تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عقيل بن علّفة

ديوان عقيل بن علفةفيه ٦٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

عقيل بن علّفة بن الحارث بن معاوية بن ضباب بن جابر يربوع بن غيظ بن مرة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الرّيث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، ويكنى أبا العملّس وأبا الجرباء.

وأمّ عقيل بن علّفة العوراء، وهي عمرة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة بن مرّة بن نشبة بن غيظ بن مرّة.

وأمها زينب بنت حصن بن حذيفة. هذا قول خالد بن كلثوم والمدائنيّ. وقال ابن الأعرابي: كانت عمرة العوراء أمّ عقيل بن علّفة والبرصاء أمّ شبيب بن البرصاء أختين، وهما ابنتا الحارث بن عوف. واسم البرصاء قرصافة، أمها بنت نجبة بن ربيعة بن رياح بن مالك بن شمخ.

وعقيل شاعر مجيد مقّل، من شعراء الدولة الأموية. وكان أعرج جافيا شديد الهوج والعجرفية والبذخ بنسبه في بني مرّة، لا يرى أنّ له كفئا. وهو في بيت شرف في قومه من كلا طرفيه. وكانت قريش ترغب في مصاهرته.

تزوج إليه خلفاؤها وأشرافها، منهم يزيد بن عبد الملك، تزوج ابنته الجرباء، وكانت قبله عند ابن عم لعقيل يقال له مطيع بن قطعة بن الحارث بن معاوية. وولدت ليزيد بنيّا درج. وتزوّج بنته عمرة سلمة بن عبد اللّه بن المغيرة، فولدت له يعقوب بن سلمة، وكان من أشراف قريش وجودائها. وتزوّج أمّ عمرو بنته ثلاثة نفر من بني الحكم بن أبي العاص: يحيى والحارث وخالد.

أخبرني محمد بن جعفر النحويّ قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل قال: دخل عقيل بن علّفة على عثمان بن حيّان وهو يومئذ على المدينة، فقال له عثمان: زوّجني ابنتك، فقال: أبكرة من إبلي تعني؟ فقال له عثمان: ويلك! أمجنون أنت! قال: أيّ شيء قلت لي؟ قال: قلت لك: زوّجني ابنتك، فقال: أفعل إن كنت عينت بكرة من إبلي. فأمر به فوجئت عنقه. فخرج وهو يقول:

كنا بني غيظ الرجال فأصبحتببنو مالك غيظا وصرنا كمالك
لحى اللّه دهرا ذعذع المال كلّهوسوّد أشباه الإماء العوارك
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «لحى الله دهرا ذعذع المال كله»

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدّثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: كان لعقيل بن علّفة جار من بني سلمان بن سعد، فخطب إليه ابنته، فغضب عقيل، وأخذ السّلامانيّ فكتفته، ودهن استه بشحم، وألقاه في قرية النمل، فأكلن خصييه حتى ورم جسده، ثم حلّه وقال: يخطب إليّ عبد الملك فأردّه، وتجترىء أنت عليّ! قال: ثم أجدبت مراعي بني مرّة، فانتجع عقيل أرض جذام وقربهم عذرة. قال عقيل: فجاءني هنيّ مثل البعرة، فخطب إليّ ابنتي أمّ جعفر. فخرجت إلى أكمة قريبة من الحيّ، فجعلت أنبح كما ينبح الكلب، ثم تحملت وخرجت، فاتّبعني جمع من حنّ (بطن من عذرة) فقالوا: اختر، إن شئت حبسناك، وإن شئت حدرناك وبعيرة من رأس الجبل، فإن سبقتها خلّينا عنك. فأرسلوا بعيرة فسبقتها، فخلّوا سبيلي، فقلت لهم: ما طمعتم بهذا من أحد! قالوا: أردنا أن نضع منك حيث رغبت عنّا. فقلت فيهم:

لقد هزئت حنّ بنا وتلاعبتوما لعبت حنّ بذي حسب قبلي
رويدا بني حنّ تسيحوا وتأمنواوتنتشر الأنعام في بلد سهل

واللّه لأموتنّ قبل أن أضع كرائمي إلّا في الأكفاء.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن الضحّاك عن أبيه قال: وجدت في كتاب بخطّ الضحّاك قال: خرج عقيل بن علّفة وابناه: علّفة وجثّامة، وابنته الجرباء حتى أتوا بنتا له ناكحا في بني مروان بالشام فآمت. ثم إنهم قفلوا بها حتّى كانوا ببعض الطريق، فقال عقيل بن علّفة:

قضت وطرا من دير سعد وطالماعلى عرض ناطحنه بالجماجم
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «قضت وطراً من دير سعد وطالما»
إذا هبطت أرضا يموت غرابهابها عطشا أعطينهم بالخزائم

ثم قال: أنفذ يا علّفة، فقال علّفة:

فأصبحن بالموماة يحملن فتيةنشاوى عن الإدلاج ميل العمائم
إذا علم غادرنه بتنوفةتذار عن بالأيدي لآخر طاسم

ثم قال: أنفذي يا جرباء، فقالت: وأنا آمنة؟ قال نعم. فقالت:

كأنّ الكرى سقّاهم ضرخديّةعقارا تمشّى في المطا والقوائم

فقال عقيل: شربتها وربّ الكعبة! لو لا الأمان لضربت بالسيف تحت قرطك، أما وجدت من الكلام غير هذا! فقال جثّامة: وهل أساءت! إنما أجازت. وليس غيري وغيرك. فرماه عقيل بسهم فأصاب ساقه وأنفذ السهم ساقه والرّحل، ثم شدّ على الجرباء فعقر ناقتها ثم حملها على ناقة جثّامة وتركه عقيرا مع ناقة الجرباء. ثم قال: لو لا أن تسبّني بنو مرّة ما ذقت الحياة. ثم خرج متوجّها إلى أهله وقال: لئن أخبرت أهلك بشأن جثّامة، أو قلت لهم إنه أصابه غير الطاعون لأقتلنك. فلما قدموا على أهل أبير (وهم بنو القين) ندم عقيل على فعله بجثّامة، فقال لهم: هل لكم في جزور انكسرت؟ قالوا: نعم. قال: فالزموا أثر هذه الراحلة حتى تجدوا الجزور، فخرج القوم حتّى انتهوا إلى جثّامة فوجدوه قد أنزفه الدم، فاحتملوه وتقسّموا الجزور، وأنزلوه عليهم، وعالجوه حتى برأ، وألحقوه بقومه.

ونسخت هذا الخبر من كتاب أبي عبد اللّه اليزيديّ بخطه ولم أجده ذكر سماعه إياه من أحد قال: قرىء على عليّ بن محمد المدائني عن الطّرمّاح بن خليل بن أبرد، فذكر مثل ما ذكره الزبير منه وزاد فيه: أن القوم احتملوا جثّامة ليلحقوه بقومه؛ حتى إذا كانوا قريبا منهم تغنى جثّامة:

أيعذر لاهينا ويلحين في الصّباوما هنّ والفتيان إلا شقائق

فقال له القوم: إنما أفلتّ من الجراحة التي جرحك أبوك آنفا، وقد عاودت ما يكرهه، فأمسك عن هذا ونحوه إذا لقيته لا يلحقك منه شرّ وعرّ. فقال: إنّما هي خطرة خطرت، والراكب إذا سار تغنّى.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثنا الزبير بن بكار قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ قال: قدم عقيل بن علّفة المدينة فنزل على ابن بنته يعقوب بن سلمة المخزوميّ، فمرض وأصابه القولنج، فنعتت له الحقنة، فأبى. وقدم ابنه عليه فبلغه ذلك، فقال:

لقد سرني واللّه وقّاك شرّهانجاؤك منها حين جاء يقودها
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «لقد سرّني والله وقاك شرها»
كفى خزية ألّا تزال مجبّياعلى شكوة توكى وفي استك عودها

أخبرني عبيد اللّه بن محمد الرازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدّثنا عليّ بن محمد عن زيد بن عياش التغلبي والربيع بن ثميل قالا: غدا عقيل بن علّفة على أفراس له عند بيوته فأطلقها ثم رجع، فإذا بنوه مع بناته وأمّهم مجتمعون، فشدّ على عملّس فحاد عنه، وتغنى علّفة فقال:

قفي يابنة المرّيّ أسألك ما الذيتريدين فيما كنت منيتنا قبل
نخبّرك إن لم تنجزي الوعد أنناذوا خلة لم يبق بينهما وصل
فإن شئت كان الصّرم ما هبّت الصباوإن شئت لا يفنى التكارم والبذل

فقال عقيل: يا بن اللّخناء، متى منّتك نفسك هذا! وشدّ عليه بالسيف - وكان عملّس أخاه لأمه - فحال بينه وبينه، فشدّ على عملّس بالسيف وترك علّفة لا يلتفت إليه، فرماه بسهم، فأصاب ركبته؛ فسقط عقيل وجعل يتمعّك في دمه ويقول:

إنّ بنىّ سربلوني بالدّممن يلق أبطال الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقوّمشنشنة أعرفها من أخزم

قال المدائني: «شنشنة أعرفها من أخزم» مثل ضربه. وأخزم: فحل كان لرجل من العرب، وكان منجبا، فضرب في إبل رجل آخر - ولم يعلم صاحبه - فرأى بعد ذلك من نسله جملا فقال: شنشنة أعرفها من أخزم.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني سليمان المدائنيّ قال حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال: قال عمر بن عبد العزيز لعقيل بن علّفة: إنك تخرج إلى أقاصي البلاد وتدع بناتك في الصحراء لا كالىء لهنّ، والناس ينسبونك إلى الغيرة، وتأبى أن تزوّجهنّ إلا الأكفاء. قال: إني أستعين عليهنّ بخلّتين تكلآنهنّ، وأستغني عن سواهما. قال: وما هما؟ قال: العري والجوع.

نسخت من كتاب محمد بن العباس اليزيديّ: قال خالد بن كلثوم: لما رمى عملّس بن عقيل أباه فأصاب ركبته غضب وأقسم ألّا يساكن بنيه، فاحتمل وخرج إلى الشّام، فلما استوى على ناقته المسماة بأطلال بكت ابنته جرباء وحنّت ناقته، فقال:

ألم تريا أطلال حنّت وشاقهاتفرّقنا يوم الحبيب على ظهر
وأسبل من جرباء دمع كأنّهجمان أضاع السلك أجرته في سطر
لعمرك إني يوم أغذو عملّسالكالمتربّي حتفه وهو لا يدري
وإني لأسقيه غبوقي وإننيلغرثان منهوك الذّراعين والنحر

قال: ومضى علّفة أيضا، فافترض بالشام وكتب إلى أبيه:

ألا أبلغا عنّي عقيلا رسالةفإنك من حرب عليّ كريم
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
أما تذكر الأيام إذ أنت واحدوإذ كلّ ذي قربى إليك ذميم
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
وإذ لا يقيك الناس شيئا تخافهبأنفسهم إلا الذين تضيم
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
تناول شأو الأبعدين ولم يقملشأوك بين الأقربين أديم
فأمّا إذا عضّت بك الحرب عضّةفإنك معطوف عليك رحيم
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
وأمّا إذا آنست أمنا ورخوةفإنك للقربى ألدّ ظلوم

فلما سمع عقيل هذه الأبيات رضى عنه، وبعث إليه فقدم عليه.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرياشيّ عن محمد بن سلّام قال حدّثني ابن جعدبة قال: عاتب عمر بن عبد العزيز رجلا من قريش، أمّه أخت عقيل بن علّفة فقال له: قبحك اللّه! أشبهت خالك في الجفاء. فبلغت عقيلا فجاء حتى دخل على عمر فقال له: ما وجدت لابن عمّك شيئا تعيّره به إلا خؤولتي! فقبح اللّه شرّكما خالا. فقال له صخير بن أبي الجهم العدويّ (وأمّه قرشية): آمين يا أمير المؤمنين. فقبح اللّه شرّكما خالا، وأنا معكما أيضا.

فقال له عمر: إنك لأعرابيّ جلف جاف، أما لو كنت تقدّمت إليك لأدّبتك. واللّه لا أراك تقرأ من كتاب اللّه شيئا، قال: بلى، إني لأقرأ، قال: فاقرأ. فقرأ: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها

حتى بلغ إلى آخرها فقرأ: «فمن يعمل مثقال ذرة شرا يره ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره»، فقال له عمر: ألم أقل لك إنك لا تحسن أن تقرأ؟ قال: أولم أقرأ؟

قال: لا، لأن اللّه جلّ وعزّ قدّم الخير وأنك قدّمت الشر. فقال عقيل:

خذا بطن هرشى أو قفاها فإنهكلا جانبي هرشى لهنّ طريق

فجعل القوم يضحكون من عجرفيّته.

وروى هذا الخبر عليّ بن محمد المدائنيّ، فذكر أنه كان بين عمر بن عبد العزيز وبين يعقوب بن سلمة وأخيه عبد اللّه كلام، فأغلظ يعقوب لعمر في الكلام فقال له عمر: اسكت فإنك ابن أعرابيّة جافية. فقال عقيل لعمر: لعن اللّه شرّ الثلاثة، مني ومنك ومنه! فغضب عمر، فقال له صخير بن أبي الجهم: آمين. فهو واللّه أيها الأمير شرّ الثلاثة. فقال عمر: واللّه إني لأراك لو سألته عن آية من كتاب اللّه ما قرأها. فقال: بلى واللّه إني لقارىء لآية وآيات فقال: فاقرأ، فقرأ: إنّا بعثنا نوحا إلى قومه، فقال له عمر: قد أعلمتك أنك لا تحسن. ليس هكذا قال اللّه، قال: فكيف قال؟ قال: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً

فقال: وما الفرق بين أرسلنا وبعثنا!

خذا أنف هرشى أو قفاها فإنهكلا جانبي هرشى لهنّ طريق

أخبرني عبيد اللّه بن أحمد الرازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدّثني علي بن محمد المدائنيّ عن عبد اللّه بن أسلم القرشيّ قال: قدم عقيل بن علّفة المدينة، فدخل المسجد وعليه خفّان غليظان، فجعل يضرب برجليه، فضحكوا منه فقال: ما يضحككم؟ فقال له يحيى بن الحكم - وكانت ابنة عقيل تحته -: يضحكون من خفيّك وضربك برجليك وشدّة جفائك. قال: لا، ولكن يضحكون من إمارتك؛ فإنّها أعجب من خفّي. فجعل يحيى يضحك.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ قال حدّثني عمي عن عبد اللّه بن مصعب قاضي المدينة قال: دخل عقيل بن علّفة على يحيى بن الحكم، وهو يومئذ أمير المدينة. فقال له يحيى: أنكح ابن خالي - يعني ابن أوفى - فلانة ابنتك؟ فقال: إن ابن خالك ليرضى مني بدون ذلك، قال: وما هو؟ قال: أن أكفّ عنه سنن الخيل إذا غشيت سوامه. فقال يحيى لحرسيّين بين يديه: أخرجاه. فأخرجاه، فلما ولّى قال: أعيداه إليّ، فأعاداه، فقال عقيل له: مالك تكرّني إكرار الناضح؟ قال: أما واللّه إني لأكرك أعرج جافيا. فقال عقيل: كذلك قلت:

تعجّبت إذ رأت رأسي تجلّلهمن الروائع شيب ليس من كبر
ومن أديم تولّى بعد جدّتهوالجفن يخلق فيه الصّارم الذكر

فقال له يحيى، أنشدني قصيدتك، هذه كلها. قال: ما انتهيت إلّا إلى ما سمعت. فقال: أما واللّه إنك لتقول فتقصّر، فقال: إنّما يكفي من القلادة ما أحاط بالرقبة. قال: فأنكحني أنا إحدى بناتك. قال: أمّا أنت فنعم. قال: أما واللّه لأملأنّك مالا وشرفا. قال: أما الشّرف فقد حمّلت ركائبي منه ما أطاقت، وكلفتها تجشّم ما لم تطق، ولكن عليك بهذا المال فإن فيه صلاح الأيّم ورضا الأبيّ. فزوّجه ثم خرج فهداها إليه، فلما قدمت عليه بعث إليها يحيى مولاة له انتظر إليها، فجاءتها فجعلت تغمز عضدها. فرفعت يدها، فدقّت أنفها. فرجعت إلى يحيى وقالت: بعثتني إلى أعرابية مجنونة صنعت بي ما ترى! فنهض إليها يحيى، فقال لها: مالك؟ قالت: ما أردت أن بعثت إليّ أمة تنظر إليّ! ما أردت بما فعلت إلا أن يكون نظرك إلي قبل كلّ ناظر، فإن رأيت حسنا كنت قد سبقت إلى بهجته، وإن رأيت قبيحا كنت أحق من ستره. فسرّ بقولها وحظيت عنده.

وذكر المدائني هذا الخبر مثله، إلا أنه قال فيه: فإن كان ما تراه حسنا كنت أول من رآه، وإن كان قبيحا كنت أوّل من واراه.

أخبرني ابن دريد قال حدّثنا عبد الرحمن عن عمه قال: خطب يزيد بن عبد الملك إلى عقيل بن علّفة ابنته الجرباء، فقال له عقيل: قد زوّجتكها، على أن لا يزّفها إليك إعلاجك؛ أكون أنا الذي أجيء بها إليك.

قال: ذلك لك. فتزوّجها، ومكثوا ما شاء اللّه. ثم دخل الحاجب على يزيد فقال له: بالباب أعرابيّ على بعير، معه امرأة في هودج قال: أراه واللّه عقيلا. قال: فجاء بها حتى أناخ بعيرها على بابه، ثم أخذ بيدها فأذعنت، فدخل بها على الخليفة فقال له: إن أنتما ودن بينكما، فبارك اللّه لكما، وإن كرهت شيئا فضع يدها في يدي كما وضعت يدها في يدك ثم برئت ذمتك. فحملت الجرباء بغلام ففرح به يزيد ونحله وأعطاه.

ثم مات الصبيّ، فورثت أمّه منه الثّلث، ثم ماتت فورثها زوجها وأبوها فكتب إليه: إن ابنك وابنتك هلكا، وقد حسبت ميراثك منهما فوجدته عشرة آلاف دينار، فهلمّ فاقبضه. فقال: إن مصيبتي بابني وابنتي تشغلني عن المال وطلبه، فلا حاجة لي في ميراثهما، وقد رأيت عندك فرسا سبقت عليه الناس، فأعطينه أجعله فحلا لخيلي.

وأبى أن يأخذا المال، فبعث إليه يزيد بالفرس.

أخبرنا عبيد اللّه بن محمد قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ عن إسحاق بن يحيى قال: رأيت رجلا من قريش يقول له عقيل بن علّفة: بالرّفاء والبنين والطائر المحمود. فقلت له: يا بن علّفة؛ إنه يكره أن يقال هذا. فقال: يابن أخي، ما تريد إلى ما أحدث! إنّ هذا قول أخوالك في الجاهلية إلى اليوم لا يعرفون غيره.

قال: فحدّثت به الزّهري فقال: إن عقيلا كان من أجهل الناس. قال: وإنما قال لإسحق بن يحيى بن طلحة: «هذا قول أخوالك»، لأن أم يحيى بن طلحة مرّيّة.

قال المدائني وحدّثني عليّ بن بشر الجشميّ قال قال الرّميح: خطب إلى عقيل رجل من بني مرّة كثير المال، يغمز في نسبه، فقال:

لعمري لئن زوّجت من أجل مالههجينا لقد حبّت إليّ الدراهم
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «لعمري لئن زوجت من أجل ماله»
أأنكح عبدا بعد يحيى وخالدأولئك أكفائي الرجال الأكارم
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «لعمري لئن زوجت من أجل ماله»
أبى لي أن أرضى الدنيّة أننيأمدّ عنانا لم تخنه الشكائم
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «لعمري لئن زوجت من أجل ماله»

نسخت من كتاب محمد بن العباس اليزيديّ بخطّه يأثره عن خالد بن كلثوم بغير إسناد متصل بينهما: أن رجلا من بني مرّة يقال له داود أقبل على ناقة له، فخطب إلى عقيل بن علّفة بعض بناته، فنظر إليه عقيل - وإنّ السيف لا يناله - فطعن ناقته بالرمح فسقطت وصرعته، وشدّ عليه عقيل فهرب، وثار عقيل إلى ناقته فنحرها، وأطعمها قومه وقال:

ألم تقل يا صاحب القلوصداود ذا الساج وذا القميص
كانت عليه الأرض حيص بيصحتى يلفّ عيصه بعيصي
وكنت بالشبان ذا تقميص

فقال داود فيه من أبيات:

أراه فتى جعل الحلال ببيتهحراما ويقرى الضيف عضبا مهندّا

وقال المدائني حدّثني جوشن بن يزيد قال: لما تزوّج عقيل بن علّفة زوجته الأنمارية - وقد كبر - فرّت منه، فلقيها جحّاف. أحد بنى قتال بن يربوع، فحملها إلى عامل فدك، وأصبح عقيل معها، فقال الأمير لعقيل: ما لهذه تستعدي عليك يا أبا الجرباء؟ فقال عقيل: كلّ ذكرى، وذهب ذفرى، وتغايب نفري، فقال: خذ بيدها، فأخذها وانصرف، فولدت له بعد ذلك علّفة الأصغر.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: لما نشبت الحرب بين بني جوشن وبين بني سهم بن مرة رهط عقيل بن علّفة المريّ - وهو من بني غيظ بن مرة بن سهم بن مرّة إخوتهم - فاقتتلوا في أمر يهوديّ خمّار كان جارا لهم، فقتلته بنو جوشن من غطفان، وكانوا متقاربي المنازل وكان عقيل بن علّفة بالشأم غائبا عنهم، فكتب إلى بني سهم يحرّضهم.

فإمّا هلكت ولم آتكمفأبلغ أماثل سهم رسولا
بان التي سامكم قومكملقد جعلوها عليكم عدولا
هوان الحياة وضيم المماتوكلّا أراه طعاما وبيلا
فإن لم يكن غير إحداهمافسيروا إلى الموت سيرا جميلا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»
ولا تقعدوا وبكم منّةكفى بالحوادث للمرء غولا
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «هجرت أمامة هجراً طويلا»

قال: فلما وردت الأبيات عليهم تكفّل بالحرب الحصين بن الحمام المرّيّ أحد بني سهم، وقال: إليّ كتب وبي نوّة، خاطب أماثل سهم وأنا من أماثلهم. فأبلى في تلك الحروب بلاء شديدا. وقال الحصين بن الحمام في ذلك من قصيدة طويلة له:

يطأن من القتلى ومن قصد القناخبارا فما ينهضن إلا تقحّما
عليهنّ فتيان كساهم محرّقوكان إذا يكسو أجاد وأكرما
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «جزى الله أفناء العشيرة كلها»
صفائح بصرى أخلصتها قيونهاومطّردا من نسج داود محكما
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «جزى الله أفناء العشيرة كلها»
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجدلنفسي حياة مثل أن أتقدما
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «جزى الله أفناء العشيرة كلها»

وقال المدائني قال جرّاح بن عصام بن بجير: عدت بنو جعفر بن كلاب على جار لعقيل فأطردت إبله وضربوه، فغدا عقيل على جار لهم فضربه، وأخذ إبله فأطردها، فلم يردّها حتى ردّوا إبل جاره وقال في ذلك:

إن يشرق الكلبيّ فيكم بريقهبني جعفر يعجل لجاركم القتل
فلا تحسبوا الإسلام غيّر بعدكمرماح مواليكم فذاك بكم جهل
بني جعفر إن ترجعوا الحرب بينناندنكم كما كنا ندينكم قبل
بدأتم بجاري فانثنيت بجاركموما منهما إلا له عندنا حبل

وذكر المدائني أيضا: أن عقيلا كان وحده في إبله، فمر به ناس من بني سلامان فأسروه، ومروا به في طريقه على ناس من بني القين، فانتزعوه منهم، وخلّوا سبيله. فقال عقيل في ذلك:

أسعد هذيم إنّ سعدا أباكمأبى لا يوافي غاية القين من كلب
وجاء هذيم والركاب مناخةفقيل تأخّر يا هذيم على العجب
فقال هذيم إن في العجب مركبيومركب آبائي وفي عجبها حسبي
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «أسعد هذيم إن سعداً أياكم»

قال: وسعد هذيم هم عذرة وسلامان والحارث وضبّة.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أبو مسلم عن المدائني عن عبد الحميد بن أيوب بن محمد بن عميلة قال: مات علّفة بن عقيل الأكبر بالشام، فنعاه مضرّس بن سوادة لعقيل بأرض الجناب، فلم يصدّقه وقال:

قبح الآله - ولا أقبّح غيره -ثفر الحمار مضرّس بن سواد
تنعى امرؤ لم يعل أمّك مثلهكالسّيف بين خضارم أنجاد

ثم تحقق الخبر بعد ذلك، فقال يرثيه:

لعمري لقد جاءت قوافل خبّرتبأمر من الدنيا عليّ ثقيل
وقالوا ألا تبكي لمصرع فارسنعته جنود الشام غير ضئيل
فأقسمت لا أبكي على هلك هالكأصاب سبيل اللّه خير سبيل
كأن المنايا تبتغي في خيارنالها نسبا أو تهتدي بدليل
تحلّ المنايا حيث شاءت فإنهامحلّلة بعد الفتى ابن عقيل
فتى كان مولاه يحلّ بربوةمحلّ الموالي بعده بمسيل

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة: قال: كان عقيل بن علّفة قد أطرد بنية، فتفرقوا في البلاد، وبقي وحده. ثم إن رجلا من بني صرمة، يقال له بجيل - وكان كثير المال والماشية - حطم بيوت عقيل بماشيته، ولم يكن قبل ذلك أحد يقرب من بيوت عقيل إلا لقي شرا. فطردت صافنة (أمة له) الماشية، فضربها بجيل بعصا كانت معه فشجّها. فخرج إليه عقيل وحده - وقد هرم يومئذ وكبرت سنّه - فزجره فضربه بجيل بعصاه، واحتقره، فجعل عقيل يصيح: يا علّفة، يا عملّس، يا فلان، يا فلان، بأسماء أولاده مستغيثا بهم، وهو يحسبهم لهرمه أنهم معه. فقال له أرطأة بن سهيّة:

أكلت بنيك أكل الضبّ حتىوجدت مرارة الكلأ الوبيل
ولو كان الألى غابوا شهودامنعت فناء بيتك من بجيل

وبلغ خبر عقيل ابنه العملّس وهو بالشام، فأقبل إلى أبيه حتى نزل إليه، ثم عمد إلى بجيل فضربه ضربا مبرّحا، وعقر عدّة من إبله وأوثقه بحبل، وجاء به يقوده حتى ألقاه بين يدي أبيه، ثم ركب راحلته، وعاد من وقته إلى الشام، لم يطعم لأبيه طعاما، ولم يشرب شرابا.

أخبرني عمي قال حدّثنا الكراني قال حدّثنا ابن عائشة قال: نزل أعرابي على المقشعرّ بن عقيل بن علّفة المرّي فشربا حتى سكرا وناما، فانتبه الأعرابيّ مروّعا في الليل وهو يهذي، فقال له المقشعرّ: مالك؟ قال: هذا ملك الموت يقبض روحي. فوثب ابن عقيل فقال: لا واللّه ولا كرامة ولا نعمة عين له! أيقبض روحك وأنت ضيفي وجاري! فقال بأبي أنتم وأمي! طال واللّه ما منعتم الضّيم.

وتلفّف ونام.

قد مضت أخبار عقيل فيما تقدّم من الكتاب، ونذكرها هنا أخبار شبيب بن البرصاء ونسبه، لأن المغنين خلطوا بعض شعره ببعض شعر عقيل في الغناء الماضي ذكره، ونعيد هاهنا من الغناء ما شعره لشبيب خاصة وهو:

صوت من المائة المختارة

سلام أمّ عمرو فيم أضحى أسيرهاتفادى الأسارى حوله وهو موثق
فلا هو مقتول ففي القتل راحةولا منعم يوما عليه فمطلق

ويروي:

ولا هو ممنون عليه فمطلق

الشعر لشبيب بن البرصاء، والغناء لدقاق جارية يحيى بن الرّبيع. رمل بالوسطى عن عمرو. وذكر حبش أن فيه رملا آخر لطويس.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»