من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي وجزة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
اسمه يزيد بن عبيد فيما ذكره أصحاب الحديث. وذكر بعض النسابين أنّ اسمه يزيد بن أبي عبيد، وأنه كان له أخ يقال له عبيد، وانتسب إلى بني سعد بن بكر بن هوزان لولائه فيهم.
وأصله من سليم من بني ضبيس بن هلال بن قدم بن ظفر بن الحارث بن بهثة بن سليم؛ ولكنه لحق أباه وهو صبي سباء في الجاهلية، فبيع بسوق ذى المجاز، فابتاعه رجل من بني سعد، واستعبده، فلما كبر استعدى عمر رضى اللّه عنه وأعلمه قصته، فقال له: إنه لا سباء على عربيّ، وهذا الرجل قد امتنّ عليك فإن شئت فأقم عنده، وإن شئت فالحق بقومك، فأقام في بني سعد وانتسب إليهم هو وولده.
وبنو سعد أظآر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كان مسترضعا فيهم عند امرأة يقال لها حليمة، فلم يزل فيهم عليه السلام حتى يفع، ثمّ أخذه جدّه عبد المطلب منهم فردّه إلى مكة، وجاءته حليمة بعد الهجرة، فأكرمها وبرّها وبسط لها رداءه فجلست عليه. وبنو سعد تفتخر بذلك على سائر هوزان، وحقيق بكل مكرمة وفخر من اتصل منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأدنى سبب أو وسيلة.
أخبرني بخبره الذي حكيت جملا منه في نسبه وولائه أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل العتكيّ قال حدّثنا محمد بن سلام الجمحيّ عن يونس. وأخبرني أبو خليفة فيما كتب به إليّ عن محمد بن سلّام عن يونس وأخبرني به عمي عن الكرّاني عن الرّياشيّ عن محمد بن سلام عن يونس وأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكّريّ عن يعقوب بن السّكّيت قالوا جميعا سوى يعقوب.
كان عبيد أبو أبي وجزة السعديّ عبدا بيع بسوق ذي المجاز في الجاهلية فابتاعه وهيب بن خالد بن عامر بن عمير بن ملّان بن ناصرة بن فصيّة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن، فأقام عنده زمانا يرعى إبله، ثم إن عبيدا ضرب ضرع ناقة لمولاه فأدماه، فلطم وجهه، فخرج عبيد إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مستعديا فلما قدم عليه قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من بني سليم، ثم من بني ظفر أصابني سباء في الجاهلية كما يصيب العرب بعضها من بعض، وأنا معروف النسب، وقد كان رجل من بني سعد ابتاعني، فأساء إليّ وضرب وجهي، وقد بلغني أنه لا سباء في الإسلام، ولا رقّ على عربيّ في الإسلام. فما فرغ من كلامه حتّى أتى مولاه عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه على أثره، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا غلام ابتعته بذي المجاز، وقد كان يقوم في مالي، فأساء فضربته ضربة واللّه ما أعلمني ضربته غيرها قطّ، وإن الرجل ليضرب ابنه أشدّ منها فكيف بعبده، وأنا أشهدك أنه حرّ لوجه اللّه تعالى، فقال عمر لعبيد: قد امتن عليك هذا الرجل، وقطع عنك مؤنه البيّنة، فإن أحببت فأقم معه، فله عليك منّة، وإن أحببت فالحق بقومك، فأقام مع السعدّي وانتسب إلى بني سعد بن بكر بن هوازن، وتزوّج زينب بنت عرفطة المزنيّة، فولدت له أبا وجزة وأخاه، وقال يعقوب: «وأخاه عبيدا» وذكر أن أباهما كان يقال له أو عبيد، ووافق من ذكرت روايته في سائر الخبر، فلما بلغ ابناه طالباه بأن يلحق بأصله وينتمي إلى قومه من بني سليم، فقال: لا أفعل ولا ألحق بهم فيعيّروني كلّ يوم ويدفعوني، وأترك قوما يكرموني ويشرّفوني، فو اللّه لئن ذهبت إلى بني ظفر لا أرعى طمّة، ولا أرد جمّة، إلا قالوا لي: يا عبد بني سعد قال: وطمّة: جبل لهم. فقال أبو وجزة في ذلك:
أنمى فأعقل في ضبيس معقلاضخما مناكبه تميم الهادي
والعقد في ملّان غير مزلّجبقوى متينات الحبال شداد
وكان أبو وجزة من التابعين، وقد روى عن جماعة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ورأى عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، ولم يسند إليه حديثا، ولكنه حدّث عن أبيه عنه بحديث الاستسقاء، ونقل عنه جماعة من الرواة.
أخبرني محمد بن خلف وكيع وعمي قالا حدّثنا عبد اللّه بن شبيب قال حدّثني إبراهيم بن حمزة قال حدّثني موسى بن شيبة قال: سمعت أبا وجزة السعديّ يقول قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس شعر حسان بن ثابت ولا كعب بن مالك ولا عبد اللّه ابن رواحة شعرا، ولكنه حكمة».
فأما خبر الاستسقاء الذي رواه عن أبيه عن عمر فإن الحسن بن عليّ أخبرنا به قال حدّثنا محمد بن القاسم قال حدّثني عبد اللّه بن عمرو عن علي بن الصبّاح عن هشام بن محمد عن أبيه عن أبي وجزة السعديّ عن أبيه قال: شهدت عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه وقد خرج بالناس ليستسقي عام الرّمادة؛ فقام وقام الناس خلفه، فجعل يستغفر اللّه رافعا صوته لا يزيد على ذلك؛ فقلت في نفسي: ما له لا يأخذ فيما جاء له؛ ولم أعلم أنّ الاستغفار هو الاستسقاء فما برحنا حتى نشأت سحابة وأظلّتنا، فسقي الناس، وقلدتنا السماء قلدا، كل خمس عشرة ليلة، حتى رايت الأرينة تأكلها صغار الإبل من وراء حقاق العرفط.
وأخبرني أبو الحسن الأسديّ وهاشم بن محمد الخزاعيّ جميعا عن الرياشيّ عن الأصمعيّ عن عبد اللّه بن عمر العمريّ عن أبي وجزة السعديّ عن أبيه، وذكر الحديث مثله. وأخبرني به إبراهيم بن أيوب عن عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة، واللفظ متقارب وزاد الرّياشيّ في خبره: فقلت لأبي وجزة: ما حقاق العرفط؟ قال: نبات سنتين وثلاث.
وزاد ابن قتيبة في خبره عليهم قال: ومات أبو وجزة سنة ثلاثين ومائة.
وهو أحد من شبّب بعجوز حيث يقول:
يأيّها الرجل الموكّل بالصبافيم ابن سبعين المعمّر من دد؟
حتّام أنت موكّل بقديمةأمست تجدّد كاليماني الجيّد
زان الجلال كمالها ورسا بهاعقل وفاضلة وشيمة سيّد
ضنّت بنائلها عليك وأنتماغرّان في طلب الشباب الأغيد
فالآن ترجو أن تثيبك نائلاهيهات! نائلها مكان الفرقد
وأخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء والطوسيّ جميعا قالا حدّثنا الزبير بن بكار قال حدّثني محمد بن الحسن المخزوميّ عن عبد الرحمن بن عبد اللّه عن أبيه عن أبي وجزة السعديّ عن أبيه قال: استسقى عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه، فلما وقف على المنبر أخذ في الاستغفار، فقلت: ما أراه يعمل في حاجته! ثم قال في آخر كلامه: اللهم إني قد عجزت وما عندك أوسع لهم. ثم أخذ بيد العباس رضي اللّه تعالى عنه، ثم قال: وهذا عم نبيّك، ونحن نتوسل إليك به. فلما أراد عمر رضى اللّه تعالى عنه أن ينزل قلب رداءه، ثم نزل فتراءى الناس طرّة في مغرب الشمس، فقالوا: ما هذا! وما رأينا قبل قزعة سحاب أربع سنين؟ قال: ثم سمعنا الرعد، ثم انتشر، ثم اضطرب، فكان المطر يقلدنا قلدا في كل خمس عشرة ليلة، حتى رأيت الأرينة خارجة من حقاق العرفط تأكلها صغار الإبل.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكار قال حدّثني عمي عن جدّي قال: خرج أبو وجزة السعديّ وأبو زيد الأسلميّ يريدان المدينة، وقد امتدح أبو وجزة آل الزبير، وامتدح أبو زيد إبراهيم بن هشام المخزوميّ، فقال له أبو وجزة: هل لك في أن أشاركك فيما أصيب من آل الزبير، وتشاركني فيما تصيب من إبراهيم؟ فقال: كلا واللّه، لرجائي في الأمير أعظم من رجائك في آل زبير. فقدما المدينة، فأتى أبو زيد دار إبراهيم، فدخلها وأنشد الشعر وصاح وجلب، فقال إبراهيم لبعض أصحابه: أخرج إلى هذا الأعرابي الجلف فاضربه وأخرجه، فأخرج وضرب. وأتى أبو وجزة أصحابه فمدحهم وأنشدهم، فكتبوا له إلى مال لهم بالفرع أن يعطي منه ستين وسقا من التمر، فقال أبو وجزة يمدحهم:
راحت قلوصي رواحا وهي حامدةآل الزبير ولم تعدل بهم أحدا
راحت بستّين وسقا في حقيبتهاما حمّلت حملها الأدنى ولا السّددا
ذاك القرى لا كأقوام عهدتهميقرون ضيفهم الملويّة الجددا
يعني السياط.
قال أبو الفرج الأصفهاني: قول أبي وجزة:
راحت بستّين وسقا في حقيبتها
أنها حملت ستّين وسقا ولا تحمل ناقة ذلك ولا تطيقه ولا نصفه، وإنما عنى أنه انصرف عنهم وقد كتبوا له بستين وسقا فركب ناقته والكتاب معه بذلك قد حملته في حقيبتها، فكأنّها حاملة بالكتاب ستّين وسقا، لا أنها أطاقت حمل ذلك. وهذا البيت معنى يسأل عنه.
وقال يعقوب بن السكيت فيما حكيناه من روايته التي ذكرها الأخفش لنا عن السكري في شعر أبي وجزة وأخباره:
كان أبو وجزة قد جاور مزينة، وانتجع بلادهم لصهره فيهم، فنزل على عمرو بن زياد بن سهيل بن مكدّم بن عقيل بن وهب بن عمرو بن مرّة بن مازن بن عوف بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان، فأحسن عمرو جواره وأكرم مثواه، فقال أبو وجزة يمدحه:
لمن دمنة بالنّعف عاف صعيدهاتغيّر باقيها ومحّ جديدها
لسعدة من عام الهزيمة إذ بناتصاف وإذ لمّا يرعنا صدودها
وإذ هي أمّا نفسها فأربيهللهو، وأما عن صبا فتذودها
تصيّد ألباب الرجال بدلّهاوشيمتها وحشية لا نصيدها
كباسقة الوسميّ ساعة أسبلتتلألأ فيها البرق والبيضّ جيدها
- الباسقة: التي فضلت غيرها من الغمام وطالت عليه، قال اللّه تبارك وتعالى: «والنّخل باسقات» -.
كبكر تراني فرقدين بقفرةمن الرمل أو فيحان لم يعس عودها
لعمرو الندى عمر بن آل مكدّمكثير عليّات الأمور جليدها
فتى بين مسروج وآل مكدّموعمرو فتى عثمان طرّا وسيدها
حليم إذا ما الجهل أفرط ذا النهيعلى أمره، حامي الحصاة شديدها
وما زال ينحو فعل من كان قبلهمن ابائه يجني العلا ويفيدها
فكم من خليل قد وصلت وطارقوقرّبت من أدماء وار قصيدها
وذي كربة فرّجت كربة همّهوقد ظل مستدّا عليه وصيدها
أخبرني عمي قال حدّثني العنزيّ قال حدّثنا محمد بن معاوية عن يعقوب بن سلام بن عبد اللّه بن أبي مسروج قال: تزوّج أبو وجزة السعديّ زينب بنت عرفطة بن سهل بن مكدّم المزنيّة فولدت له عبيدا وكانت قد عنّست، وكان أبو وجزة يبغضها، وإنما أقام عليها لشرفها، فقال لها ذات يوم:
أعطى عبيدا وعبيد مقنعمن عرمس محزمها جلنفع
ذات عساس ما تكاد تشبعتجتلد الصحن وما إن تبضع
تمرّ في الدار ولا تورّعكأنها فيهم شجاع أقرع
فقالت زينب أمّ وجزة تجيبه:
أعطى عبيدا من شييخ ذي عجرلا حسن الوجه ولا سمح يسر
يشرب عسّ المذق في اليوم الخصركأنما يقذف في ذات السّعر
قال في ابنه عبيد رجزا فأجابه برجز أيضا
قال: وقال أبو وجزة لابنه عبيد:
يا راكب العنس كمرداة العلمأصلحك اللّه وأدنى ورحم
إن أنت أبلغت وأدّيت الكلمعنى عبيدّ بن يزيد لو علم
قد علم الأقوام أن سينتقممنك ومن أمّ تلقّتك وعم
ربّ يجازي السيئات من ظلمأنذرتك الشّدّة من ليث أضم
عاد أبي شبلين فرفار لحمفارجع إلى أمّك تفرشك ونم
إلى عجوز رأسها مثل الإرمواطعم فإنّ اللّه رزّاق الطّعم
فقال عبيد لأبيه:
دعها أبا وجزة واقعد في الغنمفسوف يكفيك غلام كالزّلم
مشمّر يرقل في نعل خذموفي قفاه لقمة من اللقم
قد ولّهت ألّافها غير لممحتى تناهت في قفا جعد أحم
قال يعقوب: وقال أبو المزاحم يهجو أبا وجزة ويعيّره بنسبه:
دعتك سليم عبدها فأجبتهاوسعد، وما ندري لأيهما العبد؟
فأجابه أبو وجزة فقال:
أعيّرتموني أن دعتني أخاهمسليم وأعطتني بأيمانها سعد
فكنت وسيطا في سليم معاقدالسعد، وسعد ما يحلّ لها عقد
أخبرني أبو جعفر أحمد بن محمد بن نصر الضّبعيّ إجازة قال حدثنا محمد بن مسعود الزّرقيّ عن مسعود بن المفضّل مولى آل حسن بن حسن قال: قدم أبو وجزة السعدي على عبد اللّه بن الحسن وإخوته سويقة، وقد أصابت قومه سنة مجدبة، فأنشده قوله يمدحه:
أثني على ابني رسول اللّه أفضل ماأثنى به أحد يوما على أحد
السيدين الكريمي كلّ منصرفمن والدين ومن صهر ومن ولد
ذرّية بعضها من بعضها عمرتفي أصل مجد رفيع السّمك والعمد
ماذا بنى لهم من صالح حسنوحسن وعليّ وابتنوا لغد
فكرّم اللّه ذاك البيت تكرمةتبقى وتخلد فيه آخر الأبد
هم السّدى والنّدى، ما في قناتهمإذا تعوّجت العيدان من أود
مهذّبون هجان أمّهاتهمإذا نسبن زلال البارق البرد
بين الفواطم ماذا ثمّ من كرمإلى العواتك مجد غير منتقد
ما ينتهي المجد إلا في بني حسنوما لهم دونه من دار ملتحد
قال: فأمر له عبد اللّه بن الحسن وحسن وإبراهيم بمائة وخمسين دينارا وأوقروا له رواحلة برّا وتمرا، وكسوه ثوبين ثوبين.
فرض له عبد الملك بن يزيد السعدي عطاء في الجند وندبه لحرب أبي حمزة فقال في ذلك رجزا.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعيّ قال حدّثنا عمر بن شنّة قال حدّثني أبو غسان والمدائنيّ جميعا: أن عبد الملك بن يزيد بن محمد بن عطية السعديّ كان قد ندب لقتال أبي حمزة الأزدي الشاري لما جاء إلى المدينة فغلب عليها، قال: وبعث إليه مروان بن محمد بمال، ففرّقه فيمن خف معه من قومه، فكان فيمن فرض له منهم أبو وجزة وابناه، فخرج معترضا للعسكر على فرس، وهو يرتجز ويقول:
قل لأبي حمزة هيد هيدجئناك بالعادية الصّنديد
بالبطل القرم أبي الوليدفارس قيس نجدها المعدود
في خيل قيس والكماة الصّيدكالسيف قد سلّ من الغمود
محض هجان ماجد الجدودفي الفرع من قيس وفي العمود
فدى لعبد الملك الحميدمالي من الطارف والتليد
يوم تنادى الخيل بالصعيدكأنه في جنن الحديد
سيد مدلّ عزّ كلّ سيد
قال: وسار ابن عطية في قومه، ولحقت به جيوش أهل الشام، فلقي أبا حمزة في اثنى عشر ألفا، فقاتله يوما إلى الليل حتى أصاب صناديد عسكره، فنادوه. يا بن عطية، إن اللّه جل وعز قد جعل الليل سكنا، فاسكنوا حتى نسكن، فأبى وقاتلهم حتى قتلهم جميعا.
قال: وكان أبو وجزة منقطعا إلى ابن عطية، يقوم بقوت عياله وكسوته ويعطيه ويفضل عليه، وكان أبو وجزة مداحا له، وفيه يقول:
حنّ الفؤاد إلى سعدى ولم تثبفيم الكثير من التّحنان والطرب
قالت سعاد أرى من شيبه عجبامهلا سعاد فما في الشيب من عجب
غنّى في هذين البيتين إسحاق خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها من كتابه:
إمّا تريني كساني الدهر شيبتهفإن ما مرّ منه عنك لم يغب
سقيا لسعدى على شيب ألمّ بناوقبل ذلك حين الرأس لم يشب
كأنّ ريقتها بعد الكرى اغتبقتصوب الثريا بماء الكرم من حلب
وهي قصيدة طويلة يقول فيها:
أهدى قلاصا عنا جيجا أضرّبهانصّ الوجيف وتقحيم من العقب
يقصدن سيّد قيس وابن سيدهاوالفارس العدّ منها غير ذي الكذب
محمد وأبوه وابنه صنعواله صنائع من مجد ومن حسب
إني مدحتهم لمّا رأيت لهمفضلا على غيرهم من سائر العرب
إلّا تثبني به لا يجزني أحدومن يثيب إذا ما أنت لم تثب
والأبيات التي ذكرت فيها الغناء المذكور معه أمر أبي وجزة من قصيدة له مدح بها أيضا عبد الملك بن عطية هذا. ومما يختار منها قوله:
حتى إذا هجدوا ألمّ خيالهاسرّا، ألا بلمامه كان المنى
طرقت بريّا روضة من عالجوسميّة عذبت وبيتّها النّدى
يا أمّ شيبة أيّ ساعة مطرقنبّهتنا، أين المدينة من بدا؟
إني متى أقض اللّبانة أجتهدعنق العتاق الناجيات على الوجى
حتى أزورك إن تيسّر طائريوسلمت من ريب الحوادث والردى
وفيها يقول:
فلأمدحنّ بني عطية كلّهممدحا يوافي في المواسم والقرى
الأكرمين أوائلا وأواخراوالأحلمين إذا تخولجت الحبا
والمانعين من الهضمية جارهموالجامعين الراقعين لما وهى
والعاطفين على الضّريك بفضلهموالسابقين إلى المكارم من سعى
وهي قصيدة طويلة يمدح فيها بني عطية جميعا ويذكر وقعتهم بأبي حمزة الخارجي، ولا معنى للإطالة بذكرها.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال.
كان أبو وجزة السعديّ منقطعا إلى آل الزبير، وكان عبد اللّه بن عروة بن الزبير خاصّة يفضل عليه ويقوم بأمره، فبلغه أن أبا وجزة أتى عبد اللّه بن الحسن بن علىّ بن أبي طالب عليه السلام، فمدحه فوصله، فاطرّحه ابن عروة، وأمسك يده عنه، فسأل عن سبب غضبه فأخبره به الأصمّ بن أرطأة، فلم يزل أبو وجزة يمدح آل الزبير، ولا يرجع له عبد اللّه بن عروة إلى ما كان عليه ولا يرضى عنه حتى قال فيه:
آل الزبير بنو حرّةمروا بالسيوف صدورا خنافا
سل الجرد عنهم وأيّامهاإذا امتعطوا المرهفات الخفافا
- امتعظوا: سلّوا، ومنه ذئب أمعط، منسلّ من شعره -:
يموتون والقتل داء لهمويصلون يوم السّياف السيّافا
إذا فرج القتل عن عيصهمأبى ذلك العيص إلّا التفافا
مطاعيم تحمد أبياتهمإذا قنّع الشاهقات الطّخافا
وأجبن من صافر كلبهمإذا قرعته حصاة أضافا
فلما أنشد ابن عروة هذه الأبيات رضى عنه وعادله إلى ما كان عليه.
صوت من المائة المختارة
ألا هل أسير المالكيّة مطلقفقد كاد لو لم يعفه اللّه يغلق
فلا هو مقتول، ففي القتل راحةولا منعم يوما عليه فمعتق
الشعر لعقيل بن علّفة البيت الأوّل منه، والثاني لشبيب بن البرصاء، والغناء لأحمد بن المكّيّ، خفيف ثقيل بالوسطى من كتابه، وفيه لدقاق رمل بالوسطى من كتاب عمرو بن بانة، وأوّله:
سلا أمّ عمرو فيم أضحى أسيرهايفادى الأسارى حوله وهو موثق
وبعده البيت الثاني وهو:
فلا هو مقتول ففي القتل راحةولا منعم يوما عليه فمعتق
والبيتان على هذه الرواية لشبيب بن البرصاء
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع