من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار محمّد بن حازم ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو محمّد بن حازم بن عمرو الباهليّ. ويكنى أبا جعفر. وهو من ساكني بغداد مولده ومنشؤه البصرة. أخبرني بذلك ابن عمّار أبو العبّاس عن محمّد بن داود بن الجرّاح عن حسن بن فهم.
وهو من شعراء الدولة العبّاسيّة، شاعر مطبوع، إلا أنه كان كثير الهجاء للناس، فاطّرح، ولم يمدح من الخلفاء إلا المأمون، ولا اتصل بواحد منهم، فيكون له نباهة طبقته. وكان ساقط الهمّة، متقلّلا جدا، يرضيه اليسير، ولا يتصدّى لمدح ولا طلب.
حدّثنا محمّد بن العبّاس اليزيدي قال حدّثنا الخليل بن أسد قال: سمعت محمّد بن حازم الباهليّ في منزلنا يقول: بعث إليّ فلان الطاهريّ - وكنت قد هجوته فأفرطت - بألف دينار وثياب، وقال: أمّا ما قد مضى فلا سبيل إلى ردّه، ولكن أحبّ ألا تزيد عليه شيئا. فبعثت إليه بالألف الدينار والثياب، وكتبت:
لا ألبس النعماء من رجلألبسته عارا على الدّهر
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا أبو علي - وسقط اسمه من كتابي - قال قرأت في كتاب عمّي: قال لي محمّد بن حازم الباهلي: مر بي أحمد بن سعيد بن سالم وأنا على بابي فلم يسلّم عليّ سلاما أرضاه، فكتبت رقعة وأتبعته بها، وهي:
وباهليّ من بني وائلأفاد مالا بعد إفلاس
قطّب في وجهي خوف القرىتقطيب ضرغام لدى الباس
وأظهر التّيه فتايهتهتيه امرىء لم يشق بالنّاس
أعرته إعراض مستكبرفي موكب مرّ بكنّاس
أخبرني ابن عمار قال حدّثني أبو عليّ قال: لقيت محمّد بن حازم في الطريق فقلت له: يا أبا جعفر، كيف ما بينك وبين صديقك سعد بن مسعود اليوم - وهو أبو إسحاق بن سعد، وكان يكتب للنّوشجاني - فأنشدني:
راجع بالعتبى فأعتبتهوربما أعتبك المذنب
وإن في الدّهر، على صرفهبين الصّديقين، لمستعتب
أخبرني محمّد بن القاسم الأنباريّ وابن الوشّاء جميعا قالا حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: قال ابن الأعرابيّ: أحسن ما قال المحدثون من شعراء هذا الزّمان في مديح الشّباب وذمّ الشّيب:
لا حين صبر فخلّ الدّمع ينهملفقد الشّباب بيوم المرء متّصل
سقيا ورعيا لأيّام الشّباب وإنلم يبق منه له رسم ولا طلل
جرّ الزّمان ذيولا في مفارقهوللزّمان على إحسانه علل
وربّما جرّ أذيال الصّبا مرحاوبين برديه غصن ناعم خضل
يصبي الغواني ويزهاه بشرّتهشرخ الشّباب وثوب حالك رجل
لا تكذبنّ فما الدّنيا بأجمعهامن الشّباب بيوم واحد بدل
كفاك بالشّيب عيبا عند غانيةوبالشّباب شفيعا أيّها الرّجل
بان الشّباب وولّى عنك باطلهفليس يحسن منك اللّهو والغزل
أمّا الغواني فقد أعرضن عنك قلىوكان إعراضهنّ الدّلّ والخجل
أعرنك الهجر ما لاحت مطوّقةفلا وصال ولا عهد ولا رسل
ليت المنايا أصابتني بأسهمهافكنّ يبكين عهدي قبل أكتهل
عهد الشّباب لقد أبقيت لي حزناما جدّ ذكرك إلّا جدّ لي ثكل
إنّ الشباب إذا ما حلّ رائدهفي منهل راد يقفو إثره أجل
قال ابن الوشّاء خاصّة: وما أساء ولا قصّر عن الأولى، حيث يقول في هذا المعنى:
أبكي الشّباب لندمان وغانيةوللمغاني وللأطلال والكثب
وللصّريح وللآجام في غلسوللقنا السّمر والهنديّة القضب
وللخيال الّذي قد كان يطرقنيوللنّدامى وللذّات والطّرب
يا صاحبا لم يدع فقدي له جلداأضعت بعدك إنّ الدهر ذو عقب
وقد أكون، وشعبانا معا، رجلايوم الكريهة فرّاجا عن الكرب
أخبرني ابن عمّار عن العنزيّ قال: كان محمّد بن حازم الباهليّ مدح بعض بني حميد فلم يثبه، وجعل يفتش شعره فيعيب فيه الشيء بعد الشيء، وبلغه ذلك فهجاه هجاء كثيرا شنيعا، منه قوله:
عدوّاك المكارم والكراموخلّك دون خلّتك اللّئام
ونفسك نفس كلب عند زوروعقبى زائر الكلب التدام
تهرّ على الجليس بلا احتراملتحشمه إذا حضر الطّعام
إذا ما كانت الهمم المعاليفهمّك ما يكون به الملام
قبحت ولا سقاك اللّه غيثاوجانبك التحيّة والسّلام
قال: فبعث إليه ابن حميد بمال واعتذر إليه وسأله الكفّ، فلم يفعل، وردّ المال عليه، وقال فيه:
موضع أسرارك المريبوحشو أثوابك العيوب
وتمنع الضيف فضل زادورحلك الواسع الخصيب
يا جامعا مانعا بخيلاليس له في العلا نصيب
أبالرّشا يستمال مثلي؟كلّا! ومن عنده الغيوب
لا أرتدي حلّة لمثنبوجهه من يدي ندوب
وبين جنبيه لي كلومدامية ما لها طبيب
ما كنت في موضع الهدايامنك، ولا شعبنا قريب
أنّي وقد نشّت المكاويعن سمة شأنها عجيب
وسار بالذّمّ فيك شعريوقيل لي محسن مصيب
مالك مال اليتيم عنديولا أرى أكله يطيب
حسبك من موجز بليغيبلغ ما يبلغ الخطيب
حدّثني عمّي قال حدّثني محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني عليّ بن الحسين الشيبانيّ قال: بعث الحسن بن سهل محمّد بن حميد في وجهة، وأمره بجباية مال، وبحرب قوم من الشّراة، فخان في المال وهرب من الحرب، فقال فيه محمّد بن حازم الباهليّ:
تشبّه بالأسد الثعلبفغادره معنقا يجنب
وحاول ما ليس في طبعهفأسلمه الناب والمخلب
فلم تغن عنه أباطيلهوحاص فأحرزه المهرب
وكان مضيّا على غدرهفعيّب، والغادر الأخيب
أيابن حميد كفرت النّعيم جهلا ووسوسك المذهب
ومنّتك نفسك ما لا يكونوبعض المنى خلّب يكذب
وما زلت تسعى على منعمببغي وتنهى فلا تعتب
فأصبحت بالبغي مستبدلارشادا وقد فات مستعتب
قال: وقال فيه لمّا شخص إلى حيث وجّهه الحسن بن سهل:
إذا استقلّت بك الرّكابفحيث لا درّت السحاب
زالت سراعا وزلت يجريببينك الظّبي والغراب
بحيث لا يرتجى إيابوحيث لا يبلغ الكتاب
فقبل معروفك امتنانودون معروفك العذاب
وخير أخلاقك اللّواتيتعاف أمثالها الكلاب
حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثني أبي قال: قال يحيى بن أكثم لمحمد بن حازم الباهليّ: ما نعيب شعرك إلّا أنّك لا تطيل؛ فأنشأ يقول:
أبى لي أن أطيل الشعر قصديإلى المعنى وعلمي بالصّواب
وإيجازي بمختصر قريبحدفت به الفضول من الجواب
فأبعثهنّ أربعة وخمسامثقّفة بألفاظ عذاب
خوالد ما حدا ليل نهاراوما حسن الصّبا بأخي الشّباب
وهنّ إذا وسمت بهنّ قوماكأطواق الحمائم في الرّقاب
وهنّ إذا أقمت مسافراتتهادتها الرّواة مع الرّكاب
حدّثني حبيب بن نصر المهلّبي قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن سليمان النّوفليّ قال: كان بالأهواز رجل يعرف بأبي ذؤيب من التّتار، وكان مقصد الشعراء وأهل الأدب، فقصده محمّد بن حازم، فدخل عليه يوما وعليه ثياب بذّة، وهيئة رثّة، ولم يعرّفه نفسه، وصادفهم يتكلمون في شيء من معاني الشعر، وأبو ذؤيب يتكلّم متحققا بالعلم بذلك. فسأله محمّد بن حازم - وقد دخل عليه يوما - عن بيت من شعر الطّرمّاح جهله، فردّ عليه جوابا محالا كالمستصغر له وازدراه، فوثب عن مجلسه مغضبا. فلمّا خرج قيل له: ماذا صنعت بنفسك وفتحت عليها من الشرّ؟ أتدري لمن تعرّضت؟ قال: ومن ذاك؟ قيل: محمّد بن حازم الباهليّ، أخبث الناس لسانا وأهجاهم. فوثب إليه حافيا حتى لحقه، فحلف له أنه لم يعرفه، واستقاله فأقاله، وحلف أنه لا يقبل له رفدا ولا يذكره بسوء مع ذلك أبدا، وكتب إليه بعد أن افترقا:
أخطا وردّ عليّ غير جوابيوزرى عليّ وقال غير صواب
وسكنت من عجب لذاك فزادنيفيما كرهت بظنّه المرتاب
وقضى عليّ بظاهر من كسرةلم يدر ما اشتملت عليه ثيابي
من عفّة وتكرّم وتحمّلوتجلد لمصيبة وعقاب
وإذا الزمان جنى عليّ وجدتنيعودا لبعض صفائح الأقتاب
ولئن سألت ليخبرنّك عالمأنّي بحيث أحبّ من آداب
وإذا نبابي منزل خلّيتهقفرا مجال ثعالب وذئاب
وأكون مشترك الغنى متبدّلافإذا افترقت قعدت عن أصحابي
لكنّه رجعت عليه ندامةلمّا نسبت وخاف مضّ عتابي
فأقلته لمّا أقرّ بذنبهليس الكريم على الكريم بناب
أخبرني حبيب بن نصر قال: حدّثنا النوفليّ قال: كان سعد بن مسعود القطربّليّ: أبو إسحاق بن سعد صديقا لمحمد بن حازم الباهليّ، فسأله حاجة فردّه عنها، فغضب محمّد وانقطع عنه، فبعث إليه بألف درهم وترضّاه، فردّها وكتب إليه:
متّسع الصدر مطيق لمايحار فيه الحوّل القلّب
راجع بالعتبى فأعتبتهوربّما أعتبك المذنب
أجل وفي الدّهر - على أنهموكّل بالبين - مستعتب
سقيا ورعيا لزمان مضىعنّي، وسهم الشّامت الأخيب
قد جاءني منك مويل فلمأعرض له والحرّ لا يكذب
أخذي مالا منك بعد الّذيأو دعتنيه مركب يصعب
أبيت أن أشرب عند الرضاوالسّخط إلّا مشربا يعذب
أعزّني اليأس وأغنى فماأرجو سوى اللّه ولا أهرب
قارون عندي في الغنى معدموهمّتي ما فوقها مذهب
فأيّ هاتين تراني بهاأصبو إلى مالك أو أرغب؟
حدّثنا محمّد بن العبّاس اليزيدي وعيسى بن الحسين الورّاق، واللفظ له، قالا: حدّثنا الخليل بن أسد النّوشجانيّ قال، حدّثنا حمّاد بن يحيى قال: حدّثنا أحمد بن يحيى قال: آخر ما فارقت عليه محمّد بن حازم أنه قال: لم يبق شيء من اللّذّات إلّا بيع السّنانير. فقلت له: سخنت عينك! أيش لك في بيع السنانير من اللّذّات؟ قال: يعجبني أن تجيئني العجوز الرّعناء تخاصمني وتقول: هذا سنّوري سرق منّي، وأخاصمها وأشتمها وتشتمني، وأغيظها وأباغضها؛ ثم أنشدني:
صل خمرة بخماروصل خمارا بخمر
وخذ بحظّك منهازادا إلى حيث تدري
قال: قلت: إلى أين ويحك؟ قال: إلى النار يا أحمق.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني الحسن بن أبي السّريّ قال: كان إسحاق بن أحمد بن أبي نهيك آنسا بمحمد بن حازم الباهليّ يدعوه ويعاشره مدّة. فكتب إليه يستزيره ويعاتبه عتابا أغضبه؛ وبلغه أنه غضب، فكتب إليه:
ما مستزيرك في ودّ رأى خللافي موضع الأنس أهلا منك للغضب
قد كنت توجب لي حقّا وتعرف ليقدري وتحفظ منّي حرمة الأدب
ثم انحرفت إلى الأخرى فأحشمنيما كان منك بلا جرم ولا سبب
وإنّ أدنى الّذي عندي مسامحةفي حاجتي بعد أن أعذرت في الطلب
فاختر فعندي من ثنتين واحدةعذر جميل وشكر ليس باللّعب
فإن تجدّد كما قد كنت تفعله
حدّثني محمّد بن يونس الأنباريّ المعروف بمحصنة قال: حدّثني ميمون بن هارون قال: قال محمّد بن حازم الباهليّ: عرضت لي حاجة في عسكر أبي محمّد الحسن بن سهل، فأتيته، وقد كنت قلت في السفينة شعرا، فلمّا دخلت على محمّد بن سعيد بن سالم انتسبت له، فعرفني، فقال: ما قلت فيه شيئا؟ فقال له رجل كان معي: بلى، قد قال أبياتا وهو في السفينة؛ فسألني أن أنشده، فأنشدته قولي:
وقالوا لو مدحت فتى كريمافقلت وكيف لي بفتى كريم؟
بلوت الناس مذ خمسين عاماوحسبك بالمجرّب من عليم
فما أحد يعدّ ليوم خيرولا أحد يعود ولا حميم
ويعجبني الفتى وأظنّ خيرافأكشف منه عن رجل لئيم
تقيّل بعضهم بعضا فأضحوابني أبوين قدّا من أديم
فطاف الناس بالحسن بن سهلطوافهم بزمزم والحطيم
وقالوا سيّد يعطي جزيلاويكشف كربة الرجل الكظيم
فقلت مضى بذمّ القوم شعريوقد يؤتى البريء من السّقيم
وما خبر ترجّمه ظنونيبأشفى من معاينة الحليم
فجئت وللأمور مبشّراتولن يخفى الأغرّ من البهيم
فإن يك ما تنشّر عنه حقّارجعت بأهبة الرجل المقيم
وإن يك غير ذاك حمدت ربّيوزال الشكّ عن رجل حكيم
وما الآمال تعطفني عليهولكنّ الكريم أخو الكريم
قال: فلمّا أنشدته هذا الشعر، قال لي: بمثل هذا الشعر تلقى الأمير! واللّه لو كان نظيرك لما جاز أن تخاطبه بمثل هذا! فقلت: صدقت، فكذلك قلت، إنني لم أمدحه بعد، ولكنني سأمدحه مدحا يشبه مثله. قال: فافعل، وأنزلني عنده ودخل إلى الحسن فأخبره بخبري وعجبه من جودة البيت الأخير فأعجبه، فأمر بإدخالي إليه بغير مدح، فأدخلت إليه. فأمرني أن أنشد هذا الشعر، فاستعفيته فلم يعفني، وقال: قد قنعنا منك بهذا القدر إذا لم تدخلنا في جملة من ذممت، وأرضيناك بالمكافأة الجميلة. فأنشدته إيّاه؛ فضحك وقال: ويحك! ما لك وللناس تعمّهم بالهجاء؟ حسبك الآن من هذا النمط وأبق عليهم. فقلت: وقد وهبتهم للأمير. قال: قد قبلت، وأنا أطالبك بالوفاء مطالبة من أهديت إليه هدية فقبلها وأثاب عليها. ثم وصلني فأجزل وكساني. فقلت في ذلك وأنشدته:
وهبت القوم للحسن بن سهلفعوّضني الجزيل من الثّواب
وقال دع الهجاء وقل جميلافإنّ القصد أقرب للثواب
فقلت له: برئت إليك منهمفليتهم بمنقطع التّراب
ولو لا نعمة الحسن بن سهلعليّ لسمتهم سوء العذاب
بشعر يعجب الشعراء منهيشبّه بالهجاء وبالعتاب
أكيدهم مكايدة الأعاديوأختلهم مخاتلة الذّئاب
بلوت خيارهم فبلوت قوماكهولهم أخسّ من الشّباب
وما مسخوا كلابا غير أنّيرأيت القوم أشباه الكلاب
قال: فضحك وقال: ويحك! الساعة ابتدأت بهجائهم وما أفلتوا منك بعد. فقلت: هذه بغية طفحت على قلبي، وأنا كافّ عنهم ما أبقى اللّه الأمير.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عليّ بن الحسن الشّيبانيّ قال: كان لمحمد بن حازم الباهليّ صديق على طول الأيام، فنال مرتبة من السّلطان وعلا قدره، فجفا محمّدا وتغيّر له؛ فقال في ذلك محمّد بن حازم:
وصل الملوك إلى التّعاليووفا الملوك من المحال
مالي رأيتك لا تدوم على المودّة للرجال
إن كان ذا أدب وظرف قلت ذاك أخو ضلال
أو كان ذا نسك ودين قلت ذاك من الثّقال
أو كان في وسط من الأمرين قلت يريغ مالي
فبمثل ذا - ثكلتك أمّك- تبتغي رتب المعالي؟
حدّثني الحسن قال حدّثني ابن مهرويه قال: حدّثني الحسن بن عليّ الشيبانيّ قال: كان محمّد بن حازم الباهليّ قد نسك وترك شرب النبيذ، فدخل يوما على إبراهيم بن المهديّ، فحادثه وناشده وأكل معه لمّا حضر الطعام، ثم جلسوا للشّراب؛ فسأله إبراهيم أن يشرب، فأبى وأنشأ يقول:
أبعد خمسين أصبو؟والشّيب للجهل حرب
سنّ وشيب وجهل!أمر لعمرك صعب
يابن الإمام فهلّاأيّام عودي رطب!
وشيب رأسي قليلومنهل الحبّ عذب
وإذ سهامي صيابونصل سيفي عضب
وإذ شفاء الغوانيمنّي حديث وقرب
فالآن لمّا رأى بي العذّال لي ما أحبّوا
وأقصر الجهل منّيوساعد الشّيب لبّ
وآنس الرّشد منّيقوم أعاب وأصبو
آليت أشرب كأساما حجّ للّه ركب
حدّثني الحسن قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني الحسن بن أبي السّريّ قال: وعد النّوشجانيّ محمّد بن حازم شيئا سأله إيّاه ثم مطله، وعاتبه فلم ينتفع بذلك، واقتضاه، فأقام على مطله؛ فكتب إليه:
أبا بشر تطاول بي العتابوطال بي التّردّد والطّلاب
ولم أترك من الأعذار شيئاألام به وإن كثر الخطاب
سألتك حاجة فطويت كشحاعلى رغم، وللدهر انقلاب
وسمتني الدّنيّة مستخفّاكما خزمت بآنفها الصّعاب
كأنّك كنت تطلبني بثأروفي هذا لك العجب العجاب
فإن تك حاجتي غلبت وأعيتفمعذور، وقد وجب الثواب
وإن يك وقتها شيب الغرابفلا قضيت ولا شاب الغراب
رجوتك حين قيل لي ابن كسرىوإنّك سرّ ملكهم اللّباب
فقد عجّلت لي من ذاك وعداوأقرب من تناوله السّحاب
وكلّ سوف ينشر غير شكّويحمله لطيّته الكتاب
أخبرني الحسن قال: حدّثني ابن مهرويه قال: حدّثني الحسن بن أبي السّريّ قال: قصد محمّد بن حازم بعض ولد سعيد بن سالم وقد ولي عملا، واسترفده؛ فأطال مدّته ولم يعطه شيئا؛ وانصرف عنه وقال:
أللدّنيا أعدّك يا بن عمّيفأعلم أم أعدّك للحساب
إلى كم لا أراك تنيل حتّىأهزّك! قد برئت من العتاب
وما تنفكّ من جمع ووضعكأنّك لست توقن بالإياب
فشرّك عن صديقك غير ناءوخيرك عند منقطع التراب
أتيتك زائرا فأتيت كلبافحظّي من إخائك للكلاب
فبئس أخو العشيرة ما علمناوأخبث صاحب لأخي اغتراب
أيرحل عنك ضيفك غير راضورحلك واسع خصب الجناب
فقد أصبحت من كرم بعيداومن ضدّ المكارم في اللّباب
وما بي حاجة لجداك لكنأردّك عن قبيحك للصّواب
حدّثني عمّي قال: حدّثني يزيد بن محمّد المهلّبي قال: كنّا عند المتوكل يوما وقد غاضبته قبيحة، فخرج إلينا فقال: من ينشدني منكم شعرا في معنى غضب قبيحة عليّ، وحاجتي أن أخضع لها حتى ترضى؟ فقلت له: لقد أحسن محمّد بن حازم الباهليّ يا أمير المؤمنين حيث يقول:
صفحت برغمي عنك صفح ضرورةإليك وفي قلبي ندوب من العتب
خضعت وما ذنبي إن الحبّ عزّنيفأغضيت صفحا عن معالجة الحبّ
وما زال بي فقر إليك منازعيذلّل منّي كلّ ممتنع صعب
إلى اللّه أشكو أنّ ودّي محصّلوقلبي جميعا عند مقتسم القلب
والغناء لعبيدة الطّنبوريّة رمل بالوسطى - قال: أحسنت وحياتي يا يزيد! وأمر بأن يغنّى فيه، وأمر لي بألف دينار.
حدّثني الحسن بن عليّ قال: حدّثني ابن مهرويه قال: حدّثنا عليّ بن خالد البرمكيّ قال: سافر محمّد بن حازم الباهليّ سفرا، فمرّ بقوم من بني نمير، فسلّوا منه بعيرا له عليه ثقله؛ فقال يهجوهم:
نمير: أجبنا حيث يختلف القناولؤما وبخلا عند زاد ومزود؟
ومنع قرى الأضياف من غير علّةولا عدم، إلا حذار التّعوّد
وبغيا على الجار الغريب إذا طراعليكم وختل الرّاكب المتفرّد
على أنكم ترضون بالذّلّ صاحباوتعطون من لا حاكم الضّيم عن يد
أما وأبي إنّا لنعفو وإنّناعلى ذاك أحيانا نجور ونعتدي
نكيد العدا بالحلم من غير ذلّةونغشى الوغى بالصّدق لا بالتّوعّد
نفى الضّيم عنّا أنفس مضريّةصراح وطعن الباسل المتمرّد
وإنّا لمن قيس بن عيلان في الّتيهي الغاية القصوى بعزّ وسودد
وإنّ لنا بالتّرك قبرا مباركاوبالصّين قبرا عزّ كلّ موحّد
وما نابنا صرف الزمان بسيّدبكينا عليه أو يوافي بسيّد
ولو أنّ قوما يسلمون من الرّدىسلمنا ولكنّ المنايا بمرصد
أبى اللّه أن يهدي نميرا لرشدهاولا يرشد الإنسان إلا بمرشد
حدّثني الحسن بن عليّ قال: حدّثني محمّد بن القاسم ورجل من ولد البختكان من الأهوازيّين. أنّ محمّد بن حامد ولي بعض كور الأهواز في أيّام المأمون، وأنّ محمّد بن حازم الباهليّ قدم عليه زائرا ومدحه، فوصله وأحسن إليه، وكتب له إلى تستر بحنطة وشعير، فمضى بكتابه، وأخذ ما كتب له به، وتزوّج هناك امرأة من الدّهاقين، فزرع الحنطة والشعير في ضيعتها؛ وولّى محمّد بن حامد رجلا من أهل الكوفة الخراج بتستر، فوكل بغلّة محمّد بن حازم، وطالبه بالخراج فأدّاه، فقال يهجوه:
زرعنا فلمّا سلّم اللّه زرعناوأوفى عليه منجل بحصاد
بلينا بكوفيّ حليف مجاعةأضرّ علينا من دبا وجراد
أتى مستعدّا ما يكذّب دونهولجّ بإرغام له وبعاد
فطورا بإلحاح عليّ وغلظةوطورا بخبط دائم وفساد
ولو لا أبو العبّاس أعنى ابن حامدلرحّلته عن تستر بسواد
فكفّوا الأذى عن جاركم وتعلّموابأنّي لكم في العالمين منادي
فبعث محمّد بن حامد إلى عامله فصرفه عن الناحية، وقال له: عرّضتني لما أكره، واحتمل خراج محمّد بن حازم.
أخبرني محمّد بن الحسين بن الكنديّ المؤدّب قال: حدّثنا الرّياشي قال: سمعت الأصمعيّ يقول: قال هذا الباهليّ محمّد بن حازم في وصف الشّيب شيئا حسنا، فقال له أبو محمّد الباهليّ: تعني قوله:
كفاك بالشيب ذنبا عند غانيةوبالشّباب شفيعا أيّها الرّجل
فقال: إيّاه عنيت. فقال له الباهليّ: ما سمعت لأحد من المحدثين أحسن منه.
حدّثني عمّي قال: حدّثنا حسين بن فهم قال: حدّثني أبي قال: دخل محمّد بن حازم على محمّد بن زبيدة وهو أمير، فدعاه إلى أن يشرب معه، فامتنع وقال:
أبعد خمسين أصبووالشّيب للجهل حرب
سنّ وشيب وجهل!أمر لعمرك صعب
يابن الإمام فهلّاأيّام عودي رطب!
وشيب رأسي قليلومنهل الحبّ عذب
وإذ شفاء الغوانيمنّي حديث وشرب
الآن حين رأى بيعواذلي ما أحبّوا!
آليت أشرب كأساما حجّ للّه ركب
قال: فأعطاه محمّد بن زبيدة ووصله.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع