من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ديك الجنّ ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
ديك الجنّ لقب غلب عليه، واسمه عبد السّلام بن رغبان بن عبد السّلام بن حبيب بن عبد اللّه بن رغبان بن يزيد بن تميم. وكان جدّه تميم ممن أنعم اللّه - عزّ وجلّ - عليه بالإسلام من أهل مؤتة على يدي حبيب بن مسلمة الفهريّ، وكان شديد التشعّب والعصبيّة على العرب، يقول: ما للعرب علينا فضل، جمعتنا وإيّاهم ولادة إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم، وأسلمنا كما أسلموا، ومن قتل منهم رجلا منّا قتل به، ولم نجد اللّه عزّ وجلّ فضّلهم علينا، إذ جمعنا الدين.
وهو شاعر مجيد يذهب مذهب أبي تمّام والشاميّين في شعره. من شعراء الدّولة العبّاسيّة. وكان من ساكني حمص، ولم يبرح نواحي الشأم، ولا وفد إلى العراق ولا إلى غيره منتجعا بشعره ولا متصدّيا لأحد. وكان يتشيّع تشيّعا حسنا، وله مراث كثيرة في الحسين بن عليّ - عليهما السلام -، منها قوله:
يا عين لا للقضا ولا الكتببكا الرّزايا سوى بكا الطّرب
وهي مشهورة عند الخاص والعام، ويناح بها. وله عدّة أشعار في هذا المعنى، وكانت له جارية يهواها، فاتّهمها بغلام له فقتلها، واستنفد شعره بعد ذلك في مراثيها.
قال أبو الفرج: ونسخت خبره في ذلك من كتاب محمّد بن طاهر، أخبره بما فيه ابن أخ لديك الجنّ يقال له أبو وهب الحمصيّ، قال: كان عمّي خليعا ماجنا معتكفا على القصف واللهو، متلافا لما ورث عن آبائه، واكتسب بشعره من أحمد وجعفر ابني عليّ الهاشميّين، وكان له ابن عم يكنى أبا الطّيّب يعظه وينهاه عما يفعله، ويحول بينه وبين ما يؤثره ويركبه من لذّاته وربما هجم عليه وعنده قوم من السفهاء والمجّان وأهل الخلاعة، فيستخفّ بهم وبه. فلما كثر ذلك على عبد السلام قال فيه:
مولاتنا يا غلام مبتكرهفباكر الكأس لي بلا نظره
غدت على اللهو والمجون، علىأن الفتاة الحييّة الخفره
لحبّها - لا عدمتها - حرقمطويّة في الحشا ومنتشره
ما ذقت منها سوى مقبّلهاوضمّ تلك الفروع منحدره
وانتهرتني فمتّ من فرقيا حسنها في الرّضا ومنتهره!
ثم انثنت سورة الخمار بناخلال تلك الغدائر الخمره
وليلة أشرفت بكلكلهاعليّ كالطّيسان معتجره
فتقت ديجورها إلى قمرأثوابه بالعفاف مستتره
عج عبرات المدام نحوي منعشر وعشرين واثنتي عشره
قد ذكر الناس عن قيامهمذكرى بعقلي ما أصبحت نكره
معرفتي بالصواب معرفةغرّاء إمّا عرفتم النّكره
يا عجبا من أبي الخبيث ومنسروحه في البقائر الدّثره
يحمل رأسا تنبو المعاول عنصفحته والجلامد الوعره
لو البغال الكمت ارتقت سندافيه لمدّت قوائما خدره
ولا المجانيق فيه مغنيةألف تسامى وألف منكدره
انظر إلى موضع المقصّ من الهامة تلك الصّفيحة العجره
فلو أخذتم لها المطارقحرّانيّة صنعة اليد الخبره
إذا لراحت أكفّ جلّتهمكليلة والأداة منكسره
كم طربات أفسدتهنّ وكمصفوة عيش غادرتها كدره
وكم إذا ما رأوك يا ملك الموت لهم من أنامل خصره
وكم لهم دعوة عليك وكمقذفة أمّ شنعاء مشتهره
كريمة لؤمك استخفّ بهاونالها بالمثالب الأشره
قفوا على رحله تروا عجبافي الجهل يحكي طرائف البصره
يا كلّ مني وكلّ طالعةنحس ويا كلّ ساعة عسره
سبحان من يمسك السماء على الأرض وفيها أخلاقك القذره
قال: وكان عبد السلام قد اشتهر بجارية نصرانية من أهل حمص هويها وتمادى به الأمر حتى غلبت عليه وذهبت به. فلمّا اشتهر بها دعاها إلى الإسلام ليتزوّج بها، فأجابته لعلمها برغبته فيها، وأسلمت على يده، فتزوّجها، وكان اسمها وردا؛ ففي ذلك يقول:
انظر إلى شمس القصور وبدرهاوإلى خزاماها وبهجة زهرها
لم تبل عينك أبيضا في أسودجمع الجمال كوجهها في شعرها
ورديّة الوجنات يختبر اسمهامن ريقها من لا يحيط بخبرها
وتمايلت فضحكت من أردافهاعجبا ولكنّي بكيت لخصرها
تسقيك كأس مدامة من كفّهاورديّة ومدامة من ثغرها
قال: وكان قد أعسر واختلّت حاله، فرحل إلى سلمية قاصدا لأحمد بن عليّ الهاشميّ، فأقام عنده مدّة طويلة، وحمل ابن عمّه بغضه إيّاه بعد مودّته له وإشفاقه عليه بسبب هجائه له على أن أذاع على تلك المرأة الّتي تزوّجها عبد السلام أنها تهوى غلاما له، وقرّر ذلك عند جماعة من أهل بيته وجيرانه وإخوانه، وشاع ذلك الخبر حتى أتى عبد السلام، فكتب إلى أحمد بن عليّ شعرا يستأذنه في الرجوع إلى حمص ويعلمه ما بلّغه من خبر المرأة من قصيدة أوّلها:
إنّ ريب الزمان طال انتكاثهكم رمتني بحادث أحداثه
يقول فيها:
ظبي إنس قلبي مقيل ضحاهوفؤادي بريره وكباثه
وفيها يقول:
خيفة أن يخون عهدي وأن يضحيلغيري حجوله ورعاثه
ومدح أحمد بعد هذا؛ وهي طويلة. فأذن له فعاد إلى حمص؛ وقدّر ابن عمّه وقت قدومه، فأرصد له قوما يعلمونه بموافاته باب حمص. فلمّا وافاه خرج إليه مستقبلا ومعنّفا على تمسّكه بهذه المرأة بعد ما شاع من ذكرها بالفساد، وأشار عليه بطلاقها، وأعلمه أنّها قد أحدثت في مغيبه حادثة لا يجمل به معها المقام عليها، ودسّ الرجل الّذي رماها به، وقال له: إذا قدم عبد السلام ودخل منزله فقف على بابه كأنّك لم تعلم بقدومه، وناد باسم ورد؛ فإذا قال: من أنت؟ فقل: أنا فلان. فلمّا نزل عبد السلام منزله وألقى ثيابه، سألها عن الخبر وأغلظ عليها، فأجابته جواب من لم يعرف من القصّة شيئا. فبينما هو في ذلك إذ قرع الرجل الباب فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان. فقال لها عبد السلام: يا زانية، زعمت أنّك لا تعرفين من هذا الأمر شيئا! ثم اخترط سيفه فضربها به حتى قتلها، وقال في ذلك:
ليتني لم أكن لعطفك نلتوإلى ذلك الوصال وصلت
فالذي منّي اشتملت عليهألعار ما قد عليه اشتملت
قال ذو الجهل قد حلمت ولا أعلم أنّي حلمت حتى جهلت
لاثم لي بجهله ولماذاأنا وحدي أحببت ثم قتلت!
سوف آسى طول الحياة وأبكيك على ما فعلت لا ما فعلت
وقال فيها أيضا:
لك نفس مواتيهوالمنايا معاديه
أيّها القلب لا تعدلهوى البيض ثانيه
ليس برق يكون أخلب من برق غانيه
خنت سرّي ولم أخنك فموتي علانيه
قال: وبلغ السلطان الخبر فطلبه، فخرج إلى دمشق فأقام بها أياما. وكتب أحمد بن عليّ إلى أمير دمشق أن يؤمّنه، وتحمّل عليه بإخوانه حتى يستوهبوا جنايته فقدم حمص وبلغه الخبر على حقيقته وصحّته، واستيقنه فندم، ومكث شهرا لا يستفيق من البكاء ولا يطعم من الطعام إلا ما يقيم رمقه، وقال في ندمه على قتلها:
يا طلعة طلع الحمام عليهاوجنى لها ثمر الرّدى بيديها
روّيت من دمها الثّرى ولطالماروّى الهوى شفتيّ من شفتيها
قد بات سيفي في مجال وشاحهاومدامعي تجري على خدّيها
فوحقّ نعليها وما وطىء الحصىشيء أعزّ عليّ من نعليها
ما كان قتليها لأنّي لم أكنأبكي إذا سقط الذّباب عليها
لكن ضننت على العيون بحسنهاوأنفت من نظر الحسود إليها
وهذه الأبيات تروى لغير ديك الجن.
أخبرني بها محمّد بن زكريا الصحّاف قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمّد بن منصور قال: كان من غطفان رجل يقال له السّليك بن مجمّع، وكان من الفرسان، وكان مطلوبا في سائر القبائل بدماء قوم قتلهم، وكان يهوى ابنة عمّ له، وكان خطبها مدّة فمنعها أبوها، ثم زوّجه إياها خوفا منه، فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته، فلقيه من بني فزارة ثلاثون فارسا كلّهم يطلبه بذحل، فحلّقوا عليه، وقاتلهم وقتل منهم عددا، وأثخن بالجراح آخرين، وأثخن هو حتى أيقن بالموت. فعاد إليها فقال: ما أسمح بك نفسا لهؤلاء، وإني أحبّ أن أقدّمك قبلي. قالت: افعل، ولو لم تفعله أنت لفعلته أنا بعدك. فضربها بسيفه حتى قتلها، وأنشأ يقول:
يا طلعة طلع الحمام عليها
وذكر الأبيات المنسوبة إلى ديك الجن، ثم نزل إليها فتمرّغ في دمها وتخضّب به، ثم تقدّم فقاتل حتى قتل.
وبلغ قومه خبره، فحملوه وابنة عمّه فدفنوهما. قال: وحفظت فزارة عنه هذه الأبيات فنقلوها. قال: وبلغني أن قومه أدركوه وبه رمق، فسمعوه يردّد هذه الأبيات، فنقلوها وحفظوها عنه، وبقي عندهم يوما ثم مات.
وقال ديك الجن في هذه المقتولة:
أشفقت أن يرد الزمان بغدرهأو أبتلى بعد الوصال بهجره
قمر أنا استخرجته من دجنهلبليّتي وجلوته من خدره
فقتلته وله عليّ كرامةملء الحشى وله الفؤاد بأسره
عهدي به ميتا كأحسن نائموالحزن يسفح عبرتي في نحره
لو كان يدري الميت ماذا بعدهبالحيّ حلّ بكى له في قبره
غصص تكاد تفيظ منها نفسهوتكاد تخرج قلبه من صدره
وقال فيها أيضا:
أساكن حفرة وقرار لحدمفارق خلّة من بعد عهد
أجبني إن قدرت على جوابيبحقّ الودّ كيف ظللت بعدي
وأين حللت بعد حلول قلبيوأحشائي وأضلاعي وكبدي؟
أما واللّه لو عاينت وجديإذا استعبرت في الظّلمات وحدي
وجدّ تنفّسي وعلا زفيريوفاضت عبرتي في صحن خدّي
إذا لعلمت أنّي عن قريبستحفر حفرتي ويشقّ لحدي
ويعذلني السفيه على بكائيكأنّي مبتلى بالحزن وحدي
يقول قتلتها سفها وجهلاوتبكيها بكاء ليس يجدي
كصيّاد الطّيور له انتحابعليها وهو يذبحها بحدّ
وقال فيها أيضا:
ما لامرىء بيد الدّهر الخئون يدولا على جلد الدّنيا له جلد
طوبى لأحباب أقوام أصابهممن قبل أن عشقوا موت فقد سعدوا
وحقّهم إنّه حقّ أضنّ بهلأنفدنّ لهم دمعي كما نفدوا
يا دهر إنّك مسقي بكأسهمووارد ذلك الحوض الّذي وردوا
الخلق ماضون والأيّام تتبعهمنفنى جميعا ويبقى الواحد الصّمد
وقال فيها:
أما آن للطّيف أن يأتياوأن يطرق الوطن الدّانيا
وإنّي لأحسب ريب الزّمان يتركني جسدا باليا
سأشكر ذلك لا ناسياجميل الصّفاء ولا قاليا
وقد كنت أنشره ضاحكافقد صرت أنشره باكيا
وقال أيضا:
قل لمن كان وجهه كضياء الشّمس في حسنه وبدر منير
كنت زين الأحياء إذ كنت فيهمثم قد صرت زين أهل القبور
بأبي أنت في الحياة وفي الموت وتحت الثرى ويوم النّشور
خنتني في المغيب والخون نكروذميم في سالفات الدّهور
فشفاني سيفي وأسرع في حزّ التّراقي قطعا وحزّ النّحور
قال أبو الفرج: ونسخت من هذا الكتاب قال: كان ديك الجنّ يهوى غلاما من أهل حمص يقال له بكر، وفيه يقول وقد جلسا يوما يتحدثان إلى أن غاب القمر:
دع البدر فليغرب فأنت لنا بدرإذا ما تجلّى من محاسنك الفجر
إذا ما انقضى سحر الذين ببابلفطرفك لي سحر وريقك لي خمر
ولو قيل لي قم فادع أحسن من ترىلصحت بأعلى الصوت يا بكر يا بكر
قال: وكان هذا الغلام يعرف ببكر بن دهمرد. قال: وكان شديد التمنّع والتصوّن، فاحتال قوم من أهل حمص فأخرجوه إلى متنزّه لهم يعرف بميماس، فأسكروه وفسقوا به جميعا، وبلغ ديك الجنّ الخبر فقال فيه:
قل لهضيم الكشح ميّاسانتقض العهد من النّاس
يا طلعة الآس الّتي لم تمدإلّا أذلّت قضب الآس
وثقت بالكأس وشرّابهاوحتف أمثالك في الكاس
وحال ميماس ويا بعد مابين مغيثيك وميماس
تقطيع أنفاسك في أثرهموملكهم قطّع أنفاسي
لا بأس مولاي، على أنهانهاية المكروه والباس
هي اللّيالي ولها دولةووحشة من بعد إيناس
بينا أنافت وعلت بالفتىإذ قيل حطّته على الرّاس
فاله ودع عنك أحاديثهمسيصبح الذّاكر كالنّاسي
وقال فيه أيضا:
يا بكر ما فعلت بك الأرطاليا دار ما فعلت بك الأيام
في الدار بعد بقيّة نستامهاإذ ليس فيك بقيّة تستام
عرم الزّمان على الدّيار برغمهموعليك أيضا للزّمان عرام
شغل الزمان كراك في ديوانهفتفرّغت لدواتك الأقلام
قال فيه أيضا:
قولا لبكر بن دهمرد إذا اعتكرتعساكر اللّيل بين الطّاس والجام
ألم أقل لك إنّ البغي مهلكةوالبغي والعجب إفساد لأقوام
قد كنت تفرق من سهم بغانيةفصرت غير رميم رقعة الرامي
وكنت تفزع من لمس ومن قبلفقد ذللت لإسراج وإلجام
إن تدم فخذاك من ركض فربّتماأمسي وقلبي عليك الموجع الدامي
أخبرني أبو المعتصم عاصم بن محمّد الشاعر بأنطاكية، وبها أنشدني قصيدة البحتريّ:
ملامك إنّه عهد قريبورزء ما انقضت منه النّدوب
وأنشدني لديك الجنّ يعزّي جعفر بن عليّ الهاشميّ:
نغفل والأيّام لا تغفلولا لنا من زمن موئل
والدّهر لا يسلم من صرفهأعصم في القنّة مستوعل
يتّخذ الشّعرى شعارا لهكأنما الأفق له منزل
كأنّه بين شناظيرهابارقة تكمن أو تمثل
ولا حباب صلتان السّرىأرقم لا يعرف ما يجهل
نضناض فيفاء يرى أنّهبالرمل غان وهو المرمل
يطلب من فاجئة معقلاوهو لما يطلب لا يعقل
والدهر لا يسلم من صرفهمسربل بالسّرد مستبسل
ولا عقنباة السّلامى لهافي كلّ أفق علق مهمل
فتخاء في الجوّ خداريّةكالغيم والغيم لها مثقل
آمن من كان لصرف الرّدىأنزلها من جوّها منزل
والدّهر لا يحجبه مانعيحجبه العامل والمنصل
يصغي جديداه إلى حكمهويفعل الدهر بما يفعل
كأنّه من فرط عزّ بهأشوش إذ أقبل أو أقبل
الأقبل: الّذي في عينه قبل، وهو دون الحول.
في حسب أوفى، له جحفليقدمه من رأيه جحفل
بينا على ذلك إذ عرّشتفي عرشه داهية ضئبل
إن يك في العزّ له مشقصماض فقد تاح له مقتل
جاد على قبرك من ميّتبالرّوح ربّ لك لا يبخل
وحنّت المزن على قبرهبعارض نجوته محفل
غيث ترى الأرض على وبلهتضحك إلا أنّه يهمل
يصلّ والأرض تصلّي لهمن صلوات معه تسأل
أنت أبا العبّاس عبّاسهاإذا استطار الحدث المعضل
وأنت ينبوع أفانينهاإذا هم في سنة أمحلوا
وأنت علّام غيوب النّثايوما إذا نسأل أو نسأل
نحن نعزّيك ومنك الهدىمستخرج والنّور مستقبل
نقول بالعقل وأنت الّذينأوي إليه وبه نعقل
نحن فداء لك من أمّةوالأرض والآخر والأوّل
إذا غفا عنك وأودى بهاذا الدهر فهو المحسن المجمل
قال أبو المعتصم: ثم مات جعفر بن عليّ الهاشمي، فرثاه ديك الجن فقال:
على هذه كانت تدور النوائبوفي كلّ جمع للذهاب مذاهب
نزلنا على حكم الزّمان وأمرهوهل يقبل النّصف الألدّ المشاغب؟
وتضحك سنّ المرء والقلب موجعويرضى الفتى عن دهره وهو عاتب
ألا أيّها الرّكبان والرّدّ واجبقفوا حدّثونا ما تقول النّوادب
إلى أيّ فتيان النّدى قصد الرّدىوأيّهم نابت حماه النّوائب؟
فيا لأبي العبّاس كم ردّ راغبلفقدك ملهوفا وكم جبّ غارب
ويا لأبي العبّاس إنّ مناكباتنوء بما حمّلتها لنواكب
فيا قبره جد كلّ قبر بجودهففيك سماء ثرّة وسحائب
فإنّك لو تدري بما فيك من علاعلوت وباتت في ذراك الكواكب
أخا كنت أبكيه دما وهو نائمحذارا وتعمى مقلتي وهو غائب
فمات ولا صبري على الأجر واقفولا أنا في عمر إلى اللّه راغب
أأسعى لأحظى فيك بالأجر إنّهلسعي إذن منّي لدى اللّه خائب
وما الإثم إلّا الصّبر عنك وإنّماعواقب حمد أن تذمّ العواقب
يقولون: مقدار على المرء واجبفقلت: وإعوال على المرء واجب
هو القلب لمّا حمّ يوم ابن أمّهوهي جانب منه وأسقم جانب
ترشّفت أيّامي وهنّ كوالحعليك، وغالبت الرّدى وهو غالب
ودافعت في صدر الزّمان ونحرهوأيّ يد لي والزمان محارب؟
وقلت له: خلّ الجواد لقومهوهأنذا فازدد فإنّا عصائب
فو اللّه إخلاصا من القول صادقاوإلّا فحبّي آل أحمد كاذب
لو انّ يدي كانت شفاءك أو دميدم القلب حتّى يقضب القلب قاضب
لسلّمت تسليم الرّضا وتخذتهايدا للرّدى ما حجّ للّه راكب
فتى كان مثل السيف من حيث جئتهلنائبة نابتك فهو مضارب
فتى همّه حمد على الدّهر رابحوإن غاب عنه ماله فهو عازب
شمائل إن يشهد فهنّ مشاهدعظام وإن يرحل فهنّ كتائب
بكاك أخ لم تحوه بقرابةبلى إنّ إخوان الصّفاء أقارب
وأظلمت الدّنيا الّتي كنت جارهاكأنّك للدّنيا أخ ومناسب
يبرّد نيران المصائب أنّنيأرى زمنا لم تبق فيه مصائب
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب محمّد بن طاهر عن أبي طاهر: إنّ خطيب أهل حمص كان يصلّي على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر ثلاث مرات في خطبته، وكان أهل حمص كلّهم من اليمن، لم يكن فيهم من مضر إلّا ثلاثة أبيات، فتعصّبوا على الإمام وعزلوه؛ فقال ديك الجنّ:
سمعوا الصّلاة على النبيّ توالىفتفرّقوا شيعا وقالوا: لا لا
ثم استمرّ على الصلاة إمامهمفتحزّبوا ورمى الرّجال رجالا
يا آل حمص توقّعوا من عارهاخزيا يحلّ عليكم ووبالا
شاهت وجوهكم وجوها طالمارغمت معاطسها وساءت حالا
صوت
أيا بنة عبد الله وابنة مالكويابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي لهأكيلا فإنّي لست آكله وحدي
عروضه من الطويل. الشعر لقيس بن عاصم المنقريّ، والغناء لعلّويه، ثقيل أوّل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع