تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عثعث

فيه ٢٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

كان عثعث أسود مملوكا لمحمّد بن يحيى بن معاذ، ظهر له منه طبع وحسن أخذ وأداء، فعلّمه الغناء، وخرّجه وأدّبه، فبرع في صناعته، ويكنى أبا دليجة وكان مأبونا؛ واللّه أعلم.

أخبرني بذلك محمّد بن العبّاس اليزيديّ عن ميمون بن هارون قال: حدّثني عثعث الأسود، قال: مخارق كناني بأبي دليجة، وكان السبب في ذلك أن أوّل صوت سمعني أغنّيه:

أبا دليجة من توصي بأرملةأم من لأشعث ذي طمرين ممحال

فقال لي: أحسنت يا أبا دليجة، فقبلتها وقبّلت يده، وقلت: أنا يا سيّدي أبا المهنّا؛ أتشرّف بهذه الكنية إذا كانت نحلة منك. قال ميمون: وكان مخارق يشتهي غناءه ويحزنه إذا سمعه.

قال أبو الفرج: نسخت من كتاب عليّ بن محمّد بن نصر بخطّه، حدّثني يعني ابن حمدون قال: كنا يوما مجتمعين في منزل أبي عيسى بن المتوكّل، وقد عزمنا على الصّبوح ومعنا جعفر بن المأمون، وسليمان بن وهب، وإبراهيم بن المدبّر، وحضرت عريب وشارية وجواريّهما، ونحن في أتم سرور،. فغنّت بدعة جارية عريب:

أعاذلتي أكثرت جهلا من العذلعلى غير شيء من ملامي وفي عذلي
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»

والصنعة لعريب؛ وغنّت عرفان:

إذا رام قلبي هجرها حال دونهشفيعان من قلبي لها جدلان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «متى تكشفا عني القميص تبينا»

والغناء لشارية، وكان أهل الظّرف والمتعانون في ذلك الوقت صنفين: عريبيّة وشاريّة، فمال كل حزب إلى من يتعصب له منهما من الاستحسان والطرب والاقتراح، وعريب وشارية ساكتتان لا تنطقان، وكل واحدة من جواريهما تغنّي صنعة ستّها لا تتجاوزها، حتى غنّت عرفان:

بأبي من زارني في مناميفدنا منّي وفيه نفار

فأحسنت ما شاءت، وشربنا جميعا، فلما أمسكت قالت عريب لشارية: يا أختي لمن هذا اللّحن؟ قالت: لي، كنت صنعته في حياة سيّدي، تعني إبراهيم بن المهديّ، وغنّيته إياه فاستحسنه، وعرضه على إسحاق وغيره فاستحسنوه، فأسكتت عريب، ثم قالت لأبي عيسى: أحب يا بنيّ - فديتك - أن تبعث إلى عثعث فتجيئني به، فوجّه إليه، فحضر وجلس، فلما اطمأن وشرب وغنّى، قالت له: يا أبا دليجة أو تذكر صوت زبير بن دحمان عندي وأنت حاضر، فسألته أن يطرحه عليك؟ قال: وهل تنسى العذراء أبا عذرها، نعم، واللّه إني لذاكره حتّى كأننا أمس افترقنا عنه. قالت: فغنّه، فاندفع فغنّى الصوت الّذي ادّعته شارية حتى استوفاه وتضاحكت عريب، ثم قالت لجواريّها: خذوا في الحقّ، ودعونا من الباطل، وغنّوا الغناء القديم. فغنّت بدعة وسائر جواري عريب، وخجلت شارية وأطرقت وظهر الانكسار فيها، ولم تنتفع هي يومئذ بنفسها، ولا أحد من جواريّها ولا متعصّبيها أيضا بأنفسهم.

قال: وحدّثني يحيى بن حمدون قال: قال لي عثعث الأسود: دخلت يوما على المتوكّل وهو مصطبح وابن المارقيّ يغنّيه قوله:

أقاتلتي بالجيد والقدّ والخدّوباللون في وجه أرقّ من الورد

وهو على البركة جالس، قد طرب واستعاده الصوت مرارا وأقبل عليه، فجلست ساعة ثم قمت لأبول، فصنعت هزجا في شعر البحتريّ الّذي يصف فيه البركة:

صوت

إذا النجوم تراءت في جوانبهاليلا حسبت سماء ركّبت فيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها»
وإن علتها الصّبا أبدت لها حبكامثل الجواشن مصقولا حواشيها
وزادها زينة من بعد زينتهاأن اسمه يوم يدعى من أساميها
للشاعر البحتري، من قصيدة «ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها»

فما سكت ابن المارقي سكوتا مستوجبا حتى اندفعت أغنّي هذا الصوت، فأقبل عليّ وقال لي: أحسنت وحياتي، أعد، فأعدت، فشرب قدحا، ولم يزل يستعيدنيه ويشرب حتى اتكأ، ثم قال للفتح: بحياتي ادفع إليه الساعة ألف دينار وخلعة تامّة واحمله على شهري فاره بسرجه ولجامه، فانصرفت بذلك أجمع.

نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء

صوت

أعاذلتي أكثرت جهلا من العذلعلى غير شيء من ملامي ولا عذلي
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»
نأيت فلم يحدث لي الناس سلوةولم ألف طول النأي عن خلة يسلي

عروضه من الطويل، الشعر لجميل، والغناء لعريب، ثقيل أوّل بالبنصر، ومنها:

صوت

إذا رام قلبي هجرها حال دونهشفيعان من قلبي لها جدلان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «متى تكشفا عني القميص تبينا»
إذا قلت لا، قالا بلى، ثم أصبحاجميعا على الرأي الّذي يريان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «متى تكشفا عني القميص تبينا»

عروضه من الطويل، والناس ينسبون هذا الشعر إلى عروة بن حزام، وليس له.

الشعر لعليّ بن عمرو الأنصاري، رجل من أهل الأدب والرواية، كان بسرّ من رأى كالمنقطع إلى إبراهيم بن المهدي، والغناء لشارية، ثقيل أول بالوسطى، وقيل إنه من صنعة إبراهيم، ونحلها إيّاه، وفيه لعريب خفيف رمل بالبنصر.

ومنها:

صوت

بأبي من زارني في مناميفدنا منّي وفيه نفار
ليلة بعد طلوع الثّريّاوليالي الصّيف بتر قصار
قلت هلكي أم صلاحي فعطفادون هذا منك فيه الدّمار
فدنا منّي وأعطى وأرضىوشفى سقمي ولذّ المزار

لم يقع إلينا لمن الشعر، والغناء لزبير بن دحمان، ثقيل أوّل بالوسطى، وهو من جيّد صنعته وصدور أغانيه.

أخبرني ابن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثنا أحمد بن طيفور قال: كتب صديق لأحمد بن يوسف الكاتب في يوم دجن: «يومنا يوم ظريف النّواة، رقيق الحواشي، قد رعدت سماؤه وبرقت، وحنّت وارجحنّت، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور، فلا تفردنا منك فنقلّ، ولا تنفرد عنّا فنذلّ، فإنّ المرء بأخيه كثير، وبمساعدته جدير». قال: فصار أحمد بن يوسف إلى الرجل، وحضرهم عثعث بن الأسود، فقال أحمد:

صوت

أرى غيما يؤلّفه جنوبوأحسبه سيأتينا بهطل
فعين الرأي أن تأتي برطلفتشربه وتدعو لي برطل
وتسقيه ندامانا جميعافينصرفون عنه بغير عقل
فيوم الغيم يوم الغمّ إن لمتبادر بالمدامة كلّ شغل
ولا تكره محرّمها عليهافإنّي لا أراه لها بأهل

قال: وغنّى فيه عثعث اللّحن المشهور الّذي يغنّى به اليوم.

صوت

ترى الجند والأعراب يغشون بابهكما وردت ماء الكلاب هو امله
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
إذا ما أتوا أبوابه قال: مرحبالجوا الدار حتى يقتل الجوع قاتله
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

عروضه من الطويل. الهوامل: الّتي لا رعاء لها، ولجوا: ادخلوا، يقال: ولج يلج ولجا. وقوله: «حتى يقتل الجوع قاتله»: أي يطعمكم فيذهب جوعكم، جعل الشّبع قاتلا للجوع.

الشعر لعبد اللّه بن الزّبير الأسدي، والغناء لابن سريج، رمل بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»