تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر أحيحة بن الجلاح ونسبه وخبره والسبب الذي من أجله قال الشعر

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.

ويكنى أحيحة أبا عمرو.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثني الزبير بن بكّار قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز قال: ركب الوليد بن عبد الملك إلى المساجد، فأتى مسجد العصبة، فلما صلّى قال للأحوص: يا أحوص أين الزّوراء التي قال فيها صاحبكم:

إنّي أقيم على الزّوراء أعمرهاإنّ الكريم على الإخوان ذو المال
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»
لها ثلاث بئار في جوانبهافي كلّها عقب تسقى بأقبال
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»
استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبمن ابن عمّ ولا عمّ ولا خال
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»

قال الزبير؛ العقب الذي في أوّل المال عند مدخل الماء، والطلب الذي في آخره. قال: فأشار له الأحوص إليها وقال: ها هي تلك، لو طوّلت لأشقرك هذا لجال عليها، فقال الوليد: إنّ أبا عمرو كان يراه غنيّا بها، فعجب الناس يومئذ لعناية الوليد بالعلم، حتّى علم أنّ كنية أحيحة أبو عمرو.

وفي بعض هذا الشعر غناء، وهو:

صوت

استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبمن ابن عمّ ولا عمّ ولا خال
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»
يلوون ما لهم عن حقّ أقربهموعن عشيرتهم؛ والحقّ للوالي
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»

غنّاه الهذلي رملا بالوسطى من رواية الهشاميّ وعمرو بن بانة.

وأمّا السّبب في قول أحيحة هذا الشعر فإنّ أحمد بن عبيد المكتّب ذكر أن محمد بن يزيد الكلبيّ حدّثه، وحدّثه أيضا هشام بن محمد عن الشّرقيّ بن القطاميّ قال هشام: وحدّثني به أبي أيضا.

قال: وحدّثني رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عمّار بن ياسر، قال: وحدّثني عبد الرحمن بن سليمان الأنصاريّ، قالوا جميعا: أقبل تبّع الأخير وهو أبو كرب بن حسان بن أسعد الحميريّ، من اليمين سائرا يريد المشرق كما كانت التّبابعة تفعل، فمرّ بالمدينة فخلّف بها ابنا له، ومضى حتّى قدم الشّأم، ثم سار من الشأم حتّى قدم العراق فنزل بالمشقّر، فقتل ابنه غيلة بالمدينة، فبلغه وهو بالمشقّر مقتل ابنه، فكرّ راجعا إلى المدينة وهو يقول:

يا ذا معاهر ما تزال ترودرمد بعينك عادها أم عود
منع الرّقاد فما أغمّص ساعةنبط بيثرب آمنون قعود
لا تستقي بيديك إن لم تلقهاحربا كأنّ أشاءها مجرود

ثم أقبل حتّى دخل المدينة وهو مجمع على إخرابها وقطع نخلها، واستئصال أهلها، وسبي الذرّية؛ فنزل بسفح أحد فاحتفر بها بئرا - فهي البئر التي يقال لها إلى اليوم بئر الملك - ثم أرسل إلى أشراف أهل المدينة ليأتوه فكان فيمن أرسل إليه زيد بن ضبيعة بن زيد بن عمرو بن عوف، وابن عمه زيد بن أميّة بن زيد، وابن عمه زيد بن عبيد بن زيد - وكانوا يسمّون الأزياد - وأحيحة بن الجلاح؛ فلمّا جاء رسوله قال الأزدياد: إنما أرسل إلينا ليملّكنا على أهل يثرب. فقال أحيحة: واللّه ما دعاكم لخير! وقال:

ليت حظّي من أبي كربأن يردّ خيره خبله
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «ليت حظي من أبي كربٍ»

فذهبت مثلا. وكان يقال: إنّ مع أحيحة تابعا من الجنّ يعلمه الخبر لكثرة صوابه؛ لأنّه كان لا يظنّ شيئا فيخبر به قومه إلا كان كما يقول. فخرجوا إليه، وخرج أحيحة ومعه قينة له، وخباء، فضرب الخباء وجعل فيه القينة والخمر، ثم خرج جتّى استأذن على تبّع، فأذن له، وأجلسه معه على زربيّة تحته، وتحدّث معه وسأله عن أمواله بالمدينة؛ فجعل يخبره عنها، وجعل تبّع كلّما أخبره عن شيء منها يقول: كلّ ذلك على هذه الزربية. يريد بذلك تبّع قتل أحيحة، ففطن أحيحة أنه يريد قتله فخرج من عنده فدخل خباءه، فشرب الخمر، وقرض أبياتا، وأمر القينة أن نغنّيه بها، وجعل تبّع عليه حرسا، وكانت قينته تدعى مليكة فقال:

يشتاق قلبي إلى مليكة لوأمست قريبا ممن يطالبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»

الأبيات. وزاد فيها مما ليس فيه غناء:

لتبكني قينة ومزهرهاولتبكني قهوة وشاربها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»
ولتبكني ناقة إذا رحلتوغاب في سردح مناكبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»
ولتبكني عصبة إذا جمعتلم يعلم الناس ما عواقبها

فلم تزل القينة تغنّيه بذلك يومه وعامّة ليلته؛ فلما نام الحرّاس قال لها: إنّي ذاهب إلى أهلي فشدّي عليك الخباء، فإذا جاء رسول الملك فقولي له: هو نائم؛ فإذا أبوا إلّا أن يوقظوني فقولي: قد رجع إلى أهله وأرسلني إلى الملك برسالة. فإن ذهبوا بك إليه فقولي له: يقول لك أحيحة: «اغدر بقينة أو دع». ثم انطلق فتحصّن في أطمه الضّحيان، وأرسل تبّع من جوف الليل إلى الأزياد فقتلهم على فقارة من فقار تلك الحرّة. وأرسل إلى أحيحة ليقلته، فخرجت إليهم القينة، فقالت: هو راقد. فانصرفوا وتردّدوا عليها مرارا؛ كلّ ذلك تقول: هو راقد.

ثم عادوا فقالوا: لتوقظنّه أو لندخلنّ عليك. قالت: فإنه قد رجع إلى أهله، وأرسلني إلى الملك برسالة. فذهبوا بها إلى الملك، فلما دخلت عليه سألها عنه، فأخبرته خبره، وقالت: يقول لك: «اغدر بقينة أو دع». فذهبت كلمة أحيحة هذه مثلا؛ فجرّد له كتيبة من خيله، ثم أرسلهم في طلبه فوجدوه قد تحصّن في أطسه، فحاصروه ثلاثا؛ يقاتلهم بالنّهار ويرميهم بالنبل والحجارة، ويرمي إليهم بالليل بالتمر، فلما مضت الثلاث رجعوا إلى تبّع فقالوا: بعثتنا إلى رجل يقاتلنا بالنهار، ويضيفنا بالليل! فتركه؛ وأمرهم أن يحرّقوا نخله. وشبّت الحرب بين أهل المدينة: أوسها وخزرجها ويهودها، وبين تبّع، وتحصّنوا في الآطام. فخرج رجل من أصحاب تبّع حتى جاء بني عديّ بن النجّار؛ وهم متحصّنون في أطمهم، الذي كان في قبلة مسجدهم، فدخل حديقة من حدائقهم، فرقي عذقا منها يجدّها، فاطّلع إليه رجل من بني عديّ بن النجار من الأطم يقال له أحمر أو صخر بن سليمان من بني سلمة، فنزل إليه فضربه بمنجل حتّى قتله ثم ألقاه في بئر! وقال: جاءنا يجدّ نخلنا، «إنّما النخل لمن أبره»، فأرسلها مثلا. فلما انتهى ذلك إلى تبّع زاده حنقا وجرّد إلى بني النجّار جريدة من خيله؛ فقاتلهم بنو النجّار ورئيسهم عمرو بن طلّة أخو بني معاوية بن مالك بن النجّار، وجاء بعض تلك الخيول إلى بني عديّ وهم متحصّنون في أطمهم الذي في قبلة مسجدهم، فراموا بني عديّ بالنّبل، فجعلت نبلهم تقع في جدار الأطم، فكان على أطمهم مثل الشّعر من النبل، فسمّي ذلك الأطم الأشعر - ولم تزل بقايا النّبل فيه حتّى جاء اللّه عزّ وجلّ بالإسلام - وجاء بعض جنوده إلى بني الحارث بن الخزرج، فجذموا نخلهم من أنصافها، فسمّيت تلك النخل جذمان، وجدعوا هم فرسا لتبّع، فكان تبّع يقول: لقد صنع بي أهل يثرب شيئا ما صنعه بي أحد؛ قتلوا ابني وصاحبي، وجدعوا فرسي! قالوا: فبينا تبّع يريد إخراب المدينة، وقتل المقاتلة، وسبي الذرّية، وقطع الأموال أتاه حبران من اليهود فقالا، أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فإنّها محفوظة، وإنا نجد اسمها كثيرا في كتابنا، وأنّها مهاجر نبيّ من بني إسماعيل اسمه أحمد، يخرج من هذا الحرم من نحو البيت الذي بمكة، تكون داره وقراره، ويتبعه أكثر أهلها. فأعجبه ما سمع منهما، وكفّ عن الذي أراد بالمدينة وأهلها، وصدّق الحبرين بما حدّثاه، وانصرف تبّع عما كان أراد بها، وكفّ عن حربهم، وآمنهم حتّى دخلوا عسكره، ودخل جنده المدينة؛ فقال عمرو بن مالك بن النجار، يذكر شأن تبع، ويمدح عمرو بن طلّة:

أصحا أم انتحى ذكرهأم قضى من لذّة وطره
بعد ما ولّى الشباب وماذكره الشّباب أو عصره
إنّها حرب يمانيةمثلها آتى الفتى عبره
سائلي عمران أو أسداإذ أتت تعدو مع الزّهره
فيلق فيه أبو كربسبع أبدانه ذفره
ثم قالوا من يؤمّ بناأبنو عوف أم النّجره
يا بني النّجار إنّ لنافيكم ذحلا وإنّ تره
فتلقّتهم مسايفةمدّها كالغبية النّثره

- الغبية: السحابة التي فيها مطر وبرق برعد -.

فيهم عمرو بن طلّة لاهمّ فامنح قومه عمره ضسيّد سامي الملوك ومن
يدع عمرا لا تجد قدره

وقال في ذلك رجل من اليهود:

تكلّفني من تكاليفهانخيل الأساويف والمصنعه
نخيلا حمتها بنو مالكجنود أبي كرب المفظعه

وقال أحيحة يرثي الأزياد الذين قتلهم تبّع:

ألا يا لهف نفسي أيّ لهفعلى أهل الفقارة أيّ لهف
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «ألا يا لهف نفسي أي لهفٍ»
مضوا قصد السّبيل وخلّفونيإلى خلف من الأبرام خلف
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «ألا يا لهف نفسي أي لهفٍ»
سدى لا يكتفون ولا أراهميطيعون أمرا إن كان يكفي
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «ألا يا لهف نفسي أي لهفٍ»

قالوا: فلما كفّ تبّع عن أهل المدينة اختلطوا بعسكره فبايعوه وخالطوهم. ثم إنّ تبّعا استوبأ بئره التي حفرها، وشكا بطنه عن مائها؛ فدخلت عليه امرأة من بني زريق يقال لها فكهة بنت زيد بن كلدة بن عامر بن زريق، وكانت ذات جلد وشرف في قومها، فشكا إليها وبأبئره، فانطلقت فأخذت قربا وحمارين حتّى استقت له من ماء رومة، فشربه فأعجبه، وقال: زيديني من هذا الماء. فكانت تختلف إليه في كلّ يوم بماء رومة، فلمّا حان رحيله دعاها، فقال لها: يا فكهة، إنّه ليس معنا من الصفراء والبيضاء شيء، ولكن لك ما تركنا من أزوادنا ومتاعنا. فلما خرج تبّع نقلت ما تركوه من ازوادهم ومتاعهم؛ فيقال إنه لم تزل فكهة أكثر بني زريق مالا حتّى جاء الإسلام.

قال: وخرج تبّع يريد اليمن ومعه الحبران اللذان نهياه عن المدينة، فقال حين شخص من منزله: هذه قباء الأرض. فسمّيت قباء. ومرّ بالجرف فقال؛ هذا جرف الأرض. فسمّي الجرف؛ وهو أرفعها. ومرّ بالعرصة وتسمّى السليل فقال: هذه عرصة الأرض. ثم انحدر في العقيق فقال: هذا عقيق الأرض. فسمّي العقيق. ثمّ خرج يسير حتّى نزل البقيع، فنزل على غدير ماء يقال له براجم، فشرب منه شربة فدخلت في حلقه علقة فاشتكى منها. فقال فيما ذكر أبو مسكين قوله:

ولقد شربت على براجم شربةكادت بباقية الحياة تذيع

ثم مضى حتى إذا كان بحمدان جاءه نفر من هذيل فقالوا له: اجعل لنا جعلا وندلّك على بيت مال فيه كنوز من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد والذهب والفضّة، ليست لأهله منعة ولا شرف. فجعل لهم على ذلك جعلا، فقالوا له: هو البيت الذي تحجّه العرب بمكة. وأرادوا بذلك هلاكه. فتوجّه نحوه فأخذته ظلمة منعته من السّير، فدعا الحبرين فسألهما، فقالا: هذا لما أجمعت عليه في هذا البيت؛ واللّه مانعه منك، ولن تصل إليه، فاحذر أن يصيبك ما أصاب من انتهك حرمات اللّه؛ وإنّما أراد القوم الذين أمروك به هلاكك؛ لأنه لم يرمه أحد قطّ بشرّ إلا أهلكه اللّه، فأكرمه وطف به، واحلق رأسك عنده، فترك الذي كان أجمع عليه، وأمر بالهذلّيين فقطّع أيديهم وأرجلهم، ثم خرج يسير حتّى أتى مكّة فنزل بالشّعب من الأبطح، وطاف بالبيت، وحلق رأسه، وكساه الخصف.

قال هشام: وحدّثني ابن لجرير بن يزيد البجلي عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال هشام: وحدّثني أبي عن صالح عن ابن عباس قال: لمّا أقبل تبّع يريد هدم البيت وصرف وجوه العرب إلى اليمن، بات صحيحا فأصبح وقد سالت عيناه على خدّيه، فبعث إلى السّحرة والكهّان والمنجّمين، فقال: مالي، فو اللّه لقد بتّ ليلتي ما أجد شيئا، وقد صرت إلى ما ترون. فقالوا: حدّث نفسك بخير. ففعل فارتدّ بصيرا، وكسا البيت الخصف.

هذه رواية جعفر بن محمد عن أبيه. وفي رواية ابن عباس: فأتي في المنام فقيل له: اكسه أحسن من هذا. فكساه الوصائل - قال: وهي برود العصب، سمّيت الوصائل لأنّها كانت يوصل بعضها ببعض - قال: فأقام بمكة ستّة أيام يطعم الطعام، وينحر في كلّ يوم ألف بعير، ثم سار إلى اليمن وهو يقول:

ونحرنا بالشّعب ستّة آلاف ترى الناس نحوهنّ ورودا
وكسونا البيت الذي حرّم اللّ- ه ملاء معضّدا وبرودا؟
وأقمنا به من الشّهر ستّاوجعلنا له به إقليدا
ثم أبنا منه نؤمّ سهيلاقد رفعنا لواءنا المعقودا

قال: وتهوّد تبّع وأهل اليمن بذينك الحبرين.

أخبرني محمد بن مزيد قال: أخبرني حمّاد بن إسحاق عن أبيه، قال: حدّثني أبو البختري عن أبي إسحاق، قال: أخبرني أيوب بن عبد الرحمن: أنّ رجلا من بني مازن بن النجار يقال له كعب بن عمرو، تزوّج امرأة من بني سالم بن عوف فكان يختلف إليها، فقعد له رهط من بني جحجبى بمرصد، فضربوه حتّى قتلوه أو كادوا، فأدركه القوافل فاستنقدوه؛ فلما بلغ ذلك أخاه عاصم بن عمرو خرج وخرج معه بنو النجّار وخرج أحيحة بن الجلاح ببني عمرو بن عوف، فالتقوا بالرّحابة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أخا عاصم يومئذ أحيحة بن الجلاح، وكان يكنى أبا وحوحة، فأصابه في أصحابه حين انهزموا، وطلب عاصم أحيحة حتّى انتهى إلى البيوت، فأدركه عاصم عند باب داره فزجّه بالرمح، ودخل أحيحة الباب، ووقع الرّمح في الباب، ورجع عاصم وأصحابه فمكث أياما. ثم إنّ عاصما طلب أحيحة ليلا ليقتله في داره، فبلغ ذلك أحيحة، وقيل له إنّ عاصما قد رئي البارحة عند الضّحيان والغابة - وهي أرض لأحيحة، والضّحيان: أطم له - وكان أحيحة إذ ذاك سيّد قومه من الأوس، وكان رجلا صنعا للمال، شحيحا عليه، يبيع بيع الربا بالمدينة، حتّى كاد يحيط بأموالهم، وكان له تسع وتسعون بعيرا كلّها ينضح عليها، وكان له بالجرف أصوار من نخل قلّ يوم يمرّ به إلّا يطّلع فيه، وكان له أطمان: أطم في قومه يقال له المستظلّ، وهو الذي تحصّن فيه حين قاتل تبّعا أسعد أبا كرب الحميريّ، وأطمه الضّحيان بالعصبة في أرضه التي يقال لها الغابة بناه بحجارة سود وبنى عليه نبرة بيضاء مثل الفضّة، ثم جعل عليها مثلها، يراها الراكب من مسيرة يوم أو نحوه، وكانت الآطام هي عزّهم ومنعتهم وحصونهم التي يتحرّزون فيها من عدوّهم. ويزعمون أنّه لما بناه أشرف هو وغلام له، ثم قال: لقد بنيت حصنا حصينا ما بنى مثله رجل من العرب أمنع ولا أكرم، ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع لوقع جميعا! فقال غلامه: أنا أعرفه. فقال: فأرنيه يا بنيّ. قال: هو هذا. وصرف إليه رأسه، فلما رأى أحيحة أنّه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات، وإنّما قتله إرادة ألّا يعرف ذلك الحجر أحد. ولمّا بناه قال:

بنيت بعد مستظلّ ضاحيابنيته بعصبة من ماليا
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «بنيت بعد مستظل ضاحيا»
والسرّ مما يتبع القواصياأخشى ركيبا أو رجيلا عاديا

وكان أحيحة إذا أمسى جلس بحذاء حصنه الضّحيان، ثم أرسل كلابا له تنبح دونه على من يأتيه ممّن لا يعرف، حذرا أن يأتيه عدوّ يصيب منه غرّة؛ فأقبل عاصم بن عمرو يريده في مجلسه ذلك ليقتله بأخيه، وقد أخذ معه تمرا، فلما نجته الكلاب حين دنا منه ألقى لها التمرّ فوقفت، فلمّا رآها أحيحة قد سكنت حذر فقام فدخل حصنه، ورماه عاصم بسهم فأحرزه منه الباب، فوقع السّهم بالباب، فلما سمع أحيحة وقع السّهم صرخ في قومه، فخرج عاصم بن عمرو، فأعجزهم حتّى أتى قومه. ثمّ إنّ أحيحة جمع لبني النجّار، فأراد أن يغترّهم فواعدهم وقومه لذلك، وكانت عند أحيحة سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش إحدى نساء بني عديّ بن النجار، له منها عمرو بن أحيحة، وهي أمّ عبد المطلب بن هاشم، خلف عليها هاشم بعد أحيحة، وكانت امرأة شريفة لا تنكح الرجال إلّا وأمرها بيدها، إذا كرهت من رجل شيئا تركته.

فزعم ابن إسحاق أنّه حدّثه أيوب بن عبد الرحمن، وهو أحد رهطها، قال: حدّثني شيخ منّا أنّ أحيحة لمّا أجمع بالغارة على قومها ومعها ابنها عمرو بن أحيحة، وهو يومئذ فطيم أو دون الفطيم، وهو مع أحيحة في حصنه عمدت إلى ابنها فربطته بخيط، حتّى إذا أوجعت الصبيّ تركته فبات يبكي، وهي تحمله؛ وبات أحيحة معها ساهرا، يقول: ويحك ما لابني؟ فتقول: واللّه ما أدري ماله. حتّى إذا ذهب اللّيل أطلقت الخيط عن الصبيّ فنام. وذكروا أنّها ربطت رأس ذكره، فلما هدأ الصبيّ قالت: وارأساه! فقال: أحيحة: هذا واللّه ما لقيت من سهر هذه الليلة.

فبات يعصب لها رأسها ويقول: ليس بك بأس. حتّى إذا لم يبق من الليل إلا أقلّه قالت له: قم فنم، فإنّي أجدني صالحة قد ذهب عنّي ما كنت أجده. وإنما فعلت به ذلك ليثقل رأسه، وليشتدّ نومه على طول السّهر. فلما نام قامت وأخذت حبلا شديدا وأوثقته برأس الحصن، ثم تدلّت منه وانطلقت إلى قومها، فأنذرتهم وأخبرتهم بالذي أجمع هو وقومه من ذلك، فحذر القوم وأعدّوا واجتمعوا. فأقبل أحيحة في قومه فوجد القوم على حذر قد استعدّوا، فلم يكن بينهم كبير قتال؛ ثم رجع أحيحة فرجعوا عنه، وقد فقدها أحيحة حين أصبح؛ فلما رأى القوم على حذر قال: هذا عمل سلمى! خدعتني حتّى بلغت ما أرادت. وسمّاها قومها المتدلّية؛ لتدلّيها من رأس الحصن. فقال في ذلك أحيحة وذكر ما صنعت به سلمى:

تفهّم أيّها الرّجل الجهولولا يذهب بك الرأي الوبيل
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «صحوت عن الصبا والدهر غولُ»
فإنّ الجهل محمله خفيفوإنّ الحلم محمله ثقيل
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «صحوت عن الصبا والدهر غولُ»

وفيها يقول:

لعمر أبيك ما يغني مقاميمن الفتيان رائحة جهول
نؤوم ما يقلّص مستقلّاعلى الغايات مضجعه ثقيل
إذا باتت أعصّبها فنامتعليّ مكانها الحمّى الشّمول
لعلّ عصابها يبغيك حرباويأتيهم بعورتك الدّليل
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «صحوت عن الصبا والدهر غولُ»
وقد أعددت للحدثان عقلالوآنّ المرء تنفعه العقول

وقال فيها وفيما صنعت به:

أخلق الرّبع من سعاد فأمسىربعه مخلقا كدرس الملاة
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «أخلق الربع من سعاد فأمسى»
باليا بعد حاضر ذي أنيسمن سليمى إذ تغتدي كالمهاة
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «أخلق الربع من سعاد فأمسى»

وهي قصيدة طويلة، يقال إنّ في هذين البيتين منها غناء.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدّثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه عن أبي مسكين: أنّ قيس بن زهير بن جذيمة أتى أحيحة بن الجلاح لمّا وقع الشرّ بينه وبين بني عامر؛ وخرج إلى المدينة ليتجهّز، بعث إليهم حين قتل خالد بن جعفر زهير بن جذيمة، فقال قيس لأحيحة: يا أبا عمرو، نبّئت أنّ عندك درعا ليس بيثرب درع مثلها؛ فإن كانت فضلا فبعنيها، أو فهبها لي. فقال: يا أخا بني عبس، ليس مثلي يبيع السلاح ولا يفضل عنه، ولو لا أنّي أكره أن أستليم إلى بني عامر لوهبتها لك، ولحملتك على سوابق خيلي، ولكن اشترها يا أبا أيوب، فإنّ البيع مرتخص وغال. فأرسلها مثلا. فقال له قيس: فما تكره من استلامتك إلى بني عامر؟ قال: كيف لا أكره ذلك وخالد بن جعفر الذي يقول:

إذا ما أردت العزّ في آل يثربفناد بصوت يا أحيحة تمنع
رأيت أبا عمرو أحيحة جارهيبيت قرير العين غير مروّع
ومن يأته من خائف ينس خوفهومن يأته من جائع الجوف يشبع
فضائل كانت للجلاح قديمةوأكرم بفخر من خصالك الأربع

فقال قيس: وما عليك بعد ذلك من لوم. فلها عنه ثم عاوده فساومه، فغضب أحيحة وقال له: بت عندي.

فبات عنده، فلمّا شرب تغنّى أحيحة وقيس يسمع:

ألا يا قيس لا تسمنّ درعيفما مثلي يساوم بالدّروع
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «ألا يا قيس لا تسمن درعي»
فلولا خلّة لأبي جويّوأنّي لست عنها بالنّزوع
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «ألا يا قيس لا تسمن درعي»
لأبت بمثلها عشر وطرفلحوق الإطل جيّاش تليع
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «ألا يا قيس لا تسمن درعي»
ولكن سمّ ما أحببت فيهافليس بمنكر غبن البيوع
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «ألا يا قيس لا تسمن درعي»
فما هبة الدّروع أخا بغيضولا الخيل السّوابق بالبديع
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «ألا يا قيس لا تسمن درعي»

وقال: فأمسك بعد ذلك عن مساومته:

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال: حدّثني أخي أحمد بن عليّ عن عافية بن شبيب، قال: حدّثني أبو جعفر الأسدي، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأخبرنا به إسماعيل بن يونس الشيعي إجازة، عن عمر بن شبّة عن إسحاق قال: دعاني الفضل بن الربيع يوما فأتيته، فإذا عنده شيخ حجازيّ حسن الوجه والهيئة، فقال لي: أتعرف هذا؟

قلت: لا. قال: هذا ابن أنيسة بنت معبد، فسله عمّا أحببت من غناء جدّه. فقلت: يا أخا أهل الحجاز، كم غناء جدّك؟ قال: ستّون صوتا. ثم غناني:

ما أحسن الجيد من مليكة وال- لّبّات إذ زانها ترائبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»

قال: فغنّاه أحسن غناء في الأرض، ولم آخذه منه اتّكالا على قدرتي عليه. واضطرب الأمر على الفضل وصار إلى التغيّب، وشخص الشيخ إلى المدينة، فبقيت أنشد الشّعر وأسأل عنه مشايخ المغنّين، وعجائز المغنّيات، فلا أجد أحدا يعرفه، حتى قدمت البصرة، وكنت آتي جزيرتها في القيظ فأبيت بها ثم أبكر بالغداة إلى منزلي. فإنّي لداخل يوما إذا بامرأتين نبيلتين، قد قامتا فأخذتا بلجام حماري، فقلت لهما: مه! قال أبو زيد في خبره: فقالت إحداهما: كيف عشقك اليوم ل «ما أحسن الجيد من مليكة» وشغفك به، فقد بلغني أنّك كنت تطلبه من كلّ أحد؟

وقد كنت رأيتك في مجلس الفضل وقد استخفّك الطّرب لهذا الصوت حتّى صفّقت. قال: فقلت لها: أشدّ واللّه ما كنت عشقا له، وقد ألهبت بذكرك إيّاه في قلبي جمرا، ولقد طلبته ببغداد كلّها فلم أجد أحدا يسمعنيه. قالت: أفتحبّ أن أغنيّك إياه. قلت: نعم. فغنّته واللّه أحسن ممّا سمعته قديما بصوت خافض، فنزلت إليها فقبّلت يديها ورجليها وقلت: جعلني اللّه فداك، لو شئت لصرت معي إلى منزلي. قالت: أصنع ماذا؟ قلت: أغنّيك وتغنّيني يومنا إلى الليل. قالت: أنت واللّه أطفس من أن تفعل ذاك، وإنّما هو عرض، ولكنّي أغنّيك حتّى تأخذه. فقلت: بأبي أنت وأمّي، وجعلني اللّه فداك من أنت؟ قالت: أنا وهبة جارية محمّد بن عمران القرويّ، التي يقول فيها فرّوح الرّفاء الطّلحي:

صوت

يا وهب لم يبق لي شيء أسرّ بهإلّا الجلوس فتسقيني وأسقيك
وتمزجين بريق منك لي قدحاكأنّ فيه رضاب المسك من فيك
يا أطيب النّاس ريقا غير مختبرإلّا شهادة أطراف المساويك
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخشى عليك من الجارات حاسدة»
قد زرتنا زورة في الدّهر واحدةثنّي ولا تجعليها بيضة الديك
ما نلت منك سوى شيء أسرّ بهولست أبصر شيئا من مساويك
قالت ملكت ولم تملك فقلت لهاما كلّ مالكة تزري بمملوك

قال أبو زيد خاصّة: قال إسحاق: وأنشدتنيه وغنّتني فيه بصوت مليح قد صنعته فيه، ثم صارت إليّ بعد ذلك، وكانت من أحسن الناس غناء، وأحسنهم رواية. فما كانت تفوق فيه من صنعتها سائر الناس صوتها، وهو:

صوت

لا بدّ من سكرة على طربلعلّ روحا يدال من كرب
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة
فعاطنيها صفراء صافيةتضحك من لؤلؤ على ذهب

قال: ولها فيه عمل فاضل. ومن صنعتها قوله:

صوت

الكأس بعد الكأس قدتصبي لك الرجل الحليما
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
وتقرّب النسب البعي- د وتبسط الوجه الشّتيما

قال: وممّا برّزت فيه من صنعتها:

صوت

هاتها سكّريّة كشعاع الشّمس لا قرقفا ولا خندريسا
في ربى يخلع الوليّ عليهاما يحيّي به الجليس الجليسا
فلنوّارها نسيم إذا ماحرّكته الرّياح ردّ النّفوسا

صوت

أمسى لسلّامة الزّرقاء في كبديصدع مقيم طوال الدّهر والأبد
لا يستطيع صناع القوم يشعبهوكيف يشعب صدع الحبّ في الكبد
إلّا بوصل التي من حبّها انصدعتتلك الصّدوع من الأسقام والكمد

الشعر والغناء لمحمد بن الأشعث بن فجوة الكاتب الكوفي، أحد بني زهرة من قريش. ولحنه من خفيف الثّقيل الأوّل بالبنصر.

وسلّامة الزرقاء هذه جارية ابن رامين، وكانت إحدى القينات المحسنات.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»