من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار مطيع بن إياس ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو مطيع بن إياس الكناني. ذكر الزّبير بن بكار أنه من بني الدّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وذكر إسحاق الموصليّ عن سعيد بن سلم أنه من بني ليث بن بكر. والدّيل وليث أخوان لأب وأمّ، أمّهما أمّ خارجة، واسمها عمرة بنت سعد بن عبد اللّه بن قراد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وهي الّتي يضرب بها المثل فيقال: «أسرع من نكاح أم خارجة». وقد ولدت عدّة بطون من العرب حتّى لو قال قائل: إنه لا يكاد يتخلّص من ولادتها كبير أحد منهم كان مقاربا. فمّن ولدت الديل وليث والحارث وبنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغاضرة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، والعنبر وأسيّد والهجيم، بنو عمرو بن تميم، وخارجة بن يشكر - وبه كانت تكنى - ابن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن مزيقيا، وهو أبو المصطلق.
قال النسابون: بلغ من سرعة نكاحها أنّ الخاطب كان يأتيها فيقول لها: خطب، فتقول له: نكح.
وزعموا أنّ بعض أزواجها طلّقها فرحل بها ابن لها عن حيّه إلى حيّها، فلقيها راكب فلما تبيّنته قالت لابنها: هذا خاطب لي لا شكّ فيه، أفتراه يعجلني أن أنزل عن بعيري؟ فجعل ابنها يسبّها.
ولا أعلم أنّي وجدت نسب مطيع متصلا إلى كنانة في رواية أحد إلّا في حديث أنا ذاكره؛ فإن راويه ذكر أن أبا قرعة الكنانيّ جدّ مطيع، فلا أعلم أهو جدّه الأدنى فأصل نسبه به، أم هو بعيد منه، فذكرت الخبر على حاله.
أخبرني به عيسى بن الحسن الورّاق قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال: حدّثني العمري وأبو فراس عمّي جميعا، عن شراحيل بن فراس، أنّ أبا قرعة الكناني، واسمه سلمى بن نوفل - قال: وهو جدّ مطيع بن اياس الشّاعر - كانت بينه وبين ابن الزّبير قبل أن يلي مقارضه، فدخل سلمى وابن الزبير يخطب الناس، وكان منه وجلا، فرماه ابن الزّبير ببصره حتّى جلس، فلما انصرف من المجلس دعا حرسيّا فقال: امض إلى موضع كذا وكذا من المسجد، فادع لي سلمى بن نوفل. فمضى فأتاه به، فقال له الزبير: إيها أيّها الضبّ. فقال: إنّي لست بالضبّ ولكنّ الضبّ بالضّمر من صخر. قال: إيها أيّها الذّيخ. قال: إن أحدا لم يبلغ سنّي وسنّك إلّا سمّي ذيخا.
قال: إنّك لها هنا يا عاضّ بظر أمّه. قال: أعيذك باللّه أن يتحدث العرب أنّ الشيطان نطق على فيك بما تنطق به الأمة الفسلة، وايم اللّه ما هاهنا داد أريده على المجلس أحد إلّا قد كانت أمّه كذلك.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا علي بن محمّد بن سليمان النوفلي عن أبيه قال: كان إياس بن مسلم، أبو مطيع بن إياس شاعرا، وكان قد وفد إلى نصر بن سيّار بخراسان فقال فيه:
إذا ما نعالي من خراسان أقبلتوجاوزت منها مخرما ثم مخرما
ذكرت الّذي أوليتني ونشرتهفإن شئت فاجعلني لشكرك سلّما
جد مطيع بن إياس فأما نسب أبي قرعة هذا فإنه سلمى بن نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن يعمر بن نفاثة بن عديّ بن الدّيل بن بكر بن عبد مناة. ذكر ذلك المدائني. وكان سلمى بن نوفل جوادا. وفيه يقول الشاعر:
يسوّد أقوام وليسوا بسادةبل السيّد الميمون سلمى بن نوفل
رجع الخبر إلى سياقة نسب مطيع بن إياس وأخباره
وهو شاعر من مخضرمي الدّولتين الأمويّة والعباسية، وليس من فحول الشعراء في تلك، ولكنه كان ظريفا خليعا حلو العشرة، مليح النّادرة، ماجنا متّهما في دينه بالزندقة، ويكنى أبا سلمى. ومولده ومنشؤه الكوفة، وكان أبوه من أهل فلسطين الذين أمدّ بهم عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف في وقت قتاله ابن الزبير وابن الأشعث، فأقام بالكوفة وتزوّج بها، فولد له مطيع.
أخبرني بذلك الحسين بن يحيى، عن حمّاد عن أبيه، وكان منقطعا إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ومتصرّفا بعده في دولتهم، ومع أوليائهم وعمّالهم وأقاربهم لا يكسد عند أحد منهم، ثم انقطع في الدولة العباسية إلى جعفر بن أبي جعفر المنصور، فكان معه حتّى مات، ولم أسمع له مع أحد منهم خبرا إلا حكاية بوفوده على سليمان بن علي، وأنّه ولّاه عملا. وأحسبه مات في تلك الأيام.
حدّثني عمي الحسن بن محمّد، قال: حدّثني محمّد بن سعد الكرانيّ عن العمري عن العتبي عن أبيه قال: قدم البصرة علينا شيخ من أهل الكوفة لم أر قطّ أظرف لسانا ولا أحلى حديثا منه، وكان يحدّثني عن مطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، وحماد الراوية، وظرفاء الكوفة، بأشياء من أعاجيبهم وطرفهم، فلم يكن يحدّث عن أحد بأحسن مما كان يحدّثني عن مطيع بن إياس، فقلت له: كنت واللّه أشتهي أن أرى مطيعا، فقال: واللّه لو رأيته للقيت منه بلاء عظيما. قال: قلت: وأيّ بلاء ألقاه من رجل أراه؟ قلت: كنت ترى رجلا يصبر عنه العاقل إذا رآه، ولا يصحبه أحد إلّا افتضح به.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا أبو سعيد السكري عن محمّد بن حبيب قال: سألت رجلا من أهل الكوفة كان يصحب مطيع بن إياس عنه فقال: لا ترد أن تسألني عنه. قلت: ولم ذاك؟ قال: وما سؤالك إيّاي عن رجل كان إذا حضر ملكك، وإذا غاب عنك شاقك، وإذا عرفت بصحبته فضحك.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدّثني محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني عبد اللّه بن عمرو قال: حدّثني أبو توبة صالح بن محمّد عن محمّد جبير، عن عبد اللّه بن العباس الربيعي قال: حدّثني إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر بن يحيى: ذكر حكم الواديّ، أنه غنّى الوليد بن يزيد ذات ليلة وهو غلام حديث السنّ، فقال:
إكليلها ألوانووجهها فتّان
وخالها فريدليس لها جيران
إذا مشت تثنّتكأنّها ثعبان
فطرب حتّى زحف عن مجلسه إليّ، وقال: أعد فديتك بحياتي. فأعدته حتى صحل صوتي، فقال لي: ويحك، من يقول هذا؟ فقلت: عبد لك يا أمير المؤمنين أرضاه لخدمتك. فقال: ومن هو فديتك؟ فقلت: مطيع بن إياس الكناني. فقال: وأين محله؟ قلت: الكوفة. فأمر أن يحمل إليه على البريد، فحمل إليه، فما أشعر يوما إلا برسوله قد جاءني، فدخلت إليه ومطيع بن إياس واقف بين يديه، وفي يد الوليد طاس من ذهب يشرب به، فقال له: غنّ هذا الصوت يا واديّ. فغنّيته إياه، فشرب عليه، ثم قال لمطيع: من يقول هذا الشعر؟ قال: عبدك أنا يا أمير المؤمنين. فقال له: ادن مني. فدنا منه، فضمّه الوليد وقبّل فاه وبين عينيه، وقبّل مطيع رجله والأرض بين يديه، ثم أدناه منه حتّى جلس أقرب المجالس إليه، ثم تمّ يومه فاصطبح أسبوعا متوالي الأيام على هذا الصوت.
لحن هذا الصوت هزج مطلق في مجرى البنصر، والصنعة لحكم. وقد حدّثني بخبره هذا مع الوليد جماعة على غير هذه الرواية، ولم يذكروا فيها حضور مطيع.
حدّثني به أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثنا عليّ بن محمّد النوفلي عن أبيه قال: بلغني عن حكم الواديّ، وأخبرني الحسين بن يحيى، ومحمّد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا: حدّثنا حماد بن إسحاق قال: حدّثني أحمد بن يحيى المكي عن أمّه عن حكم الواديّ قال: وفدت على الوليد بن يزيد مع المغنّين، فخرج يوما إلينا وهو راكب على حمار، وعليه درّاعة وشي؛ وبيده عقد جوهر، وبين يديه كيس فيه ألف دينار، فقال: من غنّاني فأطربني فله ما عليّ وما معي. فغنّوه فلم يطرب، فاندفعت وأنا يومئذ أصغرهم سنّا فغنّيته:
إكليلها ألوانووجهها فتّان
وخالها فريدليس له جيران
إذا مشت تثنّتكأنّها ثعبان
فرمى إليه بما معه من المال والجوهر، ثم دخل فلم يلبث أن خرج إليّ رسوله بما عليه من الثّياب والحمار الّذي كان تحته.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: كان مطيع بن إياس، ويحيى بن زياد الحارثيّ، وابن المقفّع ووالبة بن الحباب يتنادمون ولا يفترقون، ولا يستأثر أحدهم على صاحبه بمال ولا ملك، وكانوا جميعا يرمون بالزّندقة.
حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني عليّ بن محمّد النوفليّ عن أبيه وعمومته، أنّ مطيع بن إياس وعمارة بن حمزة من بني هاشم، وكان مرميّين بالزندقة، نزعا إلى عبد اللّه بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب لمّا خرج في آخر دولة بني أمية، وأوّل ظهور الدّولة العباسية بخراسان، وكان ظهر على نواح من الجبل: منها أصبهان وقمّ ونهاوند، فكان مطيع وعمارة ينادمانه ولا يفارقانه.
قال النوفلي: فحدثني إبراهيم بن يزيد بن الخشك قال: دخل مطيع بن إياس على عبد اللّه بن معاوية يوما وغلام واقف على رأسه يذبّ عنه بمنديل - ولم يكن في ذلك الوقت مذابّ، إنّما المذابّ عباسية - قال: وكان الغلام الّذي يذبّ أمرد حسن الصّورة، يروق عين الناظر، فلما نظر مطيع إلى الغلام كاد عقله يذهب، وجعل يكلّم ابن معاوية يلجلج، فقال:
إنّي وما أعمل الحجيج لهأخشى مطيع الهوى على فرج
أخشى عليه مغامسا مرساليس بذي رقبة ولا حرج
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه قال: حدّثنا عليّ بن محمّد النوفلي قال: حدّثني أبي عن عمه عيسى قال: كان لابن معاوية صاحب شرطة يقال له: قيس بن عيلان العنسيّ النوفلي وعيلان اسم أبيه، وكان شيخا كبيرا دهريّا لا يؤمن باللّه، وكان إذا عسّ لم يبق أحد إلا قتله، فأقبل يوما فنظر إليه ابن معاوية ومعه عمارة بن حمزة ومطيع بن إياس، قال:
إن قيسا وإن تقنّع شيبالخبيث الهوى على شمطه
أجزيا عمارة. فقال:
ابن سبعين منظرا ومشيباوابن عشر يعدّ في سقطه
فأقبل على مطيع فقال: أجز. فقال:
وله شرطة إذا جنّه الليل فعوذوا باللّه من شرطه
قال النوفليّ: وكان مطيع فيما بلغني مأبونا، فدخل عليه قومه فلاموه على فعله، وقالوا له: أنت في أدبك وشرفك وسؤددك وشرفك ترمى بهذه الفاحشة القذرة؟ فلو أقصرت عنها! فقال: جرّبوه أنتم ثم دعوا إن كنتم صادقين. فانصرفوا عنه، وقالوا: قبح اللّه فعلك وعذرك، وما استقبلتنا به.
أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثنا حمّاد عن أخيه عن النضر بن حديد قال: أخبرني أبو عبد الملك المرواني قال: حدّثني مطيع بن إياس قال: قال لي حمّاد عجرد: هل لك في أن أريك خشّة صديقي، وهي المعروفة بظبية الوادي؟ قلت: نعم. قال: إنّك إن قعدت عنها وخبثت عينك في النّظر أفسدتها عليّ. فقلت: لا واللّه لا أتكلّم بكلمة تسوءك، ولأسرّنّك.
فمضى وقال: واللّه لا أتكلم، لئن خالفت ما قلت لأخرجنّك. قال: قلت: إن خالفت ما تكره فاصنع بي ما أحببت.
قال: امض بنا. فأدخلني على أظرف خلق اللّه وأحسنهم وجها، فلما رأيتها أخذني الزّمع وفطن لي: فقال: اسكن يا ابن الزانية. فسكنت قليلا، فلحظتني ولحظتها أخرى، فغضب ووضع قلنسيته عن رأسه، وكانت صلعته حمراء كأنّها است قرد، فلما وضعها وجدت للكلام موضعا فقلت:
وار السّوأة السوآء يا حمّاد عن خشّه
عن الأترجّة الغضّة والتفاحة الهشّه
فالتفت إليّ، وقال: فعلتها يا ابن الزّانية؟ فقالت له: أحسن واللّه، ما بلغ صفتك بعد، فما تريد منه؟ فقال لها: يا زانية! فقالت له: الزانية أمّك! وثاورته وثاورها، فشقّت قميصه، وبصقت في وجهه، وقالت له: ما تصادقك وتدع مثل هذا إلّا زانية! وخرجنا وقد لقي كلّ بلاء، وقال لي: ألم أقل لك يا ابن الزانية: إنّك ستفسد عليّ مجلسي. فأمسكت عن جوابه، وجعل يهجوني ويسبّني، ويشكوني إلى أصحابنا، فقالوا لي: اهجه ودعنا وإيّاه.
فقلت فيه: هجاؤه حمادا
ألا يا ظبية الواديوذات الجسد الراد
وزين المصر والدّاروزين الحيّ والنادي
وذات المبسم العذبوذات الميسم البادي
أما باللّه تستحيين من خلّة حمّاد
فحمّاد فتى ليسبذي عزّ فتنقادي
ولا مال ولا عزّولا حظّ لمرتاد
فتوبي واتّقي اللّهوبتّي جبل جرّاد
فقد ميّزت بالحسنعن الخلق بإفراد
وهذا البين قد حمّفجودي منك بالزّاد
- في الأوّل والثاني والسابع والثامن من هذه الأبيات لحكم الواديّ رمل.
قال: فأخذ أصحابنا رقاعا فكتبوا الأبيات فيها، وألقوها في الطريق، وخرجت أنا فلم أدخل إليهم ذلك اليوم، فلما رآها وقرأها قال لهم: يا أولاد الزّنا، فعلها ابن الزانية، وساعدتموه عليّ!
قال: وأخذها حكم الواديّ فغنّى فيها، فلم يبق بالكوفة سقّاء ولا طحّان ولا مكار إلّا غنّى فيها، ثم غنيت مدّة وقدمت، فأتاني فما سلّم عليّ حتّى قال لي: يا ابن الزانية، ويلك أما رحمتني من قولك لها:
أما باللّه تستحيين من خلة حمّاد
باللّه قتلتني قتلك اللّه! واللّه ما كلّمتني حتّى الساعة. قال: قلت: اللهم أدم هجرها له وسوء آرائها فيه، وآسفه عليها، وأغره بها! فشتمني ساعة. قال مطيع: ثم قلت له: قم بنا حتّى أمضي بك فأريك أختي. قال مطيع، فمضينا فلمّا خرجت إلينا دعوت قيّمة لها فأسررت إليها في أن تصلح لنا طعاما وشرابا، وعرّفتها أنّ الّذي معي حمّاد. فضحكت ثم أخذت صاحبتي في الغناء، وقد علمت بموضعه وعرفته، فكان أوّل صوت غنت:
أما باللّه تستحيين من خلّة حمّاد
فقال لها: يا زانية! وأقبل عليّ فقال لي: وأنت يا زاني يا ابن الزانية. وشاتمته صاحبتي ساعة، ثم قامت فدخلت، وجعل يتغيّظ عليّ فقلت: أنت ترى أنّي أمرتها أن تغنّي بما غنّت؟ قال: أرى ذلك وأظنّه ظنّا، لا واللّه، ولكنّي أتيقّنه! فحلفت له بالطلاق على بطلان ظنه، فقالت: وكيف هذا؟ فقلت: أراد أن يفسد هذا المجلس من أفسد ذلك المجلس. فقالت: قد واللّه فعل. وانصرفنا.
أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثني هارون بن محمّد بن عبد الملك الزيّات قال: حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن رجل من أصحابه قال: قال يحيى بن زياد الحارثيّ لمطيع بن إياس: انطلق بنا إلى فلانة صديقتي؛ فإنّ بيني وبينها مغاضبة، لتصلح بيننا، وبئس المصلح أنت. فدخلا إليها فأقبلا يتعاتبان، ومطيع ساكت، حتّى إذا أكثر قال يحيى لمطيع: ما يسكتك، أسكت اللّه نأمتك؟ فقال لها مطيع:
أنت معتلّة عليه وما زال مهينا لنفسه في رضاك
فأعجب يحيى ما سمع، وهشّ له مطيع:
فدعيه وواصلي ابن إياسجعلت نفسي الغداة فداك
فقام يحيى إليه بوسادة في البيت، فما زال يجلد بها رأسه ويقول: ألهذا جئت بك يا ابن الزانية! ومطيع يغوّث حتّى ملّ يحيى، والجارية تضحك منهما، ثم تركه وقد سدر.
حدّثني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني محمّد بن عمر الجرجاني قال: مرض حمّاد عجرد، فعاده أصدقاؤه جميعا إلّا مطيع بن إياس، وكان خاصّة به، فكتب إليه حمّاد:
كفاك عيادتي من كان يرجوثواب اللّه في صلة المريض
فإن تحدث لك الأيام سقمايحول جريضه دون القريض
يكن طول التأوّه منك عنديبمنزلة الطّنين من البعوض
أخبرني محمّد بن أبي الأزهر عن حمّاد عن أبيه قال: قدم مطيع بن إياس من سفر فقدم بالرغائب، فاجتمع هو وحمّاد عجرد بصديقته ظبية الوادي، وكان عجرد على الخروج مع محمّد بن أبي العباس إلى البصرة، وكان مطيع قد أعطى صاحبته من طرائف ما أفاد، فلما جلسوا يشربون غنّت ظبية الوادي فقالت:
أظنّ خليلي غدوة سيسيروربّي على أن لا يسير قدير
فما فرغت من الصوت حتّى غنّت صاحبة مطيع:
ما أبالي إذا النّوى قربتهمودنونا من حلّ منهم وساروا
فجعل مطيع يضحك وحماد يشتمها.
نسبة هذا الصوت
صوت
أظنّ خليلي غدوة سيسيروربّي على أن لا يسير قدير
عجبت لمن أمسى محبّا ولم يكنله كفن في بيته وسرير
غنّى في هذين البيتين إبراهيم الموصليّ، ولحنه ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى البنصر، وفيهما لحن يمان قديم خفيف رمل بالوسطى.
حدثني الحسن قال: حدّثني ابن مهرويه قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر عن محمّد بن عمر الجرجاني قال: كان لمطيع بن إياس صديق يقال له: عمر بن سعيد، فعاتبه في أمر قينة يقال لها «مكنونة» كان مطيع يهواها حتى اشتهر بها، وقال له: إن قومك يشكونك ويقولون: إنّك تفضحهم بشهرتك نفسك بهذه المرأة، وقد لحقهم العيب والعار من أجلها! فأنشأ مطيع يقول:
قد لا مني في حبيبتي عمرواللّوم في غير كنهه ضجر
قال أفق، قلت لا، قال بلىقد شاع في الناس عنكما الخبر
قلت قد شاع فاعتذاري ممّاليس لي فيه عندهم عذر
عجز لعمري وليس ينفعنيفكفّ عني العتاب يا عمر
وارجع إليهم وقل لهم قد أبىوقال لي لا أفيق فانتحروا
أعشق وحدي فيؤخذون بهكالتّرك تغزو فيقتل الخزر
أخبرني الحسن قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني ابن أبي أحمد عن أبي العبر الهاشميّ قال: حدّثني أبي أنّ مطيع بن إياس مرّ بيحيى بن زياد، وحماد الراوية وهما يتحدّثان، فقال لهما: فيم أنتما؟ قالا: في قذف المحصنات. قال: أو في الأرض محصنة فتقذفانها؟!
حدّثني عيسى بن الحسن الورّاق قال: حدّثني عمر بن محمّد بن عبد الملك الزيات. وحدثنيه الحسن بن عليّ عن ابن مهرويه عن عمر بن محمّد بن عبد الملك الزيات، قال: حدّثني محمّد بن هارون قال: أخبرني الفضل بن إياس الهذليّ الكوفيّ أنّ المنصور كان يريد البيعة للمهديّ، وكان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك، فأمر بإحضار الناس فحضروا، وقامت الخطباء فتكلّموا، وقالت الشعراء فأكثروا في وصف المهديّ وفضائله، وفيهم مطيع بن إياس، فلما فرغ من كلامه في الخطباء وإنشاده في الشعراء قال للمنصور: يا أمير المؤمنين، حدّثنا فلان عن فلان أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «المهديّ منا محمّد بن عبد اللّه وأمّه من غيرنا، يملؤها عدلا كما ملئت جورا» وهذا العباس بن محمّد أخوك يشهد على ذلك. ثم أقبل على العباس، فقال له: «أنشدك اللّه هل سمعت هذا؟ فقال: نعم. مخافة من المنصور، فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهديّ.
قال: ولمّا انقضى المجلس، وكان العباس بن محمّد لم يأنس به، قال: أرأيتم هذا الزنديق إذ كذب على اللّه عزّ وجلّ ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى استشهدني على كذبه، فشهدت له خوفا، وشهد كلّ من حضر عليّ بأني كاذب؟! وبلغ الخبر جعفر بن أبي جعفر، وكان مطيع منقطعا إليه يخدمه، فخافه، وطرده عن خدمته. قال: وكان جعفر ماجنا، فلما بلغه قول مطيع هذا غاظه، وشقّت عليه البيعة لمحمد، فأخرج أيره ثم قال: إن كان أخي محمّد هو المهديّ فهذا القائم من آل محمّد.
أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: كان مطيع بن إياس يخدم جعفر بن أبي جعفر المنصور وينادمه، فكره أبو جعفر ذلك، لما شهر به مطيع في الناس وخشي أن يفسده، فدعا بمطيع وقال له: عزمت على أن تفسد ابني عليّ وتعلّمه زندقتك؟ فقال: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين من أن تظنّ بي هذا، واللّه ما يسمع منّي إلا ما إذا وعاه جمّله وزيّنه ونبّله! فقال: ما أرى ذلك ولا يسمع منك إلا ما يضرّه ويغرّه. فلما رأى مطيع إلحاحه في أمره قال له: أتؤمنني يا أمير المؤمنين عن غضبك حتّى أصدقك؟ قال: أنت آمن. قال: وأيّ مستصلح فيه؟ وأيّ نهاية لم يبلغها في الفساد والضّلال؟ قال: ويلك، بأيّ شي ء؟ قال: يزعم أنّه ليعشق امرأة من الجنّ وهو مجتهد في خطبتها، وجمع أصحاب العزائم عليها، وهم يغرونه ويعدونه بها ويمّنونه، فو اللّه ما فيه فضل لغير ذلك من جدّ ولا هزل ولا كفر إيمان. فقال له المنصور: ويلك، أتدري ما تقول؟ قال: الحق واللّه أقول. فسل عن ذلك، فقال له: عد إلى صحبته واجتهد أن تزيله عن هذا الأمر، ولا تعلمه أنّي علمت بذلك حتّى أجتهد في أزالته عنه.
أخبرني عمي قال: حدّثني الكراني عن ابن عائشة قال: كان مطيع بن إياس منقطعا إلى جعفر بن أبي جعفر المنصور، فدخل أبوه المنصور عليه يوما، فقال لمطيع: قد أفسدت ابني يا مطيع. فقال له مطيع: إنّما نحن رعيّتك فإذا أمرتنا بشيء فعلنا.
قال: وخرج جعفر من دار حرمه فقال لأبيه: ما حملك على أن دخلت داري بغير إذن؟ فقال له أبو جعفر: لعن اللّه من أشبهك، ولعنك! فقال: واللّه لأنا أشبه بك منك بأبيك - قال: وكان خليعا - فقال: أريد أن أتزوّج امرأة من الجنّ! فأصابه لمم، فكان يصرع بين يدي أبيه والربيع واقف، فيقول له: يا ربيع، هذه قدرة اللّه.
وقال المدائنيّ في خبره الّذي ذكرته عن عيسى بن الحسين عن أحمد بن الحارث عنه: فأصاب جعفرا من كثرة ولعه بالمرأة الّتي ذكر أنه يتعشّقها من الجنّ صرع، فكان يصرع في اليوم مرّات حتّى مات، فحزن عليه المنصور حزنا شديدا، ومشى في جنازته، فلما دفن وسوّي قبره قال للربيع: أنشدني قول مطيع بن إياس في مرثية يحيى بن زياد. فأنشده:
يا أهلي ابكوا لقلبي القرحوللدموع الذّوارف السّفح
راحوا بيحيى ولو تطاوعني الأقدار لم يبتكر ولم يرح
يا خير من يحسن البكاء له اليوم ومن كان أمس للمدح
قال: فبكى المنصور، وقال: صاحب هذا القبر أحقّ بهذا الشعر.
أخبرني به عمّي أيضا عن الخزاز عن المدائني، فذكر مثله.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني يعقوب بن إسرائيل قال: حدّثني المغيرة بن هشام الرّبعيّ قال: سمعت ابن عائشة يقول: مرّ مطيع بن إياس بالرّصافة، فنظر إلى جارية قد خرجت من قصر الرّصافة كأنّها الشمس حسنا، وحواليها وصائف يرفعن أذيالها، فوقف ينظر إليها إلى أن غابت عنه، ثم التفت إلى رجل كان معه وهو يقول:
لمّا خرجن من الرّصافة كالتّماثيل الحسان
يحففن أحور كالغزال يميس في جدل العنان
قطّعن قلبي حسرةوتقسّما بين الأماني
ويلي على تلك الشمائل واللطيف من المعاني
يا طول حرّ صبابتيبين الغواني والقيان
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعيد، عن ابن توبة صالح بن محمّد، قال: حدّثني بعض ولد منصور بن زياد عن أبيه قال: قال محمّد بن الفضل بن السّكونيّ: رحل مطيع بن إياس إلى هشام بن عمرو وهو بالسّند مستميحا له، فلما رأته بنته قد صحّح العزم على الرّحيل بكت، فقال لها:
اسكتي قد حززت بالدّمع قلبيطالما حزّ دمعكنّ القلوبا
ودعي أن تقطّعي الآن قلبيوتريني في رحلتي تعذيبا
فعسى اللّه أن يدافع عنيريب ما تحذرين حتّى أءوبا
ليس شيء يشأوه ذو المعاليبعزيز عليه فادعي المجيبا
أنا في قبضة الإله إذا ماكنت بعدا أو كنت منك قريبا
ووجدت هذه الأبيات في شعر مطيع بغير رواية، فكان أوّلها:
ولقد قلت لابنتي وهي تكويبانسكاب الدّموع قلبا كئيبا
وبعده بقية الأبيات.
أخبرني الحسن بن علي الحفّاف قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني عليّ بن محمّد النوفليّ، عن صالح الأصمّ قال: كان مطيع بن إياس مع إخوان له على نبيذ، وعندهم قينة تغنيهم، فأومأ إليها مطيع بقبلة، فقالت له: تراب! فقال مطيع:
صوت
إنّ قلبي قد تصابىبعد ما كان أنابا
ورماه الحبّ منهبسهام فأصابا
قد دهاه شادن يلبس في الجيد سخابا
فهو بدر في نقابفإذا ألقى النقابا
قلت شمس يوم دجنحسرت عنها السّحابا
ليتني منه على كشحين قد لانا وطابا
أحضر النّاس بما أكرهه منه جوابا
فإذا قلت أنلنيقبلة قال ترابا
لحكم الواديّ في هذه الأبيات هزج، بالبنصر، من رواية الهشاميّ.
أخبرنا أبو الحسن الأسدي قال: ذكر موسى بن صالح بن سنح بن عميرة أنّ مطيع بن إياس كان أحضر الناس جوابا ونادرة، وأنّه ذات يوم كان جالسا يعدّد بطون قريش ويذكر مآثرها ومفاخرها، فقيل له: فأين بنو كنانة؟ قال:
بفلسطين يسرعون الرّكوبا
أراد قول عبيد اللّه بن قيس الرقيات:
حلق من بني كنانة حوليبفلسطين يسرعون الرّكوبا
أخبرني عمي قال: حدّثنا الكراني عن العمري عن العتبيّ قال: كان أبو دهمان صديقا لمطيع، وكان يظهر للناس تألّها ومروءة وسمتا حسنا، وكان ربّما دعا مطيعا ليلة من الليالي أن يصير إليه، ثم قطعه عنه شغل، فاشتغل وجاء مطيع فلم يجده، فلما كان من الغد جلس مطيع مع أصحابه، فأنشدهم فيه:
ويلي ممّن جفانيوحبّه قد براني
وطيفه يلقانيوشخصه غير دان
أغرّ كالبدر يعشىبحسنه العينان
جاريّ لا تعذلانيفي حبّه ودعاني
فربّ يوم قصيرفي جوسق وجنان
بالراح فيه يحيّاوالقصف والريحان
وعندنا قينتانوجهاهما حسنان
عوداهما غردانكأنّما ينطقان
وعندنا صاحبانللدّهر لا يخضعان
فكنت أوّل حاموأوّل السّرعان
في فتية غير ميلعند اختلاف الطّعان
من كلّ خوف مخيففي السرّ والإعلان
حمّال كلّ عظيمتضيق عند اليدان
وإن ألحّ زمانلم يستكن للزمان
فزال ذاك جميعاوكلّ شيء فان
من عاذري من خليلموافق ملدان
مداهن متوانيكنى أبي دهمان
متى يعدك لقاءفالنّجم والفرقدان
وليس يعتم إلّاسكران مع سكران
يسقيه كلّ غلامكأنّه غصن بان
من خندريس عقاركحمرة الأرجوان
قال: فلقيه بعد ذلك أبو دهمان، فقال: عليك لعنة اللّه فضحتني، وهتفت بي، وأذعت سرّي، لا أكلّمك أبدا، ولا أعاشرك ما بقيت، فما تفرق بين صديقك وعدوّك.
أخبرني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجليّ العطّار بالكوفة، قال: حدّثني عليّ بن عمروس عن عمّه عليّ بن القاسم قال: كنت آلف مطيع بن إياس، وكان جاري، وعنّفني في عشرته جماعة، وقالوا لي: إنه زنديق. فأخبرته بذلك، فقال: وهل سمعت منّي أو رأيت شيئا يدلّ على ذلك، أو هل وجدتني أخلّ بالفرائض في صلاة أو صوم؟ فقلت له: واللّه ما اتّهمتك ولكنّي خبّرتك بما قالوا. واستحييت منه. فعجل على السكر ذات يوم في منزله، فنمت عنده ومطرنا في جوف اللّيل وهو معي، فصاح بي مرّتين أو ثلاثا، فعلمت أنّه يريد أن يصطبح، فكسلت أن أجيبه، فلما تيقّن أنّي نائم جعل يردّد على نفسه بيتا قاله، وهو قوله:
أصبحت جمّ بلابل الصّدرعصرا أكاتمه إلى عصر
فقلت في نفسي: هذا يعمل شعرا في فنّ من الفنون. فأضاف إليه بيتا ثانيا، وهو قوله:
إن بحت طلّ دمي وإن تركتوقدت عليّ توقّد الجمر
فقلت في نفسي: ظفرت بمطيع. فتنحنحت، فقال لي: أما ترى هذا المطر وطيبه، أقعد بنا حتّى نشرب أقداحا.
فاغتنمت ذلك، فلما شربنا أقداحا قلت له: زعمت أنّك زنديق. قال: وما الّذي صحّح عندك أنّي زنديق؟ قلت: قولك: «إن بحت طلّ دمي» وأنشدته البيتين، فقال لي: كيف حفظت البيتين ولم تحفظ الثالث؟ فقلت: واللّه ما سمعت منك ثالثا. فقال: بلى قد قلت ثالثا. قلت: فما هو؟ قال:
ممّا جناه علي أبي حسنعمر وصاحبه أبو بكر
وحدّثني الحسن بن علي قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال: حدّثني محمّد بن عمر الجرجاني قال: جاء مطيع بن إياس إلى إخوان له وكانوا على شراب، فدخل الغلام يستأذن له، فلمّا سمع صاحب البيت بذكره خرج مبادرا، فسمعه يقول:
أمسيت جمّ بلابل الصدردهرا أزجّيه إلى دهر
إن فهت طلّ دمي وإن كتمتوقدت عليّ توقّد الجمر
فلما أحسّ مطيع بأنّ صاحب البيت قد فتح له استدرك البيتين بثالث فقال:
ممّا جناه علي أبي حسنعمر وصاحبه أبو بكر
وكان صاحب البيت يتشيّع، فأكبّ على رأسه يقبّله ويقول: جزاك اللّه يا أبا مسلم خيرا!
وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الكاتب: أنّ الرشيد أتيّ ببنت مطيع بن إياس في الزّنادقة، فقرأت كتابهم واعترفت به، وقالت: هذا دين علّمنيه أبي، وتبت منه. فقبل توبتها وردّها إلى أهلها.
قال أحمد: ولها نسل بجبل في قرية يقال لها: «الفراشيّة» قد رأيتهم، ولا عقب لمطيع إلّا منهم.
أخبرني عمي قال: حدّثنا الكراني عن ابن عائشة قال: كان مطيع بن إياس نازلا بكرخ بغداد، وكان بها رجل يقال له: الفهميّ، مغنّ محسّن، فدعاه مطيع ودعا بجماعة من إخوانه وكتب إلى يحيى بن زياد يدعوه بهذه الأبيات.
قال:
عندنا الفهميّ مسرور وزمّار مجيد
ومعاذ وعياذوعمير وسعيد
وندامى يعملون القلز والقلز شديد
بعضهم ريحان بعضفهم مسك وعود
قال: فأتاه يحيى، فأقام عنده وشرب معهم، وبلغت الأبيات المهديّ، فضحك منها، وقال: تنايك القوم وربّ الكعبة.
قال الكراني: القلز: المبادلة.
وجدت هذا الخبر بخطّ ابن مهرويه، عن إبراهيم بن المدبّر عن محمّد بن عمر الجريدي. فذكر أنّ مطيعا اصطبح يوم عرفة وشرب يومه وليلته، واصطبح يوم الأضحى، وكتب إلى يحيى من اللّيل بهذه الأبيات:
قد شربنا ليلة الأضحى وسقينا يزيد
عندنا الفهميّ مسرور وزمّار مجيد
وسليمان فتانافهو يبدي ويعيد
ومعاذ وعياذوعمير وسعيد
وندامى كلّهم يقلز والقلز شديد
بعضهم ريحان بعضفهم مسك وعود
غالت الأنحس عنهموتلقّتهم سعود
فترى القوم جلوساوالخنا عنهم بعيد
ومطيع بن إياسفهو بالقصف وليد
وعلى كرّ الجديدين وما حلّ جليد
ووجدت في كتاب بعقب هذا: وذكر محمّد بن عمر الجرجاني أنّ عوف بن زياد كتب يوما إلى مطيع: «أنا اليوم نشيط للشّرب، فإن كنت فارغا فسر إليّ، وإن كان عندك نبيذ طيّب، وغناء جيّد جئتك». فجاءته رقعته وعنده حماد الراوية وحكم الواديّ، وقد دعوا غلاما أمرد، فكتب إليه مطيع:
نعم لنا نبيذوعندنا حمّاد
وخيرنا كثيروالخير مستزاد
وكلّنا من طربيطير أو يكاد
وعندنا واديّناوهو لنا عماد
ولهونا لذيذلم يلهه العباد
إن تشته فسادافعندنا فساد
أو تشته غلامافعندنا زياد
ما إن به التواءعنا ولا بعاد
قال: فلما قرأ الرقعة صار إليهم، فأتم به يومه معهم.
أخبرنا محمّد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني أبو بكر العامريّ عن عنبسة القرشيّ الكريزيّ عن أبيه قال: مدح مطيع بن إياس الغمر بن يزيد بقصيدته الّتي يقول فيها:
لا تلح قلبك في شقائهودع المتيّم في بلائه
كفكف دموعك أن يفضن بناظر غرق بمائه
ودع النسيب وذكرهفبحسب مثلك من عنائه
كم لذّة قد نلتهاونعيم عيش في بهائه
بنواعم شبه الدّمىوالليل في ثنيي عمائه
واذكر فتى بيمينهحتف الزمان لدى التوائه
وإذا أميّة حصّلتكان المهذّب في انتمائه
وإذا الأمور تفاقمتعظما فمصدرها برائه
وإذا أردت مديحهلم يكد قولك في بنائه
في وجهه علم الهدىوالمجد في عطفي ردائه
وكأنّما البدر المنير مشبّه به في ضيائه
فأمر له بعشرة آلاف درهم، فكانت أوّل قصيدة أخذ بها جائزه سنية، وحرّكته ورفعت من ذكره، ثم وصله بأخيه الوليد فكان من ندمائه.
أنشدني محمّد بن العباس اليزيديّ عن عمّه، لمطيع بن إياس يستعطف يحيى بن زياد في هجرة كانت بينهما وتباعد:
يا سميّ النبيّ الّذي خصّ به اللّه عبده زكريا
فدعاه الإله يحيى ولم يجعل له اللّه قبل ذاك سميّا
كن بصبّ أمسى بحبك برّاإنّ يحيى قد كان برّا تقيا
قد مضى يحيى وغودرت فردانصب ما سرّ عيون الأعادي
وأرى عيني مذغاب يحيىبدّلت من نومها بالسّهاد
وسّدته الكفّ منّي تراباولقد أرثي له من وساد
بين جيران أقاموا صموتالا يحيرون جواب المنادي
أيّها المزن الّذي جاد حتّىأعشبت منه متون البوادي
اسق قبرا فيه يحيى فإنّيلك بالشكر مواف مغاد
نسخت من نسخة بخط هارون بن محمّد بن عبد الملك قال: لما بيعت جوهر الّتي كان مطيع بن إياس يشبّب بها قال فيها - وفيه غناء من خفيف الرمل أظنه لحكم -:
صاح غراب البين بالبينفكدت أنقدّ بنصفين
قد صار لي خدنان من بعدهمهمّ وغمّ شرّ خدنين
أفدي الّتي لم ألق من بعدهاأنسا وكانت قرّة العين
أصبحت أشكو فرقة البينلمّا رأت فرقتهم عيني
أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعي قال: حدّثنا العباس بن ميمون بن طائع قال: حدّثني ابن خرداذبة قال: خرج مطيع بن إياس، ويحيى بن زياد حاجّين، فقدّما أثقالهما وقال أحدهما للآخر: هل لك في أن نمضي إلى زرارة فنقصف ليلتنا عنده، ثم نلحق أثقالنا؟ فما زال ذلك دأبهم حتّى انصرف الناس من مكة. قال: فركبا بعيريهما وحلقا رؤسهما ودخلا مع الحجّاج المنصرفين. وقال مطيع في ذلك:
ألم ترني ويحيى قد حججناوكان الحجّ من خير التجاره
خرجنا طالبي خير وبرّفمال بنا الطريق إلى زراره
فعاد الناس قد غنموا وحجّواوأبنا موقرين من الخساره
وقد روي هذا الخبر لبشّار وغيره.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا الفضل بن محمّد اليزيديّ عن إبراهيم الموصلّي عن محمّد بن الفضل قال: خرج جماعة من الشّعراء في أيام المنصور عن بغداد في طلب المعاش، فخرج يحيى بن زياد إلى محمّد بن العباس وكنت في صحابته، فمصى إلى البصرة، وخرج حماد عجرد إليها معه، وعاد حمّاد الراوية إلى الكوفة، وأقام مطيع بن إياس ببغداد وكان يهوى جارية يقال لها: «ريم» لبعض النخّاسين وقال فيها:
لو لا مكانك في مدينتهملظعنت في صحبي الألى ظعنوا
أو طنت بغدادا بحبّكموبغيرها لولاكم الوطن
قال: وقال مطيع في صبوح اصطبحه معها:
ويوم ببغداد نعمنا صباحهعلى وجه حوراء المدامع تطرب
ببيت ترى فيه الزّجاج كأنهنجوم الدّجى بين النّدامى تغلّب
يصرّف ساقينا ويقطب تارةفيا طيبها مقطوبة حين يقطب
علينا سحيق الزعفران وفوقناأكاليل فيها الياسمين المذهّب
فما زلت أسقى بين صنج ومزهرمن الرّاح حتّى كادت الشمس تغرب
وفيها يقول:
أمسى مطيع كلفاصبّا حزينا دنفا
حرّ لمن يعشقهبرقّه معترفا
يا ريم فاشفي كبداحرّى وقلبا شغفا
ونوّليني قبلةواحدة ثمّ كفى
قال وفيها يقول:
يا ريم قد أتلفت روحي فمامنها معي إلّا القليل الحقير
فأذنبي إن كنت لم تذنبيفيّ ذنوبا إنّ ربّي غفور
ماذا على أهلك لو جدت ليوزرتني يا ريم فيمن يزور
هل لك في أجر تجازي بهفي عاشق يرضيه منك اليسير
يقبل ما جدت به طائعاوهو وإن قلّ لديه الكثير
لعمري من أنت له صاحبما غاب عنه في الحياة السّرور
قال وفيها يقول:
يا ريم يا قاتلتيإن لم تجودي فعدي
بيّضت بالمطل وإخلافك وعدي كبدي
حالف عيني سهديوما بها من رمد
يا ليتني في الأحدأبليت منّي جسدي
لمن به من شقوتيأخذت حتفي بيدي
أنشدني علي بن سليمان الأخفش قال: أنشدني محمّد بن الحسن بن الحرون عن ابن النطّاح لمطيع بن إياس، يقوله في جوهر جارية بربر:
يا بأبي وجهك من بينهمفإنّه أحسن ما أبصر
يا بأبي وجهك من رائعيشبهه البدر إذا يزهر
جارية أحسن من حليهاوالحلي فيه الدرّ والجوهر
وجرمها أطيب من طيبهاوالطّيب فيه المسك والعنبر
جاءت بها بربر مكنونةيا حبّذا ما جلبت بربر
كأنّما ريقتها قهوةصبّ عليها بارد أسمر
أخبرني الحسين بن القاسم قال: حدّثنا ابن أبي الدنيا قال: حدّثني منصور بن بشر العمركي عن محمّد بن الزبرقان قال: كان مطيع بن إياس كثير العبث، فوقف على أبي العمير: رجل من أصحاب المعلّى الخادم، فجعل يعبث به ويمازحه إلى أن قال:
ألا أبلغ لديك أبا العميرأراني اللّه في استك نصف أير
فقال له أبو العمير: يا أبا سلمى، لوجدت لأحد بالأير كلّه لجدت به إلى ما بيننا من الصداقة، ولكنك بحبّك لا نريده كلّه إلا لك. فأفحمه، ولم يعاود العبث به.
قال: وكان مطيع يرمى بالأبنة.
قال: وسقط لمطيع حائط، فقال له بعض أصدقائه: احمد اللّه على السلامة! قال: احمد اللّه أنت الّذي لم ترعك هدّته، ولم يصبك غباره، ولم تعدم أجرة بنائه.
أخبرني إسماعيل بن يونس بن أبي اليسع الشّيعيّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال:
أمن آل ليلى عزمت البكوراولم تلق ليلى فتشفي الضّميرا
وقد كنت دهرك فيما خلالليلى وجارات ليلى زءورا
ليالي أنت بها معجبتهيم إليها وتعصي الأميرا
وإذ هي حوراء شبه الغزال تبصر في الطّرف منها فتورا
تقول ابنتي إذ رأت حالتيوقرّبت للبين عنسا وكورا
إلى من أراك، وقتك الحتوف نفسي، تجشّمت هذا المسيرا
فقلت: إلى البجليّ الّذييفكّ العناة ويغني الفقيرا
أخي العرف أشبه عند الندىوحمل المئين أباه جديرا
عشير الندى ليس يرضى النّدىيد الدّهر بعد جرير عشيرا
إذا استكثر المجتدون القليل للمعتفين استقلّ الكثيرا
إذا عسر الخير في المجتدين كان لديه عتيدا يسيرا
وليس بمانع ذي حاجةولا خاذل من أتى مستجيرا
فنفسي وقتك أبا خالدإذا ما الكماة أغاروا النّمورا
إلى ابن يزيد أبي خالدأخي العرف أعملتها عيسجورا
لنلقى فواضل من كفّهفصادفت منه نوالا غزيرا
فإن يكن الشّكر حسن الثّناء بالعرف منّي تجدني شكورا
بصيرا بما يستلذّ الرّواة من محكم الشّعر حتّى يسيرا
فلما بلغ يزيد خبر قدومه دعا به ليلا، ولم يعلم أحد بحضوره، ثم قال له: قد عرفت خبرك، وإنّي متعجّل لك جائزتك ساعتي هذه، فإذا حضرت غدا فإني سأخاطبك مخاطبة فيها جفاء، وأزوّدك نفقة طريقك وأصرفك، لئلّا يبلغ أبا جعفر خبري فيهلكني. فأمر له بمائتي دينار، فلما أصبح أتاه، فاستأذنه في الإنشاد، فقال له: يا هذا لقد رميت بآمالك غير مرمى، وفي أيّ شيء أنا حتّى ينتجعني الشعراء؟ لقد أسأت إليّ لأني لا أستطيع تبليغك محابّك، ولا آمن سخطك وذمّك. فقال له: تسمع ما قلت فإنّي أقبل ميسورك، وأبسط عذرك. فاستمع منه كالمتكلّف المتكره، فلما فرغ قال لغلامه: يا غلام كم مبلغ ما بقي من نفقتنا؟ قال: ثلاثمائة درهم. قال: أعطه مائة درهم لنفقة طريقه، ومائة درهم ينصرف بها إلى أهله، واحتبس لنفقتنا مائة درهم. ففعل الغلام ذلك، وانصرف مطيع عنه شاكرا، ولم يعرف أبو جعفر خبره.
أنشدني وكيع عن حمّاد بن إسحاق عن أمّه، لمطيع بن إياس، وفيه غناء:
واها لشخص رجوت نائلهحتّى انثنى لي بودّه صلفا
لانت حواشيه لي وأطمعنيحتّى إذا قلت نلته انصرفا
قال: وأنشدني حمّاد أيضا عن أبيه، لمطيع بن إياس، وفيه غناء أيضا:
خليلي مخلف أبدايمنّيني غدا فغدا
وبعد غد وبعد غدكذا لا ينقضي أبدا
له جمر على كبديإذا حرّكته وقدا
وليس بلابث جمر الغضى أن يحرق الكبدا
وفي هذه الأبيات لعريب هزج.
أخبرني أحمد بن العبّاس العسكري قال: حدّثنا العنزي عن مسعود بن بشر قال: قال الوليد بن يزيد لمطيع بن إياس: أيّ الأشياء أطيب عندك؟ قال: «صهباء صافية، تمزجها غانية، بماء غادية».
قال: صدقت.
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني أبو عبد اللّه التميمي قال: حدّثنا أحمد بن عبيد. وأخبرني عمّي قال: حدّثنا الكراني عن العمريّ عن العتبي قال: سكر مطيع بن إياس ليلة، فعربد على يحيى بن زياد عربدة قبيحة وقال له وقد حلف بالطلاق:
لا تحلفا بطلاق منأمست حوافرها رقيقه
مهلا فقد علم الأنام بأنّها كانت صديقه
إن تصلني فمثلك اليوم يرجىعفوه الذّنب عن أخيه ووصله
ولئن كنت قد هممت بهجريللذي قد فعلت إنّي لأهله
وأحقّ الرّجال أن يغفر الذّنب لإخوانه الموفّر عقله
الكريم الّذي له الحسب الثّاقب في قومه ومن طاب أصله
ولئن كنت لا تصاحب إلّاصاحبا لا تزلّ ما عاش نعله
لا تجده وإن جهدت، وأنّىبالذي لا يكاد يوجد مثله
إنّما صاحبي الّذي يغفر الذنب ويكفيه من أخيه أقلّه
الّذي يحفظ القديم من العهد وإن زلّ صاحب قلّ عذله
ورعى ما مضى من العهد منهحين يؤذي من الجهالة جهله
ليس من يظهر المودّة إفكاوإذا قال خالف القول فعله
وصله للصّديق يوما فإن طال فيومان ثم ينبتّ حبله
قال: فصالحه يحيى وعاود عشرته.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا هارون بن محمّد بن عبد الملك قال: حدّثني أبو أيّوب المدنيّ قال: حدّثني أحمد بن إبراهيم الكاتب قال: حدّثني أبي عن رجل من أهل الشأم قال: كنت يوما نازلا بدير كعب، قد قدمت من سفر، فإذا أنا برجل قد نزل الدّير معه ثقل وآلة وعيبة، فكان قريبا من موضعي، فدعا بطعام فأكل، ودعا الراهب فوهب له دينارين، وإذا بينه وبينه صداقة، فأخرج له شرابا فجلس يشرب ويحدّث الراهب، وأنا أراهما، إذ دخل الدّير رجل فجلس معهما، فقطع حديثهما وثقل في مجلسه، وكان غثّ الحديث، فأطال. فجاءني بعض غلمان الرجل النازل فسألته عنه، فقال: هذا مطيع بن إياس. فلمّا قام الرجل وخرج كتب مطيع على الحائط شيئا، وجعل يشرب حتّى سكر، فلما كان من غد رحل، فجئت موضعه فإذا فيه مكتوب:
طربة ما طربت في دير كعبكدت أقضي من طربتي فيه نحبي
وتذكّرت إخوتي ونداماي فهاج البكاء تذكار صحبي
حين غابوا شتّى وأصبحت فرداونأوا بين شرق أرض وغرب
وهم ما هم، فحسبي لا أبغي بديلا بهم لعمرك حسبي
طلحة الخير منهم وأبو المنذر خلّي ومالك ذاك تربى
أيّها الداخل الثقيل عليناحين طاب الحديث لي ولصحبي
خفّ عنا فأنت أثقل والله علينا من فرسخي دير كعب
ومن النّاس من يخفّ ومنهمكرحى البزر ركّبت فوق قلبي
أخبرنا الحسن بن علي قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثنا عمر بن محمّد قال: حدّثنا الحسين بن إياس، ويحيى بن زياد، وزاد العمل حتّى حلف يحيى بن زياد على بطلان شيء كلّمه به مما دار بينهما، فقال مطيع:
لا تحلفا بطلاق منأمست حوافرها رقيقه
هيهات قد علم الأمير بأنّها كانت صديقه
فغضب يحيى وحلف ألّا يكلّم مطيعا أبدا، وكانا لا يكادان يفترقان في فرح ولا حزن، ولا شدّة ولا رخاء، فتباعد ما بين يحيى وبينه، وتجافيا مدّة، فقال مطيع في ذلك، وندم على ما فرط منه إلى يحيى؛ فكتب إليه بهذا الشّعر، قال:
كنت ويحيى كيد واحدةنرمي جميعا وترانا معا
إن عضّني الدّهر فقد عضّهيوجعنا ما بعضنا أوجعا
أو نام نامت أعين أربعمنّا وإن أسهر فلن يهجعا
يسّرني الدّهر إذا سرّهوإن رماه فلنا فجّعا
حتّى إذا ما الشّيب في مفرقيلاح وفي عارضه أسرعا
سعى وشاة فمشوا بينناوكاد حبل الودّ أن يقطعا
فلم ألم يحيى على فعلهولم أقل ملّ ولا ضيّعا
لكنّ أعداء لنا لم يكنشيطانهم يرى بنا مطمعا
بينا كذا غاش على غرةفأوقد النّيران مستجمعا
فلم يزل يوقدها دائباحتّى إذا ما اضطرمت أقلعا
أخبرنا الحسين بن يحيى المرداسيّ، عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن محمّد بن الفضل السّكوني. وأخبرنا محمّد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعيّ عن عمّه. قال إسحاق في خبره: «دخل على إخوان يشربون»، وقال الأصمعيّ: دخل سراعة بن الزندبور على مطيع بن إياس ويحيى بن زياد، وعندهما قينة تغنّيهما، فسقوه أقداحا وكان على الريق، فاشتدّ ذلك عليه، فقال مطيع للقينة: غنّي سراعة. فقالت له: أيّ شيء تختار؟ فقال: غني:
طبيبيّ داويتما ظاهرافمن ذا يداوي جوى باطنا
ففطن مطيع لمعناه، فقال: إبك أكل؟ قال: نعم. فقدّم إليه طعاما فأكل ثم شرب معهم. واللّه أعلم.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني محمّد بن هارون الأزرقيّ مولى بني هاشم أخي أبي عشانة قال: حدّثني الفضل بن محمّد بن الفضل الهاشمي عن أبيه قال: كان مطيع بن إياس يهوى ابن مولى لنا يقال له محمّد بن سالم، فأخرجت أباه إلى ضيعة لي بالريّ لينظر فيها، فأخرجه أبوه معه، ولم أكن عرفت خبر مطيع معه حتّى أتاني، فأنشدني لنفسه:
أيا ويحه لا الصّبر يملك قلبهفيصبر لمّا قيل سار محمّد
فلا الحزن يفنيه ففي الموت راحةفحتّى متى في جهده يتجلّد
قد اضحى صريعا باديات عظامهسوى أنّ روحا بينها تتردّد
كئيبا يمنّي نفسه بلقائهعلى نأيه واللّه بالحزن يشهد
يقول لها صبرا عسى اليوم آئببإلفك أو جاء بطلعته الغد
وكنت يدا كانت بها الدهر قوّتيفأصبحت مضنى منذ فارقني يدي
في أخبار مطيع الّتي تقدّم ذكرها آنفا أغان أغفلت عن نسبتها حتى انتهيت إلى هذا الموضع فنسبتها فيه:
صوت
طبيبيّ داويتما ظاهرافمن ذا يداوي جوّى باطنا
فقوما اكوياني ولا ترحمامن الكيّ مستحصفا راصنا
ومرّا على منزل بالغميمفإنّي عهدت به شادنا
فتور القيام رخيم الكلام كان فؤادي به راهنا
الشعر فيما ذكر عبد اللّه بن شبيب عن الزبير بن بكّار، لعمرو بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشيّ العدوي، والغناء لمعبد، ولحنه ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها عن إسحاق وعمرو، وفيه لأبي العبيس بن حمدون ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر، وهو من صدور أغانيه ومختارها وما تشبّه فيه بالأوائل. ولو قال قائل: إنه أحسن صنعة له صدق.
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد عن أبيه، أن غيلان بن خرشة الصّبّيّ دخل إلى قوم من إخوانه وعندهم قينة، فجلس معهم وهو لا يدري فيم هم، حتّى غنت القينة:
طبيبيّ داويتما ظاهرافمن ذا يداوي جوى باطنا
وكان أعرابيّا جافيا به لوثة، فغضب ووثب وهو يقول: السوط وربّ غيلان يداوي ذلك الجوى! وخرج من عندهم.
وهذا الخبر مذكور في أخبار معبد من كتابي هذا وغيره، ولكنّ ذكره هاهنا حسن فذكرته.
وما فيها من الأغاني قول مطيع
صوت
أمسيت جمّ بلابل الصدردهرا أزجّيه إلى دهر
إن فهت طلّ دمي وإن كتمتوقدت عليّ توقّد الجمر
الغناء لحكم الواديّ، هزج بالبنصر عن حبش الهشاميّ.
أخبرني ابن الحسين قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن صباح بن خاقان قال: دخلت علينا جوهر المغنية جارية بربر، وكانت محسنة جميلة ظريفة، وعندنا مطيع بن إياس وهو يلعب بالشطرنج، وأقبل عليها بنظره وحديثه، ثم قال:
ولقد قلت معلنالسعيد وجعفر
إن أتتني منيتيفدمي عند بربر
قتلتني بمنعهالي من وصل جوهر
قال: وجوهر تضحك منه.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعيد عن أبي توبة قال: بلغ مطيع بن إياس أن حماد عجرد عاب شعرا ليحيى بن زياد قاله في منقذ بن بدر الهلالي، فأجابه منقذ عنه بجواب، فاستخفّهما حمّاد عجرد، وطعن عليهما، فقال فيه مطيع:
أيها الشاعر الّذيعاب يحيى ومنقذا
أنت لو كنت شاعرالم تقل فيهما كذا
لست واللّه فاعلمنّلدي النقد جهبذا
تعدل الصبر بالرضىشائب الصّفو بالقذى
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي توبة عن ابن أبي منيع الأحدب قال: كنت جالسا مع مطيع بن إياس، فمرّت بنا مكنونة جارية المروانية، وكان مطيع وأصحابنا يألفونها، فلم تسلّم، وعبث بها مطيع بن إياس فشتمته، فالتفت إليّ وأنشأ يقول:
فديت من مرّ بنايوما ولم يتكلم
وكان فيما خلا منه كلما مر سلّم
وإن رآني حيّابطرفه وتبسّم
لقد تبدّل - فيماأظنّ - واللّه أعلم
فليت شعري ماذاعليّ في الود ينقم
يا ربّ إنك تعلمأني بمكنون مغرم
وأنني في هواهاألقى الهوان وأعظم
يا لائمي في هواهااحفظ لسانك تسلم
واعلم بأنك مهماأكرمت نفسك تكرم
إنّ الملول إذا ماملّ الوصال تجرّم
أو لا فما لي أجفىمن غير ذنب وأحرم
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان مطيع بن إياس يألف جواري بربر، ويهوى منهنّ جاريتها المسماة جوهر، وفيها يقول؛ ولحكم فيه غناء:
خافي اللّه يا بربرلقد أفسدت ذا العسكر
إذا ما أقبلت جوهريفوح المسك والعنبر
وجوهر درّة الغوّاص من يملكها يحبر
لها ثغر حكى الدرّوعينا رشإ أحور
في هذه الأبيات هزج لحكم الواديّ. قال وفيها يقول:
أنت يا جوهر عندي جوهرهفي قياس الدرر المشتهره
أو كشمس أشرقت في بيتهاقذفت في كل قلب شرره
وكأنّي ذائق من فمهاكلما قبّلت فاها سكّره
وكأنّي حين أخلو معهافائز بالجّنة المختضره
قال: فجاءها يوما، فاحتجبت عنه فسأل عن خبرها، فعرف أن فتى من أهل الكوفة يقال له ابن الصّحّاف يهواها متخلّ معها، فقال مطيع يهجوها:
ناك واللّه جوهر الصّحّافوعليها قميصها الأفواف
شام فيها أيرا له ذا ضلوعلم يشنه ضعف ولا إخطاف
جدّ دفعا فيها فقالت ترفّقما كذا يا فتى تناك الظّراف
أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا هرون بن محمّد بن عبد الملك قال، قال محمّد بن صالح بن النطاح: أنشد المهديّ قول مطيع بن إياس:
خافي الله يا بربرلقد أفتنت ذا العسكر
بريح المسك والعنبروظبي شادن أحور
وجوهر درّة الغوّامن يملكها يحبر
أما والله يا جوهرلقد فقت على الجوهر
فلا والله ما المهديّأولى منك بالمنبر
فإن شئت ففي كفيك خلع ابن أبي جعفر
فقال المهدي: اللهم العنهما جميعا، ويلكم! أجمعوا بين هذين قبل أن تخلعنا هذه القحبة. وجعل يضحك من قول مطيع. ووجدت أبيات مطيع الثلاثة الّتي هجا بها جوهر في رواية يحيى بن علي أتمّ من رواية إسحاق وهي بعد البيتين الأوّلين:
زعموها قالت وقد غاب فيهاقائما في قيامه استحصاف
وهو في جارة استها يتلظّىيا فتى هكذا تناك الظّراف
ناكها ضيفها وقبّل فاهايا لقومي لقد طغى الأضياف
لم يزل يرهز الشهيّة حتىزال عنها قميصها والعطاف
وقال هارون بن محمّد في خبره: بيعت جوهر جارية بربر، فاشترتها امرأة هاشمية من ولد سليمان بن علي كانت تغني بالبصرة وأخرجتها، فقال مطيع فيها:
لا تبعدي يا جوهرعنّا وإن شطّ المزار
ويلي لقد بعدت ديارك سلّمت تلك الديار
يشفى بريقتها السّقام كأنّ ريقتها العقار
بيضاء واضخه الجبين كأنّ غرّتها نهار
القلب قلبي وهو عند الهاشميّة مستعار
أخبرني محمّد بن عمران الصيرفيّ قال حدّثنا العنزي قال: حدّثنا علي بن منصور المؤدب أن صديقا لمطيع دعاه إلى بستان له بكلواذي، فمضى إليها، فلم يستطبها، فقال يهجوها:
بلدة تمطر التراب على الناس كما يمطر السماء الرذاذا
وإذا ما أعاذ ربي بلادامن خراب كبعض ما قد أعاذا
خربت عاجلا ولا أمهلت يوما ولا كان أهلها كلواذي
أخبرني محمّد بن جعفر النحوي قال حدّثنا طلحة بن عبد اللّه أبو إسحاق الطلحي قال حدّثني عافية بن شبيب بن خاقان التميمي أبو معمر قال: كان لمطيع بن إياس معامل من تجار الكوفة، فطالت صحبته إياه وعشرته له حتى شرب النبيذ، وعاشر تلك الطبقة، وأفسدوا دينه، فكان إذا شرب يعمل كما يعملون، وقال كما يقولون، وإذا صحا تهيّب ذلك وخافه، فمرّ يوما بمطيع بن إياس وهو جالس على باب داره، فقال له: من أين أقبلت؟ قال: شيّعت صديقا لي حجّ، ورجعت كما ترى ميتا من ألم الحرّ والجوع والعطش. فدعا مطيع بغلامه وقال له: أيّ شيء عندك؟ فقال له: عندي من الفاكهة كذا، ومن البوارد والحارّ كذا، ومن الأشربة والثلج والرياحين كذا، وقد رشّ الخيش وفرغ من الطعام. فقال له: كيف ترى هذا؟ فقال: هذا واللّه العيش وشبه الجّنة. قال: أنت الشريك فيه على شريطة إن وفيت بها وإلا انصرفت. قال: وما هي؟ قال: تشتم الملائكة وتنزل. فنفر التاجر وقال: قبح اللّه عشرتكم قد فضحتموني وهتكتموني. ومضى فلم يبعد حتى لقيه حمّاد عجرد فقال له: ما لي أراك نافرا جزعا؟ فحدثه حديثه. فقال: أساء مطيع - قبحه اللّه - وأخطأ، وعندي واللّه ضعف ما وصف لك؛ فهل لك فيه؟ فقال: أجل، بي واللّه إليه أعظم فاقة. قال: أنت الشريك فيه على أن تشتم الأنبياء فإنّهم تعبّدونا بكل أمر معنت متعب، ولا ذنب للملائكة فنشتمهم.
فنفر التاجر وقال: أنت أيضا فقبحك اللّه، لا أدخل! ومضى فاجتاز بيحيى بن زياد الحارثيّ فقال له: ما لي أراك يا أبا فلان مرتاعا؟ فحدثه بقصّته. فقال: قبحهما اللّه لقد كلّفاك شططا، وأنت تعلم أن مروءتي فوق مروءتهما، وعندي واللّه أضعاف ما عندهما، وأنت الشّريك فيه على خصلة تنفعك ولا تضرّك، وهي خلاف ما كلفاك إيّاه من الكفر.
قال: ما هي؟ قال: تصلي ركعتين تطيل ركوعهما وسجودهما، وتصليهما وتجلس، فنأخذ في شأننا، فضجر التاجر وتأفّف وقال: هذا شرّ من ذاك، أنا تعب ميّت، تكلّفني صلاة طويلة في غير برّ ولا لإطاعة يكون ثمنها أكل سحت وشرب خمر وعشرة فجرة وسماع مغنيات قحاب. وسبّه وسبّهما ومضى مغضبا. فبعث خلفه غلاما وأمره بردّه، فردّه كرها، وقال: انزل الآن على ألا تصلّي اليوم بتة. فشتمه أيضا وقال: ولا هذا. فقال: انزل الآن كيف شئت وأنت ثقيل غير مساعد. فنزل عنده. ودعا يحيى مطيعا وحمادا، فعبثا بالتاجر ساعة وشتماه، ثم قدّم الطعام، فأكلوا وشربوا وصلّى التاجر الظهر والعصر، فلما دبّت الكأس فيه قال له مطيع: أيّما أحب إليك: تشتم الملائكة أو تنصرف؟ فشتمهم. فقال له حماد: أيما أحب إليك: تشتم الأنبياء أو تنصرف؟ فشتمهم. فقال له يحيى: أيما أحب إليك: تصلي ركعتين أو تنصرف؟ فقام فصلّى الركعتين، ثم جلس فقالوا له: أيما أحب إليك: تترك باقي صلاتك اليوم أو تنصرف؟ قال: بل أتركها با بني الزانية ولا أنصرف. فعمل كلّ ما أرادوه منه.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمّد بن الفضل السّكوني قال: رفع صاحب الخبر إلى المنصور أنّ مطيع بن إياس زنديق، وأنه يعاشر ابنه جعفرا وجماعة من أهل بيته، ويوشك أن يفسدوا أديانهم وينسبوا إلى مذهبه. فقال له المهدي: أنا به عارف، أمّا الزندقة فليس من أهلها، ولكنه خبيث الدين فاسق مستحلّ للمحارم. قال: فأحضره وانهه عن صحبة جعفر وسائر أهله. فأحضره المهدي وقال له: يا خبيث يا فاسق، قد أفسدت أخي ومن تصحبه من أهلي، واللّه لقد بلغني أنهم يتقادعون عليك، ولا يتمّ لهم سرور إلا بك، فقد غرّرتهم وشهّرتهم في الناس، ولو لا أني شهدت لك عند أمير المؤمنين بالبراءة مما نسبت إليه بالزندقة، لقد كان أمر بضرب عنقك. وقال للربيع: اضربه مائتي سوط واحبسه. قال: ولم يا سيدي؟ قال: لأنك سكّير خمّير قد أفسدت أهلي كلّهم بصحبتك. فقال له: إن أذنت وسمعت احتججت. قال: قل. قال: أنا امرؤ شاعر، وسوقي إنما تنفق مع الملوك، وقد كسدت عندكم، وأنا في أيامكم مطّرح، وقد رضيت فيها مع سعتها للناس جميعا بالأكل على مائدة أخيك، لا يتبع ذلك عشيرة، وأصفيته على ذلك شكري وشعري، فإن كان ذلك عائبا عندك تبت منه. فأطرق، ثم قال: قد رفع إليّ صاحب الخبر أنك تتماجن على السّؤّال وتضحك منهم. قال: لا، واللّه ما ذلك من فعلي ولا شأني، ولا جرى مني قط إلا مرة؛ فإنّ سائلا أعمى اعترضني - وقد عبرت الجسر على بغلتي - وظنّني من الجند، فرفع عصاه في وجهي ثم صاح: اللهم سخر الخليفة لأن يعطي الجند أرزاقهم، فيشتروا من التجار الأمتعة، ويربح التجار عليهم فتكثر أموالهم، فتجب فيها الزكاة عليهم، فيصدّقوا عليّ منها. فنفرت بقلبي من صياحه ورفعه عصاه في وجهي حتى كدت أسقط في الماء، فقلت: يا هذا ما رأيت أكثر فضولا منك، سل اللّه أن يرزقك ولا تجعل هذه الحوالات والوسائط الّتي لا يحتاج إليها، فإن هذه المسائل فضول، فضحك الناس منه، ورفع عليّ في الخبر قولي له هذا. فضحك المهدي وقال: خلّوه ولا يضرب ولا يحبس. فقال له: أدخل عليك لموجدة وأخرج عن رضى وتبرأ ساحتي من عضيهة وأنصرف بلا جائزة؟ قال: لا يجوز هذا، أعطوه مائتي دينار ولا يعلم بها الأمير، فيتجدّد عنده ذنوبه.
قال: وكان المهدي يشكر له قيامه في الخطباء ووضعه الحديث لأبيه في أنه المهديّ. فقال له: اخرج عن بغداد ودع صحبة جعفر حتى ينساك أمير المؤمنين غدا. فقال له: فأين أقصد؟ قال: أكتب لك إلى سليمان بن علي فيولّيك عملا ويحسن إليك. قال: قد رضيت. فوفد إلى سليمان بكتاب المهدي، فولّاه الصدقة بالبصرة وكان عليها داود بن أبي هند، فعزله به.
حدّثني محمّد بن هاشم بن محمّد الخزاعي قال: حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة عن ابن عائشة أن مطيع بن إياس قدم على سليمان بن علي بالبصرة - وواليها على الصدقة داود بن أبي هند - فعزله وولّى عليها مطيعا.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أبو توبة عن بعض البصريين قال: كان مالك بن أبي سعدة عمّ جابر الشطرنجي جميل الوجه حسن الجسم، وكان يعاشر حماد عجرد ومطيع بن إياس وشرب معهما فأفسد بينهما وبينه وتباعد. فقال حماد عجرد يهجوه:
أتوب إلى اللّه من مالكصديقا ومن صحبتي مالكا
فإن كنت صاحبته مرةفقد تبت يا ربّ من ذلكا
قال: وأنشدها مطيعا، فقال له مطيع: سخنت عينك! هكذا تهجو الناس؟ قال: فكيف كنت أقول؟ قال: كنت تقول:
نظرة ما نظرتهايوم أبصرت مالكا
في ثياب معصفرات على الوجه باركا
تركتني ألوط منبعد ما كنت ناسكا
نظرة ما نظرتهاأو ردتني المهالكا
أخبرني عيسى بن الحسين قال حدّثنا حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال: كان مطيع بن إياس منقطعا إلى جعفر بن المنصور، فطالت صحبته له بغير فائدة، فاجتمع يوما مطيع وحماد عجرد ويحيى بن زياد، فتذاكروا أيام بني أمية وسعتها ونضرتها وكثرة ما أفادوا فيها، وحسن مملكتهم وطيب دارهم بالشأم، وما هم فيه ببغداد من القحط في أيام المنصور، وشدّة الحرّ، وخشونة العيش، وشكو الفقر فأكثروا، فقال مطيع بن إياس: قد قلت في ذلك شعرا فاسمعوا. قالوا: هات. فأنشدهم:
حبّذا عيشنا الّذي زال عناحبذا ذاك حين لا حبّذا ذا
أين هذا من ذاك سقيا لهذاك ولسنا نقول سقيا لهذا
زاد هذا الزمان عسرا وشراعندنا إذ أحلّنا بغداذا
بلدة تمطر التراب على الناس كما يمطر السماء الرّذاذا
خربت عاجلا وأخرب ذو العرش بأعمال أهلها كلواذي
أخبرني عيسى بن الحسين عن حماد عن أبيه قال: لما خرج حماد بن العباس إلى البصرة، عاشر جماعة من أهلها وأدبائها وشعرائها، فلم يجدهم كما يريد، ولم يستطب عشرتهم واستغلظ طبعهم، وكان هو ومطيع بن إياس وحماد الراوية ويحيى بن زياد كأنّهم نفس واحدة، وكان أشدّهم أنسا به مطيع بن إياس، فقال حماد يتشوّقه:
لست واللّه بناسلمطيع بن إياس
ذاك إنسان له فضل على كلّ أناس
غرس الله له فيكبدي أحلى غراس
فإذا ما الكاس دارتواحتساها من أحاسي
كان ذكرانا مطيعاعندها ريحان كاسي
حدّثنا عيسى بن الحسين عن حماد عن أبيه قال: دعا مطيع بن إياس صديقا له من أهل بغداد إلى بستان له بالكرخ، يقال له بستان صبّاح، فأقام معه ثلاثة أيام في فتيان من أهل الكرخ مرد وشبّان، ومغنّين ومغنّيات، فكتب مطيع إلى يحيى بن زياد الحارثي يخبره بأمره ويتشوّقه، قال:
كم ليلة بالكرخ قد بتّهاجذلان في بستان صبّاح
في مجلس تنفح أرواحهيا طيبها من ريح أرواح
يدير كأسا فإذا ما دنتحفّت بأكواب وأقداح
في فتية بيض بها ليل ماإن لهم في الناس من لاح
لم يهنني ذاك لفقد امرىءأبيض مثل البدر وضّاح
كأنما يشرق من وجههإذا بدا لي ضوء مصباح
قال: فلما قرأ يحيى هذه الأبيات قام من وقته، فركب إليهم، وحمل إليهم ما يصلحهم من طعام وشراب وفاكهة، فأقاموا فيه أياما على قصفهم حتى ملّوا، ثم انصرفوا.
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمّد بن الفضل قال: قال مطيع بن إياس: جلست أنا ويحيى بن زياد إلى فتى من أهل الكوفة كان ينسب إلى الصّبوة ويكتم ذاك، ففاوضناه وأخذنا في أشعار العرب ووصفها البيد وما أشبه ذلك، فقال:
لأحسن من بيد يحار بها القطاومن جبلي طيّ ووصفكما سلعا
تلاحظ عيني عاشقين كلاهماله مقلة في وجه صاحبه ترعى
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني أبو المضاء قال: عاتب المهدي مطيع بن إياس في شيء بلغه عنه، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن كان ما بلغك عني حقا فما تغني المعاذير، وإن كان باطلا فما تضر الأباطيل. فقبل عذره وقال: فإنّا ندعك على حملتك ولا نكشفك. واللّه أعلم.
حدّثني عمي الحسن بن محمّد قال حدّثنا الكراني قال حدّثنا العمري عن الهيثم بن عديّ قال: اجتمع حماد الراوية ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحكم الواديّ يوما على شراب لهم في بستان بالكوفة، وذلك في زمن الربيع، ودعوا جوهر المغنية، وهي الّتي يقول فيها مطيع:
أنت يا جوهر عندي جوهرهفي قياس الدّرر المشتهره
فشربوا تحت كرم معروش حتى سكروا، فقال مطيع في ذلك:
صوت
خرجنا نمتطي الزهراونجعل سقفنا الشجرا
ونشربها معتّقةتخال بكأسها شررا
وجوهر عندنا تحكيبدارة وجهها القمرا
يزيدك وجهها حسناإذا ما زدته نظرا
وجوهر قد رأيناهافلم نر مثلها بشر
غنى فيه حكم غناء خفيفا، فلم يزالوا يشربون عليه بقية يومهم. وقد روي أن بعض هذا الشعر للمهدي وأنه قال منه واحدا، وأجازه بالباقي بعض الشعراء. وهذا أصح. لحن حكم في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى.
حدّثنا محمّد بن خلف وكيع قال حدّثني حماد عن أبيه قال: كان مطيع بن إياس عاقا بأبيه شديد البغض له وكان يهجوه، فأقبل يوما من بعد، ومطيع يشرب مع إخوان له، فلما رآه أقبل على أصحابه فقال:
هذا إياس مقبلاجاءت به إحدى الهنات
هوّز فوه وأنفهكلمنّ في إحدى الصّفات
وكأنّ سعفص بطنهوالثغر شين قريّشات
لما رأيتك آتياأيقنت أنك شرّآت
حدّثني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب قال حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمّد بن الفضل السكوني قال: مدح مطيع بن إياس معن بن زائدة بقصيدته الّتي أوّلها:
أهلا وسهلا بسيّد العربذي الغرر الواضحات والنّجب
فتى نزار وكهلها وأخي الجود حوى غايتيه من كثب
قيل أتاكم أبو الوليد فقال الناس طرّافي السهل والرّحب
أبو العفاة الّذي يلوذ بهمن كان ذا رغبة وذا رهب
جاء الّذي تفرج الهموم بهحين يلزّ الوضين بالحقب
جاء وجاء المضاء يقدمهرأي إذا همّ غير مؤتشب
شهم إذا الحرب شبّ دائرهاأعادها عودة على القطب
يطفىء نيرانها ويوقدهاإذا خبت نارها بلا حطب
إلّا بوقع المذكّرات يشبّهن إذا ما انتضين بالشّهب
لم أر قرنا له يبارزهإلا أراه كالصقر والخرب
ليث بخفّان قد حمى أجمافصار منها في منزل أشب
شبلاه قد أدّبا به فهماشبهاه في جدّه وفي لعب
قد ومقا شكله وسيرتهوأحكما منه أكرم الأدب
نعم الفتى تقرن الصّعاب بهعند تجاثي الخصوم للرّكب
ونعم ما ليلة الشتاء إذا استنبح كلب القرى فلم يجب
لا ونعم عنده مخالفةمثل اختلاف الصّعود والصّبب
يحصر من لا فلا يهمّ بهاومنه تضحي نعم على أرب
ترى له الحلم والنّهى خلقافي صولة مثل جاحم اللّهب
سيف الإمامين ذاك وذا إذاقلّ بناة الوفاء والحسب
ذا هودة لا يخاف نبوتهاودينه لا يشاب بالريب
فلما سمعها معن قال له: إن شئت مدحناك كما مدحتنا وإن شئت أثبناك. فاستحيا مطيع من اختيار الثواب على المديح وهو محتاج إلى الثواب، فأنشأ يقول لمعن:
ثناء من أمير خير كسبلصاحب فاقة وأخى ثراء
ولكنّ الزمان برى عظاميوما مثل الدراهم من دواء
فضحك معن حتى استلقى وقال: لقد لطفت حتى تخلصت منها، صدقت، لعمري ما مثل الدراهم من دواء! وأمر له بثلاثين ألف درهم، وخلع عليه وحمله.
أخبرني محمّد بن يحيى الصولي قال حدّثني المهلّبي عن أبيه عن إسحاق قال: كان لمطيع بن إياس صديق من العرب يجالسه، فضرط ذات يوم وهو عنده، فاستحيا وغاب عن المجلس، فتفقّده مطيع وعرف سبب انقطاعه، فكتب إليه وقال:
أظهرت منك لنا هجرا ومقليةوغبت عنا ثلاثا لست تغشانا
هوّن عليك فما في الناس ذو إبلإلا وأنيقه يشردن أحيانا
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدّثني العباس بن ميمون طائع قال حدّثنا بعض شيوخنا البصريين الظرفاء وقد ذكرنا مطيع بن إياس، فحدثنا عنه قال: اجتمع يحيى بن زياد ومطيع بن إياس وجميع أصحابهم، فشربوا أياما تباعا، فقال لهم يحيى ليلة من الليالي وهم سكارى: ويحكم! ما صلينا منذ ثلاثة أيام فقوموا بنا حتى نصلي. فقالوا: نعم. فقام مطيع فأذّن وأقام، ثم قالوا: من يتقدم؟ فتدافعوا ذلك، فقال مطيع للمغنّية: تقدّمي فصلي بنا. فتقدمت تصلي بهم عليها غلالة رقيقة مطيّبة بلا سراويل، فلما سجدت بان فرجها، فوثب مطيع وهي ساجدة فكشف عنه وقبّله وقطع صلاته، ثم قال:
ولما بدا فرجها جاثماكرأس حليق ولم تعتمد
سجدت إليه وقبّلتهكما يفعل الساجد المجتهد
فقطعوا صلاتهم، وضحكوا وعادوا إلى شربهم.
حدّثني عمي الحسن بن محمّد قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمّد بن القاسم مولى موسى الهادي قال: كتب المهدي إلى أبي جعفر يسأله أن يوجّه إليه بابنه موسى، فحمله إليه، فلما قدم عليه قامت الخطباء تهنئه، والشعراء تمدحه، فأكثروا حتى آذوه وأغضبوه، فقام مطيع بن إياس فقال:
أحمد اللّه إله الخلق ربّ العالمينا
الّذي جاء بموسىسالما في سالمينا
الأمير ابن الأمير ابن أمير المؤمنينا
فقال المهدي: لا حاجة بنا إلى قول بعد ما قاله مطيع. فأمسك الناس، وأمر له بصلة.
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب لأبي سعيد السّكري بخطه. قال: حدّثني ابن أبي فنن. أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بهذا الخبر فيما أجاز لنا أن يرويه عنه عن أبي أيوب المدائني عن ابن أبي الدواهي، وخبر السكري أتم واللفظ له، قال: كان بالكوفة رجل يقال له أبو الأصبغ له قيان، وكان له ابن وضيء حسن الصورة يقال له الأصبغ، لم يكن بالكوفة أحسن وجها منه، وكان يحيى بن زياد ومطيع بن إياس وحماد عجرد وضرباؤهم يألفونه ويعشقونه ويطرفونه، وكلهم كان يعشق ابنه أصبغ، حتى كان يوم نوروز وعزم أبو الأصبغ على أن يصطبح مع يحيى بن زياد، وكان يحيى قد أهدى له من الليل جداء ودجاجا وفاكهة وشرابا، فقال أبو الأصبع لجواريه: إن يحيى بن زياد يزورنا اليوم، فأعددن له كلّ ما يصلح لمثله. ووجّه بغلمان له ثلاثة في حوائجه، ولم يبق بين يديه أحد، فبعث بابنه أصبغ إلى يحيى يدعوه ويسأله التعجيل، فلما جاءه استأذن له الغلام، فقال له يحيى: قل له يدخل، وتنحّ أنت وأغلق الباب ولا تدع الأصبغ يخرج إلا بإذني. ففعل الغلام ودخل الأصبغ، فأدّى إليه رسالة أبيه، فلما فرغ راوده يحيى عن نفسه، فامتنع، فثاوره يحيى وعاركه حتى صرعه، ثم رالم حلّ تكّته، فلم يقدر عليها، فقطعها وناكه، فلما فرغ أخرج من تحت مصلّاه أربعين دينار، فأعطاه إياها، فأخذها، وقال له يحيى: امض فإني بالأثر. فخرج أصبغ من عنده، فوافاه مطيع بن إياس، فرآه يتبخّر ويتطيّب ويتزيّن، فقال له: كيف أصبحت؟ فلم يجبه، وشمخ بأنفه، وقطّب حاجبيه، وتفخّم؛ فقال له: ويحك مالك؟ نزل عليك الوحي؟ كلمتك الملائكة؟ بويع لك بالخلافة؟
وهو يومىء برأسه: لا لا، في كل كلامه، فقال له: كأنك قد نكت أصبغ بن أبي الأصبغ قال: إي واللّه الساعة نكته، وأنا اليوم في دعوة أبيه. فقال مطيع: فامرأته طالق إن فارقتك أو نقبّل متاعك. فأبداه له يحيى حتى قبّله، ثم قال له: كيف قدرت عليه؟ فقال يحيى ما جرى وحدثه بالحديث، وقام يمضي إلى منزل أبي الأصبغ، فتبعه مطيع، فقال له: ما تصنع معي والرجل لم يدعك؟ وإنما يريد الخلوة. فقال: أشيّعك إلى بابه ونتحدث. فمضى معه، فدخل يحيى وردّ الباب في وجه مطيع، فصبر ساعة، ثم دقّ الباب فاستأذن، فخرج إليه الرسول، وقال له: يقول لك أنا اليوم على شغل لا أتفرّغ معه لك. فتعذّر. قال: فابعث إليّ بدواة وقرطاس، فكتب إليه مطيع:
يا أبا الأصبغ لا زلت علىكل حال ناعما متّبعا
لا تصيّرنى في الودّ كمنقطع التّكّة قطعا شنعا
وأتى ما يشتهي لم يثنهخيفة أو حفظ حق ضيّعا
لو ترى الأصبغ ملقى تحتهمستكينا خجلا قد خضعا
وله دفع عليه عجلشبق شاءك ما قد صنعا
فادع بالأصبغ واعلم حالهسترى أمرا قبيحا شنعا
قال فقال أبو الأصبغ ليحيى: فعلتها يا ابن الزانية؟ قال: لا واللّه. فضرب بيده إلى تكّة ابنه، فرآها مقطوعة، وأيقن يحيى بالفضيحة، فتلكأ الغلام، فقال له يحيى: قد كان الّذي كان، وسعى بي إليك مطيع ابن الزانية، وهذا ابني وهو واللّه أفره من ابنك، وأنا عربي ابن عربية وأنت نبطيّ ابن نبطية، فنك ابني عشر مرات مكان المرّة الّتي نكت ابنك، فتكون قد ربحت الدنانير، وللواحد عشرة. فضحك وضحك الجواري، وسكن غضب أبي الأصبغ، وقال لابنه: هات الدنانير يابن الفاعلة. فرمى بها إليه، وقام خجلا، وقال يحيى: واللّه لا أدخل مطيع الساعي ابن الزانية. فقال أبو الأصبغ وجواريه: واللّه ليدخلنّ، فقد نصحنا وغششتنا. فأدخلناه وجلس يشرب ومعهم يحيى يشتمهم بكل لسان، وهو يضحك، واللّه أعلم.
أخبرني عمي الحسن بن محمّد قال حدّثنا الكراني عن العمري عن العتبي قال: حضر مطيع بن إياس وشراعة بن الزندبوذ ويحيى بن زياد ووالبة بن الحباب وعبد اللّه بن العيّاش المنتوف وحماد عجرد، مجلسا لأمير من أمراء الكوفة، فتكايدوا جميعا عنده، ثم اجتمعوا على مطيع يكايدونه ويهجونه فغلبهم جميعا، حتى قطعهم ثم هجاهم بهذين البيتين وهما.
وخمسة قد أبانوا لي كيادهموقد تلظّى لهم مقلى وطنجير
لو يقدرون على لحمي لمزّقهقرد وكلب وجرواه وخنزير
أخبرني وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمّد بن الفضل قال: دخل صديق لمطيع بن إياس، فرأى غلاما تحته ينيكه، وفوق مطيع غلام له يفعل كذلك، فهو كأنه في تخت، فقال له: ما هذا يا أبا سلمى؟ قال: هذه اللذة المضاعفة.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان حماد الراوية قد هجر مطيعا لشيء بلغه عنه، وكان مطيع حلقيا، فأنشد شعرا ذات يوم وحماد حاضر، فقيل له: من يقول هذا يا أبا سلمى؟ قال: الحطيئة. قال حماد: نعم هذا شعر الحطيئة لما حضر الكوفة وصار بها حلقيا. يعرّض حماد بأنّه كذاب، وأنّه حلقي، فأمسك مطيع عن الجواب وضحك.
حدّثني محمّد بن العباس اليزيدي قال حدّثني محمّد بن إسحاق البغوي قال حدّثنا بن الأعرابي عن الفضل قال: جاء رجل إلى مطيع بن إياس فقال: قد جئتك خاطبا. قال: لمن؟ قال: لمودّتك. قال: قد أنكحتكها وجعلت الصداق ألا تقبل فيّ قول قائل. ويقال إن الأبيات الّتي فيها الغناء المذكور بذكرها أخبار مطيع بن إياس يقولها في جارية له يقال لها جودانة كان باعها فندم، فذكر الجاحظ أن مطيعا حلف أنها كانت تستلقي على ظهرها فيشخص كتفاها ومأكمتاها، فتدحرج تحتها الرمان فينفذ إلى الجانب الآخر. ويقال إنه قالها في امرأة من أبناء الدّهاقين كان يهواها، وشعره يدل على صحة هذا القول، والقول الأوّل غلط.
أخبرني بخبره مع هذه الجارية أبو الحسن الأسدي قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن سعيد بن سالم قال: أخبرني مطيع بن إياس الليثي - وكان أبوه من أهل فلسطين من أصحاب الحجاج بن يوسف - أنه كان مع سلم بن قتيبة، فلما خرج إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، كتب إليه المنصور يأمره باستخلاف رجل على عمله والقدوم عليه في خاصّته على البريد، قال مطيع: وكانت لي جارية يقال لها جودانة كنت أحبها، فأمرني سلم بالخروج معه، فاضطررت إلى بيع الجارية، فبعتها وندمت على ذلك بعد خروجي وتمنيت أن أكون أقمت، وتتبّعتها نفسي، ونزلنا حلوان، فجلست على العقبة أنتظر ثقلي وعنان دابّتي في يدي وأنا مستند إلى نخلة على العقبة وإلى جانبها نخلة أخرى، فتذكرت الجارية واشتقتها وقلت:
أسعداني يا نخلتي حلوانوابكيا لي من ريب هذا الزمان
واعلما أنّ ريبه لم يزل يفرق بين الألّاف والجيران
ولعمري لو ذقتما ألم الفرقة قد أبكاكما الّذي أبكاني
أسعداني وأيقنا أن نحساسوف يلقاكما فتفترقان
كم رمتني صروف هذي اللياليبفراق الأحباب والخلّان
غير أني لم تلق نفسي كما لاقيت من فرقة ابنة الدّهقان
جارة لي بالرّيّ تذهب همّيويسلّي دنّوها أحزاني
فجعتني الأيام أغبط ما كنت بصدع للبين غير مدان
وبرغمي أن أصبحت لا تراها العين مني وأصبحت لا تراني
إن نكن ودّعت فقد تركت بيلهبا في الضمير ليس بوان
كحريق الضّرام في قصب الغاب زفته ريحان تختلفان
فعليك السلام ماساغ سلاما عقلي وفاض لساني
هكذا ذكر أبو الحسن الأسديّ في هذا الخبر وهو غلط.
نسخت خبر هذا من خط أبي أيوب المدائني عن حماد، ولم يقل عن أبيه عن سعيد بن سالم عن مطيع قال: كانت لي بالرّي جارية أيام مقامي بها مع سلم بن قتيبة، فكنت أتستّر بها، وكنت أتعشق امرأة من بنات الدّهاقين كنت نازلا إلى جنبها في دار لها، فلما خرجنا بعت الجارية وبقيت في نفسي علاقة من المرأة الّتي كنت أهواها، فلما نزلنا عقبة حلوان جلست مستندا إلى إحدى النخلتين اللتين على العقبة فقلت:
أسعداني يا نخلتي حلوانوارثيا لي من ريب هذا الزمان
وذكر الأبيات، فقال لي سلم: ويلك فيمن هذه الأبيات؟ أفي جاريتك؟ فاستحييت أن أصدقه فقلت: نعم. فكتب من وقته إلى خليفته أن يبتاعها لي، فلم ألبث أن ورد كتابه: إني وجدتها قد تداولها الرجال، فقد عزفت نفسي عنها. فأمر لي بخمسة آلاف درهم، ولا واللّه ما كان في نفسي منها شيء، ولو كنت أحبها لم أبال إذا رجعت إليّ بمن تداولها، ولم أبال لو ناكها أهل منى كلّهم.
أخبرني عمي عن الحسن عن أحمد بن أبي طاهر عن عبد اللّه بن أبي سعد عن محمّد بن الفضل الهاشمي عن سلام الأبرش قال:
لما خرج الرشيد إلى طوس هاج به الدم بحلوان، فأشار عليه الطبيب أن يأكل جمّارا، فأحضر دهقان حلوان وطلب منه جمّارا، فأعلمه أن بلده ليس بها نخل، ولكن على العقبة نخلتان، فمر بقطع إحداهما. فقطعت، فأتي الرشيد بجمارتها، فأكل منها وراح. فلما انتهى إلى العقبة نظر إلى إحدى النخلتين مقطوعة والأخرى قائمة، وإذا على القائمة مكتوب:
أسعداني يا نخلتي حلوانوابكيا لي من ريب هذا الزمان
أسعداني وأيقنا أنّ نحساسوف يلقاكما فتفترقان
فاغتم الرشيد، وقال: يعزّ عليّ أن أكون نحستكما، ولو كنت سمعت بهذا الشعر ما قطعت هذه النخلة ولو قتلني الدم.
أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا الحارثي بن أبي أسامة قال حدّثني محمّد بن أبي محمّد القيسيّ عن أبي سمير عبد اللّه بن أيوب قال: لما خرج المهدي فصار بعقبة حلوان استطاب الموضع فتغدّى ودعا بحسنة فقال لها: أما ترين طيب هذا الموضع؟ غنيني بحياتي حتى أشرب هاهنا أقداحا، فأخذت محكّة كانت في يده وأوقعت على مخدّة وغنّته:
أيا نخلتي وادي بوانة حبّذاإذا نام حراس النخيل جناكما
فقال: أحسنت، ولقد هممت بقطع هاتين النخلتين - يعني نخلتي حلوان - فمنعني منهما هذا الصوت. وقالت له حسنة: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين أن تكون النحس المفرق بينهما. فقال لها: وما ذاك؟ فأنشدته أبيات مطيع هذه.
فلما بلغت إلى قوله:
أسعداني وأيقنا أن نحساسوف يلقاكما فتفترقان
قال: أحسنت واللّه فيما قلت، إذ نبهتني على هذا، واللّه لا أقطعهما أبدا، ولأوكلنّ بهما من يحفظهما ويسقيهما ما حييت. ثم أمر بأن يفعل، فلم يزل في حياته على ما رسمه إلى أن مات.
نسبة هذا الصوت الّذي غنته حسنة
أيا نخلتي وادي بوانة حبّذاإذا نام حرّاس النخيل جناكما
فطيبكما أربى على النخل بهجةوزاد على طول الفتاء فتاكما
يقال إن الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة، وفيه لعطرد رمل بالوسطى من روايته ورواية الهشاميّ.
أخبرني عمي عن أحمد بن طاهر عن الخرّاز عن المدائني أن المنصور اجتاز بنخلتي حلوان وكانت إحداهما على الطريق، فكانت تضيّقه وتزحم الأثقال عليه، فأمر بقطعهما، فأنشد قول مطيع:
واعلما ما بقيتما أنّ نحساسوف يلقاكما فتفترقان
قال: لا واللّه ما كنت ذلك النحس الّذي يفرق بينهما، وتركهما.
وذكر أحمد بن إبراهيم عن أبيه عن جده إسماعيل بن داود أنّ المهدي قال: قد أكثر الشعراء في نخلتي حلوان ولهممت أن آمر بقطعهما. فبلغ قوله المنصور، فكتب إليه: «بلغني أنك هممت بقطع نخلتي حلوان، ولا فائدة لك في قطعهما، ولا ضرر عليك في بقائهما، فأنا أعيذك باللّه أن تكون النّحس الّذي يلقاهما، فتفرق بينهما». يريد قول مطيع.
ومما قالت الشعراء في نخلتي حلوان قول حماد عجرد، وفيه غناء قد ذكرته في أخبار حماد:
جعل اللّه سدرتي قصر شيرين فداء لنخلتي حلوان
جئت مستسعدا فلم يسعدانيومطيع بكت له النخلتان
وأنشدني جحظة ووكيع عن حماد عن أبيه لبعض الشعراء ولم يسمّه:
أيّها العاذلان لا تعذلانيودعاني من الملام دعاني
وابكيا لي فإنّني مستحقمنكما بالبكاء أن تسعداني
إنني منكما بذلك أولىمن مطيع بنخلتي حلوان
فهما تجهلان ما كان يشكومن هواه وأنتما تعلمان
وقال فيهما أحمد بن إبراهيم الكاتب في قصيدة:
وكذاك الزمان ليس وإن ألّف يبقى عليه مؤتلفان
سلبت كفّه الغريّ أخاهثم ثنّى بنخلتي حلوان
فكأنّ الغريّ قد كان فرداوكأن لم تجاور النخلتان
أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني مصعب الزبيري عن أبيه قال: جلس مطيع بن إياس في العلة الّتي مات فيها في قبة خضراء وهو على فرش خضر، فقال له الطبيب: أي شيء تشتهي اليوم؟ قال: أشتهي ألا أموت. قال: ومات في علته هذه، وذلك بعد ثلاثة أشهر مضت له من خلافة الهادي.
قال أبو الفرج: ما وجدت فيه غناء من شعر مطيع، قال:
صوت
أمرّ مدامة صرفاكأنّ صبيبها ودج
كأنّ المسك نفحتهاإذا بزلت لها أرج
فظلّ تخاله ملكايصرفها ويمتزج
الغناء لإبراهيم، ثاني ثقيل بالخنصر والوسطى عن ابن المكي. وفيه لحن آخر لابن جامع. وهذه الطريقة بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
صوت
جدلت كجدل الخيزران وثنيت فتثنّت
وتيقّنت أن الفؤاد يحبها فأدلّت
الغناء لعبد اللّه بن عباس الربيعي خفيف رمل، وذكر حبش أنه لمقامة.
صوت
أيها المبتغي بلوى رشادياله عنّي فما عليك فسادي
أنت خلو من الّذي بي وما يعلم ما بي إلا القريح الفؤاد
الغناء ليونس رمل بالبنصر من كتابه ورواية الهشامي.
صوت
إلا إن أهل الدار قد ودّعوا الداراوقد كان أهل الدار في الدار أجوارا
يبكّي على إثر الجميع فلا يرىسوى نفسه فيها من القوم ديّارا
الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة. وذكر ابن المكي أن فيه لابن سريج لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر.
انقضت أخبار مطيع وللّه الحمد.
صوت
فيّ انقباض وحشمة فإذاصادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيّتهاوقلت ما قلت غير محتشم
الشعر لمحمد بن كناسة الأسديّ، والغناء لقلم الصالحية، ثقيل أوّل بالوسطى. وذكر ابن خرداذبة أنّ فيه لإسماعيل بن صالح لحنا.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع