من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار محمد بن الحارث بن بسخنّر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو محمد بن الحارث بن بسخنّر، ويكنى أبا جعفر. وهم، فيما يزعمون، موالي المنصور. وأحسبه ولاء خدمة ولا ولاء عتق. وأصلهم من الرّيّ. وكان محمد يزعم أنّه من ولد بهرام جوبين. وولد محمد بالحيرة.
وكان يغنّي مرتجلا، إلا أنّ أصل ما غنّى عليه المعزفة، وكانت تحمل معه إلى دار الخليفة. فمرّ غلامه بها يوما، فقال قوم كانوا جلوسا على الطريق: مع هذا الغلام مصيدة الفأر، وقال بعضهم: لا، بل هي معزفة محمد بن الحارث. فحلف يومئذ بالطّلاق والعتاق ألّا يغنّي بمعزفة أبدا أنفة من أن تشتبه آلة يغنّي بها بمصيدة الفأر. وكان محمد أحسن خلق اللّه تعالى أداء وأسرعه أخذا للغناء، وكان لأبيه الحارث بن بسخنّر جوار محسنات. وكان إسحاق يرضاهنّ ويأمرهنّ أن يطرحن على جواريه. وقال يوما للمأمون وقد غنّى مخارق بين يديه صوتا فآلتاث غناؤه فيه وجاء به مضطربا، فقال إسحاق للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن مخارقا قد أعجبه صوته وساء أداؤه في غنائه، فمره بملازمة جواري الحارث بن بسخنّر حتى يعود إلى ما تريد.
أخبرني جحظة قال حدّثني أبو عبد اللّه الهشاميّ قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يقول للواثق: قال لي إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: ما قدر أحد قطّ أن يأخذ منّي صوتا مستويا إلّا محمد بن الحارث بن بسخنّر؛ فإنّه أخذ منّي عدّة أصوات كما أغنّيها. ثم لم نلبث أن دخل علينا محمد بن الحارث. فقال له الواثق: حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن إسحاق الموصليّ فيك بكذا وكذا.
فقال: قد قال إسحاق ذاك لي مرّات. فقال له الواثق: فأي شيء أخذت من صنعته أحسن عندك؟ فقال: هو يزعم أنه لم يأخذ منه أحد قطّ هذا الصوت كما أخذته منه:
صوت
إذا المرء قاسى الدّهر وأبيضّ رأسهوثلّم تثليم الإناء جوانبه
فليس له في العيش خير وإن بكىعلى العيش أو رجّى الذي هو كاذبه
- الشعر والغناء لإسحاق، ولحنه فيه رمل بالوسطى - فأمره الواثق بأن يغنّيه، فغنّاه إياه وأحسن ما شاء وأجاد. واستحسنه الواثق وأمره بأن يردّده، فردّده مرارا كثيرة، حتى أخذه الواثق وأخذه جواريه والمغنّون. قال جحظة قال الهشاميّ فحدّثت بهذا الحديث عمرو بن بانة فقال: ما خلق اللّه تعالى أحدا يغنّي هذا الصوت كما يغنّيه هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ. فقلت له: قد سمعت ابن إبراهيم يغنّيه، فاسمعه من محمد ثم احكم. فلقيني بعد ذلك فقال: الأمر كما قلت، قد سمعته من محمد فسمعت منه الإحسان كلّه.
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال: كنت يوما في منزلي، فجاءني محمد بن الحارث بن بسخنّر مسلّما وعائدا من علة كنت وجدتها؛ فسألته أن يقيم عندي ففعل، ودعوت بما حضر فأكلنا وشربنا، وغنّى محمد بن الحارث هذا الصوت:
صوت
أمن ذكر خود عينك اليوم تدمعوقلبك مشغول بخودك مولع
وقائلة لي يوم ولّيت معرصاأهذا فراق الحبّ أم كيف تصنع
فقلت كذاك الدّهر يا خود فاعلمييفرّق بين الناس طرّا ويجمع
- أصل هذا الصوت يمان هزج بالوسطى. قال الهشاميّ: وفيه لفليح ثاني ثقيل، ولإسحاق خفيف رمل - قال عليّ بن يحي: فقلت له وقد ردّد هذا الصوت مرارا وغنّاه أشجى غناء: إنّ لك في هذا الصوت معنى، وقد كرّرته من غير أن يقترحه عليك أحد. فقال: نعم! هذا صوتي على جارية من القيان كنت أحبّها وأخذته منها. فقلت له: فلم لا تواصلها؟ فقال:
لو لم أنكها دام لي حبّهالكنّني نكت فلا نكت
فأجبته فقلت:
أكثرت من نيكها والنّيك مقطعةفارفق بنيكك إنّ الرّفق محمود
وأخبرني جعفر بن قدامة عن عليّ بن يحيى أنّ إسحاق غنّى بحضرة الواثق لحنه:
ذكرتك إذ مرّت بنا أمّ شادنأمام المطايا تشرئبّ وتسنح
من المؤلفات الرّمل أدماء حرّةشعاع الضّحى في متنها يتوضّح
- والشعر لذي الرّمّة. ولحن إسحاق فيه ثقيل أوّل - فأمره الواثق أن يعيده على الجواري، وأحلفه بحياته أن ينصح فيه. فقال: لا يستطيع الجواري أن يأخذنه مني، ولكن يحضر محمد بن الحارث فيأخذه منّي وتأخذه الجواري منه: فأحضر وألقاه عليه، وأخذه منه، وأخذته الجواري منه.
أخبرني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل المعروف بوسواسة الموصليّ قال حدّثني حمّاد بن إسحاق قال: قال لي محمد بن الحارث بن بسخنّر: أخذت جارية للواثق منّى صوتا أخذته من أبيك، وهو:
صوت
أصبح الشّيب في المفارق شاعاواكتسى الرّأس من مشيب قناعا
وتوالّى الشّباب إلّا قليلاثم يأبى القليل إلّا وداعا
- الشعر والغناء لأسحاق ثقيل أوّل - قال: فسمعه الواثق منها، فاستحسنه وقال لعلّويه ومخارق: أتعرفانه؟
فقال مخارق: أظنّه لمحمد بن الحارث. فقال علّويه: هيهات! ليس هذا مما يدخل في صنعة محمد، هو يشبه صنعة ذلك الشيطان إسحاق. فقال له الواثق: ما أبعدت. ثم بعث إليّ فأخبرني بالقصّة؛ فقلت: صدق علّويه يا أمير المؤمنين، هذا لإسحاق ومنه أخذته.
حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني عبد اللّه بن المعتز قال قال لي أحمد بن الحسين بن هشام: جاءني محمد بن الحارث بن بسخنّر يوما فقال لي: قم حتّى أطفّل بك على صديق لي حرّ، وله جارية أحسن خلق اللّه تعالى وجها وغناء. فقلت له: أنت طفيليّ وتطفّل بي! هذه واللّه أخسّ حال. فقال لي: «دع المجون وقم بنا؛ فهو مكان لا يستحي حرّ أن يتطفل عليه. فقمت معه، فقصد بي دار رجل من فتيان أهل «سرّ من رأى» كان لي صديقا يكنى أبا صالح، وقد غيّرت كنيته على سبيل اللّقب فكني أبا الصالحات، وكان ظريفا حسن المروءة، يضرب بالعود على مذهب الفرس ضربا حسنا، وله رزق سنيّ في الموالى، وكان من أولادهم، ولم يكن منزله يخلو من طعام كثير نظيف لكثرة قصد إخوانه منزله. فلمّا طرق بابه قلت له: فرّجت عنّي، هذا صديقي وأنا طفيلي بنفسي لا أحتاج أن أكون في شفاعة طفيليّ. فدخلنا، وقدّم إلينا طعام عتيد طيّب نظيف فأكلنا، وأحضرنا النبيذ، وخرجت جاريته إلينا من غير ستارة فغنّت غناء حسنا شكلا ظريفا، ثم غنّت من صنعة محمد بن الحارث هذا الصوت وكانت قد أخذته عنه - وفيه أيضا لحن لإبراهيم، والشعر لابن أبي عيينة -:
صوت
ضيّعت عهد فتى لعهدك حافظفي حفظه عجب وفي تضييعك
إن تقتليه وتذهبي بفؤادهفبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
فطرب محمد بن الحارث ونقّطها بدنانير مسّيفة كانت معه في خريطته، ووجّه غلامه فجاءه ببرنيّة غالية كبيرة فغلّفها منها ووهب لها الباقي. وكان لمحمد بن الحارث أخ طيّب ظريف يكنى أبا هارون فطرب ونعر ونخر، وقال لأخيه: أريد أن أقول لك شيئا في السّرّ. قال: قله علانية. قال: لا يصلح. قال: واللّه ما بيني وبينك شيء أبالي أن تقوله جهرا، فقله. فقال: أشتهي علم اللّه أن تسأل أبا الصّالحات أن ينيكني، فعسى صوتي أن ينفتح ويطيب غنائي. فضحك أبو الصالحات وخجلت الجارية وغطّت وجهها وقالت: سخنت عينك! فإنّ حديثك يشبه وجهك.
صوت
وأيّ أخ تبلو فتحمد أمرهإذا لجّ خصم أو نبا بك منزل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدتهعلى طرف الهجران إن كان يعقل
ستقطع في الدّنيا إذا ما قطعتنييمينك فانظر أيّ كيف تبدّل
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكدإليه بوجه آخر الدّهر تقبل
الشعر لمعن بن أوس المزنيّ. والغناء لعريب خفيف رمل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع