من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار محمّد بن أميّة وأخبار أخيه عليّ بن أمية وما يغنّى فيه من شعرهما
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
سألت أحمد بن جعفر جحظة عن نسبه قلت له: إنّ النّاس يقولون ابن أمية وابن أبي أمية؛ فقال: هو محمد ابن أمية بن أبي أميّة.
قال: وكان محمد كاتبا شاعرا ظريفا، وكان ينادم إبراهيم بن المهديّ، وربما عاشر عليّ بن هشام، إلّا أنّ انقطاعه كان إلى إبراهيم، وربّما كتب بين يديه. وكان حسن الخطّ والبيان. وكان أميّة بن أبي أمية يكتب للمهديّ على بيت المال. وكان إليه ختم الكتب بحضرته، وكان يأنس به لأدبه وفضله، ومكانه من ولائه، فزامله أربع دفعات حجّها في ابتدائه ورجوعه.
قال جحظة: وحدّثني بذلك أبو حشيشة.
وحدّثني جحظة أيضا قال حدّثني أبو حشيشة عن محمد بن عليّ بن أمية قال حدّثني عمي محمد بن أمية قال: كنت جالسا بين يدي إبراهيم بن المهديّ، فدخل إليه أبو العتاهية وقد تنسّك ولبس الصوف وترك قول الشعر إلّا في الزّهد، فرفعه إبراهيم وسرّ به، وأقبل عليه بوجهه وحديثه؛ فقال له أبو العتاهية: أيّها الأمير بلغني خبر فتى في ناحيتك ومن مواليك يعرف بابن أمية يقول الشعر، وأنشدت له شعرا أعجبني، فما فعل؟ فضحك إبراهيم ثم قال: لعله أقرب الحاضرين مجلسا منك. فالتفت إلي فقال لي: أنت هو فديتك؟ فتشوّرت وخجلت وقلت له: أنا محمد بن أمية جعلت فداءك! وأمّا الشعر فإنما أنا شابّ أعبث بالبيت والبيتين والثلاثة كما يعبث الشابّ؛ فقال لي: فديتك، ذلك واللّه زمان الشعر وإبّانه، وما قيل فيه فهو غرره وعيونه، وما قصر من الشعر وقيل في المعنى الذي تومىء إليه أبلغ وأملح. وما زال ينشّطني ويؤنسني حتى رأى أني قد أنست به، ثم قال لإبراهيم بن المهديّ: إن رأى الأمير - أكرمه اللّه - أن يأمره بإنشادي ما حضر من الشعر. فقال لي إبراهيم: بحياتي يا محمد أنشده.
فأنشدته:
ربّ وعد منك لا أنساه ليأوجب الشكر وإن لم تفعلي
وذكر الأبيات الأربعة. قال: فبكى أبو العتاهية حتى جرت دموعه على لحيته وجعل يردّد البيت الأخير منها وينتحب، وقام فخرج وهو يردّده ويبكي حتى خرج إلى الباب.
أخبرني عمي قال حدّثني يعقوب بن إسرائيل قرقارة قال حدّثني محمد بن عليّ بن أمية قال: كان عمي محمد بن أمية يهوى جارية مغنّية يقال لها خداع كانت لبعض جواري خال المعتصم، فكان يدعوها، ويعاشره إخوانه إذا دعوه بها اتّباعا لمسرته. وأراد المعتصم الخروج والتأهّب للغزو، وأمر الناس جميعا بالخروج، والتأهب، فدعاه بعض إخوانه قبل خروجهم بيوم، فلما أضحى النّهار جاء من المطر أمر عظيم لم يقدر معه أحد أن يطلع رأسه من داره، فكاد محمد أن يموت غمّا، فكتب إلى صديقه الذي دعاه وقد كان ركب إليه ثم رجع لشدة المطر، ولم يقدر على لقائه:
تمادى القطر وانقطع السبيلمن الإلفين إذا جرت السيول
على أني ركبت إليك شوقاووجه الأرض أودية تجول
وكان الشوق يقدمني دليلاوللمشتاق معتزما دليل
فلم أجد السبيل إلى حبيبأودّعه وقد أفد الرحيل
وأرسلت الرسول فغاب عنّيفياللّه ما فعل الرسول!
وقال في ذلك أيضا:
مجلس يشفى به الوطرعاق عنه الغيم والمطر
ربّ خذ لي منهما فهمارحمة عمّت ولي ضرر
ما على مولاي معتبةعذره باد ومستتر
شغلت عيني بعبرتهاواستمالت قلبي الفكر
قال: ثم بيعت خداع هذه فاشتراها بعض ولد المهديّ وكان ينزل شارع الميدان، فحجبت عنه وانقطع ما بينهما إلّا مكاتبة ومراسلة.
قال محمد بن عليّ فأنشدني يوما عمّي محمد لنفسه فيها:
خطرات الهوى بذكر خداعهجن شوقي لا دارسات الطلول
حجبت أن ترى فلست أراهاوأرى أهلها بكل سبيل
وإذا جاءها الرسول رآهاليت عيني مكان عين الرسول
قد أتاك الرسول ينعت ما بيفاسمعي منه ما يقول وقولي
وقال فيها أيضا:
بناحية الميدان درب لو اننيأسمّيه لم أرشد وإن كان مفسدي
أخاف على سكّانه قول حاسديشير إليهم بالجفون وباليد
وصائف أبكار وعون نواطقبألسنة تشفي جوى الهائم الصّدي
يقاربن أهل الودّ بالقول في الهوىوما النجم من معروفهن بأبعد
يزدن أخا الدنيا مجونا وفتنةويشغفن قلب الناسك المتعبّد
وليلة وافى النوم طيف سرى بهإليّ الهوى منهن بعد تجرّد
فقاسمته الأشجان نصفين بينناوأوردته من لوعة الحب موردي
ونلت الذي أمّلت بعد تمنّعوعاهدته عهد امرىء متوكّد
فلما افترقنا خاس بالعهد بينناوأعرض إعراض العروس من الغد
فواندما ألا أكون ارتهنتهلأخبره في حفظ عهد وموعد
أخبرني الحسن بن عليّ وعمي قالا حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني حذيفة بن محمد قال قال لي محمد بن أبي العتاهية: سمع أبي يوما مخارقا يغنّي:
أحبّك حبّا لو يفضّ يسيرهعلى الخلق مات الخلق من شدّة الحبّ
وأعلم أنّي بعد ذاك مقصّرلأنّك في أعلى المراتب من قلبي
فطرب ثم قال له: من يقول هذا يا أبا المهنأ؟ قال: فتى من الكتّاب يخدم الأمير إبراهيم بن المهديّ. فقال: تعني محمد بن أميّة؟ قال: نعم. قال أحسن واللّه، وما يزال يأتي بالشّيء المليح يبدو له.
أخبرني عمي قال حدّثنا أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني أحمد بن أمية بن أبي أمية قال: لقي أخي محمّد بن أميّة مسلم بن الوليد وهو يمشي وطويلته مع بعض رواته، فسلم عليه ثم قال له: قد حضرني شي ء؛ فقال: هاته؛ فقال: على أنّه مزاح لا يغضب منه؛ قال: هاته ولو أنه شتم. فقال:
من رأى فيما خلا رجلاتيهه يربي على جدته
يتباهى راجلا ولهشاكريّ في قلنسيته
فسكت عنه مسلم ولم يجبه، وضحك منه محمد وافترقا.
قال: وكان لمحمد بن أميّة برذون يركبه، فلقيه مسلم وهو راجل فقال: ما فعل برذونك؟ قال: نفق. قال: الحمد للّه، فنجازيك إذا على ما كان منك إلينا. ثم قال مسلم:
قل لابن ميّ لا تكن جازعالن يرجع البرذون باللّيت
طامن أحشاءك فقدانهوكنت فيه عالي الصوت
وكنت لا تنزل عن ظهرهولو من الحشّ إلى البيت
ما مات من حتف ولكنّهمات من الشّوق إلى الموت
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال حدّثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدّثني محمد بن علي بن أمية قال حدّثني حسين بن الضحاك قال: دخلت أنا ومحمد بن أميّة منزل نخّاس بالرّقة أيام الرشيد وعنده جارية تغنّي فوقعت عينها على محمد، ووقعت عينه عليها، فقال لها: يا جارية، أتغنّين هذا الصوت:
خبّريني من الرسول إليكواجعليه من لا ينمّ عليك
وأشيري إليّ من هو باللحظ ليخفى على الذين لديك
وأقلّي المزاح في المجلس اليوم فإن المزاح بين يديك
فقالت له: ما أعرفه، وأشارت إلى خادم كان على رأسها واقفا. فمكثا زمانا والخادم الرسول بينهما. قال: تغنى بشعر له عمرو الغزال فتطير إبراهيم بن المهدي وعلم من في المجلس بنكبة البرامكة
حدّثني جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون قال حدّثني بعض من كان يختلط بالبرامكة قال: كنت عند إبراهيم بن المهديّ، وقد اصطبحنا وعنده عمرو بن بانة، وعبيد اللّه بن أبي غسان، ومحمد بن عمرو الرومي، وعمرو الغزّال، ونحن في أطيب ما كنا عليه إذ غنّى عمرو الغزّال، وكان إبراهيم بن المهدي يستثقله، إلا أنه كان يتخفّف بين يديه ويقصده، ويبلغه عنه تقديم له وعصبيّة، فكان يحتمل ذاك منه، فاندفع عمرو الغزال، فتغنّى في شعر محمد بن أمية:
ما تمّ لي يوم سرور بمنأهواه مذ كنت إلى اللّيل
أغبط ما كنت بما نلتهمنه أتتني الرسل بالويل
لا والّذي يعلم كلّ الذيأقول ذي العزّة والطّول
ما رمت مذ كنت لكم سخطةبالغيب في فعل ولا قول
قال: فتطيّر إبراهيم، ووضع القدح من يده، وقال: أعوذ باللّه من شر ما قلت. فو اللّه ما سكت - وأخذنا نتلافى إبراهيم - إذ أتى حاجبه يعدو فقال: مالك؟ فقال: خرج الساعة مسرور من دار أمير المؤمنين حتى دخل إلى جعفر بن يحيى، فلم يلبث أن خرج ورأسه بين يديه وقبض على أبيه وإخوته. فقال إبراهيم: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
ارفع يا غلام ارفع. فرفع ما كان بين أيدينا، وتفرقنا فما رأيت عمرا بعدها في داره.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدّثني الحسين بن يحيى الكاتب قال حدّثني محمد بن يحيى بن بسخنّر قال: كنت عند إبراهيم بن المهدي بالرّقّة وقد عزمنا على الشراب ومعنا محمد بن أميّة في يوم من حزيران، فلما هممنا بذلك هبّت الجنوب، وتلطّخت السماء بغيم، وتكدّر ذلك اليوم، فترك إبراهيم بن المهدي الشّرب ولحقه صداع، وكان يناله ذلك مع هبوب الجنوب، فافترقنا؛ فقال لي محمّد بن أمية: ما أحبّ إليّ ما كرهتموه من الجنوب! فإن أنشدتك بيتين مليحين في معناهما تساعدني على الشرب اليوم؟ قلت: نعم. فأنشدني:
إنّ الجنوب إذا هبّت وجدت لهاطيبا يذكّرني الفردوس إن نفحا
لمّا أتت بنسيم منك أعرفهشوقا تنفّست واستقبلتها فرحا
فانصرفت معه إلى منزله، وغنّيت في هذين البيتين وشربنا عليهما بقية يومنا.
وجدت في بعض الكتب بغير إسناد: أهدت جارية يقال لها خداع إلى محمد بن أميّة - وكان يهواها - تفاحة مفلّجة منقوشة مطيّبة حسنة، فكتب إليها محمد:
خداع أهديت لنا خدعةتفّاحة طيّبة النّشر
ما زلت أرجوك وأخشى الهوىمعتصما باللّه والصّبر
حتى أتتني منك في ساعةزحزحت الأحزان عن صدري
حشوتها مسكا ونقّشتهاونقش كفيك من النّحر
سقيا لها تفاحة أهديتلو لم تكن من خدع الدّهر
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عبد اللّه بن جعفر اليقطيني قال حدّثني أبي جعفر بن علي بن يقطين قال: كنت أسير أنا ومحمد بن أمية في شارع الميدان، فاستقبلتنا جارية - كان محمّد يهواها ثم بيعت - وهي راكبة، فكلّمها، فأجابته بجواب أخفته فلم يفهمه، فأقبل عليّ وقد تغيّر لونه فقال:
يا جعفر بن علي وابن يقطينأليس دون الذي لاقيت يكفيني
هذا الذي لم تزل نفسي تخوّفنيمنها فأين الذي كان تمنّيني
خاطرت إذ أقبلت نحوي وقلت لهاتفديك نفسي فداء غير ممنون
فخاطبتني بما اخفته فانصرفتنفسي بظنّين مخشيّ ومأمون
حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلبيّ قال حدّثني أبي قال: كنت بين يدي المنتصر جالسا فجاءته رقعة لا أعلم ممّن هي، فقرأها وتبسّم ثم إنه أقبل عليّ وأنشد:
لطافة كاتب وخشوع ضبّوفطنة شاعر عند الجواب
ثم أقبل عليّ فقال: من يقول هذا يا يزيد؟ فقلت: محمد بن أميّة يا أمير المؤمنين. فضحك وقال: كأنه واللّه يصف ما في هذه الرّقعة.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني حذيفة بن محمّد قال: كنت أنا وابن قنبر عند محمد بن أميّة بعقب بيع جارية كان يحبّها وقد لحقه عليها وله كالجنون، فجعل ابن قنبر وأخوه عليّ بن أمية يعاتبانه على ما يظهر منه، فأقبل بوجهه عليهما ثم قال:
لو كنت جرّبت الهوى يابن قنبركوصفك إياه لألهاك عن عذلي
أنا وأخي الأدنى وأنت لها الفداوإن لم تكونا في مودّتها مثلي
أأن حجبت عني أجود لغيرهابودّي وهل يغرى المحبّ سوى البخل
أسرّ بأن قالوا تضنّ بودّهاعليك ومن ذا سرّ بالبخل من قبل
قال: فضحك ابن قنبر، وقال: إذا كان الأمر هكذا فكن أنت الفداء لها، وإن ساعدك أخوك فاتّفقا على ذلك، وأما أنا فلست أنشط لأن أساعدك على هذا. وافترقنا.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أنشدني محمد بن الحسن بن الحزوّر لمحمد بن أمية في جارية كان يهواها وقطع الصوم بينهما، فقال يخاطب محمد بن عثمان بن خريم المرّيّ:
قفا فابكيا إن كنتما تجدانكوجدي وإن لم تبكيا فدعاني
ففي الدّمع مما تضمر النفس راحةإذا لم أطق إظهاره بلساني
أغصّ بأسراري إذا ما لقيتهافأبهت مشدوها أعضّ بناني
فيابن خريم يا أخي دون إخوتيومن هو لي مثلي بكل مكان
تأمّل أحظّي من خداع وحبّهاسوى خدع تذكي الهوى وأماني
وأصبح شهر الصوم قد خال بيننافيا ليت شوّالا أتى بزمان
أنشدني جعفر بن قدامة قال أنشدني عبد اللّه بن المعتزّ قال أنشدني أبو عبد اللّه الهشاميّ لمحمد بن أمية، وفيه غناء لمتيّم، قال واستحسنه عبد اللّه:
صوت
عجبا عجبت لمذنب متغضّبلو لا قبيح فعاله لم أعجب
أخداع، طال على الفراش تقلّبيوإليك طول تشوّفي وتطرّبي
لهفي عليك وما يردّ تلهفيقصرت يداي وعزّ وجه المطلب
الغناء لمتيّم، فيه لحنان: رمل عن ابن المعتز، وخفيف رمل عن الهشامي. وهذا من شعر محمد فيها بعد أن بيعت. قال: وغنتنا هزار هذا الصوت يومئذ.
حدّثني عمّي قال حدّثنا أحمد بن محمد الفيرزان قال حدّثني شيبة بن هشام قال: دعانا محمد بن أميّة يوما ووجّه إلى جارية كان يحبها فدعاها، وبعث إلى مولاها يحدرها مع رسوله، فأبطأ الرسول حتّى انتصف النهار ثم عاد وليست معه وقال: أخذوا مني الدراهم ثم ردوها عليّ، ورأيتهم مختلطين، ولهم قصة لم يعرّفونيها، وقالوا: ليست هاهنا فإن عادت بعثنا بها إليكم. فتنغّص عليه يومه وتغيّر وجهه وتجمّل لنا؛ ثم بكرنا من غد بأجمعنا إلى منزل مولاها فإذا هي قد بيعت، فوجم طويلا، وسار حتى إذا خلا لنا الطريق اندفع باكيا. فما أنسى حرقة بكائه وهو ينشدني:
تخطّى إليّ الدهر من بين من أرىوسوء مقادير لهنّ شئون
فشتّت شملي دون كلّ أخي هوىوأقصدني بل كلّهم سيبين
ومهما تكن من ضحكة بعد فقدهافإنّي وإن أظهرتها لحزين
سلام على أيّامنا قبل هذهإذ الدار دار والسرور فنون
قال: ومضت على ذلك مدّة. ثم أخبرني أنه اجتاز بها، وهي تنظر من وراء شبّاك، فسلّم عليها فأومأت بالسلام إليه ودخلت، فقال:
تطالعني على وجل خداعمن الشّبك التي عملت حديدا
مطالعتي، قفي باللّه حتّىأزوّد مقلتي نظرا جديدا
فقالت إن سها الواشون عنّارجونا أن تعود وأن نعودا
وأنشدني أيضا في ذلك:
صوت
يا صاحب الشّبك الذي استخفى، مكانك غير خاف
أفما رأيت تلدّديبفناء قصرك واختلافي
أو ما رحمت تخشّعيوتلفّتي بعد انصرافي
صوت
إنّ الرجال لهم إليك وسيلةإن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوةأقرن إلى سير الركاب وأجنب
ويكون مركبك القعود وحدجهوابن النّعامة يوم ذلك مركبي
عروضه من الكامل. قال ابن الأعرابيّ في تفسير قوله:
وابن النعامة يوم ذلك مركبي
ابن النعامة: ظلّ الإنسان أو الفرس أو غيره. قال جرير:
إذ ظلّ يحسب كلّ شيء فارساويرى نعامة ظلّه فيحول
يعني بنعامة ظلّه جسده. وقال أبو عمرو الشيبانيّ: النّعامة ما يلي الأصابع في مقدّم الرّجل. يقول: مركبي يومئذ رجلي. وقال الجاحظ: ذكر علماؤنا البصريون: أنّ النعامة اسم فرسه. يقول: إنّي أشدّ على ركابي السرج فإذا صار للفرس - وهو الذي يسمّى النعامة - ظلّ وأنا مقرون إليه صار ظله تحتي فكنت راكبا له. وجعل ظلها هاهنا ابنها.
الشعر للحارث بن لوذان بن عوف بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة. وقال ابن سلام:
لخزز لوذان. ومن الناس من ينسب هذا الشعر إلى عنترة، وذلك خطأ. وأحد من نسبه إليه إسحاق الموصليّ.
والغناء لعزة الميلاء. وأوّل لحنها:
لمن الديار عرفتها بالشّرببذهب الذين بها ولمّا تذهب
وبعده «إن الرجال».
وطريقته من خفيف الثقيل الأوّل بالبنصر من روايتي حمّاد وابن المكّيّ. وفيه للهذيل خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ. وفيه لعريب خفيف رمل. وفيه لعزة المرزوقيّة لحن. وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: هذا اللحن لريق، سلخت لحن «ومخنث شهد الزفاف وقبله» فجعلته لهذا، وهو لحن محرّك يشبه صنعة ابن سريج وصنعة حكم في محركاتهما، فمن هنا يغلط فيه ويظن أنه قديم الصنعة.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدّثت عن صالح بن حسان قال: كان ابن أبي عتيق معجبا بغناء عزة الميلاء كثير الزيارة لها، وكان يختار عليها قوله:
لمن الديار عرفتها بالشّربب
فسألها يوما زيارته فأجابته إلى ذلك ومضت نحوه، فقال لها بعد أن استقرّ بها المجلس: يا عزة، أحبّ أن تغنيني صوتي الذي أنا له عاشق. فغنته هذا الصوت، فطرب كل الطرب وسر غاية السرور.
وكانت له جارية، وكان فتى من أهل المدينة كثيرا ما يعبث بها؛ فأعلمت ابن أبي عتيق بذلك؛ فقال لها: قولي له: وأنا أحبّك؛ فإذا قال لك: وكيف لي بك؟ فقولي له: مولاي يخرج غدا إلى مال له، فإذا خرج أدخلتك المنزل. وجمع ابن أبي عتيق ناسا من أصحابه فأجلسهم في بيته ومعهم عزة الميلاء، وأدخلت الجارية الرجل. وقال لعزة: غني فأعادت الصوت. وخرجت الجارية فمكثت ساعة ثم دخلت البيت كأنها تطلب حاجة، فقال لها: تعالي. فقالت: الآن آتيك. ثم عادت فدعاها فاعتلّت، فوثب فأخذها فضرب بها الحجلة، فضحك ابن أبي عتيق عليه هو وأصحابه، فقال لهم وهو غير مكترث: يا فسّاق ما يجلسكم ها هنا مع هذه المغنية! فضحك ابن أبي عتيق من قوله وقال له: استر علينا ستر اللّه تعالى عليك. فقالت له عزّة: يابن الصّدّيق، ما أظرف هذا لو لا فسقه! فاستحيا الرجل فخرج، وبلغه أن ابن أبي عتيق قد آلى إن هو وقع في يده أن يصير به إلى السلطان.
فأقبل يعبث بها كلما خرجت، فشكت ذلك إلى مولاها، فقال لها: أو لم يرتدع من العبث بك! قالت: لا. قال: فهيّئي الرحى وهيئي من الطعام طحين ليلة إلى الغداة. فقالت: أفعل يا مولاي. فهيّأت ذلك على ما أمرها به ثم قال لها: عديه الليلة فإذا جاء فقولي له: إن وظيفتي الليلة طحن هذا البّركلّه ثم اخرجي من البيت واتركيه. ففعلت، فلما دخل طحنت الجارية قليلا، ثم قالت له: إن كفّت الرحى فإن مولاي جاء إليّ أو بعض من وكله بي، فاطحن حتى نأمن أن يجيئنا أحد، ثم أصير إلى قضاء حاجتك. ففعل الفتى ومضت الجارية إلى مولاها وتركته.
وقد أمر ابن أبي عتيق عدّة من مولياته أن يتراوحن على سهر ليلتهن ويتفقّدن أمر الطحين ويحثثن الفتى عليه كلما أمسك؛ ففعلن، وجعلن ينادينه كلما كفّ: يا فلانة إنّ مولاك مستيقظ؛ والساعة يعلم أنك كففت عن الطحن، فيقوم إليك بالعصا كعادته مع من كانت نوبتها قبلك إذا هي نامت وكفّت عن الطحن. فلم يزل الفتى كلّما سمع ذلك الكلام يجتهد في العمل والجارية تتعهد وتقول: قد استيقظ مولاي. والساعة ينام فأصير إلى ما تحب. فلم يزل الرجل يطحن حتى أصبح وفرغ من جميع القمح. فلما فرغ وعلمت الجارية أتته فقالت: قد أصبحت فانج بنفسك. فقال: أو قد فعلتها يا عدوّة اللّه! فخرج تعبا نصبا فأعقبه ذلك مرضا شديدا أشرف منه على الموت، وعاهد اللّه تعالى ألا يعود إلى كلامها، فلم تر منه بعد ذلك شيئا ينكر.
صوت
أجدّ اليوم جيرتك احتمالاوحثّ حداتهم بهم عجالا
وفي الأظعان آنسة لعوبترى قتلى بغير دم حلالا
عروضه من الوافر. الشعر للمتوكل الليثيّ، والغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن مسجح ثاني ثقيل آخر بالخنصر في مجرى البنصر عنه. وذكر حبش أن هذا اللحن لابن سريج، وفيه لإسحاق هزج.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع