من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي جلدة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو جلدة بن عبيد بن منقذ بن حجر بن عبيد اللّه بن مسلمة بن حبيّب بن عديّ بن جشم بن غنم بن حبيّب بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل، شاعرّ إسلاميّ، من شعراء الدّولة الأمويّة، ومن ساكني الكوفة. وكان ممن خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجّاج.
أخبرني بخبره في جملة ديوان شعره محمد بن العبّاس اليزيديّ وقرأته عليه قال حدّثني عمّي عبد اللّه قال حدّثني محمد بن حبيب، وأخبرني به عليّ بن سليمان الأخفش أيضا عن الحسن بن الحسن اليشكريّ عن ابن الأعرابيّ قال: كان أبو جلدة اليشكريّ من أخصّ النّاس بالحجّاج، حتى إنه بعثه وبعث معه عبد اللّه بن شدّاد بن الهادي الليثيّ إلى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام، فخطب الحجّاج منه ابنته أمّ كلثوم. ثم خرج بعد ذلك مع ابن الأشعث، وكان من أشدّ الناس تحريضا على الحجّاج. فلمّا أتي الحجّاج برأسه ووضع بين يديه مكث ينظر إليه طويلا ثم قال: كم من سرّ أودعته في هذا الرأس فلم يخرج حتى أتيت به مقطوعا. فلمّا كان يوم الزّاوية خرج أبو جلدة بين الصّفّين، ثم أقبل على أهل الكوفة فأنشدهم قصيدته التي يقول فيها:
فقل للحواريّات يبكين غيرناولا تبكنا إلّا الكلاب النوابح
بكين إلينا خشية أن تبيحهارماح النّصارى والسيوف الجوارح
بكين لكيما يمنعوهنّ منهموتأبى قلوب أضمرتها الجوانح
وناديننا: أين الفرار وكنتمتغارون أن تبدو البرى والوشائح
أأسلمتمونا للعدوّ على القناإذا انتزعت منها القرون النواطح
فما غار منكم غائر لحليلةولا عزب عزّت عليه المناكح
قال: فلمّا أنشدهم هذه الأبيات أنفوا وثاروا فشدّوا شدّة تضعضع لهم عسكر الحجّاج، وثبت لهم الحجّاج وصاح بأهل الشأم فتراجعوا وثبتوا، فكانت الدائرة له، فجعل يقتّل الناس بقيّة يومه، حتى صاح به رجل: واللّه يا حجّاج لئن كنّا قد أسأنا في الذنب لما أحسنت في العفو، ولقد خالفت اللّه فينا وما أطعته. فقال له: وكيف ويلك؟ قال: لأنّ اللّه تعالى يقول فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
وقد قتلت فأثخنت حتى تجاوزت الحدّ، فأسر ولا تقتل، ثم قال: أو امنن. فقال أولى لك! ألا كان هذا الكلام منك قبل هذا الوقت! ثم نادى برفع السيف وأمّن الناس جميعا، قال ابن حبيب قال ابن الأعرابيّ: فبلغني أنّ الحجّاج قال يوما لجلسائه ما حرّض على أحد كما حرّض أبو جلدة؛ فإنه نزل على سرحة في وسط عسكر لابن الأشعث ثم نزع سراويله فوضعه وسلح فوقه والناس ينظرون إليه. فقالوا له: ما لك ويلك أجننت! ما هذا الفعل! قال: كلّكم قد فعلتم مثل هذا إلّا أنكم سترتموه وأظهرته. فشتموه وحملوا عليّ، فما أنساهم وهو يقدمهم ويرتجز:
نحن جلبنا الخيل من زرنجاما لك يا حجّاج منّا منجى
لتبعجنّ بالسيوف بعجاأو لتفرّنّ فذاك أحجى
فو اللّه لقد كاد أهل الشأم يومئذ يتضعضعون لو لا أنّ اللّه تعالى أيّد بنصره.
أيا لهفي ويا حزني جميعاويا غمّ الفؤاد لما لقينا
تركنا الدّين والدّنيا جميعاوخلّينا الحلائل والبنينا
فما كنّا أناسا أهل دينفنصبر للبلاء إذا بلينا
ولا كنّا أناسا أهل دنيافنمنعها وإن لم نرج دينا
تركنا دورنا لطغام عكّوأنباط القرى والأشعرينا
قال ابن حبيب: وكان أبو جلدة مع القعقاع بن سويد المنقريّ بسجستان، فذمّ منه بعض ما عامله به، فقال فيه:
ستعلم أنّ رأيك رأي سوءإذا ظلّ الإمارة عنك زالا
وراح بنو أبيك ولست فيهمبذي ذكر يزيدهم جمالا
هناك تذكّر الأسلاف منهمإذا اللّيل القصير عليك طالا
فقال له القعقاع: ومتى يطول عليّ الليل القصير؟ قال: إذا نظرت إلى السماء مربّعة. فلمّا عزل وحبس أخرج رأسه ليلة فنظر، فإذا هو لا يرى السماء إلا بقدر تربيع السّجن، فقال: هذا واللّه الذي حذّرنيه أبو جلدة.
قال: وولي مسمع بن مالك سجستان، وكان مكث أبي جلدة بها، فخرج إليه فتلقّاه ومدحه بقصيدته التي أوّلها:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعاوليت وصلا لها من حبلها رجعا
شطّت بها غربة زوراء نازحةفطارت النّفس من وجد بها قطعا
ما قرّت العين إذ زالت فينفعهاطعم الرّقاد إذا ما هاجع هجعا
منعت نفسي من روح تعيش بهوقد أكون صحيح الصّدر فانصدعا
غدت تلوم على ما فات عاذلتيوقبل لومك ما أغنيت من منعا
مهلا ذريني فإنّي غالني خلقيوقد أرى في بلاد اللّه متّسعا
فخري تليد وما أنفقت أخلفهسيب الإله وخير المال ما نفعا
ما عضّني الدهر إلّا زادني كرماولا استكنت له إن خان أو خدعا
ولا تلين على العلّات معجمتيفي النائبات إذا ما مسّني طبعا
ولا تليّن من عودي غمائزهإذا المغمّز منها لان أو خضعا
ولا أخاتل ربّ البيت غفلتهولا أقول لشيء فات ما صنعا
إنّي لأمدح أقواما ذوي حسبلم يجعل اللّه في أقوالهم قذعا
الطيّبين على العلّات معجمةلو يعصر المسك من أطرافهم نبعا
بني شهاب بها أعني وإنّهملأكرم النّاس أخلاقا ومصطنعا
قال: فوصله مسمع بن مالك وحمله وكساه وولّاه ناشيتكين وكان مكتبه. قال: ثم توفّي مسمع بن مالك سجستان، فقال أبو جلدة يرثيه:
أقول للنّفس تأساء وتعزيةقد كان من مسمع في مالك خلف
يا مسمع الخير من ندعو إذا نزلتإحدى النّوائب بالأقوام واختلفوا
يا مسمعا لعراق لا زعيم لهابمن ترى يؤمن المستشرف النّطف
تلك العيون بحيث المصر سادمةتبكيك إذا غالك الأكفان والجرف
قد وسّدوك يمينا غير موسدةوبذل جود لما أودي بك التلف
كنت الشّهاب الذي يرمى العدوّ بهوالبحر منه سجال الجود تغترف
قال ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال: كان أبو جلدة ينادم شقيق بن سليط بن بديل السّدوسيّ أخا بسطام بن سليط، وكان لهما أخ يقال له ثعلبة بن سليط، وكان ثقيلا بخيلا مبغّضا، وكان يطفّل عليهم ويؤذيهم. فقال فيه أبو جلدة:
أحبّ على لذاذتنا شقيقاوأبغض مثل ثعلبة الثّقيل
له غمّ على الجلساء مؤذنوافله إذا شربوا قليل
قال ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ: وفرّق مسمع بن مالك في عشيرته بني قيس بن ثعلبة عطايا كثيرة وقرّبهم وجفا سائر بطون بكر بن وائل. فقال أبو جلدة:
إذا نلت مالا قلت قيس عشيرتيتجور علينا عامدا في قضائكا
وإن كانت الأخرى فبكر بن وائلبزعمك يخشى داؤها بدوائكا
هنالك لا نمشي الضّراء إليكمبني مسمع إنّا هناك أولئكا
عسى دولة الذّهلين يوما ويشكرتكرّ علينا سبغة من عطائكا
قال: فبعث إليه مسمع فترضّاه ووصله وفرّق في سائر بطون بكر بن وائل على جذمين، جذم يقال له الذّهلان، وجذم يقال له اللّهازم. فالذّهلان: بنو شيبان بن ثعلبة بن يشكر بن وائل، وبنو ضبيعة بن ربيعة. واللّهازم: قيس بن ثعلبة، وتيم اللّات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد بن ربيعة. قال الفرزدق:
وأرضى بحكم الحيّ بكر بن وائلإذا كان في الذّهلين أو في اللّهازم
قال: وقد دخل بنو قيس بن عكابة مع إخوتهم بني قيس بن ثعلبة بن عكابة. وأمّا حنيفة فلم تدخل في شيء من هذا لانقطاعهم عن قومهم باليمامة في وسط دار مضر، وكانوا لا ينصرون بكرا ولا يستنصرونهم. فلمّا جاء الإسلام ونزل الناس مع بني حنيفة ومع بني عجل بن لجيم فتلهزموا ودخل معهم حلفاؤهم بنو مازن بن جديّ بن مالك بن صعب بن عليّ، فصاروا جميعا في اللهازم. وقال موسى بن جابر الحنفيّ السّحيميّ بعد ذلك في الإسلام:
وجدنا أبانا كان حلّ ببلدةسوى بين قيس قيس عيلان والفزر
فلمّا نأت عنّا العشيرة كلّهاأقمنا وحالفنا السيوف على الدهر
فما أسلمتنا بعد في يوم وقعةولا نحن أغمدنا السيوف على وتر
وقال ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال: كان لأبي جلدة بسجستان جار يقال له سيف من بني سعد، وكان يشرب الخمر ويعربد على أبي جلدة، فقال يهجوه:
قل لذوي سيف وسيف ألستمأقلّ بني سعد حصادا ومزرعا
كأنّكم جعلان دار مقامةعلى عذرات الحيّ أصبحن وقّعا
لقد نال سيف في سجستان نهزةتطاول منها فوق ما كان إصبعا
أصاب الزّنا والخمر حتّى لقد نمتله سرّة تسقى الشّراب المشعشعا
فلو لا هوان الخمر ما ذقت طعمهاولا سقت إبريقا بكفّك مترعا
كما لم يذقها أن تكون عزيزةأبوك ولم يعرض عليها فيطمعا
وكان مكان الكلب أو من ورائهإذا ما المغنّي للّذاذة أسمعا
قال ابن حبيب: وكان أبو جلدة قد استعمله القعقاع بن سويد حين تولّى سجستان على بست والرّخّج، فأرجف الناس بالقعقاع وأرجف به أبو جلدة معهم، وكتب القعقاع إليه يتهدّده؛ فكتب إليه أبو جلدة:
يهدّدني القعقاع في غير كنههفقلت له بكر إذا رمتني ترسي
كأنّا وأيّاكم إذا الحرب بينناأسود عليها الزّعفران مع الورس
ترى كمصابيح الدّياجي وجوهناإذا ما لقينا والهرقليّة الملس
هناك السّعود السانحات جرت لناوتجري لكم طير البوارح بالنّحس
وما أنت يا قعقاع إلّا كمن مضىكأنك يوما قد نقلت إلى الرّمس
أظنّ بغال البرد تسري إليكمبه غطفانيّا وإلّا فمن عبس
وإلّا فبالبسّال يا لك إن سرتبه غير مغموز القناة ولا نكس
فعمّالنا أوفى وخير بقيّةوعمّالكم أهل الخيانة واللّبس
وما لبني عمرو عليّ هوادةولا للرّباب غير تعس من التّعس
قال: فلمّا انتهت هذه القصيدة إلى القعقاع وجّه برسول إلى أبي جلدة، وقال: انظر، فإن كان كتب هذا الكتاب بالغداة فاعزله، وإن كان كتبه باللّيل فأقرره على عمله ولا تعزله ولا تضربه. وكان أبو جلدة صاحب شراب، فقال للرسول: واللّه ما كتبته إلّا بالعشيّ. فسأله البيّنة على ذلك فأتاه بأقوام شهدوا له بما قال، فأقرّه على عمله وانصرف عنه.
قال ابن حبيب: ومرّ أبو جلدة بقصر من قصور بست ينزله رجل من الدّهاقين، فرأى ابنته تشرف من أعلى القصر، فأنشأ يقول:
إنّ في القصر ذي الخبا بدرتمّحسن الدّلّ للفؤاد مصيبا
ولعا بالخلوق يأرج منهريح رند إذا استقلّ منيبا
يلبس الخزّ والمطارف والقزّ وعصبا من اليماني قشيبا
ورأيت الحبيب يبرز كفّاما رآه المحبّ إلّا خضيبا
فبلغ ذلك من قوله الدّهقان، فأهدى له وبرّه وسأله ألّا يذكر ابنته في شعر بعد ذلك.
قال ابن حبيب: ولحق أبا جلدة ضيم من بعض الولاة، فهتف بقومه فلم يقدروا على منعه منه ولا معونته رهبة للسّلطان، فهتف بأعلى صوته: يا مسمع بن مالك، يا أمير بن أحمر، ثم أنشأ يقول:
ولمّا أن رأيت سراة قوميسكوتا لا يثوب لهم زعيم
هتفت بمسمع وصدى أميروقبر معمّر تلك القروم
قال: فأبكى جميع من حضر، وقاموا جميعا إلى الوالي فسألوه في أمره حتى كفّ عنه. قال: وأمير بن أحمر رجل من بني يشكر، وكان سيّدا جوادا، وفيه يقول زياد الأعجم:
لو لا أمير هلكت يشكرويشكر هلكى على كلّ حال
قال ابن الأعرابيّ: كان أمير بن أحمر واليا على خراسان في أيّام معاوية.
ومعمّر الذي عناه أبو جلدة معمّر بن شمير بن عامر بن جبلة بن ناعب بن صريم، وكان أمير سجستان، وكان سيّدا شريفا.
وقال: خطب أبو جلدة امرأة من بني عجل يقال لها خليعة بنت صعب، فأبت أن تتزوّجه وقالت: أنت صعلوك فقير لا تحفظ مالك ولا تلفي شيئا إلّا أنفقته في الخمر، وتزوّجت غيره. فقال أبو جلدة في ذلك:
صوت
لمّا خطبت إلى خليعة نفسهاقالت خليعة ما أرى لك مالا
أودى بمالي يا خليع تكرّميوتخرّقي وتحمّلي الأثقالا
إنّي وجدّك لو شهدت مواقفيبالسّفح يوم أجلّل الأبطالا
سيفي، لسرّك أن تكوني خادماعندي إذا كره الكماة نزالا
الغناء لإبراهيم الموصليّ ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ من كتاب عليّ بن يحيى.
قال أبو سعيد السّكّريّ وعمر بن سعيد صاحب الواقديّ: إنّ أبا جلدة كان في قرية من قرى بست يقال لها الخيزران ومعهم عمرو بن صوحان أخو صعصعة في جماعة يتحدّثون ويشربون، إذ قام أبو جلدة ليبول فضرط، وكان عظيم البطن، فتضاحك القوم منه، فسلّ سيفه وقال: لأضربنّ من لا يضرط في مجلسه هذا ضربة بسيفي، أمنّي تضحكون لا أمّ لكم! فما زال حتّى ضرطوا جميعا غير عمرو بن صوحان. فقال له: قد علمت أنّ عبد القيس لا تضرط ولك بدلها عشر فسوات. قال: لا واللّه أو تفصح بها! فجعل عمرو يجثي وينحني فلا يقدر عليها، فتركه. وقال أبو جلدة في ذلك:
أمن ضرطة بالخيزران ضرطتهاتشدّد منّي دارة وتلين
فما هو إلّا السيف أو ضرطة لهايثور دخان ساطع وطنين
قال: ولعمرو بن صوحان يقول أبو جلدة اليشكريّ وطالت صحبته إياه فلم يظفر منه بشي ء:
صاحبت عمرا زمانا ثم قلت لهالحق بقومك يا عمرو بن صوحانا
فإن صبرت فإنّ الصبر مكرمةوإن جزعت فقد كان الّذي كانا
قال ابن سعيد وحدّثني أبو صالح قال: بلغ أبا جلدة أنّ زيادا الأعجم هجا بني يشكر، فقال فيه:
لا تهج يشكر يا زياد ولا تكنغرضا وأنت عن الأذى في معزل
واعلم بأنّهم إذا ما حصّلواخير وأكرم من أبيك الأعزل
لو لا زعيم بني المعلّى لم نبتحتّى نصبّحكم بجيش جحفل
تمشي الضّراء رجالهم وكأنّهمأسد العرين بكلّ عضب منصل
فاحذر زياد ولا تكن تدرأعند الرّجال ونهزة للختّل
وقال ابن حبيب: كان سليمان بن عمرو بن مرثد البكريّ صديقا لأبي جلدة، وكان فارسا شجاعا، وقتله ابن خازم لشيء بلغه فأنكره؛ وفيه يقول أبو جلدة:
إذا كنت مرتادا نديما مكرّرانماه سراة من سراة بني بكر
فلا تعد ذا العليا سليمان عامداتجد ماجدا بالجود منشرح الصدر
كريما على علّاته يبذل النّدىويشربها صهباء طيّبة النّشر
معتّقة كالمسك يذهب ريحها الزّكام وتدعو المرء للجود بالوفر
وتترك حاسي الكأس منها مرنّحايميد كما ماد الأثيم من السكر
تلوح كعين الدّيك ينزو حبابهاإذا مزجت بالماء مثل لظى الجمر
فتلك إذا نادمت من آل مرثدعليها نديما ظلّ يهرف بالشّعر
يغنّيك تارات وطورا يكرّهاعليك بحيّاك الإله ولا يدري
تعوّد ألّا يجهل الدّهر عندهاوأن يبذل المعروف في العسر واليسر
وإنّ سليمان بن عمرو بن مرثدتألّى يمينا أن يريش ولا يبري
فهمّته بذل النّدى وابتنا العلاوضرب طلى الأبطال في الحرب بالبتر
وفي الأمن لا ينفكّ يحسو مدامةإذا ما دجا ليل إلى وضح الفجر
قال: فلمّا بلغت سليمان هذه الأبيات قال: هجاني أخي وما تعمّد، لكنه يرى أنّ الناس جميعا يؤثرون الصّهباء كما يؤثرها هو، ويشربونها كما يشربها. وبلغ قوله أبا جلدة فأتاه فاعتذر إليه، وحلف أنّه لم يتعمّد بذلك ما يكرهه وينكره. قال: قد علمت بذلك وشهدت لك به قبل أن تعتذر، وقبل عذره.
وقال ابن حبيب: سأل أبو جلدة الحضين بن المنذر الرّقاشيّ شيئا فلم يعطه إيّاه، وقال: لا أعطيه ما يشرب به الخمر. فقال أبو جلدة يهجوه:
يا يوم بؤس طلعت شمسهبالنّحس لا فارقت رأس الحضين
إنّ حضينا لم يزل باخلامذكان بالمعروف كزّ اليدين
فبلغ الحضين قول أبي جلدة، فقال يجيبه:
عضّ أبو جلدة من أمّهمعترضا ما جاوز الأسكتين
بظرا طويلا غاشيا رأسهأعقف كالمنجل ذا شعبتين
وقال أبو جلدة في حصين أيضا:
لعمرك إنّي يوم أسند حاجتيإليك أبا ساسان غير مسدّد
فلا عالم بالغيب من أين ضرّهولا خائف بثّ الأحاديث في غد
فليت المنايا حلّقت بي صروفهافلم أطلب المعروف عند المصرّد
فلو كنت حرّا يا حضين بن منذرلقمت بحاجاتي ولم تتبلّد
تجهّمتني خوف القرى واطّرحتنيوكنت قصير الباع غير المقلّد
ولم تعد ما قد كنت أهلا لمثلهمن اللّؤم يابن المستذلّ المعبّد
قال: فبلغ أبا جلدة أنّ بني رقاش تهدّدوه بالقتل لهجائه الحضين بن منذر، فقال:
تهدّدني جهلا رقاش وليتنيوكلّ رقاشيّ على الأرض في الحبل
فباست حضين واست أمّ رمت بهفبئس محلّ الضّيف في الزّمن المحل
وإن أنا لم أترك رقاش وجمعهمأذلّ على وطء الهوان من النّعل
فشلّت يداي واتبعت سوى الهدىسبيلا وقّفت للخير والفضل
عظام الخصى ثطّ اللّحى معدن الخنامباخيل بالأزواد في الخصب والأزل
إذا أمنوا ضرّاء دهر تعاظلواعظال الكلاب في الدّجنّة والوبل
وإن عضّهم دهر بنكبة حادثفأخور عيدانا من المرخ والأثل
أسود شرّى وسط النّديّ ثعالبإذا خطرت حرب مراجلها تغلي
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه الأصبهانيّ المعروف بالحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ عن أبيه قال: عشق أبو جلدة اليشكريّ دهقانة ببست وكان يختلف إليها ويكون عندها دائما، وقال فيها:
وكأس كأنّ المسك فيها حسوتهاونازعنيها صاحب لي ملوّم
أغرّ كأنّ البدر سنّة وجههله كفل واف وفرع ومبسم
يضيء دجى الظّلماء رونق خدّهوينجاب عنه الليل والليل مظلم
وثديان كالحقّين والمتن مدمجوجيد عليه نسق درّ منظّم
وبطن طواه اللّه طيّا ومنطقرخيم وردف نيط بالحقو مفأم
به تبلتني واستبتني وغادرتلظى في فؤادي نارها تتضّرم
أبيت بها أهذي إذا الليل جنّنيوأصبح مبهوتا فما أتكلّم
فمن مبلغ قومي الدّنا أنّ مهجتيتبين، لئن بانت ألا تتلوّم
وعهدي بها - واللّه يصلح بالها -تجود على من يشتهيها وتنعم
فما بالها ضنّت عليّ بودّهاوقلبي لها يا قوم عان متيّم
قال: فلمّا بلغها الشعر سألت عن تفسيره ففسّر لها. فلما انتهى المفسّر إلى هذين البيتين الأخيرين غضبت فقالت: أنا زانية كما زعم! إن كلمته كلمة أبدا. أو كلّما اشتهاني إنسان بذلت له نفسي وأنعمت من روحي إذا! أي أنا إذا زانية. فصرمته، فلم يقدر عليها وعذّب بها زمانا، ثم قال فيها لمّا يئس منها:
صحا قلبي وأقصر بعد غيّطويل كان فيه من الغواني
بأن قصد السبيل فباع جهلابرشد وارتجى عقبى الزّمان
وخاف الموت واعتصم ابن حجرمن الحبّ المبرّح بالجنان
وقدما كان معترما جموحاإلى لذّاته سلس العنان
وأقلع بعد صبوته وأضحىطويل اللّيل يهرف بالقران
ويدعو اللّه مجتهدا لكيماينال الفوز من غرف الجنان
قال ابن حبيب قال أبو عبيدة: كان يزيد بن المهلّب يتّهم بالنّساء. فقال فيه أبو جلدة:
إذا اعتكرت ظلماء ليل ونوّمتعيون رجال واستلذّوا المضاجعا
سما نحو جار البيت يستام عرسهيزيد دبيبا للمعاناة قابعا
وإن أمكنته جارة البيت أو رنتإليه أتاها بعد ذلك طائعا
فشاعت الأبيات ورواها الناس لقتادة بن معرب. فقال أبو جلدة:
أبا خالد ركني ومن أنا عبدهلقد غالني الأعداء عمدا لتغضبا
فإن كنت قلت اللّذ أتاك به العدافشلّت يدي اليمنى وأصبحت أعضبا
ولا زلت محمولا عليّ بليّةوأمسيت شلوا للسّباع مترّبا
فلا تسمعن قول العدا وتبيّننأبا خالد عذرا وإن كنت مغضبا
وقال ابن حبيب: قال رجل للبعيث: أيّ رجل هو أبو جلدة؟ فقال: قتادة بن معرب أعرف به حيث يقول:
إنّ أبا جلدة من سكرهلا يعرف الحقّ من الباطل
يزداد غيّا وانهماكا ولايسمع قول الناصح العاذل
أعيا أبوه وبنو عمّهوكان في الذّروة من وائل
فليته لم يك من يشكرفبئس خدن الرجل العاقل
أعمى عن الحقّ بصير بمايعرفه كلّ فتى جاهل
يصبح سكران ويمسي كماأصبح، لا أسقي من الوابل
شدّ ركاب الغيّ ثم اغتدىإلى التي تجلب من بابل
فالسّجن إن عاش له منزلوالسّجن دار العاجز الخامل
وقال أبو جلدة يجيبه:
قبحت لو كنت امرأ صالحاتعرف ما الحقّ من الباطل
كففت عن شتمي بلا إحنةولم تورّط كفّة الحابل
لكن أبت نفسك فعل النّهىوالحزم والنّجدة والنائل
فتحت لي بالشّتم حتى بدامكنون غشّ في الحشا داخل
فاجهد وقل لا تتّرك جاهداشتم امرىء ذي نجّدة عاقل
تعذلني في قهوة مزّةدرياقة تجلب من بابل
ولو رآها خرّ من حبّهايسجد للشيطان بالباطل
يا شرّ بكر كلّها محتداونهزة المختلس الآكل
عرضك وفّره ودعني وماأهواه يا أحمق من باقل
قال ابن حبيب: كان أبو جلدة يشرب مع ابن عمّ له من بكر بن وائل، فسكر نديمه فعربد عليه وشتمه، فاحتلمه أبو جلدة وسقاه حتّى نام، وقال في ذلك:
أبى لي أن ألحى نديمي إذا انتشىوقال كلاما سيّئا لي على السّكر
وقاري وعلمي بالشّراب وأهلهوما نادم القوم الكرام كذي الحجر
فلست بلاح لي نديما بزلّةولا هفوة كانت ونحن على الخمر
عركت بجنبي قول خدني وصاحبيونحن على صهباء طيّبة النّشر
فلمّا تمادى قلت خذها عريقةفإنّك من قوم جحاجحة زهر
فما زلت أسقيه وأشرب مثل ماسقيت أخي حتّى بدا وضح الفجر
وأيقنت أنّ السّكر طار بلبّهفأغرق في شتمي وقال وما يدري
ولاك لسانا كان إذ كان صاحيايقلّبه في كلّ فنّ من الشّعر
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال: كان أبو جلدة اليشكريّ قد خرج إلى تستر في بعث، فشرب بها في حانة مع رجل من قومه كان ساكنا بها.
ثم خرج عنها بعد ذلك وعاد إلى بست والرّخج وكان مكتبه هناك، فأقام بها مدّة، ثمّ لقي بها ذلك الرجل الذي نادمه بتستر ذات يوم، فسلّم عليه ودعاه إلى منزله، فأكلا، ثم دعا بالشّراب ليشربا، فامتنع الرجل وقال: إنّي قد تركتها للّه. فقال أبو جلدة وهو يشرب:
ألا ربّ يوم لي ببست وليلةولا مثل أيّامي المواضي بتستر
غنيت بها أسقي سلاف مدامةكريم المحيّا من عرانين يشكر
نبادر شرب الراح حتّى نهرّهاوتتركنا مثل الصّريع المعفّر
فذلك دهر قد تولّى نعيمهفأصبحت قد بدّلت طول التّوقّر
فراجعني حلمي وأصبحت منهج الشّراب وقد ما كنت كالمتحيّر
وكل أوان الحق أبصرت قصدهفلست وإن نبّهت عنه بمقصر
سأركض في التّقوى وفي العلم بعدماركضت إلى أمر الغويّ المشهّر
وباللّه حولي واحتيالي وقوّتيومن عنده عرفي الكثير ومنكري
أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن الحارث المدائنيّ قال: مرّ مسمع بن مالك بأبي جلدة، فوثب إليه وأنشأ يقول:
يا مسمع بن مالك يا مسمعأنت الجواد والخطيب المصقع
فاصنع كما كان أبوك يصنع
فقال له رجل كان جالسا هناك: إن قبل منك واللّه يا أبا جلدة ناك أمّه. فقال له: وكيف ذلك ويحك؟ قال: لأنك أمرته أن يصنع كما كان أبوه يصنع!.
وقال أبو عمرو الشّيبانيّ: كان مسمع بن مالك يعطي:
يسعى أناس لكيما يدركوك ولوخاضوا بحارك أو ضحضاحها غرقوا
وأنت في الحرب لا رثّ القوى برمعند اللّقاء ولا رعديدة فرق
كلّ الحلال الّتي يسعى الكرام لهاإن يمدحوك بها يوما فقد صدقوا
ساد العراق فحال الناس صالحةوسادهم وزمان الناس منخرق
لا خارجيّ ولا مستحدث شرفابل مجد آل شهاب كان مذ خلقوا
قال: ثم مدح مقاتل بن مسمع طمعا في مثل ما كان مسمع يعطيه، فلم يلتفت إليه وأمر أن يحجب عنه. فقيل له: تعرّضت للسان أبي جلدة وخبثه. فقال: ومن هو الكلب! وما عسى أن يقول قبحه اللّه وقبح من كان منه! فليجهد جهده. فبلغ ذلك من قوله أبا جلدة فقال يهجوه:
قرى ضيفه الماء القراح ابن مسمعوكان لئيما جاره يتذلّل
فلمّا رأى الضيف القرى غير راهنلديه تولّى هاربا يتعلّل
ينادي بأعلى الصوت بكر بن وائلألا كلّ من يرجو قراكم مضلّل
عميدكم هرّ الضيوف فما لكمربيعة أمسى ضيفكم يتحوّل
وخفتم بأن تقروا الضيوف وكنتمزمانا بكم يحيا الضّريك المعيّل
فما بالكم باللّه أنتم بخلتموقصّرتم والضيف يقرى وينزل
ويكرم حتّى يقترى حين يقترىيقول إذا ولّى جميلا فيجمل
فمهلا بني بكر دعوا آل مسمعورأيهم لا يسبق الخيل محثل
ودونكم أضيافكم فتحدّبواعليهم وواسوهم فذلك أجمل
ولا تصبحوا أحدوثة مثل قائلبه يضرب الأمثال من يتمثّل
إذا ما التقى الرّكبان يوما تذاكروابني مسمع حتّى يحمّوا ويثقلو
فلا تقربوا أبياتهم إنّ جارهموضيفهم سيّان أتّى توسّلوا
هم القوم غرّ الضيف منهم رواؤهموما فيهم إلّا لئيم مبخّل
فلو ببني شيبان حلّت ركائبيلكان قراهم راهنا حين أنزل
أولئك أولى بالمكارم كلّهاوأجدر يوما أن يواسوا ويفضلوا
بني مسمع لا قرّب اللّه داركمولا زال واديكم من الماء يمحل
فلم تردعوا الأبطال بالبيض والقناإذا جعلت نار الحروب تأكّل
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع