من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار محمّد بن كناسة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو محمّد بن كناسة، واسم كناسة عبد اللّه بن عبد الأعلى بن عبيد اللّه بن خليفة بن زهير بن نضلة بن أنيف بن مازن بن صهبان - واسم صهبان كعب - بن دويبة بن أسامة بن نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة؛ ويكنى أبا يحيى. شاعر من شعراء الدولة العباسية، كوفي المولد والمنشأ، قد حمل عنه شيء من الحديث؛ وكان إبراهيم بن أدهم الزاهد خاله، وكان امرأ صالحا لا يتصدّى لمدح ولا لهجاء؛ وكانت له جارية شاعرة مغنية يقال لها دنانير؛ وكان أهل الأدب وذوو المروءة يقصدونها للمذاكرة والمساجلة في الشعر.
أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال حدّثني إبراهيم بن أبي عثمان قال حدّثني مصعب الزّبيري قال: قلت لمحمد بن كناسة الأسدي ونحن بباب أمير المؤمنين: أأنت الّذي تقول في إبراهيم بن أدهم العابد:
رأيتك ما يغنيك ما دونه الغنىوقد كان يغنى دون ذاك ابن أدهما
وكان يرى الدنيا صغيرا عظيمهاوكان لحقّ اللّه فيها معظّما
وأكثر ما تلقاه في القوم صامتافإن قال بذ القائلين وأحكما
فقال محمّد بن كناسة: أنا قلتها وقد تركت أجودها. فقال:
أهان الهوى حتى تجنّبه الهوىكما اجتنب الجاني الدّم الطالب الدّما
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني عليّ بن مسرور العتكي قال حدّثني أبي قال قال ابن كناسة: لقد كنت أتحدّث بالحديث فلو لم يجد سامعه إلا القطن الّذي على وجه أمه في القبر لتعلّل عليه حتى يستخرجه ويهديه إليّ، وأنا اليوم أتحدّث بذلك الحديث فما أفرغ منه حتى أهيّ ء له عذرا.
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان إجازة قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثني عبيد اللّه بن يحيى بن فرقد قال سمعت محمّد بن كناسة يقول: كنت في طريق الكوفة، فإذا أنا بجويرية تلعب بالكعاب كأنها قضيب بان، فقلت لها: أنت أيضا لو ضعت لقالوا ضاعت جارية، ولو قالوا ضاعت ظبية كانوا أصدق. فقالت: ويلي عليك يا شيخ! وأنت أيضا تتكلم بهذا الكلام؟ فكسفت واللّه إلى بالي ثم تراجعت فقلت:
وإنّي لحلو مخبري إن خبرتنيولكن يغطّيني ولا ريب بي شيخ
فقالت لي وهي تلعب وتبسمت: فما أصنع بك أنا إذا؟ فقلت: لا شيء. وانصرفت.
أخبرنا ابن المرزبان قال حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: سألت محمّد بن كناسة عن قول الشاعر:
إذا الجوزاء أردفت الثرياظننت بآل فاطمة الظنونا
فقال: يقول إذا صارت الجوزاء في الموضع الّذي ترى فيه الثريا خفت تفرّق الحيّ من مجمعهم؛ والثريا تطلع بالغداة في الصيف، والجوزاء تطلع بعد ذلك في أوّل القيظ.
أخبرني ابن المرزبان قال حدّثني ابن أبي سعد قال حدّثني صالح بن أحمد بن عباد قال:
مرّ محمّد بن كناسة في طريق بغداد، فنظر إلى مصلوب على جذع، وكانت عنده امرأة يبغضها، وقد ثقل عليه مكانها، فقال يعنيها:
أيا جذع مصلوب أتى دون صلبهثلاثون حولا كاملا هل تبادل
فما أنت بالحمل الّذي قد حملتهبأضجر مني بالذي أنا حامل
أخبرني ابن المرزبان قال حدّثنا عبد اللّه بن محمّد. وأخبرني الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن محمّد بن عمران عن عبيد بن حسن قال: رأى رجل محمّد بن كناسة يحمل بيدة بطن شاة، فقال: هاته أحمله عنك. فقال: لا. ثم قال:
لا ينقص الكامل من كمالهما جرّ من نفع إلى عياله
أخبرني وكيع قال أخبرني ابن أبي الدّنيا قال حدّثني محمّد بن علي بن عثمان عن أبيه قال: كنت يوما عند ابن كناسة، فقال لنا: أعرّفكم شيئا من فهم دنانير؟ يعني جاريته. قلنا: نعم. فكتب إليها: «إنك أمة ضعيفة لكعاء، فإذا جاءك كتابي هذا فعجّلي بجوابي. والسلام». فكتبت إليه: «ساءني تهجينك إياي عند أبي الحسين، وإنّ من أعيا العيّ الجواب عما لا جواب له. والسلام».
أخبرني وكيع قال أخبرني ابن أبي الدنيا قال كتب إليّ الزبير بن بكّار أخبرني عليّ بن عثمان الكلابيّ قال: جئت يوما إلى منزل محمّد بن كناسة فلم أجده، ووجدت جاريته دنانير جالسة، فقالت لي: مالك محزونا يا أبا الحسين؟ فقلت: رجعت من دفن أخ لي من قريش. فسكتت ساعة ثم قالت:
بكيت على أخ لك من قريشفأبكانا بكاؤك يا عليّ
فمات وما خبرناه ولكنطهارة صحبه الخبر الجليّ
أخبرني الحسن بن علي الخفّاف قال حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمّد بن عمران الضبّي قال: أملق محمّد بن كناسة فلامه قومه في القعود عن السلطان وانتجاعه الأشراف بأدبه وعلمه وشعره، فقال لهم مجيبا عن ذلك:
تؤنّبني أن صنت عرضي عصابةلها بين أطناب اللئام بصيص
يقولون لو غمّضت لازددت رفعةفقلت لهم إني إذن لحريص
أتكلم وجهي لا أبا لأبيكممطامع عنها للكرام محيص
معاشي دوين القوت والعرض وافروبطني عن جدوى اللئام خميص
سألقى المنايا لم أخالط دنيّةولم تسر بي في المخزيات قلوص
حدّثنا الحسن بن علي قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني محمّد بن عمر الجرجاني قال حدّثني إسحاق الموصلي قال: أنشدني محمّد بن كناسة لنفسه قال:
فيّ انقباض وحشمة فإذاصادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيّتهاوقلت ما قلت غير محتشم
قال إسحاق فقلت لابن كناسة: وددت أنه نقص من عمري سنتان وأني كنت سبقتك إلى هذين البيتين فقلتهما.
حدّثني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمّد بن عمران الضّبيّ قال حدّثني محمّد بن المقدام العجلي قال:
كانت أم محمّد بن كناسة امرأة من بني عجل، وكان إبراهيم بن أدهم خاله أو ابن خاله، فحدثني ابن كناسة أن إبراهيم بن أدهم قدم الكوفة فوجّهت أمّه إليه بهدية معه، فقبلها ووهب له ثوبا، ثم مات إبراهيم، فرثاه ابن كناسة فقال:
رأيتك ما يكفيك ما دونه الغنىوقد كان يكفي دون ذاك ابن أدهما
وكان يرى الدنيا قليلا كثيرهافكان لأمر اللّه فيهما معظّما
أمات الهوى حتى تجنّبه الهوىكما اجتنب الجاني الدّم الطالب الدّما
وللحلم سلطان على الجهل عندهفما يستطيع الجهل أن يترمرما
وأكثر ما تلقاه في القوم صامتاوإن قال بذّ القائلين وأحكما
يرى مستكينا خاضعا متواضعاوليثا إذا لاقى الكتيبة ضيغما
على الجدث الغربيّ من آل وائلسلام وبرّ ما أبرّ وأكرما
أخبرني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني زكريا بن مهران قال: عاتب محمّد بن كناسة صديق له شريف كان ابن كناسة يزوره ويألفه على تأخره عنه، فقال ابن كناسة:
ضعفت عن الإخوان حتى جفوتهمعلى غير زهد في الوفاء ولا الودّ
ولكنّ أيامي تخرّمن منّتيفما أبلغ الحاجات إلا على جهد
حدّثني الحسن بن علي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمّد بن عمران الضّبّيّ قال أنشدني ابن كناسة - قال الضّبّيّ: وكان يحيى يستحسنها ويعجب بها -:
ومن عجب الدنيا تبقّيك للبلىوأنّك فيها للبقاء مريد
وأيّ بني الأيام إلا وعندهمن الدهر ذنب طارف وتليد
ومن يأمن الأيام أما انبياعهافخطر وأما فجعها فعتيد
إذا اعتادت النفس الرّضاع من الهوىفإنّ فطام النفس عنه شديد
حدّثني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمّد بن عمران الضبي قال قال لي عبيد بن الحسن: قال لي ابن كناسة ذات يوم في زمن الربيع: اخرج بنا ننظر إلى الحيرة فإنها حسنة في هذا الوقت. فخرجت معه حتى بلغنا الخورنق، فلم يزل ينظر إلى البر وإلى رياض الحيرة وحمرة الشقائق، فأنشأ يقول:
الآن حين تزيّن الظّهرميثاؤه وبراقه العفر
بسط الربيع بها الرياض كمابسطت قطوع اليمنة الخمر
برّيّة في البحر نابتةيجبى إليها البرّ والبحر
وجرى الفرات على مياسرهاوجرى على أيمانها الزهر
وبدا الخورنق في مطالعهافردا يلوح كأنه الفجر
كانت منازل للملوك ولميعلم بها لمملّك قبر
قال: ثم قال يصف تلك البلاد:
سفلت عن برد أرضزادها البرد عذابا
وعلت عن حرّ أخرىتلهب النار التهابا
مزجت حينا ببردفصفاالعيش وطابا
أخبرني محمّد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدّثني إسحاق بن محمّد الأسدي قال حدّثني عبد الأعلى بن محمّد بن كناسة قال: رآني أبي مع أحداث لم يرضهم، فقال لي:
ينبيك عن عيب الفتىترك الصلاة أو الخدين
فإذا تهاون بالصّلاة فما له في الناس دين
ويزنّ ذو الحدث المريب بما يزنّ به القرين
إن العفيف إذا تكنّفه المريب هو الظنين
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني أحمد بن خلّاد قال أخبرنا عباد بن الحسين بن عباد بن كناسة - قال: كان محمّد بن كناسة عمّ أبيه - قال: كان يجيء إلى محمّد بن كناسة رجل من عشيرته فيجالسه، وكان يكتب الحديث ويتفقه ويظهر أدبا ونسكا، وظهر محمّد بن كناسة منه على باطن يخالف ظاهره، فما جاءه قال له:
ما من روى أدبا فلم يعمل بهويكفّ عن دفع الهوى بأديب
حتى يكون بما تعلّم عاملامن صالح فيكون غير معيب
ولقلما يغني إصابة قائلأفعاله أفعال غير مصيب
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن كناسة عن أبيه عن جده قال: أتيت امرأة من بني أود تكحلني من رمد كان أصابني، فكحلتني ثم قالت: اضطجع قليلا حتى يدور الدواء في عينك. فاضطجعت، ثم تمثلت قول الشاعر:
أمخترمي ريب المنون ولم أزرطبيب بني أود على النّأي زينبا
فضحكت ثم قالت: أتدري فيمن قيل هذا الشعر؟ قلت: لا واللّه. فقالت: فيّ واللّه قيل، وأنا زينب الّتي عناها، وأنا طبيب أود، أفتدري من الشاعر؟ قلت: لا. قالت: عمك أبو سماك الأسدي.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال أخبرني عليّ بن عثّام الكلابيّ قال: كانت لابن كناسة جارية شاعرة مغنية، يقال لها دنانير، وكان له صديق يكنى أبا الشّعثاء، وكان عفيفا مزّاحا، فكان يدخل إلى ابن كناسة يسمع غناء جاريته ويعرّض لها بأنه يهواها، فقالت فيه:
لأبي الشعثاء حبّ باطنليس فيه نهضة للمتّهم
يا فؤادي فازدجر عنه وياعبث الحبّ به فاقعد وقم
زارني منه كلام صائبووسيلات المحبّين الكلم
صائد تأمنه غزلانهمثل ما تأمن غزلان الحرم
صلّ إن أحببت أن تعطى المنىيا أبا الشّعثاء للّه وصم
ثمّ ميعادك يوم الحشر فيجنّة الخلد إن اللّه رحم
حيث ألقاك غلاما ناشئايافعا قد كملت فيه النّعم
أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ المؤدّب قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني أحمد بن محمّد الأسديّ قال حدّثني جدي موسى بن صالح قال: ماتت دنانير جارية ابن كناسة، وكانت أديبة شاعرة، فقال يرثيها بقوله:
الحمد للّه لا شريك لهيا ليت ما كان منك لم يكن
إن يكن القول قلّ فيك فماأفحمني غير شدّة الحزن
قال أبو الفرج: وقد روى ابن كناسة حديثا كثيرا، وروى عنه الثقات من المحدثين؛ فممن روى ابن كناسة عنه سليمان بن مهران الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة بن الزبير، ومسعر بن كدام، وعبد العزيز بن أبي داود، وعمر بن ذر الهمداني، وجعفر بن برقان، وسفيان الثّوري، وفطر بن خليفة ونظراؤهم.
أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا محمّد بن سعد العوفي قال حدّثنا محمّد بن كناسة قال حدّثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال: قلت: يا رسول اللّه إن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم. قال: «المرء مع من أحبّ».
أخبرني الحسن قال حدّثنا محمّد بن سعد قال حدّثنا محمّد بن كناسة قال حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللّه بن جعفر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائنا خديجة». واللّه أعلم.
أخبرني الحسن قال حدّثنا محمّد بن سعد قال حدّثنا ابن كناسة قال حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زرّ بن حبيش قال: كانت في أبيّ بن كعب شراسة، فقلت له: يا أبا المنذر، اخفض جناحك يرحمك اللّه، وأخبرنا عن ليلة القدر. فقال: هي ليلة سبع وعشرين. وقد روى حديثا كثيرا ذكرت منه هذه الأحاديث فقط، ليعلم صحة ما حكيته عنه، وليس استيعاب هذا الجنس مما يصلح هاهنا.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع