تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر خبرها وخبر محمد بن الأشعث

فيه ٩١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

نسخت ذلك من كتاب هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، ذكر أنّ أبا أيوب المديني حدّثه عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود قال: كان محمد بن الأشعث القرشي ثم الزهري كاتبا، وكان من فتيان أهل الكوفة وظرفائهم وأدبائهم، وكان يقول الشعر ويتغنى فيه. فمن ذلك قوله في زرقاء جارية ابن رامين، وكان يألفها:

أمسى لسلّامة الزّرقاء في كبدي

وذكر الأبيات:

قال: ومن شعره فيها يخاطب مولاها وقد كان حجّ وأخرج جواريه كلّهنّ - هكذا ذكر أحمد بن إبراهيم. وهذا الشعر الثاني لإسماعيل بن عمّار الأسدي، وقد ذكرت أخباره في موضع آخر.

صوت

أيّة حال يابن رامينحال المحبّين المساكين
تركتهم موتى ولم يتلفواقد جرّعوا منك الأمرّين

- ويروى: «تركتهم موتى وما موّتوا»، وجدته بخطّ حمّاد. -

وسرت في ركب على طيّةركبب تهام ويمانين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
يا راعي الذّود لقد رعتهمويلك من روع المحبّين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
فرّقت جمعا لا يرى مثلهمبين دروب الرّوم والصّين

الغناء لمحمد بن الأشعث نشيد خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها، عن ابن المكي وغيره.

قال: ودخل ابن الأشعث يوما على ابن رامين فخرجت إليه الزّرقاء، فبينما هو يلقي عليها إذ بصر بوصيفة من وصائفهم فأعجبته، فقال شعرا في وقته، وتغنى فيه، فأخذته منه الزرقاء، وهو قوله:

صوت

قل لأختي التي أحبّ رضاهاأنت لي فاعلميه ركن شديد
إنّ لي حاجة إليك فقولي:بين أذني وعاتقي ما تريد

يعني قولي: ما تريد في عنقي حتّى أفعله. ففطنت الزّرقاء للذي أراد، فوهبت له الوصيفة، فخرج بها.

الغناء فيه رمل بالوسطى. ذكر عمرو بن بانة أنّه لابن سريج، وقد وهم في ذلك، بل الغناء لمحمد بن الأشعث لا يشكّ فيه:

قال هارون: وحدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه، قال: وحدّثني أبو عبد اللّه الأسكّ أمير المغنّين أن محمد بن الأشعث الزهري، وهشام بن محمد بن أبي عثمان السّلمي، اجتمعا عند ابن رامين، وكان هشام قد أنفق في منزله مالا عظيما، وكان يقال لأبيه بسيار درم، وتفسيره بالعربية: الكثير الدراهم، فقال محمد بن الأشعث: يا هشام قل ما تشاء. قال:

قل لأختي التي أحبّ رضاهاأنت لي فاعلميه ركن شديد

وأشار بذلك إلى سلّامة الزرقاء. قالت وقد سمعت: فقل. فقال:

إنّ لي حاجة إليك فقوليبين أذني وعاتقي ما تريد

ففطنت الزرقاء للذي أراد، فقالت: بين أذني وعاتقي ما تريد، فما هو؟ قال: وصيفتك هذه، فإنّها قد أعجبتني. قالت: هي لك. فأخذها فما ردّ ذلك ابن رامين ولا تكلّم فيه.

وهذا الشعر والغناء فيه لمحمّد بن الأشعث.

قال هارون: وحدّثني أبو أيوب عن أحمد بن إبراهيم قال:

ذكر عمرو بن نوفل بن أنس بن زيد التميمي، أنّ محمد بن الأشعث كان ملازما لابن رامين ولجاريته سلّامة الزرقاء، فشهر بذلك، وكان رجلا قصّافا فلامه قومه في فعله فلم يحفل بمقالتهم وطال ذلك منه ومنهم، حتّى رأى بعض ما كره في منزل ابن رامين، فمال إلى سحيقة جارية زريق بن منيح، مولى عيسى بن موسى. وكان زريق شيخا سخيّا كريما نبيلا يجتمع إليه أشراف الكوفة من كلّ حيّ، وكان الغالب على منزله رجلا من ولد القاسم بن عبد الغفّار العجلي، كغلبة محمد بن الأشعث على منزل ابن رامين، فتواصلا على ملازمة بيت زريق. ففي ذلك يقول محمد بن الأشعث:

يابن رامين بحت بالتّصريحفي هواي سحيقة ابن منيح
قينة عفّة ومولّى كريمونديم من اللّباب الصّريح
ربعيّ مهذّب أريحيّيشتري الحمد بالفعال الرّبيح
نحن منه في كلّ ما تشتهي الأن- فس من لذّة وعيش نجيح
عند قرم من هاشم في ذراهاوغناء من الغزال المليح
في سرور وفي نعيم مقيمقد أمنّا من كلّ أمر قبيح
فاسل عنا كما سلوناك إنّيغير سال عن ذات نفسي وروحي
حافظ منك كلّ ما كنت قد ض- يّعت مما عصيت فيه نصيحي
فالقلى ما حييت منّي لك الدّه- ر بودّ لمنيتي ممنوح
يابن رامين فالزمن مسجد الحيّ وطول الصّلاة والتّسبيح

قال عمرو بن نوفل: فلم يدع ابن رامين شريفا بالكوفة إلّا تحمّل به على ابن الأشعث وأن يرضى عنه، ويعاود زيارته، فلم يفعل، حتّى تحمّل عليه بالحجوانيّ، وهو محمد بن بشر بن حجوان الأسديّ، وكان يومئذ على الكوفة، فكلمه فرضي عنه ورجع إلى زيارته، ولم يقطع منزل زريق. وقال في سحيقة:

سحيقة أنت واحدة القيانفمالك مشبه فيهن ثان
فضلت على القيان بفضل حذقفحزت على المدى قصب الرّهان
سجدن لك القيان مكفّراتكما سجد المجوس لمرزبان
ولا سيما إذا غنّيت صوتاوحرّكت المثالث والمثاني
شربت الخمر حتّى خلت أنّيأبو قابوس أو عبد المدان
للشاعر لقيط بن زرارة، اقرأ القصيدة
فإعمال اليسار على الملاويومن يمناك ترجمة البيان

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، عن حمّاد عن أبيه قال: كان روح بن حاتم المهلبي كثير الغشيان لمنزل ابن رامين، وكان يختلف إلى الزّرقاء جارية ابن رامين، وكان يهواها محمد بن جميل وتهواه، فقال لها: إنّ روح بن حاتم قد ثقل علينا. قالت: فما أصنع، قد غمر مولاي ببرّه! فقال: احتالي له. فبات عندهم روح ليلة، فأخذت سراويله وهو نائم فغسلته، فلما أصبح سأل عنه فقالت: غسلناه. ففطن أنّه أحدث فيه فاحتيج إلى غسله، فاستحيا من ذلك وانقطع عنها، وخلا وجهها لابن جميل.

قال هارون: وأخبرني حماد عن أبيه قال: ابن رامين اسمه عبد الملك بن رامين، مولى عبد الملك بن بشر بن مروان. وجواريه سعدة، وربيحة، وسلّامة الزرقاء. وفيهن يقول إسماعيل بن عمّار الأسديّ وأنشدناه الحرميّ عن الزبير عن عمّه، وروايته أتمّ:

هل من شفاء لقلب لجّ محزونصبا، وصبّ إلى ريم ابن رامين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
إلى ربيحة إنّ اللّه فضّلهابحسنها وسماع ذي أفانين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
نعم شفاؤك منها أن تقول لهاقتلتني يوم دير اللّجّ فاحييني
أنت الطبيب لداء قد تلبّس بيمن الجوى فانفثي في فيّ وارقيني
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
نفسي تأبّى لكم إلّا طواعيةوأنت تحمين أنفا أن تطيعيني
فتلك قسمة ضيزي قد سمعت بهاوأنت تتلينها ما ذاك في الدين
ما عائذ اللّه لي إلف ولا وطنولا ابن رامين، لولا ما يمنّيني
يا ربّ ما لابن رامين، له بقرعين وليس لنا غير البراذين
لو شئت أعطيته مالا على قدريرضى به منك غير الخرّد العين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
لعائذ اللّه بيت ما مررت بهإلّا وجئت على قلبي بسكين
يا سعدة القينة البيضاء، أنت لناأنس لأنّك في دار ابن رامين
لا تحسبنّ بياض الجصّ يؤنسنيوأنت كنت كمثل الخزّ في اللين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
لولا ربيحة ما استأنست ما عمدتنفسي إليك ولو مثّلت في طين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
لم أنس سعدة والزّرقاء يومهماباللّجّ شرقيّه فوق الدّكاكين
تغنّيان ابن رامين ضحاءهمابالمسجحيّ وتشبيب المحبّين
فما دعوت به من عيش مملكةولم نعش يومنا عيش المساكين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
أذاك أنعم أم يوم ظللت بهمنعّم العيش في بستان سورين
يشوي لنا الشّيخ سورين دواجنهبالجردناج وسحاج الشقابين
نسقى شرابا لعمران يعتّقهيمسي الأصحاء منه كالمجانين
يعني عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد اللّه -
إذا ذكرنا صلاة بعدما فرطتقمنا إليها بلا عقل ولا دين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
نمشي إليها بطاء لا حراك بناكأنّ أرجلنا تقلعن من طين
نمشي وأرجلنا عوج مطارحهامشي الإوزّ التي تأتي من الصين
أو مشي عميان دبر لا دليل لهمإلّا العصيّ، إلى عيد السّعانين

وقال فيه أيضا:

لابن رامين خرّد كمها الرّم- ل حسان وليس لي غير بغل
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
ربّ فضّلته عليّ ولو شئ- ت لفضّلتني عليه بفضل
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة

قال حمّاد: وأخبرني أبي قال: حدّثني السّكوني، أنّ جعفر بن سليمان اشترى ربيحة بمائة ألف درهم، واشترى صالح بن عليّ سعدة بتسعين ألف درهم، واشترى معن بن زائدة الزرقاء.

قال مؤلف هذا الكتاب: هذا خطأ، الزّرقاء اشتراها جعفر بن سليمان، ولعل معنّا اشترى غيرها.

أخبرني حبيب بن نصر قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني علي بن الحسن الشيباني، عن عبد الملك بن ثوبان قال: قال إسماعيل بن عمّار: كنت أختلف إلى منزل ابن رامين فأسمع جاريتيه: الزرقاء وسعدة، وكانت سعدة أظرف من الزّرقاء، فأعجبت بها وعلمت ذلك منّي، وكانت سعدة كاتبة، فكتبت إليها أشكو ما ألقى بها، فوعدتني فكتبت إليها رقعة مع بعض خدمهم:

يا ربّ إنّ ابن رامين له بقرعين وليس لنا غير البراذين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة

وذكر الأبيات الماضية. قال: فجاءني الخادم وقال: ما زالت تقرأ رقعتك وتضحك من قولك:

فإن تجودي بذاك الشيء أحي بهوإن بخلت به عنّي فزنّيني

وكتبت إليّ: «حاشاك من أن أزنّيك، ولكنّي أسير إليك فأغنّيك وألهيّك وأرضيك». وصارت إليّ فأرضتني بعد ذلك.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه، عن الحسين بن محمد الحرّاني، وأخبرني الجوهري عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه: أن جعفر بن سليمان اشترى الزرقاء صاحبة ابن رامين بثمانين ألف درهم، وسترها عن أبيه - وأبوه يومئذ على البصرة في خلافة المنصور، وقد تحرّك في تلك الأيام عبد اللّه بن علي - فهجم عليهما يوما سليمان بن عليّ فأخفيا العود تحت السّرير ودخل، فقال له: ويحك نحن على هذه الحال نتوقّع الصيلم وأنت تشتري جارية بثمانين ألف درهم! وأظهر له غضبا عليه وتسخّطا لما فعل، فغمز خادما كان على رأسه فأخرجها إلى سليمان، فأكبّت على رأسه فقبّلته، ودعت له، وكانت عاقلة مقبولة متكلّمة، فأعجبه ما رأى منها، وقام عنهما فلم يعد لمعاتبة ابنه بعد ذلك.

قال: ولما مضت لها مدّة عند جعفر سألها يوما: هل ظفر منك أحد ممن كان يهواك بخلوة أو قبلة؟

فخشيت أن يبلغه شيء كانت فعلته بحضرة جماعة أو يكون قد بلغه، فقالت: لا واللّه إلّا يزيد بن عون العباديّ الصّيرفي؛ فإنّه قبّلني قبلة وقذف في فيّ لؤلؤة بعتها بثلاثين ألف درهم. فلم يزل جعفر يحتال له ويطلبه حتّى وقع في يده، فضربه بالسّياط حتّى مات.

قال هارون: وحدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال. حدّثني أبو عوف الدّوسيّ، عن عبد الرحمن بن مقرّن قال: كتبت إلى ابن رامين أستأذنه في إتيانه، فكتب إليّ: «قد سبقك روح بن حاتم، فإن كنت لا تحتشم منه فرح. فرحت، فكنّا كأنّنا فرسا رهان، والتقينا فعانقني وقال لي: أنّى تريد؟ قلت: حيث أردت.

قال: فالحمد للّه. فدخلنا فخرجت الزرقاء في إزار ورداء قوهيّين مورّدين، كأنّ الشمس طالعة من بين رأسها وكتفيها، فغنّتنا ساعة ثم جاء الخادم الذي يأذن لها، وكان الإذن عليها دون مولاها، فقام دون الباب وهي تغنّي، حتّى إذا قطعت نظرت إليه فقالت: من؟ فقال: يزيد بن عون العباديّ الصّيرفي، الملقّب بالماجن، على الباب. فقالت: أدخله. فلما استقبلها كفّر ثم أقعى بين يديها. قال: فوجدت واللّه له ورأيت أثر ذلك، وتنوّقت تنّوقا خلاف ما كانت تفعل بنا. فأدخل يده في ثوبه فأخرج لؤلؤتين وقال: انظري يا زرقاء جعلت فداك! ثم حلف أنّه نقد فيهما بالأمس أربعين ألف درهم. فقالت: فما أصنع بذلك؟ قال: أردت أن تعلمي. فغنّت صوتا ثم قالت: يا ماجن هبهما لي ويحك. قال: إن شئت واللّه فعلت. قالت: قد شئت. قال: واليمين التي حلفت بها لازمة لي إن أخذتهما إلّا بشفتيك من شفتيّ. قال: فذهب روح يتسرّع إليه، فقالت له: ألك في بيت القوم حاجة؟ قال: نعم. فقلت: إنما يتكسّبون مما ترى.

وقام ابن رامين فقال: ضع لي يا غلام ماء. ثم خرج عنا فقالت: هاتهما. فمشى على ركبتيه وكفّيه وهما بين شفتيه. فقال: هاك. فلمّا ذهبت بشفتيها جعل يصدّ عنها يمينا وشمالا ليستكثر منها، فغمزت جارية على رأسها فخرجت كأنّها تريد حاجة، ثم عطفت عليه، فلمّا دنا منها وذهب ليزوغ دفعت منكبيه وأمسكتهما حتّى أخذت الزّرقاء اللؤلؤتين بشفتيها من فمه، ورشح جبينها حياء منّا. ثم تجلّدت علينا فأقبلت عليه فقالت له: «المغبون في استه عود» فقال: أمّا أنا فما أبالي، لا يزال طيب هذه الرائحة في أنفي وفمي أبدا ما حييت.

قال هارون: وحدّثني ابن النطّاح عن المدائني، عن علي بن أبي سليمان، عن أبي عبد اللّه القرشي، عن أبي زاهر بن أبي الصباح، قال: أتيت منزل ابن رامين مع رجل من قريش، فأخرج الزرقاء، وسعدة، فقام القرشيّ ليبول وترك مطرفه، فلبسته سعدة وخرجت، فرجع القرشيّ وعليها المطرف قد خاطته فصار درعا، فقالت: أرأيتم أسرع من هذا؟

صار المطرف درعا! فقال القرشيّ: هو لك. قال: وعليّ طيلسان مثنّى، فأردت أن أبول فلففته وقمت، فقالت سعدة: دع طيلسانك. فقلت: لا أدعه، أخاف أن يتحوّل مطرفا.

وحدّثني قبيصة بن معاوية قال: قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: شربت زرقاء ابن رامين دواء فأهدى لها ابن المقفع ألف درّاجة على جمل قراسيّ.

قال هارون: وحدّثني حمّاد عن أبيه: أنّ محمد بن جميل كان يتعشّق الزرقاء، وكان أبو جميل يغدو كلّ يوم يسأل من يقدم عن ابنه محمّد، إلى أن مرّ به صديق له يكنى أبا ياسر، فسأله عنه فقال له أبو ياسر: تركته أعظم النّاس قدرا، يعامل الخليفة كلّ يوم في خراجه، فيحتاج إليه ولده، وصاحب شرطته، وصاحب حرسه، وخدمه. فقال له: يا أخي: فكيف بهذه الجارية التي قد شهر بها؟ فقال له الرجل: لا تهتمّ بها، قد مازحه أمير المؤمنين فيها، وخاطبه بشعر قيل فيه. قال: وما هو؟

قال:

وابن جميل فاعلموا عاجلالا بدّ موقوف على مسطبه
يوقف في زرقاء مشهورةتجيد ضرب العود والعرطبه

فقال جميل: واللّه ما بي من هذا الأمر إلا أنّي أتخوّف أن يكون قد شهر بها هذه الشّهرة ولم ينكها.

قال هارون: وأحسب هذه القصّة لزرقاء الزّراد، لا زرقاء ابن رامين.

قال هارون: وحدّثني أبو أيوب قال: حدّثني محمد بن سلّام، قال: اجتمع عند ابن رامين معن بن زائدة، وروح بن حاتم، وابن المقفّع، فلما تغنّت الزرقاء وسعدة، بعث معن إليها بدرة فصبّت بين يديها، فبعث روح إليها أخرى فصبّت بين يديها، ولم يكن عند ابن المقفّع دراهم فبعث فجاء بصكّ ضيعته وقال: هذه عهدة ضيعتي خذيها، فأمّا الدّراهم فما عندي منها شيء.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا فضل اليزيديّ قال: حدّثني إسحاق الموصليّ قال: قال سليمان الخشّاب: دخلت منزل ابن رامين فرأيت الزّرقاء جاريته وهي وصيفة، حين شال نهودها ثوبها عن صدرها، لها شارب كأنّه خطّ بمسك، يلحظه الطّرف ويقصر عنه الوصف، وابن الأشعث الكوفيّ يلقي عليها، والغناء له:

أيّة حال يا ابن رامينحال المحبّين المساكين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
تركتهم موتى وما موّتواقد جرّعوا منك الأمرّين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
وسرت في ركب على طيّةركب تهام ويمانين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
يا راعي الذّود لقد رعتناويلك من روع المحبّين
فرّقت جمعا لا يرى مثلهمفجّعتهم بالرّبرب العين

أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثني هارون بن محمد الزيات قال: قال أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل: كان ابن رامين مولى الزرقاء أجلّ مقيّن بالكوفة وأكبرهم، ورامين أبوه مولى بشر بن مروان.

قال هارون: فحدّثني سليمان المديني قال: قال حمّاد بن إسحاق قال أبي: قال معاذ بن الطّبيب: أتيت ابن رامين وعنده جواريه: الزّرقاء وصواحباتها، وعندهنّ فتى حسن الوجه نظيف الثّياب، عطر الريح، يلقى عليهنّ، فسألت عنه فقيل لي: هذا محمد بن الأشعث بن فجوة الزّهري. فمضيت به إلى منزلي وسألته المقام ففعل، وأتيته بطعام وشراب وغنّيته أصواتا من غناء أهل الحجاز، فسألني أن ألقيها عليه، فقلت: نعم وكرامة وحبّا، على أن تلقي عليّ أصواتا من صنعتك ألتذّ بها، وأقطع طريقي بروايتها، وأطرف أهل بلدي بها، ففعلت وفعل، فكان مما أخذته عنه من صنعته:

صوت

صاح إنّي عاد لي ما ذهبامن هوى هاج لقلبي طربا
أذكرتني الشّوق سلّامة أنلم أكن قضيت منها أربا
وإذا ما لام فيها لائمزاد في قلبي لحبّي عجبا
من ذوات الدّلّ لو دبّ علىجلدها الذّرّ لأبدى ندبا

الغناء لمحمد بن الأشعث، ثقيل أوّل عن الهشاميّ. وفيه ليونس خفيف ثقيل بالسّبابة، في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر أحمد بن عبيد أنّ فيه لحنا من الثقيل الثاني لا يدري لمن هو؟

قال: ومنها.

صوت

لذكر الحبيب النّازح المتعتّبطربت ومن يعرض له الشوق يطرب

لحنه رمل: وقال منها:

صوت

خليليّ عوجا ساعة ثم سلّماعلى زينب سقيا ورعيا لزينب

لحنه رمل. وقال منها:

صوت

رحبت بلادك يا أمامهوسلمت ما سجعت حمامه
وسقى ديارك كلّماحنّت إلى السّقيا غمامه
إنّي وإن أقصيتنيسفها أحبّ لك الكرامه
وأرى أمورك طاعةمفروضة حتّى القيامه

لحنه خفيف رمل. قال: ومنها:

صوت

ما بالمغاني من أحدإلّا حمامات فرد
أضحت خلاء درّساللرّيح فيها مطّرد
عهدي بها فيما مضىينتابها مض خرد
فاستبدلت وحشا بهموالورق تدعو والصّرد

لحنه هزج. قال: ومنها:

صوت

ليت من طيّر نوميردّ في عيني المناما
أو شفى جسما سقيمازاده الهجر سقاما
نظرت عيني إليهانظرة هاجت غراما
تركت قلبي حزينابهواها مستهاما

لحنه رمل.

قال ابن الطبيب: وأخذت منه مع هذه أصواتا كثيرة، ورأيت النّاس بعد ذلك ينسبونها إلى قدماء المغنّين.

قال هارون: وحدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: حدّثني إسماعيل بن جعفر بن سليمان: أنّ الزّرقاء صاحبة ابن رامين صارت إلى أبيه، وكان يقال لها أم عثمان. وأنّ ربيحة جارية ابن رامين صارت إلى محمد بن سليمان، وكانت حظيّة عنده. قال إسماعيل: فأتى سليمان بن علي ابنه جعفرا فأخرج إليه الزّرقاء، فقال لها سليمان: غنّيني. قالت: أيّ شيء تحبّ؟ قال: غنّيني:

إذا ما أمّ عبد اللّ- ه لم تحلل بواديه
للشاعر النعمان بن بشير الأنصاري، اقرأ القصيدة
ولم تشف سقيما هيّ- ج الحزن دواعيه

فقالت: فديتك، قد ترك الناس هذا منذ زمان. ثم غنّته إياه.

قال إسماعيل: قد مات سليمان منذ ثلاث وسبعين سنة، وينبغي أن يكون رأى الزرقاء قبل موته بسنتين أو ثلاث. قال: وقالت هي: قد ترك الناس هذا منذ زمان. فهذا من أقدم ما يكون من الغناء.

قال هارون: وقال شراعة بن الزّندبوذ:

قالوا شراعة عنّين فقلت لهماللّه يعلم أنّي غير عنّين
فإن أبيتم وقلتم مثل قولهمفأقحموني في دار ابن رامين
ثم انظروا كيف طعني عند معتركيفي حر من كنت أرميها وترميني

قال هارون: وحدّثني أبو أيوب المديني، عن أحمد بن إبراهيم قال: قال بعض المدنيّين: أتيت منزل ابن رامين، فوجدته عنده جارية قد رفع ثديها قميصا، لها شارب أخضر ممتدّ على شفتيها امتداد الطّراز، كأنّما خطّت طرّتها وحاجباها بقلم، لا يحلقها في ضرب من ضروب حسنها وصف واصف، فسألت عن اسمها فقيل: هذه الزّرقاء.

نسبة الصوت الذي في الخبر

صوت

إذا ما أمّ عبد اللّ- ه لم تحلل بواديه
للشاعر النعمان بن بشير الأنصاري، اقرأ القصيدة
ولم تشف سقيما ه- يج الحزن دواعيه
غزال راعه القنّاص تحميه صواصيه
للشاعر النعمان بن بشير الأنصاري، اقرأ القصيدة
عرفت الربع بالإكلي- ل عفّته سوافيه
للشاعر النعمان بن بشير الأنصاري، اقرأ القصيدة
بجوّ ناعم الحوذان ملتفّ روابيه
للشاعر النعمان بن بشير الأنصاري، اقرأ القصيدة
وما ذكرى حبيبا وقليلا ما أواتيه
للشاعر النعمان بن بشير الأنصاري، اقرأ القصيدة
كذي الخمر تمنّاهاوقد أسرف ساقيه
للشاعر النعمان بن بشير الأنصاري، اقرأ القصيدة

ذكر الزّبير بن بكّار أنّ الشّعر لعديّ بن نوفل، وقيل إنّه للنّعمان بن بشير الأنصاريّ وذاك أصحّ.

وقد أخرجت أخبار النّعمان فيه مفردة في موضع آخر، وذكرت القصيدة بأسرها. ورواها ابن الأعرابيّ وأبو عمرو الشيباني للنّعمان، ولم يذكر أنّها لعديّ غير الزّبير بن بكّار.

والغناء فيما ذكر عمرو بن بانة لمعبد، خفيف رمل بالوسطى. وذكر إسحاق أنّ فيه خفيف رمل بالسبّابة في مجرى البنصر، يمان. وفيه للغريض ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشامي، في الأول والثاني والرابع والخامس.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»