تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار محمّد الزّفّ

فيه ٢٨ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو محمّد بن عمرو مولى بني تميم، كوفي الأصل والمولد والمنشأ؛ والزفّ: لقب غلب عليه، وكان مغنّيا ضاربا طيّب المسموع، صالح الصنعة، مليح النادرة، أسرع خلق اللّه أخذا للغناء، وأصحهم أداء له، وأذكاهم، إذا سمع الصوت مرتين أو ثلاثا أدّاه لا يكون بينه وبين من أخذه عنه فرق، وكان يتعصب على ابن جامع، ويميل إلى إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق، فكانا يرفعان منه، ويقدّمانه ويجتلبان له الرفد والصلات من الخلفاء، وكانت فيه عربدة إذا سكر، فعربد بحضرة الرشيد مرّة فأمر بإخراجه، ومنعه من الوصول إليه، وجفاه وتناساه، وأحسبه مات في خلافته أو في خلافة الأمين.

أخبرني بذلك ذكاء وجه الرزة عن محمّد بن أحمد بن يحيى المكي المرتجل.

أخبرني ابن جعفر جحظة قال: حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غنى ابن جامع يوما بحضرة الرشيد:

صوت

جسور على هجري، جبان على وصليكذوب غدا يستتبع الوعد بالمطل
مقدّم رجل في الوصال مؤخّرلأخرى، يشوب الجدّ في ذاك بالهزل
يهمّ بنا حتى إذا قلت قد دناوجادثني عطفا ومال إلى البخل
يزيد امتناعا كلّما زدت صبوةوأزداد حرصا كلّما ضنّ بالبذل

فأحسن فيه ما شاء وأجمل، فغمزت عليه محمّدا الزّفّ، وفطن لما أردت، واستحسنه الرشيد، وشرب عليه، واستعاده مرتين أو ثلاثا، ثم قمت للصلاة وغمزت الزف وجاءني، وأو مأت إلى مخارق وعلّويه وعقيد فجاءوني، فأمرته بإعادة الصوت، فأعاده وأدّاه كأنه لم يزل يرويه، فلم يزل يكرره على الجماعة حتى غنّوه ودار لهم، ثم عدت إلى المجلس، فلما انتهى الدّور إليّ بدأت فغنّيته قبل كلّ شيء غنّيته، فنظر إليّ ابن جامع محدّدا نظره، وأقبل عليّ الرشيد فقال: أكنت تروي هذا الصوت؟ فقلت: نعم يا سيدي. فقال ابن جامع: كذب واللّه، ما أخذه إلا مني الساعة. فقلت: هذا صوت أرويه قديما، وما فيمن حضر أحد إلا وقد أخذه مني، وأقبلت عليه، فغناه علويه ثم عقيد ثم مخارق، فوثب ابن جامع فجلس بين يديه وحلف بحياته وبطلاق امرأته أن اللحن صنعه منذ ثلاث ليال، ما سمع منه قبل ذلك الوقت، فأقبل عليّ فقال: بحياتي اصدقني عن القصة، فصدقته، فجعل يضحك ويصفّق ويقول: لكل شيء آفة، وآفة ابن جامع الزّفّ.

لحن هذا الصوت خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، والصنعة لابن جامع من رواية الهشاميّ وغيره.

قال أبو الفرج: وقد أخبرني بهذا الخبر محمّد بن مزيد، عن حماد عن أبيه بخلاف هذه الرواية، فقال فيه قال: محمّد الزّفّ أروى خلق اللّه للغناء، وأسرعهم أخذا لما سمعه منه، ليست عليه في ذلك كلفة، وإنما يسمع الصوت مرّة واحدة وقد أخذه، وكنّا معه في بلاء إذا حضر، فكان من غنّى منا صوتا فسأله عدوّ له أو صديق أن يلقيه عليه، فبخل ومنعه إياه، سأل محمّدا الزّفّ أن يأخذه، فما هو إلا أن يسمعه مرة واحدة حتى قد أخذه وألقاه على من سأله، فكان أبي يبرّه ويصله ويجديه من كل جائزة وفائدة تصل إليه، فكان غناؤه عنده حمى مصونا لا يقربه، ولم يكن طيّب المسموع، ولكنّه كان أطيب الناس نادرة، وأملحهم مجلسا، وكان مغرى بابن جامع خاصة من بين المغنّين لبخله، فكان لا يفتح ابن جامع فاه بصوت إلا وضع عينه عليه، وأصغى سمعه إليه، حتى يحكيه، وكان في ابن جامع بخل شديد لا يقدر معه على أن يسعفه ببرّ ورفد،

صوت

أرسلت تقرىء السلام الرّبابفي كتاب وقد أتانا الكتاب
فيه: لو زرتنا لزرناك ليلابمنى حيث تستقلّ الركاب
فأجبت الرّباب: قد زرت لكنلي منكم دون الحجاب حجاب
إنما دهرك العتاب وذمّيليس يبقي على المحبّ عتاب

ولحنه من الثقيل الأوّل، فأحسن فيه ما شاء، ونظرت إلى الزّفّ فغمزته وقمت إلى الخلاء، فإذا هو قد جاءني، فقلت له: أي شيء عملت؟ فقال: قد فرغت لك منه، قلت: هاته، فرده عليّ ثلاث مرات، وأخذته وعدت إلى مجلسي، وغمزت عليه عقيدا ومخارقا، فقاما، وتبعهما فألقاه عليهما، وابن جامع لا يعرف الخبر، فلما عاد إلى المجلس أومأت إليهما أسألهما عنه، فعرّفاني أنهما قد أخذاه، فلما بلغ الدّور إليّ كان الصوت أوّل شيء غنّيته، فحدّد الرشيد نظره إليّ، ومات ابن جامع وسقط في يده، فقال لي الرشيد: من أين لك هذا؟ قلت: أنا أرويه قديما، وقد أخذه عني مخارق وعقيد، فقال: غنّياه. فغنّياه، فوثب ابن جامع فجلس بين يديه ثم حلف بالطلاق ثلاثا بأنه صنعه في ليلته الماضية، ما سبق إليه ابن جامع أحد، فنظر الرشيد إليّ، فغمزته بعيني أنه صدق، وجدّ الرشيد في العبث به بقيّة يومه، ثم سألني بعد ذلك عن الخبر، فصدّقته عنه وعن الزّفّ، فجعل يضحك ويقول: لكل شيء آفة، وآفة ابن جامع الزّفّ، قال حماد: وللزّف صنعة يسيرة جيّدة منها في الرمل الثاني:

صوت

لمن الظعائن سيرهنّ تزحّفعوم السّفين إذا تقاذف مجذف
مرّت بذي حسم كأنّ حمولهانخل بيثرب طلعها متزحّف
فلئن أصابتني الحروب لربّماأدعى إذا منع الرّداف فأردف
فأثير غارات وأشهد مشهداقلب الجبان به يطيش فيرجف

قال: ومن مشهور صنعته في هذه الطريقة:

صوت

إذا شئت غنّتني بأجراع بيشةأو النخل من تثليث أو من يلملما
مطوّقة طوقا وليس بحليةولا ضرب صوّاغ بكفّيه درهما
تبكّي على فرخ لها ثم تغتديمدلّهة تبغي له الدهر مطعما
تؤمل منه مؤنسا لانفرادهاوتبكي عليه إن زقا أو ترنما

ومن صنعته في هذه الطريقة:

صوت

يا زائرينا من الخيامحيّاكما اللّه بالسلام
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
يحزنني أن أطعتمانيولم تنالا سوى الكلام
بورك هارون من إمامبطاعة اللّه ذي اعتصام
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
له إلى ذي الجلال قربىليس لعدل ولا إمام
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

وله في هذه الطريقة:

صوت

بان الحبيب فلاح الشّيب في راسيوبتّ منفردا وحدي بوسواس
ماذا لقيت فدتك النفس بعدكممن التبرم بالدنيا وبالناس
لو كان شيء يسلي النفس عن شجنسلّت فؤادي عنكم لذة الكاس

صوت

بأبي ريم رمى قلبي بألحاظ مراض
وحمى عيني أن تلتذّ طيب الإغتماض
كلّما رمت انبساطاكفّ بسطي بانقباض
أو تعالى أملي فيه رماه انخفاض
فمتى ينتصف المظلوم والظالم قاضي
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «لي حبيب خده كال»

الشعر لأبي الشّبل البرجميّ، والغناء لعثعث الأسود، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، وفيه لكثير رمل، ولبنان خفيف رمل.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»