من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس وأخبارها
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كانت بصبص هذه جارية مولّدة من مولّدات المدينة، حلوة الوجه، حسنة الغناء، قد أخذت عن الطبقة الأولى من المغنّين، وكان يحيى بن نفيس مولاها - وقيل نفيس بن محمد، والأوّل أصح - صاحب قيان يغشاه الأشراف، ويسمعون غناء جواريه، وله في ذلك قصص نذكرها بعد، وكانت بصبص هذه أنفسهنّ وأشدّهنّ تقدّما.
وذكر ابن خرداذبه: أنّ المهديّ اشتراها وهو وليّ والعهد سرّا من أبيه بسبعة عشر ألف دينار، فولدت منه عليّة بنت المهديّ.
وذكر غيره أنّ ابن خرداذبه غلط في هذا، وأن الذي صحّ أن المهديّ اشترى بهذه الجملة جارية غيرها، وولدت علية.
وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أن ابن القداح حدّثه قال: كانت مكنونة جارية المروانيّة - وليست من آل مروان بن الحكم؛ وهي زوجة الحسين بن عبد اللّه بن العباس - أحسن جارية بالمدينة وجها، وكانت رسحاء، وكان بعض من يمازحها يعبث بها، ويصيح: طست طست! وكانت حسنة الصّدر والبطن، وكانت توضح بهما، وتقول: ولكن هذا! فاشتريت للمهديّ في حياة أبيه بمائة ألف درهم فغلبت عليه، حتّى كانت الخيرزان تقول: ما ملك أمة أغلظ عليّ منها. واستتر أمرها على المنصور حتّى مات. وولدت من المهديّ عليّة بنت المهديّ.
والذي قال ابن خرداذبه غير مردود إذا كان هذا صحيحا.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن غرير بن طلحة قال: اتّعد محمد بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، وعبد اللّه بن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير، وعبد اللّه بن مصعب الزّبيري، وأبو بكر بن محمد بن عثمان الربعي، ويحيى بن عقبة، أن يأتوا بصبص جارية ابن نفيس، فعجل محمد بن يحيى، وكان من أصحاب عيسى بن موسى، ليخرج إلى الكوفة، فقال عبد اللّه بن مصعب.
أرائح أنت أبا جعفرمن قبل أن تسمع من بصبصا
هيهات أن تسمع منها إذاجاوزت العيس بك الأعوصا
فخذ عليها مجلسي لذّةومجلسا من قبل أن تشخصا
أحلف باللّه يمينا ومنيحلف باللّه فقد أخلصا
لو أنّها تدعو إلى بيعةبايعتها ثمّ شققت العصا
قال: وفيها غناء لبصبص.
قال: فاشتراها أبو غسّان مولى منيرة للمهديّ بسبعة عشر ألف دينار.
قال حمّاد: وحدّثني أبي عن الزبير أن عبد اللّه بن مصعب خاطب بهذا الشعر أبا جعفر المنصور لما حجّ فاجتاز بالمدينة منصرفا من الحجّ، لا أبا جعفر محمد بن يحيى بن زيد.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعي إجازة قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني محمد بن سلام قال: حدّثني موسى بن مهران قال: كانت بالمدينة قينة لآل نفيس بن محمد يقال لها بصبص، وكان مولاها صاحب قصر نفيس الذي يقول فيه الشاعر:
شاقني الزائرات قصر نفيسمثقلات الأعجاز قبّ البطون
قال: وكان عبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير يأتيها، فيسمع منها، وكان يأتيها فتيان من قريش فيسمعون منها، فقال عبد اللّه بن مصعب حين قدم المنصور منصرفا من الحجّ ومرّ بالمدينة يذكر بصبص:
أراحل أنت أبا جعفرمن قبل أن تسمع من بصبصا
وذكر الأبيات، فبلغت أبا جعفر، فغضب فدعا به؛ فقال: أما إنكم يا آل الزبير قديما ما قادتكم النساء، وشققتم معهنّ العصا، حتّى صرت أنت آخر الحمقى تبايع المغنّيات؛ فدونكم يا آل الزبير هذا المرتع الوخيم.
قال: ثمّ بلغ أبا جعفر بعد ذلك أنّ عبد اللّه بن مصعب قد اصطبح مع بصبص وهي تغنّيه بشعره:
صوت
إذا تمزّزت صراحيّةكمثل ريح المسك أو أطيب
ثم تغنّى لي بأهزاجهزيد أخو الأنصار أو أشعب
حسبت أنّي مالك جالسحفّت به الأملاك والموكب
فلا أبالي وإله الورىأشرّق العالم أم غرّبوا
الغناء لزيد الأنصاري، هزج مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ وغيره، وذكر غيره أنه لأشعب. فقال أبو جعفر: العالم لا يبالون كيف أصبحت وكيف أمسيت.
ثم قال أبو جعفر: ولكنّ الذي يعجبني أن يحدو بي الحادي الليلة بشعر طريف العنبريّ، فهو آلف في سمعي من غناء بصبص، وأحرى أن يختاره أهل العقل. قال: فدعا فلانا الحادي - قد ذكره وسقط اسمه - وكان إذا حدا وضعت الإبل رؤوسها لصوته وانقادت انقيادا عجيبا، فسأله المنصور: ما بلغ من حسن حدائه؟ قال: تعطّش الإبل ثلاثا أو قال خمسا وتدني من الماء، ثمّ أحدو فتتبع كلّها صوتي، ولا تقرب الماء. فحفظ الشعر، وكان:
إنّي وإن كان ابن عمّي كاشحالمزاحم من دونه وورائه
وممدّه نصري وإن كان أمرأمتزحزحا في أرضه وسمائه
وأكون مأوى سرّه وأصونهحتّى يحقّ عليّ يوم أدائه
وإذا أتى من غيبه بطريفةلم أطّلع: ماذا وراء خبائه
وإذا تحيّفت الحوادث مالهقرنت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا تريّش في غناه وفرتهوإذا تصعلك كنت من قرنائه
وإذا غدا يوما ليركب مركباصعبا قعدت له على سيسائه
فلما كان الليل حدا به الحادي بهذه الأبيات، فقال: هذا واللّه أحثّ على المروءة وأشبه بأهل الأدب من غناء بصبص. قال: فحدا به ليلة، فلما أصبح قال: يا ربيع أعطه درهما. فقال له: يا أمير المؤمنين؛ حدوت بهشام بن عبد الملك، فأمر لي بعشرين ألف درهم وتأمر أنت بدرهم! قال: إنّا للّه! ذكرت ما لم نحبّ أن تذكره؛ ووصفت أنّ رجلا ظالما أهذ مال اللّه من غير حلّه؛ وأنفقه في غير حقّه يا ربيع، اشدد، يديك به حتّى يردّ المال. فبكى الحادي، وقال: يا أمير المؤمنين قد مضت لهذا السّنون وقضيت به الديون، وتمزّقته النّفقات؛ ولا والذي أكرمك بالخلافة ما بقي عندي منه شيء. فلم يزل أهله وخاصته يسألونه حتّى كفّ عنه، وشرط عليه أن يحدو به ذاهبا وراجعا، ولا يأخذ منه شيئا.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني القاسم بن زيد المدينيّ؛ قال: اجتمع ذات يوم عند بصبص جارية ابن نفيس عبد اللّه بن مصعب الزّبيريّ ومحمد بن عيسى الجعفريّ، في أشراف من أهل المدينة، فتذاكروا مزبّدا المدينيّ صاحب النوادر وبخله، فقالت بصبص: أنا آخذ لكم منه درهما.
فقال لها مولاها: أنت حرّة لئن فعلت إن لم أشتر لك مخنقة بمائة ألف دينار وإن لم أشتر لك ثوب وشي بما شئت؛ وأجعل لك مجلسا بالعقيق أنحر لك فيه بدنة لم تقتب ولم تركب. فقالت: جيء به وارفع عني الغيرة.
فقال: أنت حرّة أن لو رفع برجليك لأعنته على ذلك. فقال عبد اللّه بن مصعب: فصلّيت الغداة في مسجد المدينة، فإذا أنا به، فقلت: أبا إسحاق، أما تحبّ أن ترى بصبص جارية ابن نفيس؟ فقال: امرأته طالق إن لم يكن اللّه ساخطا عليّ فيها، وإن لم أكن أسأله أن يرينيها منذ سنة فما يفعل. فقلت له: اليوم إذا صلّيت العصر فوافني ههنا.
قال: امرأته طالق إن برحت من ههنا حتّى تجيء صلاة العصر. قال: فتصرّفت في حوائجي حتّى كانت العصر، ودخلت المسجد فوجدته فيه، فأخذت بيده وأتيتهم به، فأكلوا وشربوا، وتساكر القوم وتناوموا، فأقبلت بصبص على مزبّد، فقالت: أبا إسحاق، كأنّ في نفسك تشتهي أن أغنّيك الساعة:
لقد حثّوا الجمال ليه- ربوا منّا فلم يئلوا
فقال: زوجته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللّوح المحفوظ! قال: فغنّته ساعة ثم مكثت ساعة فقالت: أبا إسحاق كأنّ في نفسك تشتهي أن تقوم من مجلسك فتجلس إلى جانبي فتقرصني قرصات، وأغنّيك.
قالت وقد أبثثتها وجدي فبحت بهقد كنت قدما تحبّ السّتر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لهاغطّى هواك وما ألقى على بصري
فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام وما تكسب الأنفس غدا، وبأيّ أرض تموت! فغنّته ثم قالت: برح الخفاء، أنا أعلم أنّك تشتهي أن تقبّلني شقّ التّين وأغنّيك هزجا:
أنا أبصرت بالليلغلاما حسن الدّلّ
كغصن البان قد أص- بح مسقيا من الطل
لم يذكر صانعه، وهو هزج على ما ذكر.
فقال: أنت نبيّة مرسلة! فغنته ثم قالت: أبا إسحاق، أرأيت أسقط من هؤلاء! يدعونك ويخرجونني إليك ولا يشترون ريحانا بدرهم، أي أبا إسحاق؛ هلمّ درهما نشتري به ريحانا! فوثب وصاح: واحرباه، أي زانية، أخطأت استك الحفرة، انقطع واللّه عنك الوحي الذي كان يوحى إليك! وعطعط القوم بها، وعلموا أنّ حيلتها لم تنفذ عليه، ثمّ خرجوا فلم يعد إليها، وعاود القوم مجلسهم، فكان أكثر شغلهم فيه حديث مزبّد معها والضّحك منه.
وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أنشدني الزبير بن بكّار، قال: أنشدني غرير بن طلحة لابن أبي الزوائد - وهو ابن ذي الزوائد - في بصبص:
بصبص أنت الشمس مزدانةفإن تبذّلت فأنت الهلال
سبحانك اللّهمّ ما هكذافيما مضى كان يكون الجمال
إذا دعت بالعود في مشهدوعاونت يمنى يديها الشّمال
غنّت غناء يستفزّ الفتىحذقا وزان الحذق منها الدلّال
قال هارون: قال الزّبير: وأنشدني غرير أيضا لنفسه يهجو مولاها:
يا ويح بصبص من يحيى لقد رزقتوجها قبيحا وأنفا من جعاميس
يمجّ من فيه في فيها إذا هجعتريقا خبيثا كأرواح الكرابيس
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمي قال: هوي محمد بن عيسى الجعفريّ بصبص جارية ابن نفيس، فهام بها وطال ذلك عليه فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن صنعتي وكلّ أمري، وقد وجدت مسّ السلوّ فاذهب بنا حتّى أكاشفها بذلك فأستريح. فأتياها فلما غنّت لهما قال لها محمد بن عيسى: أتغنين:
وكنت أحبّكم فسلوت عنكمعليكم في دياركم السّلام
فقالت: لا ولكنّي أغنّي:
تحمّل أهلها عنها فبانواعلى آثار من ذهب العفاء
فاستحيا وازداد بها كلفا، ولها عشقا، فأطرق ساعة ثم قال: أتغنين:
وأخضع بالعتبي إذا كنت مذنباوإن أذنبت كنت الذي أتنصّل
قالت: نعم وأغنّي أحسن منه:
فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثلهوننزلكم منّا بأقرب منزل
قال: فتقاطعا في بيتين، وتواصلا في بيتين. وفي هذه الأبيات الأربعة غناء كان محمد قريض، وذكاء، وغيرهما ممن شاهدنا من الحذّاق يغنّونه في الابتداءين لحنين من الثقيل الأوّل، وفي الجوابين لحنين من خفيف الثقيل، ولا أعرف صانعهما.
أخبرني عمي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدّثني أبو أيوب المدينيّ عن مصعب قال: حضر أبو السائب المخزومي مجلسا فيه بصبص جارية يحيى بن نفيس، فغنت:
قلبي حبيس عليك موقوفوالعين عبرى والدمع مذروف
والنّفس في حسرة بغصّتهاقد شفّ أرجاءها التّساويف
إن كنت بالحسن قد وصفت لنافإنّني بالهوى لموصوف
يا حسرتا حسرة أموت بهاإن لم يكن لي لديك معروف
قال: فطرب أبو السائب ونعر، وقال: لا عرف اللّه قدره إن لم أعرف لك معروفك. ثم أخذ قناعها عن رأسها وجعله على رأسه وجعل يلطم ويبكي، ويقول لها: بأبي واللّه أنت، إنّي لأرجو أن تكوني عند اللّه أفضل من الشّهداء، لما توليناه من السرور، وجعل يصيح، واغوثاه! يا للّه لما يلقى العاشقون.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو بكر العامري قال حدّثني عمرو بن عبد اللّه البصري قال: حدّثنا الحسين بن يحيى عن عثمان بن محمد الليثي قال: كنت يوما في مجلس ابن نفيس، فخرجت إلينا جاريته بصبص، وكان في القوم فتى يحبّها، فسألته حاجة، فقام ليأتيها بها، فنسي أن يلبس نعله، ومشى حافيا؛ فقالت: يا فلان، نسيت نعلك. فلبسها وقال: أنا واللّه كما قال الأوّل:
وحبّك ينسيني عن الشّيء في يديويشغلني عن كلّ شيء أحاوله
فأجابته فقالت:
وبي مثل ما تشكوه منّي وإنّنيلأشفق من حبّ أراك تزاوله
صوت
يشتاق قلبي إلى مليكة لوأمست قريبا ممن يطالبها
ما أحسن الجيد من مليكة وال- لّبّات إذ زانها ترائبها
يا ليتني ليلة إذا هجع ال- نّاس ونام الكلاب صاحبها
في ليلة لا يرى بها أحديسعى علينا إلّا كواكبها
الشعر لأحيحة بن الجلاح، والغناء لابن سريج. رمل بالخنصر في مجرى البنصر. وفيه لحن لمالك من رواية يونس.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع