهر أصلح منها في طول الدهر، سمعا وطاعة. فلمّا حضر شهر رمضان لزم المسجد. وكان المهديّ يبعث إليه في كل ليلة حرسيّا يجيء به؛ فشقّ ذلك عليه، وفزع إلى الخيزران وأبي عبيد اللّه وكلّ من كان يلوذ بالمهديّ ليشفعوا له في الإعفاء من القيام، فلم يجبهم. فقال له أبو عبيد اللّه: الدّالّ على الخير كفاعله، فكيف شكرك؟ قال: أتمّ شكر. قال: عليك بريطة فإنّه لا يخالفها. قال: صدقت واللّه، ثم رفع إليها رقعة يقول فيها:
أبلغا ريطة أنّيكنت عبدا لأبيها
فمضى يرحمه الله وأوصى بي إليها
وأراها نسيتنيمثل نسيان أخيها
جاء شهر الصّوم يمشيمشية ما أشتهيها
قائدا لي ليلة القدركأنّي أبتغيها
تنطح القبلة شهراجبهتي لا تأتليها
ولقد عشت زمانافي فيافيّ وجيها
في ليال من شتاءكنت شيخا أصطليها
قاعدا أوقد نارالضباب أشتويها
وصبوح وغبوقفي علاب أحتسيها
ما أبالي ليلة القدر ولا تسمعنيها
فاطلبي لي فرجا منها وأجري لك فيها
فلمّا قرأت الرّقعة ضحكت وأرسلت إليه: إصطبر حتى تمضي ليلة القدر. فكتب إليها: إني لم أسألك أن تكلّميه في إعفائي عاما قابلا؛ وإذا مضت ليلة القدر فقد فني الشّهر. وكتب تحتها أبياتا:
خافي إلهك في نفس قد احتضرتقامت قيامتها بين المصلّينا
ما ليلة القدر من همّي فأطلبهاإنّي أخاف المنايا قبل عشرينا
يا ليلة القدر قد كسّرت أرجلنايا ليلة القدر حقّا ما تمنّينا!؟
لا بارك اللّه في خير أؤمّلهفي ليلة بعد ما قمنا ثلاثينا
فلما قرأت الأبيات ضحكت، ودخلت إلى المهديّ فشفعت له إليه، وأنشدته الشعرين، فضحك حتى استلقى، ودعا به وريطة معه في الحجلة فدخل؛ فأخرج رأسه إليه وقال: قد شفّعنا ريطة فيك، وأمرنا لك بسبعة آلاف درهم. فقال: أمّا شفاعة سيّدتي فيّ حتى أعفيتني فأعفاها اللّه من النار. وأمّا السبعة الآلاف فما أعجبني ما فعلته؛ إمّا أن تتمّها بثلاثة آلاف فتصير عشرة، أو تنقصني منها ألفين فتصير خمسة آلاف، فإنّي لا أحسن حساب السبعة. فقال: قد جعلتها خمسة. قال: أعيذك باللّه أن تختار أدنى الحالين وأنت أنت. فعبث به المهديّ ساعة ثم تكلّمت فيه ريطة فأتمّها له عشرة آلاف درهم.
أخبرني الحسين بن عليّ عن حمّاد عن أبيه قال: مرّ أبو دلامة بنخّاس يبيع الرقيق، فرأى عنده منهنّ من كل شيء حسن، فانصرف مهموما، فدخل إلى المهدي فأنشده:
إن كنت تبغي العيش حلوا صافيافالشعر أعزبه وكن نخّاسا
تنل الطّرائف من ظراف نهّديحدثن كلّ عشيّة أعراسا
والربح فيما بين ذلك راهنسمحا بيعك كنت أو مكّاسا
دارت على الشعراء حرفة نوبةفتجرّعوا من بعد كأس كاسا
وتسربلوا قمص الكساد فحاولوابالنّخس كسبا يذهب الإفلاسا
فجعل المهديّ يضحك منه.
نسخت من كتاب ابن النطّاح قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشده:
رأيتك في المنام كسوت جلديثيابا جمّة وقضيت ديني
فكان بنفسجيّ الخزّ فيهاوساج ناعم فأتمّ زيني
فصدّق بافدتك النفس رؤيارأتها في المنام كذاك عيني
فأمر له بذلك وقال له: لا تعد أن تتحلّم عليّ ثانية، فأجعل حلمك أضغاثا ولا أحقّقه.
ثم خرج من عنده ومضى فشرب في بعض الحانات فسكر وانصرف وهو يميل. فلقيه العسس فأخذوه، وقيل له: من أنت وما دينك؟ فقال:
ديني على دين بنى العبّاسما ختم الطين على القرطاس
إنّي اصطبحت أربعا بالكاسفقد أدار شربها براسي
فهل بما قلت لكم من باس
فأخذوه ومضوا، وخرقوا ثيابه وساجه وأتي به أبو جعفر - وكان يؤتى بكلّ من أخذه العسس - فحبسه مع الدّجاج في بيت. فلمّا أفاق جعل ينادي غلامه مرّة وجاريته أخرى فلا يجيبه أحد، وهو في ذلك يسمع صوت الدّجاج وزقاء الدّيوك. فلمّا أكثر قال له السّجّان: ما شأنك؟ قال: ويلك من أنت وأين أنا؟ قال: في الحبس، وأنا فلان السّجّان. قال: ومن حبسني؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ومن خرق طيلساني؟ قال: الحرس. فطلب منه أن يأتيه بدواة وقرطاس ففعل، فكتب إلى أبي جعفر:
أمير المؤمنين فدتك نفسيعلام حبستني وخرقت ساجي
أمن صفراء صافية المزاجكأنّ شعاعها لهب السّراج
وقد طبخت بنار اللّه حتّىلقد صارت من النّطف النّضاج
تهشّ لها القلوب وتشتهيهاإذا برزت ترقرق في الزّجاج
أقاد إلى السّجون بغير جرمكأنّي بعض عمّال الخراج
ولو معهم حبست لكان سهلاولكنّي حبست مع الدّجاج
وقد كانت تخبّرني ذنوبيبأنّي من عقابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شرّالخيرك بعد ذاك الشّرّ راجي
فدعا به وقال: أين حبست يا أبا دلامة؟ قال: مع الدّجاج. قال: فما كنت تصنع؟ قال: أقوقي معهنّ حتى أصبحت. فضحك وخلّى سبيله وأمر له بجائزة. فلمّا خرج قال له الرّبيع: إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين. أما سمعت قوله «وقد طبخت بنار اللّه» (يعني الشمس). فأمر بردّه ثم قال: يا خبيث شربت الخمر؟ قال لا. قال: أفلم تقل «طبخت بنار اللّه» تعني الشمس. قال: لا واللّه ما عنيت إلّا نار اللّه الموقدة التي تطّلع على فؤاد الرّبيع. فضحك وقال: خذها يا ربيع ولا تعاود التعرّض.
قال ابن النطّاح: ومرّ أبو دلامة بتمّار بالكوفة فقال له:
رأيتك أطعمتني في المنامقواصر من تمرك البارحة
فأمّ العيال وصبيانهاإلى الباب أعينهم طامحه
فأعطاه جلّتي تمر وقال له: إن رأيت هذه الرؤيا ثانية لم يصحّ تفسيرها. فأخذهما وانصرف.
وقال ابن النطّاح: لمّا قدم المهديّ من الرّيّ دخل عليه أبو دلامة فأنشأ يقول:
إنّي نذرت لئن رأيتك سالمابقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلّينّ على النبيّ محمدولتملأنّ دراهما حجري
فقال: صلى اللّه عليه وسلم، وأمّا الدراهم فلا. فقال له: أنت أكرم من أن تفرّق بينهما ثم تختار أسهلهما. فأمر بأن يملأ حجره دراهم.
ومثل هذا وإن لم يكن منه ما حدّثني به الحسن بن عليّ عن أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال: قدم المهلّب من بعض غزواته، فلقيته عجوز من الأزد فقالت: أيّها الأمير، أسألك باللّه والرّحم إلّا وقفت فوقف، فدنت وقبّلت يده وقالت: هذا نذر كان عليّ، إنّي نذرت عليّ للّه أن أقبّل يدك إن قدمت سالما وتهب لي أربعمائة درهم وجارية صغديّة تخدمني. فضحك وقال: أمّا نحن فقد وفّينا بنذرك؛ ادفعوا إليها ذلك، وإيّاك يا أمّاه وهذه النّذور؛ فليس كلّ أحد يفي لك بها وينشط لتحليلك منها.
وصام الناس في سنة شديدة الحرّ على عهد المهديّ، وكان أبو دلامة يتنجّز جائزة أمر له المهديّ بها.
فكتب إليه أبو دلامة رقعة يشكو فيها أذى الحرّ والصوم وهي:
أدعوك بالرّحم التي هي جمّعتفي القرب بين قريبنا والأبعد
إلّا سمعت وأنت أكرم من مشىمن منشد يرجو جزاء المنشد
جاء الصيام فصمته متعبّداأرجو رجاء الصائم المتعبّد
ولقيت من أمر الصّيام وحرّهأمرين قيسا بالعذاب المؤصد
وسجدت حتى جبهتي مشجوجةممّا يناطحني الحصا في المسجد
فامنن بتسريحي بمطلك بالذيأسلفتنيه من البلاء المرصد
فلمّا قرأ المهديّ رقعته غضب وقال: يا عاضّ كذا من أمّه أيّ قرابة بيني وبينك؟! قال: رحم آدم وحوّاء، أنسيتهما يا أمير المؤمنين! فضحك وقال: لا واللّه ما نسيتهما؛ وأمر بتعجيل ما أجازه به وزاد فيه. وأخبرني بهذا الخبر الحسن بن عليّ قال حدّثنا الخزاعيّ عن المدائنيّ وزاد فيه قال: وأنشده أيضا في ذمّ الصّوم:
هل في البلاد لرزق اللّه مفترشأم لا ففي جلده من خشنة برش
- يعني أنّ جلد الرّزق خشن الملمس فهو يحترش كما يحترش الضّبّ - الشّعر:
أضحى الصّيام منيخا وسط عرصتناليت الصيام بأرض دونها حرش
إن صمت أوجعني بطني وأقلقنيبين الجوانح مسّ الجوع والعطش
وإن خرجت بليل نحو مسجدهمأضرّني بصر قد خانه العمش
أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ عن أحمد بن زهير عن الزّبير عن عمّه، ونسخت من كتاب ابن النطّاح قال اليزيديّ في خبره: دخل أبو دلامة على ريطة بعد وفاة المهديّ، وقال ابن النطّاح: دخل على أمّ سلمة بنت يعقوب بن سلمة بعد وفاة أبي العبّاس، وهو الصحيح، فعزّاها به وبكى وبكت معه، ثم أنشدها:
من مجمل في الصبر عنك فلم يكنصبري عليك غداة بنت جميلا
يجدون أبدالا به وأنا امرؤلو متّ وجدا ما وجدت بديلا
إنّي سألت الناس بعدك كلّهمفوجدت أجود من سألت بخيلا
فقالت أمّ سلمة: لم أر أحدا أصيب به غيري وغيرك يا أبا دلامة. فقال: ولا سواء يرحمك اللّه، لك منه ولد وما ولدت أنا منه. فضحكت - ولم تكن منذ مات أبو العبّاس ضحكت إلا ذلك الوقت - وقالت له: لو حدّثت الشيطان لأضحكته.
أخبرنا محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن الضحّاك قال: دخل أبو دلامة على المهديّ وهو يبكي. فقال له: مالك؟ قال: ماتت أمّ دلامة، وأنشده لنفسه فيها:
وكنّا كزوج من قطا مفازةلدى خفض عيش ناعم مؤنق رغد
فأفردني ريب الزّمان بصرفهولم أرشيأ قطّ أوحش من فرد
فأمر له بثياب وطيب ودنانير، وخرج. فدخلت أمّ دلامة على الخيزران فأعلمتها أنّ أبا دلامة قد مات، فأعطتها مثل ذلك، وخرجت. فلمّا التقى المهديّ والخيزران عرفا حيلتهما فجعلا يضحكان لذلك ويعجبان منه.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة، ونسخت أنا من كتاب ابن النطّاح قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشده:
أما وربّ العاديات ضبحاحقّا وربّ الموريات قدحا
إنّ المغيرات عليّ صبحاوالناكئات من فؤادي قرحا
عشر ليال بينهن ضبحايجلفن مالي كلّ عام صبحا
فقال له أبو جعفر: وكم تذبح يا أبا دلامة؟ قال: أربعا وعشرين شاة. ففرض له على كل هاشميّ أربعة وعشرين دينارا، فكان يأخذها منهم. فأتى العباس بن محمد في عشر الأضحى يتنجّزها. فقال: يا أبا دلامة، أليس قد مات ابنك؟ قال بلى. قال: انقصوه دينارين. قال: أصلح اللّه الأمير لا تفعل، فإنه ترك عليّ ولدين.
فأبى إلّا أن ينقصه. فخرج وهو يقول:
أخطاك ما كنت ترجوه وتأملهفاغسل يديك من العبّاس بالياس
واغسل يديك بأشنان فأنقهمامما تؤمّل من معروف عبّاس
جزاك ربّك يا عبّاس عن فرججنّات عدن وعنّي جرزتي آس
فبلغ ذلك أبا جعفر فضحك، واغتاظ على العبّاس، وأمره بأن يبعث إليه بأربعة وعشرين دينارا أخرى.
هذه رواية يزيد.
وأمّا ابن النطّاح فإنه ذكر أن الذي نقصه الدينارين عليّ بن صالح وقال له: إنما نقصتك دينارين لموت ابنك دلامة. فحلف ألّا يأخذ إلّا خمسين دينارا، ثم قام مغضبا؛ فأتبعه الرسول فأعطاه إيّاها. فقال له: أولى له. أمّا ما سبق فلا حيلة فيه، والمستأنف فقد أمنه. وقد كان قال فيه:
لعليّ بن صالح بن عليّنسب لو يعينه بسماح
وبنو مالك كثير ولكنما لنا في بقائهم من فلاح
غير فضل فإنّ للفضل فضلامستبينا على قريش البطاح
أخبرني محمد بن أحمد عن محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال: خاصم رجل أبا دلامة في داره، فارتفعا إلى عافية القاضي؛ فأنشأ أبو دلامة يقول:
لقد خاصمتني دهاة الرّجالوخاصمتها سنة وافيه
فما أدحض اللّه لي حجّةولا خيّب اللّه لي قافيه
ومن خفت من جوره في القضاءفلست أخافك يا عافيه
فقال له عافية: أما واللّه لأشكونّك إلى أمير المؤمنين ولأعلمنّه أنك هجوتني. قال: إذا يعزلك. قال: ولم؟
قال: لأنّك لا تعرف المديح من الهجاء. فبلغ ذلك المنصور فضحك وأمر لأبي دلامة بجائزة.
أخبرني محمد بن أحمد عن أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال: دخل أبو دلامة على المهديّ وعنده إسماعيل بن محمد وعيسى بن موسى والعبّاس بن محمد ومحمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم. فقال له: أنا أعطي اللّه عهدا لئن لم تهج واحدا ممّن في البيت لأقطعنّ لسانك - ويقال إنه قال: لأضربنّ عنقك - فنظر إليه القوم، فكلّما نظر إلى واحد منهم غمزه بأنّ عليه رضاه. قال أبو دلامة: فعلمت أنّي قد وقعت وأنها عزمة من عزماته لا بدّ منها، فلم أر أحدا أحقّ بالهجاء منّي، ولا أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي، فقلت:
ألا أبلغ إليك أبا دلامهفليس من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة كان قرداوخنزيرا إذا نزع العمامه
جمعت دمامة وجمعت لؤماكذاك اللّؤم تتبعه الدّمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيافلا تفرح فقد دنت القيامه
فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلّا أجازه.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير عن عمّه قال: خرج المهديّ وعليّ بن سليمان إلى الصّيد، فسنح لهما قطيع من ظباء، فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل، فرمى المهديّ ظبيا بسهم فصرعه، ورمى عليّ بن سليمان فأصاب بعض الكلاب فقتله. فقال أبو دلامة:
قد رمى المهديّ ظبياشكّ بالسهم فؤاده
وعليّ بن سليمان رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما كلّامرىء يأكل زاده
فضحك المهديّ حتى كاد أن يسقط عن سرجه، وقال: صدق واللّه أبو دلامة، وأمر له بجائزة سنيّة.
أخبرني بهذا الخبر عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ فذكر مثل ما ذكره وقال فيه: فلقّب عليّ بن سليمان «صائد الكلب» وعلق به.
هاتيك والدتي عجوز همّةمثل البليّة درعها في المشجب
مهزولة اللّحيين من يرها يقلأبصرت غولا أو خيال القطرب
ما إن تركت لها ولا لآبن لهامالا يؤمّل غير بكر أجرب
ودجائجا خمسا يرحن إليهملمّا يبضن وغير عير مغرب
كتبوا إليّ صحيفة مطبوعةجعلوا عليها طينة كالعقرب
فعلمت أنّ الشّرّ عند فكاكهاففككتها عن مثل ريح الجورب
وإذا شبيه بالأفاعي رقّشتيوعدنني بتلمّظ وتثؤّب
يشكون أنّ الجوع أهلك بعضهملزبا فهل لك في عيال لزّب
لا يسألونك غير طلّ سحابةتغشاهم من سيلك المتحلّب
يا باذل الخيرات يابن بذولهاوابن الكرام وكلّ قرم منجب
أنتم بنو العبّاس يعلم أنّكمقدما فوارس كلّ يوم أشهب
أحلاس خيل اللّه وهي مغيرةيخرجن من خلل الغبار الأكهب
قال: فأمر له بدار يسكنها وكسوة ودراهم. وكانت الدار قريبة من قصره، فأمر بأن تزاد في قصره بعد ذلك لحاجة دعته إليها. فدخل عليه أبو دلامة فأنشده قوله:
يابن عمّ النبيّ دعوة شيخقد دنا هدم داره ودماره
فهو كالماخض التي اعتادها الطّلق فقرّت وما يقرّ قراره
إن تحز عسره بكفّيك يومافبكفّيك عسره ويساره
أو تدعه فللبوار، وأنّىولماذا وأنت حيّ بواره
هل يخاف الهلاك شاعر قومقدمت في مديحهم أشعاره
لكم الأرض كلّها فأعيرواشيخكم ما احتوى عليه جداره
فكأن قد مضى وخلّف فيكمما أعرتم وأقفرت منه داره
فاستعبر المنصور، وأمر بتعويضه دارا خيرا منها ووصله.
ودخل أبو دلامة على المهديّ وعنده محرز ومقاتل ابنا ذؤال يعاتبانه على تقريبه أبا دلامة ويعيبانه عنده.
فقال أبو دلامة:
ألا أيّها المهديّ هل أنت مخبريوإن أنت لم تفعل فهل أنت سائلي
ألم ترحم اللّحيين من لحيتيهماوكلتاهما في طولها غير طائل
وإن أنت لم تفعل فهل أنت مكرميبحلقهما من محرز ومقاتل
فإن يأذن المهديّ لي فيهما أقلمقالا كوقع السيف بين المفاصل
وإلّا تدعني والهموم تنوبنيوقلبي من العجلين جمّ البلابل
فقال: أو آخذ لك منهما عشرة آلاف درهم يفديان بها أعراضهما منك؟ قال: ذلك إلى أمير المؤمنين.
فأخذها له منهما وأمسك عنهما.
ودخل أبو دلامة على سعيد بن دعلج مولى بني تميم فقال:
إذا جئت الأمير فقل سلامعليك ورحمة اللّه الرحيم
وأمّا بعد ذاك فلي غريممن الأعراب قبّح من غريم
غريم لازم بفناء بيتيلزوم الكلب أصحاب الرّقيم
له مائة عليّ ونصف أخرىونصف النّصف في صكّ قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكنوصلت بها شيوخ بني تميم
أتوني بالعشيرة يسألونيولم أك في العشيرة باللّئيم
فضحك وأمر له بمائتين وخمسة وسبعين درهما وقال: ما أساء من أنصف، وقد كافأتك عن قومك وزدتك مائة
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن جعفر بن الحسين اللّهبيّ عن عمّه مصعب: أنّ حمّادة بنت عيسى توفّيت وحضر المنصور جنازتها. فلمّا وقف على حفرتها قال لأبي دلامة: ما أعددت لهذه الحفرة؟ قال: بنت عمّك يا أمير المؤمنين حمّادة بنت عيسى يجاء بها الساعة فتدفن فيها. فضحك المنصور حتى غلب فستر وجهه.
أخبرني عمّي رحمه اللّه تعالى قال حدّثنا محمد بن سعد الكرّانيّ قال قال أبو عمر حفص بن عمر العمريّ حدّثنا الهيثم قال: جحّت الخيزران، فلمّا خرجت صاح بها أبو دلامة. قالت: سلوه ما أمره. قالوا له: ما أمرك؟ فقال: أدنوني من محملها. قالت: أدنوه، فأدني. فقال: أيّتها السيّدة، إنّي شيخ كبير وأجرك فيّ عظيم. قالت: فمه.
قال: تهبين لي جارية من جواريك تؤنسني وترفق بي وتريحني من عجوز عندي، قد أكلت رفدي، وأطالت كدّي، وقد عاف جلدي جلدها، وتمنّيت بعدها، وتشوّقت فقدها. فضحكت الخيزران وقالت: سوف آمر لك بما سألت. فلما رجعت تلقّاها وذكّرها، وخرج معها إلى بغداد فأقام حتى غرض. ثم دخل على أمّ عبيدة حاضنة موسى وهارون، فدفع إليها رقعة قد كتبها إلى الخيزران فيها: أبلغي سيّدتي باللّه يا أمّ عبيده أنها أرشدها اللّه وإن كانت رشيده
وعدتني قبل أن تخرج للحجّ وليده
فتأنّيت وأرسلت بعشرين قصيده
كلمّا أخلقن أخلفت لها أخرى جديده
ليس في بيتي لتمهيد فراشي من قعيده
غير عجفاء عجوزساقها مثل القديده
وجهها أقبح من حوت طريّ في عصيده
ما حياة مع أنثىمثل عرسي بسعيده
فلمّا قرئت عليها الأبيات ضحكت واستعادتها منه لقوله «حوت طريّ في عصيده» وجعلت تضحك، ودعت بجارية من جورايها فائقة فقالت لها: خذي كل ما لك في قصري ففعلت، ثم دعت ببعض الخدم وقالت له: سلّمها إلى أبي دلامة. فانطلق الخادم بها فلم يصادفه في منزله. فقال لامرأته: إذا رجع فادفعيها إليه، وقولي له: تقول لك السّيدة: أحسن صحبة هذه الجارية فقد آثرتك بها؛ فقالت له نعم. فلمّا خرج دخل ابنها دلامة فوجد أمّه تبكي. فسألها عن خبرها فأخبرته وقالت: إن أردت أن تبرّني يوما من الدهر فاليوم. فقال: قولي ما شئت فإني أفعله. قالت: تدخل عليها فتعلمها أنّك مالكها وتطؤها فتحرم عليه، وإلّا ذهبت بعقله وجفاني وجفاك. ففعل ودخل إلى الجارية فوطئها ووافقها ذلك منه، وخرج. ثم دخل أبو دلامة فقال لامرأته: أين الجارية؟ قالت: في ذلك البيت. فدخل إليها شيخ محطّم ذاهب، فمدّ يده إليها وذهب ليقبّلها. فقالت له: مالك ويلك! تنحّ وإلّا لطمتك لطمة دققت منها أنفك. فقال لها: أبهذا أوصتك السيّدة!. فقالت: إنّها قد بعثت بي إلى فتى من حاله وهيئته كيت وكيت، وقد كان عندي آنفا، ونال منّي حاجته. فعلم أنه قد دهي من أمّ دلامة وابنها.
فخرج إليه أبو دلامة فلطمه ولبّبه وحلف ألّا يفارقه إلّا عند المهديّ. فمضى به ملبّبا حتى وقف على باب المهديّ. فعرّف خبره وأنه قد جاء بابنه على تلك الحالة فأمر بإدخاله. فلمّا دخل قال له: مالك ويلك؟! قال: عمل بي هذا ابن الخبيثة ما لم يعمل ولد بأبيه، ولا ترضيني إلّا أن تقتله. فقال له: ويلك فما فعل؟ فأخبره الخبر. فضحك حتى استلقى ثم جلس. فقال له أبو دلامة: أعجبك فعله فتضحك منه؟ فقال: عليّ بالسيف والنّطع. فقال له دلامة: قد سمعت حجّته يا أمير المؤمنين فاسمع حجّتي. قال: هات. قال: هذا الشيخ أصفق الناس وجها، بنيك أمّي منذ أربعين سنة ما غضبت، ونكت جاريته مرّة واحدة فغضب وصنع بي ما ترى! فضحك المهديّ أكثر من ضحكه الأوّل، ثم قال: دعها له يا أبا دلامة وأنا أعطيك خيرا منها. قال: على أن تخبأها لي بين السماء والأرض، وإلّا ناكها واللّه كما ناك هذه. فتقدّم إلى دلامة ألّا يعاود بمثل فعله، وحلف أنه إن عاود قتله، ووهب له جارية أخرى كما وعده.
وقال ابن النطّاح: دخل أبو دلامة على المهديّ وعنده شاعر ينشده. فقال له: ما ترى فيه؟ قال: إنه قد جهد نفسه لك فاجهد نفسك له. فقال المهديّ: وأبيك إنها لكلمة عذراء منك، أحسبك تعرفه! قال: لا واللّه ما عرفته ولا قلت أنا إلّا حقّا. فأمر للشاعر بجائزة، ولأبي دلامة بمثلها لحسن محضره.
قال ابن النطّاح وحدّثني أبو عبد اللّه العقيليّ قال: رأيت على أبي دلامة فروة في الصّيف، فقلت له: ألا تملّ هذه الفروة! قال: بلى، وربّ مملول لا يستطاع فراقه. فنزعت فاضل ثيابي في موضعي ودفعتها إليه.
قال: وأهدي للمهديّ فيل، فرآه أبو دلامة فولّى هاربا وقال:
يا قوم إني رأيت الفيل بعدكملا بارك اللّه لي في رؤية الفيل
أبصرت قصرا له عين يقلّبهافكدت أرمي بسلحي في سراويلي
أتاني بغلة يستام منّيعريق في الخسارة والضّلال
فقال تبيعها؟ قلت ارتبطهابحكمك إن بيعي غير غالي
فأقبل ضاحكا نحوي سروراوقال أراك سمحا ذا جمال
هلمّ إليّ يخلو بي خداعاوما يدري الشّقيّ بمن يخالي
فقلت بأربعين فقال أحسنإليّ فإن مثلك ذو سجال
فاترك خمسة منها لعلميبما فيه يصير من الخبال
فقال المهديّ: لقد أفلتّ من بلاء عظيم. قال: واللّه يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهرا أتوقّع صاحبها أن يردّها. قال: ثم أنشده:
فأبدلني بها يا ربّ طرفايكون جمال مركبه جمالي
فقال لصاحب دوابّه: خيّره من الإصطبل مركبين. قال: يا أمير المؤمنين إن كان الاختيار لي وقعت في شرّ من البغلة، ولكن مره أن يختار لي، فقال: اختر له. وأخبرني به عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ، وخبره أتمّ.
وأخبرني محمد بن خلف عن أحمد بن الهيثم عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال: دخل أبو دلامة يوما على المهديّ، فحادثه ساعة وهو يضحك وقال له: هل بقي أحد من أهلي لم يصلك؟
قال: إن أمّنتني أخبرتك، وإن أعفيتني فهو أحبّ إليّ. قال: بل تخبرني وأنت آمن. قال كلّهم قد وصلني إلّا حاتم بني العبّاس. قال: ومن هو؟ قال: عمّك العبّاس بن محمد. فالتفت إلى خادم على رأسه وقال: جأ عنق العاضّ بظر أمّه. فلمّا دنا منه صاح به أبو دلامة: تنحّ يا عبد السّوء لا تخنث مولاك وتنكث عهده وأمانه.
فضحك المهديّ وأمر الخادم فتنحّى عنه، ثم قال لأبي دلامة: ويلك! واللّه عمّي أبخل الناس. فقال أبو دلامة: بل هو أسخى الناس. فقال له المهديّ: واللّه لو متّ ما أعطاك شيئا. قال: فإن أنا أتيته فأجازني؟ قال: لك بكل درهم تأخذه منه ثلاثة دراهم. فانصرف أبو دلامة فحبّر للعبّاس قصيدة ثم غدا بها عليه وأنشده:
قف بالديار وأيّ الدهر لم تقفعلى المنازل بين الظّهر والنّجف
وما وقوفك في أطلال منزلةلو لا الذي استدرجت من قلبك الكلف
إن كنت أصبحت مشغوفا بساكنهافلا وربّك لا تشفيك من شغف
دع ذا وقل في الذي قد فاز من مضربالمكرمات وعزّ غير مقترف
هذي رسالة شيخ من بني أسديهدي السلام إلى العبّاس في الصّحف
تخطّها من جواري المصر كاتبةقد طالما ضربت في اللام والألف
وطالما اختلفت صيفا وشاتيةإلى معلّمها باللّوح والكتف
حتّى إذا نهد الثّديان وامتلأامنها وخيفت على الإسراف والقرف
صينت ثلاث سنين ما ترى أحداكما يصون تجار درّة الصّدف
فبينما الشيخ يهوي نحو مجلسهمبادرا لصلاة الصّبح بالسّدف
حانت له لمحة منها فأبصرهامطلّة بين سجفيها من الغرف
فخرّ واللّه ما يدري غداتئذأخرّ منكشفا أم غير منكشف
وجاءه الناس أفواجا بمائهمليغسلوا الرجل المغشيّ بالنّطف
ووسوسوا بقران في مسامعهمخافة الجنّ والإنسان لم يخف
شيئا ولكنّه من حبّ جاريةأمسى وأصبح موقوفا على التّلف
قالوا: لك الويل ما أبصرت؟ قلت لهمتطلّعت من أعالي القصر ذي الشّرف
فقلت أيّكم واللّه يأجرهيعين قوّته فيها على ضعف
فقام شيخ بهيّ من رجالهمقد طالما خدع الأقوام بالحلف
فابتاعها لي بألفي درهم فأتىبها إليّ فألقاها على كتفي
فبتّ ألثمها طورا وألزمهاطورا وأصنع بعض الشيء في اللّحف
فبين ذاك كذا إذ جاء صاحبهايبغي الدراهم بالميزان ذي الكفف
وذكر حقّ على زند وصاحبهوالحقّ في طرف والطّين في طرف
وبين ذاك شهود لا يضرّهمأكنت معترفا أم غير معترف
فإن يكن منك شيء فهو حقّهمأو لا فإنّي مدفوع إلى التّلف
قال: فضحك العبّاس وقال: ويحك أصادق أنت؟ قال: نعم واللّه. قال: يا غلام ادفع إليه ألفي درهم ثمنها. قال: فأخذها ثم دخل على المهديّ فأخبره القصّة وما احتال له به. فأمر له المهديّ بستة آلاف درهم.
وقال له المهديّ: كيف لا يضرّهم ذلك؟ قال: لأنّي معدم لا شيء عندي. وقال عمّي في خبره: فقال له العبّاس بن محمد شاركني في هذه الجارية. قال: أفعل ولكن على شريطة. قال: وما هي؟ قال: الشّركة لا تكون إلّا مفاوضة، فاشتر معها أخرى، ليبعث كلّ واحد منا إلى صاحبه ما عنده ويأخذ الأخرى مكانها ليلة وليلة. فقال له العباس: قبحك اللّه وقبح ما جئت به! خذ الدراهم لا بارك اللّه لك فيها وانصرف.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني العبسيّ قال: كان أبو دلامة مع أبي مسلم في بعض حروبه مع بني أميّة. فدعا رجل إلى البراز؛ فقال له أبو مسلم: أبرز إليه. فأنشأ يقول:
ألا لا تلمني إن فررت فإنّنيأخاف على فخّارتي أن تحطّما
فلو أنّني في السّوق أبتاع مثلهاوجدّك ما باليت أن أتقدّما
فضحك وأعفاه.
ونسخت من كتاب ابن النطّاح: أنّ ريطة وعدت أبا دلامة جارية فمطلته حتى امتدحها بعدّة قصائد، كلّ ذلك لا تفي له، ثم خرجت إلى مكّة ورجعت. وكانت لها جارية يقال لها أمّ عبيدة تخرج وتكلّم الرجال وتبلّغ عنها الرسائل. فقال أبو دلامة لأمّ عبيدة حين عيل صبره:
أبلغي سيّدتي إنشئت يا أمّ عبيده
أنّها أرشدها الله وإن كانت رشيده
وعدتني قبل أن تخرج للحجّ وليده
فتنظّرت وأرسلت بعشرين قصيده
كلّما تخلق أولىبدّلت أخرى جديده
إنّني شيخ كبيرليس في بيتي قعيده
غير مثل الغول عنديذات أوصال مديده
وجهها أسمج من حوت طريّ في عصيده
ذات رجل ويد كلتاهما مثل القديده
فدخلت على ريطة فأنشدتها الشعر، فأمرت له بجارية ومائتي دينار للنفقة عليها.
أخبرني الحسين بن يحيى نسخت من كتاب إسحاق الموصليّ حدّثني أبي عن جدّي: أنّ أبا دلامة نزل بالكوفة، فأتاه أضياف فغدّاهم، ثم بعث إلى سنديّة نبّاذة يقال لها دومة، فبعثت إليهم جرّة من نبيذ فشربوها، ثم أعاد فبعثت إليهم بأخرى، ثم جاءت تتقاضى الثمن. فقال: ليس عندي الثمن، ولكني أمدحك بما هو خير من نبيذك. فقال:
ألا يا دوم دام لك النّعيموأحمر ملء كفّك مستقيم
شديد الأصل ينبذ حالباهيئنّ كأنّه رجل سقيم
وهذا الخبر يروى عن الأقيشر أيضا.
أنّ أبا دلامة كان كثير الزيارة للجنيد النخّاس، وكان يتعشّق جارية له ويبغضه. فجاءه يوما فقال: أخرج لي فلانة. فقال: إلى متى تخرج إليك ولست بمشتر!! قال: فإن لم أكن مشتريا فإني أخ يمدح ويطرى. قال: ما أنا بمخرجها إليك أو تقول فيها شعرا. قال: فاحلف بعتقها أن تروّيها إيّاه وتأمرها بإنشاده من أتاك يعترضها ولا تحجبها. فحلف لا يحجبها. فقال أبو دلامة:
إنّي لأحسب أن سأمسي ميّتاأو سوف أصبح ثم لا أمسي
من حبّ جارية الجنيد وبغضهوكلاهما قاض على نفسي
فكلامها يشفى به سقميفإذا تكلّم عاد لي نكسي
أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال: دخل أبو دلامة على إسحاق الأزرق يعوده، وكان إسحاق قد مرض مرضا شديدا، ثم تعافى منه وأفاق، فكان من ذلك ضعيفا، وعند إسحاق طبيب يصف له أدوية تقوّي بدنه. فقال أبو دلامة للطبيب: يابن الكافرة! أتصف هذه الأدوية لرجل أضعفه المرض! ما أردت واللّه إلّا قتله. ثم التفت إلى إسحاق فقال: اسمع أيها الأمير منّي. قال: هات ما عندك يا أبا دلامة. فأنشأ يقول:
نحّ عنك الطبيب واسمع لنعتيإنّني ناصح من النّصّاح
ذو تجاريب قد تقلّبت في الصحّة دهرا وفي السّقام المتاح
غاد هذا الكباب كلّ صباحمن متون الفتيّة السّحّاح
فإذا ما عطشت فاشرب ثلاثامن عتيق في الشمّ كالتّفّاح
ثم عند المساء فاعكف على ذاوعلى ذا بأعظم الأقداح
فتقوّي ذا الضعف منك وتلفىعن ليال أصحّ هذي الصّحاح
ذا شفاء ودع مقالة هذاناك ذا أمّه بأير رباح
فضحك إسحاق وعوّاده، وأمر لأبي دلامة بخمسمائة درهم. وكان الطبيب نصرانيا فقال: أعوذ باللّه من شرّك يا ركل (يريد يا رجل). وقال الطبيب: اقبل منّي أصلحك اللّه ولا تسألني عن شيء قدّامه. فقال أبو دلامه: أمّا وقد أخذت أجرة صفقتي وقضيت الحق في نصح صديقي، فانعت له الآن أنت ما أحببت.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبو الشّبل عاصم بن وهب البرجميّ قال: دخل أبو دلامة على المهديّ وبين يديه سلمة الوصيف واقفا، فقال: إنّي أهديت إليك يا أمير المؤمنين مهرا ليس لأحد مثله. فإن رأيت أن تشرّفني بقبوله. فأمره بإدخاله إليه. فخرج وأدخل إليه دابّته التي كان تحته، فإذا به برذون محطّم أعجف هرم. فقال له المهديّ: أيّ شيء هذا ويلك! ألم تزعم أنه مهر!. فقال له: أو ليس هذا سلمة الوصيف بين يديك قائما تسمّيه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو عندك وصيف! فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر. فجعل سلمة يشتمه والمهديّ يضحك. ثم قال لسلمة: ويلك، إنّ لهذه منه أخوات، وإن أتى بها في محفل فضحك. فقال أبو دلامة: واللّه لأفضحنّه يا أمير المؤمنين؛ فليس من مواليك أحد إلّا وقد وصلني غيره، فإنّي ما شربت له الماء قطّ. قال: فقد حكمت عليه أن يشتري نفسه منك بألف درهم حتى يتخلّص من يدك.
قال: قد فعلت على أن لا يعاود. فقال له: ما ترى؟ قال: أفعل، فلو لا أنّي ما أخذت منه شيئا قطّ ما فعلت معه مثل هذه. فمضى سلمة فحملها إليه.
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثني الخليل بن أسد عن عبد الرحمن بن صالح قال: جاء ابن أبي دلامة يوما إلى أبيه وهو في محفل من جيرانه وعشيرته جالس، فجلس بين يديه، ثم أقبل على الجماعة فقال لهم: إن شيخي، كما ترون، قد كبرت سنّه، ورقّ جلده، ودقّ عظمه، وبنا إلى حياته حاجة شديدة، فلا أزال أشير عليه بالشيء يمسك رمقه ويبقي قوّته، فيخالفني فيه. وأنا أسألكم أن تسألوه قضاء حاجة لي أذكرها بحضرتكم، فيها صلاح لجسمه، وبقاء لحياته، فأسعفوني بمسألته. فقالوا: نفعل حبّا وكرامة. ثم أقبلوا على أبي دلامة بألسنتهم وتناولوه بالعتاب حتى رضي وهو ساكت، فقال قولوا للخبيث فليقل ما يريد، فستعلمون أنّه لم يأت إلّا ببليّة. فقالوا له: قل. فقال: إنّ أبي إنما يقتله كثرة الجماع، فتعاونوني عليه حتى أخصيه، فلن يقطعه عن ذلك غير الخصاء، فيكون أصحّ لجسمه وأطول لعمره. فعجبوا من ذلك وعلموا أنه إنما أراد أن يعبث بأبيه ويخجّله حتى يشيع ذلك عنه فيرتفع له بذلك ذكر، فضحكوا منه. ثم قالوا لأبي دلامة: قد سمعت فأجب. قال: قد سمعتم أنتم وعرّفتكم أنه لن يأتي بخير. قالوا: فما عندك في هذا؟ قال: قد جعلت أمّه حكما بيني وبينه فقوموا بنا إليها. فقاموا بأجمعهم فدخلوا إليها، وقصّ أبو دلامة القصّة عليها، وقال لها: قد حكّمتك. فأقبلت على الجماعة فقالت: أنّ ابني - أصلحه اللّه - قد نصح أباه وبرّه ولم يأل جهدا، وما أنا إلى بقاء أبيه بأحوج منّي إلى بقائه، وهذا أمر لم تقع به تجربة منّا، ولا جرت بمثله عادة لنا، وما أشكّ في معرفته بذلك.
فليبدأ بنفسه فليخصها؛ فإذا عوفي ورأيناه ذلك قد أثّر عليه أثرا محمودا استعمله أبوه. فنعر أبوه وجعل يضحك به، وخجل ابنه، وانصرف القوم يضحكون ويعجبون من خبثهم جميعا واتّفاقهم في ذلك المذهب.
أخبرني عمّي قال حدّثنا ميمون بن هارون عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل عن أبيه قال: كان عند المهديّ رجل من بني مروان، فدخل إليه وسلّم عليه. فأتى المهديّ بعلج فأمر المروانيّ بضرب عنقه، فأخذ السيف وقام فضربه فنبا السيف عنه، فرمى به المروانيّ وقال: لو كان من سيوفنا ما نبا. فسمع المهديّ الكلام فغاظه حتى تغيّر لونه وبان فيه. فقام يقطين فأخذ السيف وحسر عن ذراعيه ثم ضرب العلج فرمى برأسه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنّ هذه سيوف الطاعة لا تعمل إلّا في أيدي الأولياء ولا تعمل في أيدي أهل المعصية. ثم قام أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين، قد حضرني بيتان أفأقولهما؟ قال: قل. فأنشده:
أيّهذا الإمام سيفك ماضوبكفّ الوليّ غير كهام
فإذا ما نبا بكفّ علمناأنّها كفّ مبغض للإمام
قال: فسرّي عن المهديّ وقام من مجلسه، وأمر حجّابه بقتل الرجل المروانيّ فقتل.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع