من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي الأسد ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
اسمه، فيما ذكر لنا عيسى بن الحسين الورّاق عن عيسى بن إسماعيل تينة عن القحذميّ، نباتة بن عبد اللّه الحمّانيّ. وذكر أبو هفّان المهزميّ أنّه من بني شيبان. وهو شاعر مطبوع متوسّط الشّعر، من شعراء الدولة العبّاسية من أهل الدّينور. وكان طبّا مليح النّوادر مزّاحا خبيث الهجاء، وكان صديقا لعلّويه المغنّي الأعسر، ينادمه ويواصل عشرته ويصله علّويه بالأكابر، ويعرّضه للمنافع، وله صنعة في كثير من شعره.
فأخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمّد بن محمّد الأبزاري قال: كان أبو الأسد الشاعر صديقا لعلويه، وكان كثيرا ما يغنّي في شعره. فدعانا علّويه ليلة، ووعدته جارية لآل يحيى بن معاذ - وكانت تأخذ عنه الغناء - أن تزوره تلك الليلة، وكانت من أحسن الناس وجها وغناء، وكان علّويه يهيم بها، فانتظرناها حتى أيسنا منها احتباسا. فقال علويه لأبي الأسد: قل في هذا شعرا؛ فقال:
محبّ صدّ آلفهفليس لليله صبح
صحا عنه الّذي يرجوزيارته وما يصحو
قال: فصنع علويه فيه لحنا من خفيف الثقيل هو الآن مشهور في أيدي الناس، وغنّانا فيه؛ فلم نزل نشرب عليه حتى أصبحنا. وصنع في تلك الليلة بحضرتنا فيه الرّمل في شعر أبي وجزة السّعديّ:
قتلتني بغير ذنب قتولوحلال لها دمي المطلول
ما على قاتل أصاب قتيلابدلال ومقلتين سبيل
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبو هفّان قال: كتب أبو الأسد وهو من بني حمّان إلى موسى بن الضحّاك:
لموسى أعبد وأنا أخوهوصاحبه، ومالي غير عبد
فلو شاء الإله وشاء موسىلآنس جانبي فرج بسعد
قال: و«فرج» غلام كان لأبي الأسد، و«سعد» غلام كان لموسى فبعث إليه موسى بسعد، وقاسمه بعده بقيّة غلمانه، فأخذ شطرهم وأعطاه شطرهم.
أخبرني محمّد الخزاعيّ قال: حدّثني العبّاس بن ميمون طائع قال: هجا أبو الأسد أحمد بن أبي دواد فقال:
أنت امرؤ غثّ الصّنيعة رثّهالا تحسن النّقمى إلى أمثالي
نعماك لا تعدوك إلّا في امرىءفي مسك مثلك من ذوي الأشكال
وإذا نضرت إلى صنيعك لم تجدأحدا سموت به إلى الإفضال
فاسلم بغير سلامة ترجى لهاإلّا لسدّك خلّة الأنذال
قال: فأدّى إليه سلامة وهو عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عائشة هذه الأبيات عن أبي الأسد، فبعث إليه ببرد واستكفّه، وبعث بابن عائشة إلى مظالم ماسبذان، وقال له: قد شركته في التّوبيخ لنا فشركناك في الصّفقة، فإن كنتما صادقين في دعواكما كنتما من الأنذال، وإن كنتما كاذبين فقد جريتما بالقبيح حسنا.
حدّثني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمّد بن الحسن بن الحرون قال: كان سبب هجاء أبي الأسد أحمد بن أبي دواد أنّه مدحه فلم يثبه، ووعده بالثواب ومطله؛ فكتب إليه:
ليتك إذ نبتني بواحدةتقنعني منك آخر الأبد
تخلف ألّا تبرّني أبدافإنّ فيها بردا على كبدي
اشف فؤادي منّي فإنّ بهمنّي جرحا نكأته بيدي
إن كان رزقي إليك فارم بهفي ناظري حيّة على رصد
قد عشت دهرا وما أقدّر أنأرضى بما قد رضيت من أحد
فكيف أخطأت! لا أصبت ولانهضت من عثرة إلى سدد
لو كنت حرّا كما زعمت وقدكددتني بالمطال لم أعد
صبرت لمّا أسأت بي، فإذاعدت إلى مثلها فعد وعد
فإنّني أهل ذاك في طمعيوفي خطائي سبيل معتمد
أبعدني اللّه حين يحملنيحرصي على مثل ذا من الأود
الآن أيقنت بعد فعلك بيأنّي عبد لأعبد قفد
فصرت من سوء ما رميت بهأكنى أبا الكلب لا أبا الأسد
أخبرني عليّ بن الحسين بن عبد السميع المروزيّ الورّاق قال: حدّثني عيسى بن إسماعيل تينة عن القحذميّ قال: كان أبو الأسد الشاعر - واسمه نباته بن عبد اللّه الحمّاني - منقطعا إلى الفيض بن صالح وزير المهديّ، وفيه يقول:
ولائمة لامتك يا فيض في النّدىفقلت لها لن يقدح اللّوم في البحر
أرادت لتنهى الفيض عن عادة النّدىومن ذا الّذي يثني السّحاب عن القطر؟
مواقع جود الفيض في كلّ بلدةمواقع ماء المزن في البلد القفر
كأنّ وفود الفيض لما تحمّلواإلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
وكان أبو الأسد قبله منقطعا إلى أبي دلف مدّة، فلمّا قدم عليه عليّ بن جبلة العكوّك غلب عليه، وسقطت منزلة أبي الأسد عنده، فانقطع إلى الفيض بعد عزله عن الوزارة ولزومه منزله، وذلك في أيام الرشيد. وفيه يقول:
أتيت الفيض مشتكيا زمانيفأعداني عليه جود فيض
وفاضت كفّه بالبذل منهكما كفّ ابن عيسى ذات غيض
أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثني ابن مهرويه قال: حدّثني عليّ بن الحسن بن الأعرابيّ قال: سأل أبو الأسد بعض الكتّاب، وهو عليّ بن يحيى المنجّم، حاجة يسأل فيها بعض الوزراء، فلم يفعل. وبلغ حمدون بن إسماعيل الخبر، فسأل له فيها مبتدئا ونجزها وأنفذها إليه. فقال أبو الأسد يهجو الرجل الّذي كان سأله الحاجة، ويمدح حمدون بن إسماعيل:
صنع من اللّه! أنّي كنت أعرفكمقبل اليسار وأنتم في التّبابين
فما مضت سنة حتّى رأيتكمتمشون في القزّ والقوهيّ واللّين
وفي المشاريق ما زالت نساؤكميصحن تحت الدّوالي بالوراشين
فصرن يرفلن في وشي العراق وفيطرائف الخزّ من دكن وطاروني
أنسين قطع الحلاوى من معادنهاوحملهنّ كشوثا في الشّقابين
حتى إذا أيسروا قالوا - وقد كذبوا -:نحن الشّهاريج أولاد الدّهاقين
في است أمّ ساسان أيرى إن أقرّبكموأير بغل مشظّ في است شيرين
لو سيل أوضعهم قدرا وأنذلهملقال من فخره إنّي ابن شوبين
وقال أقطعني كسرى وورّثنيفمن يفاخرني أم من يناويني
من ذا يخبّر كسرى وهو في سقردعوى النّبيط وهم بيض الشياطين
وأنهم زعموا أن قد ولدتهمكما ادّعى الضب إني نطفة النّون
فكان ينحز جوف النار واحدةتفري وتصدع خوفا قلب قارون
أما تراهم وقد حطّوا برادعهمعن أتنهم واستبدّوا بالبراذين
وأفرجوا عن مشارات البقول إلىدور الملوك وأبواب السّلاطين
تغلي على العرب من غيظ مراجلهمعداوة لرسول اللّه في الدّين
فقل لهم وهم أهل لتزنيةشرّ الخليقة يا بخر العثانين
ما النّاس إلا نزار في أرومتهاوهاشم سرجها الشّمّ العرانين
والحيّ من سلفي قحطان إنّهميزرون بالنّبط اللّكن الملاعين
فما على ظهرها خلق له حسبمما يناسب كسرى غير حمدون
قرم عليه شهنشاهيّة ونباينبيك عن كسرويّ الجدّ ميمون
وإن شككت ففي الإيوان صورتهفانظر إلى حسب باد ومخزون
أخبرني عمّي قال: حدّثنا أحمد بن أبي طاهر.
أنّ أبا الأسد زار أبا دلف في الكرج، فحجب عنه أياما، فقال يعاتبه وكتب بها إليه:
ليت شعري أضاقت الأرض عنّيأم بفجّ أنا الغداة طريد؟
أم أنا قانع بأدنى معاشهمّتي القوت والقليل الزّهيد
مقولي قاطع وسيفي حسامويدي حرّة وقلبي شديد
ربّ باب أعزّ من بابك اليوم عليه عساكر وجنود
قد ولجناه داخلين غدوّاورواحا وأنت عنه مذود
فاكفف اليوم من حجابك إذ لست أميرا ولا خميسا تقود
واغترب في فدافد الصدّ إذ لست أسيرا ولا عليّ قيود
لا يقيم العزيز في بلد الهون ولا يكبت الأريب الجليد
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم قال: أنشدني أبو هفّان لأبي الأسد في صديق له يقال له بسطام كان برّا به - قال: وهذا من جيّد شعره، وقد سرق البحتريّ معناه منه في شعر مدح به عليّ بن يحيى المنجّم -:
أعدو على مال بسطام فأنهبهكما أشاء فلا تثنى إليّ يدي
حتى كأنّي بسطام بما احتكمتفيه يداي وبسطام أبو الأسد
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم قال: حدّثني أبو هفّان، وأخبرني به يحيى بن عليّ بن يحيى قال: حدّثني أبو أيوب المديني قال: حدّثنا أبو هفّان قال: حدّثني أبو دعامة قال: لمّا مات إبراهيم الموصليّ قيل لأبي الأسد - وكان صديقه - ألّا ترثيه؟ فقال يرثيه:
تولّى الموصليّ فقد تولّتبشاشات المزاهر والقيان
وأيّ ملاحة بقيت فتبقىحياة الموصليّ على الزّمان!
ستبكيه المزاهر والملاهيويسعدهنّ عاتقة الدّنان
وتبكيه الغويّة إذ تولّىولا تبكيه تالية القران
فقيل له: ويحك فضحته وقد كان صديقك. فقال: هذه فضيحة عند من لا يعقل، أما من يعقل فلا. وبأيّ شيء كنت أذكره وأرثيه به؟ أبالفقه أم بالزّهد أم بالقراءة؟ وهل يرثى إلّا بهذا وشبهه!
قال أبو الفرج: نسخت من كتاب لأحمد بن عليّ بن يحيى، أخبرني أبو الفضل الكاتب وهو ابن خالة أبي عمرو الطّوسيّ قال: كنت مقيما بالجبل فمرّ بي أبو الأسد الشاعر الشّيبانيّ، فأنزلته عندي أياما، وسألته عن خبره فقال: صادفت شاهين بن عيسى ابن أخي أبي دلف، فما احتبسني ولا برّني ولا عرض عليّ المقام عنده، وقد حضرني فيه أبيات فأكتبها، ثم أنشدني:
إنّي مررت بشاهين وقد نفحتريح العشيّ وبرد الثّلج يؤذيني
فما وقى عرضه منّي بكسوتهلا بل ولا حسب دان ولا دين
إن لم يكن لبن الدّايات غيّرهعن طبع آبائه الشّمّ العرانين
ضفربّما غاب بعل عن حليلتهفناكها بعض سوّاس البراذين
وما تحرّك أير فامتلا شبقاإلّا تحرّك عرق في است شاهين
ثم قال: لأمزّقنّه كلّ ممزّق، ولأصيرنّ إلى أبي دلف فلأنشدنّه. ومضى من فوره يريد أبا دلف، فلم يصل إليه، حتى بلغ أبا دلف الشعر، فشقّ عليه وغمّه. وأتاه أبو الأسد فدخل عليه، فسأله عن قصّته مع شاهين، فأخبره بها؛ فقال: هبه لي. قال: قد فعلت. وأمر له بعشرة آلاف درهم، فأمسك عنه.
قال أبو الفرج: هذا البيت الأخير لبشّار كان عرض له فقال:
وما تحرّك أير فامتلا شبقاإلا تحرّك عرق في است…
ثم قال: في أست من؟ ومرّ به تسنيم بن الحواري فسلّم عليه، فقال: في است تسنيم واللّه. فقال له: أيّ شيء ويلك؟ فقال: لا تسل. فقال: قد سمعت ما أكره، فاذكر لي سببه. فأنشده البيت، فقال: ويلك! أيّ شيء حملك على هذا؟ قال: سلامك عليّ. لا سلّم اللّه عليك ولا عليّ إن سلّمت عليك بعدها، وبشّار يضحك. وقد مضى هذا الخبر بإسناده في أخبار بشار.
صوت
وقد جمع معه كل ما يغنّى في هذه القصيدة:
أجدّك أن نعم نأت أنت جازعقد اقتربت لو أنّ ذلك نافع
وحسبك من نأي ثلاثة أشهرومن حزن أن شاق قلبك رابع
بكت عين من أبكاك ليس لك البكىولا تتخالجك الأمور النّوازع
فلا يسمعن سرّي وسرّك ثالثألا كلّ سرّ جاوز اثنين شائع
وكيف يشيع السّرّ منّي ودونهحجاب ومن فوق الحجاب الأضالع
كأنّ فؤادي بين شقّين من عصاحذار وقوع البين والبين واقع
وقالت وعيناها تفيضان عبرةبأهلي، بيّن لي متى أنت راجع؟
فقلت لها باللّه يدري مسافرإذا أضمرته الأرض ما اللّه صانع؟
فشدّت على فيها اللّثام وأعرضتوأقبلن بالكحل السّحيق المدامع
عروضه من الطويل. الشعر لقيس بن الحدادية، والغناء لإسحاق في الأوّل والثاني من الأبيات خفيف رمل بالوسطى، وفي الثالث وما بعده أربعة.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع