من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر الأقيشر وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الأقيشر: لقب غلب عليه؛ لأنه كان أحمر الوجه أقشر، واسمه المغيرة بن عبد اللّه بن معرض بن عمرو بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وكان يكنى أبا معرض، وقد ذكر ذلك في شعره في مواضع عدّة، منها قوله:
فإنّ أبا معرض إذ حسامن الرّاح كأسا على المنبر
خطيب لبيب أبو معرضفإن ليم في الخمر لم يصبر
وعمّر عمرا طويلا، فكان أقعد بني أسد نسبا، وما أخلقه بأن يكون ولد في الجاهليّة ونشأ في أوّل الإسلام؛ لأنّ سماك بن مخرمة الأسديّ صاحب مسجد سماك بالكوفة بناه في أيّام عمر، وكان عثمانيّا، وأهل تلك المحلّة إلى اليوم كذلك. فيروي أهل الكوفة أنّ عليّ بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - لم يصلّ فيه، وأهل الكوفة إلى اليوم يجتنبونه. وسماك الذي بناه هو سماك بن مخرمة بن حمين بن بلث بن عمرو بن معرض بن عمرو بن أسد، والأقيشر أقعد نسبا منه. وقال الأقيشر في ذكر مسجد سماك شعرا.
أخبرني محمد بن الحسن الكنديّ الكوفيّ قال أخبرني الحسن بن عليل العنزيّ عن محمد بن معاوية - وكنيته أبو عبد اللّه محمد بن معاوية - قال: الأقيشر من رهط خريم بن فاتك الأسديّ. وخريم إنما نسب إلى جدّ أبيه فاتك، وهو خريم بن الأخرم ابن شدّاد بن عمرو بن فاتك الأسديّ، وفاتك بن قليب بن عمرو بن أسد.
والأقيشر هو المغيرة بن عبد اللّه بن معرض بن عمرو بن أسد.
قال: وهو القائل لمّا بني سماك بن مخرمة مسجده الذي بالكوفة، وهو أكبر مسجد لبني أسد، وهو في خطّة بني نصر بن قعين:
غضبت دودان من مسجدناوبه يعرفهم كلّ أحد
لو هدمنا غدوة بنيانهلانمحت أسماؤهم طول الأبد
اسمهم فيه وهم جيرانهواسمه الدّهر لعمرو بن أسد
كلّما صلّوا قسمنا أجرهفلنا النّصف على كلّ جسد
فحلف بنو دودان ليضربنّه. فأتاهم فقال: قد قلت بيتا محوت به كلّ ما قلت. قالوا: وما هو يا فاسق؟ قال قلت:
وبنو دودان حيّ سادةحلّ بيت المجد فيهم والعدد
فتركوه.
أخبرني وكيع عن إسماعيل بن مجمّع عن المدائنيّ قال، وأخبرني أبو أيّوب المدينيّ عن محمد بن سلّام قال: كان الأقيشر كوفيّا خليعا ماجنا مدمنا لشرب الخمر، وهو الذي يقول لنفسه:
فإنّ أبا معرض إذ حسامن الرّاح كأسا على المنبر
خطيب لبيب أبو معرضفصار خليعا على المكبر
أحلّ الحرام أبو معرضفإن ليم في الخمر لم يصبر
يجلّ اللّئام ويلحى الكراموإن أقصروا عنه لم يقصر
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن المدائنيّ، وأخبرني عبد الوهّاب بن عبيد الصّحّاف الكوفيّ عن قعنب بن محرز الباهليّ عن المدائنيّ: أنّ الأقيشر مرّ يريد الحيرة، فاجتاز على مجلس لبني عبس، فناداه أحدهم: يا أقيشر، وكان يغضب منها، فزجره الأشياخ، ومضى الأقيشر ثم عاد إليه معه رجل وقال له: قف معي، فإذا أنشدت بيتا فقل لي: ولم ذلك، ثم انصرف، وخذ هذين الدرهمين. فقال له: أنا أصير معك إلى حيث شئت يا أبا معرض ولا أرزؤك شيئا، قال: فافعل. فأقبل به حتى أتى مجلس القوم، فوقف عليهم ثم تأمّلهم وقد عرف الشابّ، فأقبل عليه وقال:
أتدعوني الأقيشر ذلك اسميوأدعوك ابن مطفئة السّراج
فقال له الرجل: ولم ذاك؟ فقال:
تناجي خذنها باللّيل سرّاوربّ الناس يعلم ما تناجي
قال قعنب في خبره. فلقّب ذلك الرجل ابن مطفئة السراج.
وقال قعنب في خبره عن المدائنيّ أخبرنا به اليزيديّ عن الخرّاز عن المدائنيّ في كتاب الجوابات، ولم يروه الباقون: كان الأقيشر يكتري بغلة أبي المضاء المكاري فيركبها إلى الخمّارين بالحيرة. فركبها يوما ومضى لحاجته، وعند أبي المضاء رجل من تميم يكنى أبا الضّحّاك، فقال له: من هذا؟ قال: الأقيشر. فأخذ طبق الميزان وكتب فيه:
عجبت لشاعر من حيّ سوءضئيل الجسم مبطان هجين
وقال لأبي المضاء: إذا جاء فأقرئه هذا. فلمّا جاء أقرأه. فقال له الأقيشر: ممن هو؟ قال: من بني تميم. فكتب الأقيشر تحت كتابه:
فلا أسدا أسبّ ولا تميماوكيف يجوز سبّ الأكرمين
ولكنّ التّميمي حال بينيوبينك يا ابن مضرطة العجين
فهرب إلى الكوفة فلم يزد على هذا.
وقال قعنب في خبره عن المدائنيّ: فجاء التميمي فقرأ ما كتب، فكتب تحته:
يأيها المبتغي حشّا لحاجتهوجه الأقيشر حشّ غير ممنوع
فلما قرأه قال: اللهم أني أستعديك عليه، وكتب تحته:
إنيّ أتاني مقال كنت آمنةفجاء من فاحش في الناس مخلوع
عبد العزيز أبو الضحّاك منيتهفيه من اللّؤم وهي غير ممنوع
ولم تبت أمّه إلّا مطاحنةوأن تؤاجر في سوق المراضيع
ينساب ماء البرايا في استها سرباكأنما انساب في بعض البلاليع
من ثمّ جاءت به والبظر حنّكهكأنه في استها تمثال يسروع
فلمّا جاءه جزع ومشى إليه بقوم من بني تميم، فطلبوا أن يكفّ ففعل. وأمّا عبد اللّه بن خلف فذكر عن أبي عمرو الشيبانيّ أنّ الأقيشر قال هذا في مسكين.
والشعر الذي فيه الغناء يقوله الإقيشر في زكريّا بن طلحة الذي يقال له الفيّاض، وكان مدّاحا له.
أخبرني الحسن بن عليّ عن العنزيّ عن محمد بن معاوية قال: غنّت جارية عند عبد الملك بن مروان بشعر الأقيشر:
قرّب اللّه بالسلام وحيّازكريّا بن طلحة الفيّاض
معدن الضّيف إن أناخوا إليهبعد أين الطلائح الأنقاض
ساهمات العيون خوص رذاياقد براها الكلال بعد إياض
زاده خالد ابن عمّ أبيهمنصبا كان في العلا ذا انتقاض
فرع تيم من تيم مرّة حقّاقد قضى ذاك لابن طلحة قاض
فقال عبد الملك للجارية: ويحك! لمن هذا؟ قالت: للأقيشر. قال: هذا المدح لا على طمع ولا فرق، وأشعر الناس الأقيشر.
وذكر عبد اللّه بن خلف أنّ أبا عمرو الشيبانيّ أخبره أنّ الكميت بن زيد لقي الأقيشر في سفرة، فقال له: أين تقصد يا أبا معرض؟ فقال:
سالني الناس أين يقصد هذاقلت آتى في الدار قرما سريّا
وذكر باقي الأبيات التي فيها الغناء، فلم يزل الكميت يستعيده إيّاها مرارا، ثم قال: ما كذب من قال إنك أشعر الناس.
أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن ابن سلّام قال: كان الأقيشر عنّينا، وكان لا يأتي النساء، وكان كثيرا ما كان يصف ضدّ ذلك من نفسه. فجلس إليه يوما رجل من قيس، فأنشده الأقيشر:
ولقد أروح بمشرف ذي شعرةعسر المكرّة ماؤه يتفصّد
مرح يطير من المراح لعابهوتكاد جلدته به تتقدّد
ثم قال للرجل: أتبصر الشعر؟ قال نعم. قال: فما وصفت؟ قال: فرسا قال: أفكنت لو رأيته ركبته؟ قال: إي واللّه وأثني عطفه. فكشف عن أيره وقال: هذا وصفت، فقم فاركبه. فوثب الرجل من مجلسه وجعل يقول له: قبحك اللّه من جليس! سائر اليوم.
ونسخت من كتاب عبد اللّه بن خلف: حدّثني أبو عمرو الشيبانيّ قال: ماتت بنت زياد العصفريّ، فخرج الأقيشر في جنازتها، فلمّا دفنوها انصرف، فلقيه عابس مولى عائذ اللّه، فقال له: هل لك في غداء وطلاء أتيت به من طيزناباذ؟ قال نعم. فذهب به إلى منزله فغدّاه وسقاه، فلمّا شرب قال:
فليت زيادا لا يزلن بناتهيمتن وألقى كلّما عشت عابسا
فذلك يوم غاب عنّي شرّهوأنجحت فيه بعد ما كنت آيسا
ونسخت من كتابه: حدّثني أبو عمرو قال: شرب الأقيشر في بيت خمّار بالحيرة، فجاءه الشّرط ليأخذوه، فتحرّز منهم وأغلق بابه وقال: لست أشرب، فما سبيلكم عليّ! قالوا: قد رأينا العسّ في كفّك وأنت تشرب. قال: إنما شربت من لبن لقحة لصاحب الدار، فلم يبرحوا حتى أخذوا منه درهمين. فقال:
إنّما لقحتنا باطيةفإذا ما مزجت كانت عجب
لبن أصفر صاف لونهينزع الباسور من عجب الذّنب
إنما نشرب من أموالنافسلوا الشّرطيّ ما هذا الغضب
أخبرني الحسن بن عليّ عن العنزيّ عن محمد بن معاوية قال: دخل وفد بني أسد على عبد الملك بن مروان، فقال: من شاعركم يا بني أسد؟ قالوا: إنّ فينا لشعراء ما يرضى قومهم أن يفضّلوا عليهم أحدا. قال لهم: فما فعل الأقيشر؟ قالوا: مات. قال: لم يمت، ولكنه مشتغل بعشقه، وما أبعد أن يكون شاعركم إلّا أنه يضيع نفسه. أليس هو القائل:
يأيّها السائل عمّا مضىمن علم هذا الزّمن الذاهب
إن كنت تبغي العلم أو أهلهأو شاهدا يخبر عن غائب
فاعتبر الأرض بأسمائهاواعتبر الصاحب بالصاحب
وذكر عبد اللّه بن خلف عن أبي عمرو الشيبانيّ أنّ جارا للأقيشر طحّانا كان ينسىء الناس يكنى أبا عائشة.
فأتاه الأقيشر يسأله فلم يعطه، فقال له:
يريد النساء ويأبى الرجالفما لي وما لأبي عائشه
أدام له اللّه كدّ الرّجالوأثكله ابنته عائشه
فأعطاه ما أراد واستعفاه من أن يزيد شيئا.
سخت من كتاب عبيد اللّه بن محمد اليزيديّ بخطّه: قال الهيثم بن عديّ حدّثني عطّاف بن عاصم بن الحدثان قال: مرّ أعرابيّ من بني تميم كان يهزأ بالأقيشر، فقال له:
أبا معرض كن أنت إن متّ دافنيإلى جنب قبر فيه شلو المضلّل
فعلّي أن أنجو من النار إنّهاتضرّم للعبد اللئيم المبخّل
بذلك أوصاها الإله ولم تزلتحشّ بأوصال وترب وجندل
وأنت بحمد اللّه إن شئت مفلتيبحزمك فاحزم يا أقيشر واعجل
فقال له: ممن أنت؟ قال: من بني تميم ثم أحد بني الهجيم بن عمرو بن تميم، فقال الأقيشر:
تميم بن مرّ كفكفوا عن تعمّديبذلّ فإنّي لست بالمتذلّل
أيهزأ بي العبد الهجيميّ ضلّةومثلي رمي ذا التّدرأ المتضلّل
بداهية دهياء لا يستطيعهاشماريخ من أركان سلمى ويدبل
وباللّه لو لا أنّ حلمي زاجريتركت تميما ضحكة كلّ محفل
فكفّوا رماكم ذو الجلال بخزيةتصبّحكم في كلّ جمع ومنزل
فأنتم لئام الناس لا تنكرونهوألأمكم طرّا حريث بن جندل
فصار إليه شيوخ من بني الهجيم واعتذروا إليه واستكفّوه فكفّ.
أخبرني الأخفش قال حدّثني أبو الفيّاض بن أبي شراعة عن أبيه قال: شرب الأقيشر بالحيرة في بيت فيه خيّاط مقعد ورجل أعمى، وعندهم مغنّ مطرب، فطرب الأقيشر، فسقاهم من شربه، فلمّا انشتوا وثب الأعمى يسعى في حوائجهم، وقفز الخيّاط المقعد يرقص على ظلعة ويجهد في ذلك كلّ جهد. فقال الأقيشر:
ومقعد قوم قد مشى من شرابناوأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا
شرابا كريح العنبر الورد ريحهومسحوق هنديّ من المسك أذفرا
من الفتيات الغرّ من أرض بابلإذا شفّها الحاني من الدّنّ كبّرا
لها من زجاج الشام عنق غريبةتأنّق فيها صانع وتخيّرا
ذخائر فرعون التي جبيت لهوكلّ يسمّى بالعتيق مشهّرا
إذا ما رآها بعد إنقاء غسلهاتدور علينا صائم القوم أفطرا
أخبرنا علي بن سليمان قال حدّثني سوّار قال حدّثني أبي قال: كان الأقيشر صاحب شراب وندامى، فأشخص الحجّاج بعض ندمائه إلى بعض، ومات بعضهم، ونسك بعضهم، وهرب بعضهم؛ فقال في ذلك:
غلب الصّبر فاعترتني هموملفراق الثّقات من إخواني
مات هذا وغاب هذا وهذادائب في تلاوة القرآن
ولقد كان قبل إظهاره النّسك قديما من أظرف الفتيان
وأخبرني أبو الحسن الأسديّ عن العنزيّ قال قال ابن الكلبيّ حدّثني سلمة بن عبد سواع عن أبيه قال: كان الأقيشر لا يسأل أحدا أكثر من خمسة دراهم، يجعل درهمين في كراء بغل إلى الحيرة، ودرهمين للشراب، ودرهما للطعام. وكان له جار يكنى أبا المضاء له بغل يكريه، وكان يعطيه درهمين ويأخذ بغله فيركبه إلى الحيرة، حتى يأتي بيت الخمّار فينزل عنده ويربطه بلجامه وسرجه - فيقال إنه أعطى ثمنه في الكراء - ثم يجلس فيشرب حتى يمسي، ثم يركبه وينصرف. فقال في ذلك:
يا بغل بغل أبي المضاء تعلّمنأنّي حلفت ولليمين نذور
لتعسّفنّ وإن كرهت مهامهافيما أحبّ وكلّ ذاك يسير
بالرغم يا ولد الحمار قطعتهاعمدا وأنت مذلّل مصبور
حتى تزور مسمّعا في دارهوترى المدامة بالأكفّ تدور
لا يرفعون بما يسوءك نعرةوإذا سخطت فخطب ذاك صغير
قال: فأتى يوما من الأيّام بيت الحمّار الذي كان يأتيه فلم يصادفه فجعل ينتظره، ودخلت الدار امرأة عباديّة، فقال لها: ما فعل فلان؟ قالت: مضى في حاجة وأنا امرأته، فما تريد؟ قال: نبيذا. قالت بكم؟ قال: بدرهمين. قالت: هلمّ درهميك وانتظرني. قال لا. قالت: فذلك إليك، ومضت وتبعها، فدخلت دارا لها بابان وخرجت من أحدهما وتركته. فلمّا طال جلوسه خرج إليه بعض أهل الدار، قالوا: وما يجلسك؟ فأخبرهم. فقالوا له: تلك امرأة محتالة يقال لها أمّ حنين من العباديّين. فعلم أنه قد خدع، فانصرف إلى خمّاره فأخبره بالقصة وقال له: أنسئني اليوم فاسقني ففعل. وأنشأ الأقيشر يقول:
لم يغرّر بذات خفّ سوانابعد أخت العباد أمّ حنين
وعدتنا بدرهمين نبيذاأو طلاء معجّلا غير دين
ثم ألوت بالدرهمين جميعايا لقومي لضيعة الدرهمين
وذكر هذا الخبر عبد اللّه بن خلف عن أبي عمرو الشّيبانيّ وزاد فيه: أنّ الخمّار كان يسمّى بحنين، وأنّ المرأة المحتالة قالت له: إنها أمّ حنين الخمّار الذي كان يعامله حتى أخذت الدرهمين ثم هربت منه، وذكر الأبيات الثلاثة التي تقدّمت، وبعدها:
عاهدت زوجها وقد قال إنّيسوف أغدو لحاجتي ولديني
فدعت كالحصان أبيض جلداوافر الأير مرسل الخصيتين
قال ما أجرذا هديت فقالتسوف أعطيك أجره مرّتين
فأبدأ الآن بالسّفاح فلمّاسافحته أرضته بالأخريين
تلّها للجبين ثمّ امتطاهاعالم الأير أفحج الحالبين
بينما ذاك منهما وهي تحويظهره بالبنان والمعصمين
جاءها زوجها وقد شام فيهاذا انتصاب موثّق الأخدعين
فتأسّى وقال ويل طويللحنين من عار أمّ حنين
قال: فجاء حنين الخمّار فقال له: يا هذا ما أردت بهجائي وهجاء أمّي؟!. قال: أخذت منّي درهمين ولم تعطيني شرابا. قال: واللّه ما تعرفك أمّي ولا أخذت منك شيئا قطّ، فانظر إلى أمّي فإن كانت هي صاحبتك غرمت لك الدرهمين. قال: لا واللّه ما أعرف غير أمّ حنين، ما قالت لي إلّا ذلك، ولا أهجو إلّا أمّ حنين وابنها، فإن كانت أمّك فإيّاها أعني. وإن كانت أمّ حنين أخرى فإيّاها أعني. فقال: إذا لا يفرّق الناس بينهما. قال: فما عليّ إذا! أترى درهميّ يضيعان! فقال له: هلمّ إذا أغرمهما لك وأقم ما تحتاج إليه، لا بارك اللّه لك! ففعل.
قال عبد اللّه وحدّثني أبو عمرو قال: كان العريان بن الهيثم النّخعيّ صديقا للأقيشر، فقال له: يا أقيشر إنّي أريد أن أمتدّ إلى الشأم فأكتبني من ملحك فأكتبه. فخرج إلى الشأم فأصاب مالا، فبعث إلى الأقيشر بخمسين درهما، ففعل وقال: هات. قال المولى: على أن تهجوه إذ وضع منك؟ قال نعم، فأعطاه خمسين درهما. وقال الأقيشر:
وسألتني يوم الرّحيل قصائدافملأتهنّ قصائدا وكتابا
إنّي صدقتك إذ وجدتك صادقاوكذبتني فوجدتني كذّابا
وفتحت بابا للخيانة عامدالمّا فتحت من الخيانة بابا
وكان أبو العريان على الشّرطة، فخافه الأقيشر من هجاء ابنه. وبلغ الهيثم هذه الأبيات فبعث إليه بخمسمائة درهم وسأله الكفّ عن ابنه وألّا يشهّره، فأخذها وفعل.
قال أبو عمرو: وخطب رجل من حضر موت امرأة من بني أسد، فأقبل يسأل عنها وعن حسبها وأمّهاتها، حتى جاء الأقيشر فسأله عنها. فقال له: من أنت؟ قال: من حضر موت. فأنشأ يقول:
حضر موت فتّشت أحسابناوإلينا حضر موت تنتسب
إخوة القرد وهم أعمامهبرئت منكم إلى اللّه العرب
أخبرني الحسن بن عليّ عن أبي أيّوب المدينيّ قال قال أبو طالب الشاعر حدّثني رجل من بني أسد قال: سمعت عمّة الأقيشر تقول له يوما: اتّق اللّه وقم فصلّ، فقال: لا أصلّي. فأكثرت عليه، فقال: قد أبرمتني، فاختاري خصلة من خصلتين. إمّا أن أصلّي ولا أتطهّر، وإمّا أن أتطهّر ولا أصلّي. قالت: قبحك اللّه! فإن لم يكن غير هذا فصّلّ بلا وضوء.
قال أبو أيّوب: وحدّثت أنه شرب يوما في بيت خمّار بالحيرة، فجاء شرطيّ من شرط الأمر ليدخل عليه، فغلّق الباب دونه. فناداه الشّرطيّ اسقني نبيذا وأنت آمن. فقال: واللّه ما آمنك، ولكن هذا ثقب في الباب فاجلس عنده وأنا أسقيك منه، ثم وضع له أنبوبا من قصب في الثّقب وصبّ فيه نبيذا من داخل والشرطيّ يشرب من خارج الباب حتّى سكر. فقال الأقيشر:
سأل الشّرطيّ أن نسقيهفسقيناه بأنبوب القصب
إنما نشرب من أموالنافسلوا الشّرطيّ ما هذا الغضب
أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن قعنب بن المحرز، وحدّثنا محمد بن خلف عن أبي أيّوب المدينيّ عن قعنب بن الهيثم بن عديّ قال: كان قيس بن محمد بن الأشعث ضرير البصر، فأتاه الأقيشر فسأله، فأمر قهرمانة فأعطاه ثلاثمائة درهم، فقال: لا أريدها جملة، ولكن مر القهرمان أن يعطيني في كلّ يوم ثلاثة دراهم حتى تنفد. فكان يأخذها منه، فيجعل درهما لطعامه، ودرهما لشرابه، ودرهما لدابّة تحمله إلى بيوت الخمّارين. فلمّا نفدت الدراهم أتاه الثانية فسأله فأعطاه وفعل مثل ذلك، وأتاه الثالثة فأعطاه وفعل مثل ذلك، وأتاه الرابعة فسأله. فقال له قيس: لا أبا لك! كأنّك قد جعلت هذا خراجا علينا. فانصرف وهو يقول:
ألم تر قيس الأكمه ابن محمديقول ولا تلقاه للخير يفعل
رأيتك أعمى العين والقلب ممسكاوما خير أعمى العين والقلب يبخل
فلو صمّ تمّت لعنة اللّه كلّهاعليه وما فيه من الشرّ أفضل
فقال قيس: لو نجا أحد من الأقيشر لنجوت منه.
أخبرني أبو الحسن الأسديّ عن العنزيّ عن محمد بن معاوية قال: اختصم قوم بالكوفة في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، فقالوا: نجعل بيننا أوّل من يطلع علينا. فطلع الأقيشر عليهم وهو سكران. فقال بعضهم لبعض: انظروا من حكمنا. فقالوا: يا أبا معرض قد حكّمناك. قال: فيماذا؟
فأخبروه. فمكث ساعة ثم أنشأ يقول:
إذا صلّيت خمسا كلّ يومفإنّ اللّه يغفر لي فسوقي
ولم أشرك بربّ الناس شيئافقد أمسكت بالحبل الوثيق
وهذا الحقّ ليس به خفاءودعني من بنيّات الطّريق
قال محمد بن معاوية: وتزوّج الأقيشر ابنة عمّ له يقال لها الرّباب، على أربعة آلاف درهم، ويقال على عشرة آلاف درهم، فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئا؛ فأتى ابن رأس البغل وهو دهقان الصّين وكان مجوسيّا، فسأله فأعطاه الصّداق. فقال الأقيشر:
كفاني المجوسيّ مهر الرّبابفدى للمجوسيّ خاليّ وعم
شهدت بأنّك رطب المشاشوأنّ أباك الجواد الخصم
وأنّك سيّد أهل الجحيمإذا ما تردّيت فيمن ظلم
تجاور قارون في قعرهاوفرعون والمكتنى بالحكم
فقال له المجوسيّ: ويحك! سألت قومك فلم يعطوك وجئتني فأعطيتك، فجزيتني هذا القول ولم أفلت من شعرك وشرّك! قال: أو ما ترضى أن جعلتك مع الملوك وفوق أبي جهل!. ثم جاء إلى عكرمة بن ربعيّ التميميّ فلم يعطه، فقال فيه:
سألت ربيعة من شرّهاأبا ثم أمّا فقالوا لمه
فقلت لأعلم من شرّكموأجعل بالسبّ فيه سمه
فقالوا لعكرمة المخزياتوماذا يرى الناس في عكرمه
فإن يك عبدا زكا مالهفما غير ذا فيه من مكرمه
قال ابن الكلبيّ: وشرب الأقيشر في حانة خمّار حتى أنفد ما معه، ثم شرب بثيابه حتى غلقت فلم يبق عليه شيء، وجلس في تبن إلى جانب البيت إلى حلقه مستدفئا به. فمرّ رجل به ينشد ضالّة، فقال: اللّهمّ اردد عليه واحفظ علينا. فقال له الخمّار: نخنت عينك! أيّ شيء يحفظ عليك ربّك؟ قال: هذا التّبن لا تأخذه فأموت من البرد. فضحك الخمّار وردّ عليه ثيابه وقال: اذهب فاطلب ما تشرب به، ولا تجئني بثيابك فإنّي لا أشتريها بعد ذلك.
قال ابن الكلبيّ: واجتاز الأقيشر برجل يقال له هشام وكان على شرطة عمرو بن حريث وهو سكران، فدعا به فقال له: أنت سكران؟ قال لا. قال: فما هذه الرائحة؟ قال: أكلت سفرجلا، ثم قال:
يقولون لي انكه شربت مدامةفقلت كذبتم بل أكلت سفر جلا
فضحك منه ثم قال: فإن لم تكن سكران فأخبرني كم تصلّي في كلّ يوم. فقال:
يسائلني هشام عن صلاتيصلاة المسلمين فقلت خمس
صلاة العصر والأولى ثمانمواترة فما فيهنّ لبس
وعند مغيب قرن الشمس وتروشفع بعدها فيهنّ حبس
وغدوة اثنتان معا جميعاولمّا تبد للرائين شمس
وبعدهما لوقتهما صلاةلنسك بالضّحاء إذا نبسّ
أأحصيت الصلاة أيا هشامافذاك مكدّر الأخلاق جبس
تعوّد أن يلام فليس يومابحامده من الأقوام إنس
قال: فضحك هشام وقال: بلى قد أخبرتنا يا أبا معرض، فانصرف راشدا.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن أبي عبيدة قال: قدم رجل من بني سلول على قتيبة بن مسلم بكتاب عامله على الريّ وهو المعلّى بن عمرو المحاربيّ، فرآه على الباب قدامة بن جعدة بن هبيرة المخزوميّ وكان صديقا لقتيبة، فدخل عليه فقال له: ببابك ألأم العرب، سلوليّ رسول محاربيّ إلى باهليّ. فتبسّم قتيبة تبسّما فيه غيظ. وكان قدامة بن جعدة يتّهم بشرب الخمر، وكان الأقيشر ينادمه. فقال قتيبة: ادعوا لي مرداس بن جذام الأسديّ فدعي. فقال له: أنشدني ما قال الأقيشر في قدامة بن جعدة وهو بالحيرة. فأنشده قوله:
ربّ ندمان كريم ماجدسيّد الجدّين من فرعي مضر
قد سقيت الكأس حتى هرّهالم يخالط صفوها منه كدر
قلت قم صلّ فصلّى قاعداتتغشّاه سمادير السّكر
قرن الظّهر مع العصر كماتقرن الحقّة بالحقّ الذّكر
ترك الفجر فما يقرؤهاوقرا الكوثر من بين السّور
قال: فتغيّر لون القرشيّ وخجل. فقال له قتيبة: هذه بتلك، والبادىء أظلم.
أخبرني الأخفش عن محمد بن الحسن بن الحرون قال حدّثنا الكسرويّ عن الأصمعيّ قال: قال عبد الملك للأقيشر: أنشدني أبياتك في الخمر، فأنشده قوله:
تريك القذى من دونها وهي دونهلوجه أخيها في الإناء قطوب
كميت إذا فضّت وفي الكأس وردةلها في عظام الشاربين دبيب
فقال له: أحسنت يا أبا معرض! ولقد أجدت وصفها، وأظنّك قد شربتها، فقال: واللّه يا أمير المؤمنين إنه ليريبني منك معرفتك بهذا.
أخبرني الحسن بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن ابن الكلبيّ عن رجل من الأزد قال: كان الأقيشر يأتي إخوانا له يسألهم فيعطونه، فأتى رجلا منهم فأمر له بخمسمائة درهم، فأخذها وتوجّه إلى الحانة ودفعها إلى صاحبها وقال له: أقم لي ما أحتاج إليه ففعل ذلك، وانضمّ إليه رفقاء له، فلم يزل معهم حتى نفدت الدّراهم، فأتاهم بعد إنفاقها بيوم ثم أتاهم من غد فاحتملوه، فلمّا أتاهم في اليوم الثالث نظر إليه أصحابه من بعيد فقالوا لصاحب الحانة: أصعدنا إلى غرفتك هذه وأعلم الأقيشر أنّا لم نأت اليوم. فلمّا جاء الأقيشر أعلمه ما قالوه له. فعلم الأقيشر أنه لا فرج له عند صاحب الحانة إلا برهن، فطرح إليه ثيابه وقال له: أقم لي ما أحتاج إليه ففعل. فلما أخذ فيه الشراب أنشأ يقول:
يا خليليّ اسقيناني كأساثم كأسا حتّى أخرّ نعاسا
إنّ في الغرفة التي فوق رأسيلأناسا يخادعون أناسا
يشربون المعتّق الراح صرفاثم لا يرفعون بالزّور راسا
فلمّا سمع أصحابه هذا الشعر فدّوه بآبائهم وأمّهاتهم ثم قالوا له: إمّا أن تصعد إلينا أو ننزل إليك، فصعد إليهم.
أخبرني الحسن بن عليّ عن ابن مهروية قال حدّثني أبو مسلم المستملي عن المدائني قال: مدح الأقيشر بشر بن مروان ودخل إليه فأنشده القصيدة وعنده أيمن بن خزيم بن فاتك الأسديّ، فقال أيمن: هذا واللّه كلام حسن من جوف خرب. فأجابه بالبيت المذكور. وقال أبو عمرو أيضا في خبره: فلمّا صار الأقيشر إلى منزله بعث عمّه فأخذ منه الألف الدّرهم وقال: واللّه لا أخلّيك تفسدها وتشرب بها الخمر. قال: فتصنع بها ماذا؟ قال: أكسوك واكسو عيالك وأعدّ لك قوت عامك. فتركه ودخل على بشر فقال له:
أبلغ أبا مروان أنّ عطاءهأزاغ به من ليس لي بعيال
قال: ومن ذلك؟ فأخبره الخبر. فأمر صاحب شرطته أن يحضر عمّه وينتزع منه الألف الدرهم ويسلّمها إليه، وقال: خذها ونحن نقوم لعيالك بما يصلحهم.
أخبرني هاشم بن محمد عن أبي غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال: مرّ الأقيشر بخمّارة بالحيرة يقال لها دومة، فنزل عندها فاشترى منها نبيذا، ثم قال لها جوّدي لي الشّراب حتى أجيد لك المدح ففعلت. فأنشأ يقول:
ألا يا دوم دام لك النّعيموأسمر ملء كفّك مستقيم
شديد الأسر ينبض حالباهيحمّ كأنّه رجل سقيم
يروّيه الشراب فيزدهيهوينفخ فيه شيطان رجيم
قال: فسرّت به الخمّارة وقالت: ما قيل فيّ أحسن من هذا ولا أسرّ لي منه.
أخبرني أبو الحسن الأسديّ عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية قال: كان فاتك بن فضالة بن شريك الأسديّ كريما على بني أميّة، وهو الوافد على عبد الملك بن مروان قبل أن ينهض إلى حرب ابن الزّبير، فضمن له على أهل العراق طاعتهم وتسليم بلادهم إليه، وأن يسلموا مصعبا إذا لقيه ويتفرّقوا عنه. وله يقول الأقيشر في هذه الوفادة.
وفد الوفود فكنت أفضل وافديا فاتك بن فضالة بن شريك
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش عن السّكّريّ قال حدّثني ابن حبيب قال: ولي الكوفة رجل من بني تميم يقال له مطر؛ فلما علا المنبر انكسرت الدّرجة من تحته فسقط عنها؛ فقال الأقيشر:
ابني تميم ما لمنبر ملككمما يستقرّ قراره يتمرّمر
إنّ المنابر أنكرت أستاهكمفادعوا خزيمة يستقرّ المنبر
أخبرني محمد بن مزيد عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال: مرّ رجل من محارب يقال له قريظة بن يقظة بالأقيشر الأسديّ وهو في مجلس من مجالس بني أسد، فسلّم على الأقيشر وكان به عارفا. فقال له القوم: من هذا يا أبا معرض؟ وكان مخمورا، فقال:
ومن لي بأن أستطيع أن أذكر اسمهوأعيا عقالا أن يطيق له ذكرا
قال: فضحك القوم وقالوا: سبحان اللّه! أيّ شيء تقول؟ فقال: اسمه ونسبه أعظم من أن أقدر على ذكرهما في يوم، فإن شئتم سميته اليوم ونسبته غدا، وإن شئتم نسبته اليوم وسمّيته غدا. قالوا: هات اسمه اليوم. فقال: قريظة. فقال رجل منهم: ينبغي أن يكون ابن يقظة. فقال الأقيشر: صدقت واللّه وأصبت، ولقد أثقلني اسمه حين ذكرته أن أقول نعم. فبلغ قريظة قوله وكان شاعرا فقال:
لسانك من سكر ثقيل عن التّقىولكنّه بالمخزيات طليق
وأنت حقيق يا أقيشر أن ترىكذاك إذا ما كنت غير مفيق
تسفّ من الصهباء صرفا تخالهاجنى النّحل يهديه إليك صديق
فبلغ الأقيشر قول المحاربيّ وكان يكنى أبا الذيّال، فأجابه فقال:
عدمت أبا الذيّال من ذي نوالةله في بيوت العاهرات طريق
أبا الخمر عيّرت امرأ ليس مقلعاوذلك رأيّ لو علمت وثيق
سأشربها ما دمت حيّا وإن أمتففي النّفس منها زفرة وشهيق
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: بلغني أنّ الرشيد سمع ليلة رجلا يغنّي:
إن كانت الخمر قدعزّت وقد منعتوحال من دونها الإسلام والحرج
فقد أباكرها صرفا وأشربهاأشفي بها غلّتي صرفا وأمتزج
وقد تقوم على رأسي مغنّيةلها إذا رجّعت في صوتها غنج
وترفع الصوت أحيانا وتخفضهكما يطنّ ذباب الرّوضة الهزج
قال: فوجّه في أثر الصوت من جاءه بالرجل وهو يرعد، فقال: لا ترع فإنّما أعجبني حسن صوتك. فقال: واللّه يا أمير المؤمنين ما تغنّيت بهذا الشعر إلّا وأنا قد تبت من شرب النّبيذ، وهذا شعر يقوله الأقيشر في توبته من النّبيذ.
فقال له الرشيد: وما حملك على تركه؟ قال: خشية اللّه. وإنّي فيه يا أمير المؤمنين كما قال زيد بن ظبيان:
جاءوا بقاقزّة صفراء مترعةهل بين ذي كبرة والخمر من نسب
بئس الشّراب شرابا حين تشربهيوهي العظام وطورا مفتر العصب
إنّي أخاف مليكي أن يعذّبنيوفي العشيرة أن يزري على حسبي
فقال له الرشيد: أنت وما اخترت أعلم، فأعد الصوت، فأعاده. وأمر بإحضار المغنّين واستعاده، وأمرهم بأخذه عنه فأخذوه، ووصله وانصرف، وكان صوت الرّشيد أيّاما. هكذا ذكر إسماعيل بن يونس عن عمر بن شبّة في هذا الخبر أنّ الأبيات للأقيشر، ووجدتها في شعر أبي محجن الثّقفيّ له لمّا تاب من الشّراب.
أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثنا أبو سعيد عن محمد بن حبيب قال: كان القباع، وهو الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة، قد أخرج الأقيشر مع قومه لقتال أهل الشّأم، ولم يكن عند الأقيشر فرس فخرج على حمار، فلمّا عبر جسر سورا فوصل لقرية يقال لها قنّين توارى عند خمّار نبطيّ يبرز زوجته للفجور، فباع حماره وجعل ينفقه هناك ويشرب بثمنه ويفجر إلى أن قفل الجيش، وقال في ذلك:
خرجت من المصر الحواريّ أهلهبلا ندبة فيها احتساب ولا جعل
إلى جيش أهل الشّأم أغزيت كارهاسفاها بلا سيف حديد ولا نبل
ولكن بترس ليس فيه حمالةورمح ضعيف الزّجّ متصدع النّصل
حباني به ظلم القباع ولم أجدسوى أمره والسّير شيئا من الفعل
فأزمعت أمري ثم أصبحت غازياوسلّمت تسليم الغزاة على أهلي
وقلت لعلّي أن أرى ثمّ راكباعلى فرس أو ذا متاع على بغل
جوادي حمار كان حينا لظهرهإكاف وإشناق المزادة والحبل
وقد خان عينيه بياض وخانهقوائم سوء حين يزجر في الوحل
إذا ما انتحى في الماء والوحل لم ترمقوائمه حتّى يؤخّر بالحمل
أنادي الرّفاق بارك اللّه فيكمرويدكم حتّى أجوز إلى السّهل
فسرنا إلى قنّين يوما وليلةكأنّا بغايا ما يسرن إلى بعل
إذا ما نزلنا لم نجد ظلّ ساحةسوى يابس الأنهار أو سعف النخل
مررنا على سوراء نسمع جسرهايئطّ نقيضا عن سفائنه الفضل
فلمّا بدا جسر السّراة وأعرضتلنا سوق فرّاغ الحديث إلى شغل
نزلنا إلى ظلّ ظليل وباءةحلال برغم القلطمان وما نفل
يشارطه من شاء كان بدرهمعروسا بما بين السّبيئة والنّسل
فأتبعت رمح السّوء سمية نصلهوبعت حماري واسترحت من الثّقل
تقول ظبايا قل قليلا ألا ليافقلت لها إصوي فإنّي على رسل
مهرت لها جرديقة فتركتهابمرها كطرف العين شائلة الرّجل
ومما يغنّى فيه من شعر الأقيشر:
صوت
لا أشربن أبدا راحا مسارقةإلّا مع الغرّ أبناء البطاريق
أفنى تلادي وما جمّعت من نشبقرع القواقيز أفواه الأباريق
الغناء لحنين هزج بالبنصر عن عمرو. وفيه لعمر الواديّ رمل بالبنصر عن الهشاميّ. وفيه ثقيل أوّل ينسب إلى حنين وعمر وحكم جميعا. وهذا الغناء المذكور من قصيدة للأقيشر طويلة، أوّلها:
إنّي يذكّرني هندا وجارتهابالطّفّ صوت حمامات على نيق
صوت
دعاني دعوة والخيل ترديفلا أدري أبا سمي أم كناني
وكان إجابتي إيّاه أنّيعطفت عليه خوّار العنان
الشعر لابن الغريزة النّهشليّ. والغناء ليحيى المكيّ رمل بالوسطى عن الهشاميّ. وقد جعل المغنّون معه هذا البيت ولم أجده في قصيدته، ولا أدري أهو له أم لغيره.
ألا يا من لذا البرق اليمانييلوح كأنّه مصباح بان
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع