تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار حبابة

فيه ٨٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

كانت حبابة مولّدة من موالدات المدينة، لرجل من أهلها يعرف بابن رمانة، وقيل ابن مينا. وهو خرّجها وأدّبها. وقيل: كانت لآل لاحق المكيّين. وكانت حلوة جميلة الوجه ظريفة حسنة الغناء، طيّبة الصوت، ضاربة بالعود. وأخذت الغناء عن ابن سريج، وابن محرز، ومالك، ومعبد، وعن جميلة وعزّة الميلاء. وكانت تسمّى العالية، فسمّاها يزيد لما اشتراها حبابة. وقيل: إنّها كانت لرجل يعرف بابن مينا.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حدّثني حاتم بن قبيصة قال: وكانت حبابة لرجل يدعى ابن مينا، فأدخلت على يزيد بن عبد الملك في إزار له ذنبان، وبيدها دف ترمي به وتتلقّاه، وتتغنّى: ما أحسن الجيد من مليكة واللبّات إذ زانها ترائبها يا ليتني ليلة إذا هجع النّاس ونام الكلاب صاحبها

في ليلة لا يرى بها أحديسعى علينا إلّا كواكبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»

ثم خرج بها مولاها إلى إفريقية، فلما كان بعد ما ولى يزيد اشتراها.

وروى حمّاد عن أبيه عن المدائني عن جرير المديني، ورواه الزبير بن بكّار عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه قال: قال لي يزيد بن عبد الملك: ما تقرّ عيني بما أوتيت من الخلافة حتّى أشتري سلّامة جارية مصعب بن سهيل الزهري، وحبابة جارية لاحق المكيّة. فأرسل فاشتريتا له، فلما اجتمعتا عنده قال: أنا الآن كما قال القائل:

فألقت عصاها واستقرّت بها النوىكما قرّ عينا بالإياب المسافر

قال إسحاق: وحدّثني أبو أيوب عن عباية قال: كانت حبابة لآل رمّانة، ومنهم ابتيعت ليزيد.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني الزبير بن بكّار قال: أخبرني محمد بن سلمة عن ابن مافنّه عن شيخ من أهل ذي خشب قال: خرجنا نريد ذا خشب ونحن مشاة، فإذا قبة فيها جارية، وإذا هي تغنّي:

سلكوا بطن محيصثم ولّوا راجعينا
أورثوني حين ولّواطول حزن وأنينا

قال: فسرنا معها حتّى أتينا ذا خشب، فخرج رجل معها، فسألناه، وإذا هي حبابة جارية يزيد، فلما صارت إلى يزيد أخبرته بنا، فكتب إلى والي المدينة يعطي كلّ واحد منّا ألف درهم ألف درهم.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني إسحاق عن المدائني. وروى هذا الخبر حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن المدائني، وخبره أتمّ: أنّ حبابة كانت تسمى العالية، وكانت لرجل من الموالي بالمدينة، فقدّم يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان فتزوّج سعدة بنت عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، على عشرين ألف دينار، وربيحة بنت محمد بن علي بن عبد اللّه بن جعفر على مثل ذلك، واشترى العالية بأربعة آلاف دينار، فبلغ ذلك سليمان فقال: لأحجرنّ عليه.

فبلغ يزيد قول سليمان فاستقال مولى حبابة، ثم اشتراها بعد ذلك رجل من أهل إفريقية، فلما ولى يزيد اشترتها سعدة امرأته وعلمت أنه لا بدّ طالبها ومشتريها، فلما حصلت عندها قالت له: هل بقي عليك من الدّنيا شيء لم تنله؟ فقال: نعم، العالية. فقالت: هذه هي، وهي لك. فسمّاها حبابة، وعظم قدر سعدة عنده. ويقال إنها أخذت عليها قبل أن تهبها له أن توطّىء لابنها عنده في ولاية العهد وتحضرها ما تحبّ إذا حضرت.

وقيل إنّ أم الحجاج أم الوليد بن يزيد هي التي ابتاعتها له، وأخذت عليها ذلك، فوفت لها بذلك. هكذا ذكر الزبير فيما أخبرنا به الحسن بن علي عن هارون بن محمد، عنه عن عمه. قال: ومن زعم أن سعدة اشترتها فقد أخطأ.

قال المدائني: ثم خطب يزيد إلى أخيها خالد بنت أخ له، فقال: أما يكفيه أنّ سعدة عنده حتّى يخطب إلى بنات أخي؟ وبلغ يزيد فغضب، فقدم عليه خالد يسترضيه، فبينا هو في فسطاطه إذ أتته جارية لحبابة في خدمها فقالت له: أمّ داود تقرأ عليك السلام وتقول لك: قد كلّمت أمير المؤمنين فرضي عنك. فالتفت فقال: من أم داود؟

فأخبره من معه أنّها حبابة، وذكر له قدرها ومكانها من يزيد. فرفع رأسه إلى الجارية فقال: قولي لها: إنّ الرضا عنّي بسبب لست به. فشكت ذاك إلى يزيد فغضب، وأرسل إلى خالد فلم يعلم بشيء حتى أتاه رسول حبابة به فيمن معه من الأعوان، فاقتلعوا فسطاطه وقلعوا أطنابه، حتّى سقط عليه وعلى أصحابه، فقال: ويلكم ما هذا؟ قالوا: رسل حبابة، هذا ما صنعت بنفسك. فقال: مالها أخزاها اللّه، ما أشبه رضاها بغضبها!

قال إسحاق: وحدّثني محمد بن سلّام عن يونس بن حبيب، أنّ يزيد بن عبد الملك اشترى حبابة، وكان اسمها العالية، بأربعة آلاف دينار، فلما خرج بها قال الحارث بن خالد فيها:

ظعن الأمير بأحسن الخلقوغدوا بلبّك مطلع الشرق
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
مرّت على قرن يقاد بهاتعدو أمام براذن زرق
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
فظللت كالمقمور مهجتههذا الجنون وليس بالعشق
يا ظبية عبق العبير بهاعبق الدّهان بجانب الحقّ

وغنته حبابة في الشعر، وبلغ يزيد فسألها عنه فأخبرته، فقال لها: غنّيني به. فغنته فأجادت وأطربته، فقال إسحاق: ولعمري إنه من جيد غنائها.

قال أبو الفرج الأصبهاني: هذا غلط ممّن رواه في أبيات الحارث بن خالد؛ لأنه قالها في عائشة بنت طلحة، لمّا تزوّجها مصعب بن الزبير وخرج بها. وفي أبياته يقول:

في البيت ذي الحسب الرفيع ومنأهل التقى والبرّ والصّدق
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وقد شرح ذلك في أخبار عائشة بنت طلحة.

قال إسحاق: وأخبرني الزبيري أنّ يزيد اشتراها وهو أمير، فلما أراد الخروج بها قال الحارث بن خالد فيها:

قد سلّ جسمي وقد أودى به سقممن أجل حيّ جلوا عن بلدة الحرم
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
يحنّ قلبي إليها حين أذكرهاوما تذكرت شوقا آب من أمم
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
إلّا حنينا إليها إنّها رشأكالشّمس رود ثقال سهلة الشيم
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
فضّلها اللّه ربّ الناس إذ خلقتعلى النساء من اهل الحزم والكرم
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة

وقال فيها الشعراء فأكثروا، وغنّى في أشعارهم المغنّون من أهل مكة والمدينة، وبلغ ذلك يزيد فاستشنعه، فقال: هذا قبل رحلتنا وقد هممنا، فكيف لو ارتحلنا؟! وتذكر القوم شدّة الفراق، وبلغه أيضا أن سليمان قد تكلّم في ذلك، فردّها، ولم تزل في قلبه حتّى ملك، فاشترتها سعدة امرأته العثمانية، ووهبتها له.

أخبرني ابن عمّار قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال: حدّثني أبو ذفافة المنهال بن عبد الملك، عن مروان بن بشر بن أبي سارة مولى الوليد بن يزيد، قال: أوّل ما ارتفعت به منزلة حبابة عند يزيد أنّه أقبل يوما إلى البيت الذي هي فيه، فقام من وراء الستر فسمعها تترنم وتغنّي وتقول:

كان لي يا يزيد حبّك حيناكاد يقضى عليّ لما التقينا

- والشعر كان «يا شقير» - فرفع الستر فوجدها مضطجعة مقبلة على الجدار، فعلم أنها لم تعلم به ولم يكن ذاك لمكانه، فألقى نفسه عليها وحرّكت منه.

قال المدائني: غلبت حبابة على يزيد، وتبنّى بها عمر بن هبيرة فعلّت منزلته، حتى كان يدخل على يزيد في أيّ وقت شاء، وحسد ناس من بني أمية مسلمة بن عبد الملك على ولايته، وقدحوا فيه عند يزيد، وقالوا: إن مسلمة إنّ اقتطع الخراج لم يحسن يا أمير المؤمنين أن تفتشه أو تكشفه عن شيء، لسنّه وحقّه، وقد علمت أنّ أمير المؤمنين لم يدخل أحدا من أهل بيته في الخراج. فوقر ذلك في قلب يزيد، وعزم على عزله، وعمل ابن هبيرة في ولاية العراق من قبل حبابة، فعملت له في ذلك. وكان بين ابن هبيرة وبين القعقاع بن خالد عداوة، وكانا يتنازعان ويتحاسدان، فقيل للقعقاع لقد: نزل ابن هبيرة من أمير المؤمنين منزلة، إنه لصاحب العراق غدا. فقال

ومن يطيق ابن هبيرة؟! حبابة بالليل، وهداياه بالنهار، مع أنه وإن بلغ فإنه رمل من بني سكين. فلم تزل حبابة تعمل له حتى وليها.

حدّثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم يحدّث بهذا الحديث، فحفظته ولم أحفظ إسناده. وحدّثنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثني أحمد بن زهير قال: حدّثنا مصعب الزبيري، عن مصعب بن عثمان. وقد جمعت روايتيهما قالا: أراد يزيد بن عبد الملك أن يشبّه بعمر بن عبد العزيز وقال: بماذا صار عمر أرجى لربّه جلّ وعزّ منّي؟ فشقّ ذلك على حبابة؟ فأرسلت إلى الأحوص.

هكذا في رواية وكيع، وأما عمر بن شبّة فإنه ذكر أنّ مسلمة أقبل على يزيد يلومه في الإلحاح على الغناء والشّرب، وقال له: إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز وعدله، وقد تشاغلت بهذه الأمّة عن النظر في الأمور، والوفود ببابك، وأصحاب الظّلامات يصيحون، وأنت غافل عنهم. فقال: صدقت واللّه، وأعتبه وهمّ بترك الشّرب، ولم يدخل على حبابة أياما، فدسّت حبابة إلى الأحوص أن يقول أبياتا في ذلك وقالت له: إن رددته عن رأيه فلك ألف دينار. فدخل الأحوص إلى يزيد، فاستأذن في الإنشاد، فأذن له.

قال إسحاق في خبره: فقال الأحوص:

صوت

ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدافقد غلب المحزون أن يتجلّدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لا منيومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
وإنّي وإن فنّدت في طلب الغنىلأعلم أنّي لست في الحبّ أوحدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أَلاَ لاَ تَلُمْهُ اليَوْمَ أَنْ يَتَلَبَّدَا»
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوىفكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
فما العيش إلا ما تلذّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»

الغناء لمعبد، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، وفيه رمل للغريض. ويقال إنه لحبابة.

قال: ومكث جمعة لا يرى حبابة ولا يدعو بها، فلما كان يوم الجمعة قالت لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني. فلما أراد الخروج أعلمتها، فتلقّته والعود في يدها، فغنت البيت الأوّل، فغطّى وجهه وقال: مه لا تفعلي. ثم غنت:

وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهي

فعدل إليها وقال: صدقت واللّه، فقبح اللّه من لا مني فيك، يا غلام مر مسلمة أن يصلّي بالناس. وأقام معها يشرب وتغنيه، وعاد إلى حاله.

وقال عمر بن شبّة في حديثه: فقال يزيد: صدقت واللّه، فعلى مسلمة لعنة اللّه! وعاود ما كان فيه، ثم قال لها: من يقول هذا الشعر؟ قالت: الأحوص. فأحضره ثم أنشده قصيدة مدحه فيها، وأوّلها قوله:

يا موقد النار بالعلياء من إضمأوقد فقد هجت شوقا غير منصرم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا موقد النار بالعلياء من إضم»

وهي طويلة. فقال له يزيد: ارفع حوائجك. فكتب إليه في نحو من أربعين ألف درهم من دين وغيره، فأمر له بها.

وقال مصعب في خبره: بل استأذن الأحوص على يزيد، فأذن له، فاستأذن في الإنشاد، فقال: ليس هذا وقتك. فلم يزل به حتى أذن له. فأنشده هذه الأبيات، فلما سمعها وثب حتّى دخل على حبابة وهو يتمثل:

وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا

فقالت له: ما ردّك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أبيات أنشدنيها الأحوص، فسلي ما شئت. قالت: ألف دينار تعطيها الأحوص. فأعطاه ألف دينار.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت

يا موقد النار بالعلياء من إضمأوقد فقد هجت شوقا غير منصرم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا موقد النار بالعلياء من إضم»
يا موقد النار أوقدها فإن لهاسنا يهيج فؤاد العاشق السّدم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا موقد النار بالعلياء من إضم»

الشعر للأحوص، والغناء لمعبد، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، عن يونس وإسحاق وعمرو. وذكر حبش أن فيه خفيف ثقيل آخر لابن جامع.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني علي بن القاسم بن بشير قال: لما غلب يزيد بن عبد الملك أهله وأبى أن يسمع منهم كلّموا مولى له خراسانيا ذا قدر عندهم، وكانت فيه لكنة، فأقبل على يزيد يعظه وينهاه عما قد ألحّ عليه من السّماع للغناء والشراب، فقال له يزيد: فإني أحضرك هذا الأمر الذي تنهى عنه، فإن نهيتني عنه بعد ما تبلوه وتحضره انتهيت، وإنّي مخبر جواريّ أنك عمّ من عمومتي، فإياك أن تتكلّم فيعلمن أنّي كاذب، وأنّك لست بعمّي. ثم أدخله عليهنّ فغنّين، والشيخ يسمع ولا يقول شيئا، حتّى غنين:

وقد كنت آتيكم بعلّة غيركمفأفنيت علاتي فكيف أقول

فطرب الشيخ وقال: لا فيف، جعلني اللّه فداكنّ! يريد: لا كيف. فعلمن أنه ليس عمّه، وقمن إليه بعيدانهنّ ليضربنه بها، حتّى حجزهنّ يزيد عنه. ثم قال له بعد ما انقضى أمرهن: ما تقول الآن أدع هذا أم لا؟ قال: لا تدعه!

أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني خالد بن يزيد بن بحر الخزاعي الأسلميّ، عن محمد بن سلمة، عن أبيه عن حماد الراوية قال: كانت حبابة فائقة في الجمال والحسن، وكان يزيد لها عاشقا، فقال لها يوما: قد استخلفتك على ما ورد عليّ. ونصبت لذلك مولاي فلانا فاستخلفيه لأقيم معك أيّاما وأستمتع بك. قالت: فإنّي قد عزلته. فغضب عليها وقال: قد استعملته وتعزلينه؟ وخرج من عندها مغضبا، فلما ارتفع النّهار وطال عليه هجرها دعا خصيّا له وقال: انطلق فانظر أيّ شيء تصنع حبابة؟ فانطلق الخادم ثم أتاه، فقال: رأيتها مؤتزرة بإزار خلوقيّ قد جعلت له ذنبين وهي تلعب بلعبها. فقال: ويحك احتل لها حتّى تمرّ بها عليّ. فانطلق الخادم إليها فلاعبها ساعة، ثم استلب لعبة من لعبها وخرج، فجعلت تحضر في أثره، فمرت بيزيد فوثب وهو يقول: قد عزلته! وهي تقول: قد استعملته! فعزل مولاه وولّاه وهو لا يدري. فمكث معها خاليا أياما حتّى دخل عليه أخوه مسلمة فلامه، وقال: ضيعت حوائج الناس واحتجبت عنهم، أترى هذا مستقيما لك؟! وهي تسمع مقالته، فغنّت لما خرج:

ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا

فذكرت الأبيات. فطربو قال: قا تلك اللّه أبيت إلا أن ترديني إليك. وعاد إلى ما كان عليه.

أخبرني إسماعيل قال: حدّثني عمي قال: حدّثني إسحاق قال: حدّثني الهيثم بن عديّ، عن صالح بن حسّان قال: قال مسلمة ليزيد: تركت الظّهور وشهود الجمعة الجامعة، وقعدت في منزلك مع هذه الإماء! وبلغ ذلك حبابة وسلامة فقالتا للأحوص: قل في ذلك شعرا فقال:

وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لامنيومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
وإنّي وإن أغرقت في طلب الصبالأعلم أنّي لست في الحبّ أوحدا
إذا كنت عزهاة عن اللّهو والصبافكن حجرا من يابس الصخر جلمدا

قال: فغنتا يزيد فيه، فلما فرغتا ضرب بخيزرانته الأرض وقال: صدقتما صدقتما! فعلى مسلمة لعنة اللّه وعلى ما جاء به.

قال: وطرب يزيد فقال: هاتيا. فغنتاه من هذه القصيدة:

وعهدي بها صفراء رودا كأنمانضا عرق منها على اللون مجسدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
مهفهفة الأعلى وأسفل خلقهاجرى لحمه ما دون أن يتخددا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
من المدمجات اللحم جدلا كأنهاعنان صناع مدمج الفتل محصدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
كأنّ ذكيّ المسك باد وقد بدتوريح خزامي طلّة تنفح الندى

فطرب يزيد وأخذ فيه من الشراب قدره الذي كان يطرب منه ويسرّه، ولم تره أظهر شيئا مما كان يفعله عند طربه، فغنته:

ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدافقد غلب المحزون أن يتجلّدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
نظرت رجاء بالموقّر أن أرىأكاريس يحتلّون خاخا فمنشدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإني لأهواها وأهوى لقاءها»
فأوفيت في نشز من الأرض يافعوقد تسعف الأيفاع من كان مقصدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أَلاَ لاَ تَلُمْهُ اليَوْمَ أَنْ يَتَلَبَّدَا»

فلما غنته بهذا طرب طربه الذي تعهده، وجعل يدور ويصيح: الدّخن بالنوى، والسمك في بيطار جنان.

وشقّ حلته وقال لها: أتأذنين أن أطير؟ قالت: وإلى من تدع الناس؟ قال: إليك.

قال: وغنته سلّامة من هذه القصيدة:

فقلت ألا يا ليت أسماء أصقبتوهل قول ليت جامع ما تبدّدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإني لأهواها وأهوى لقاءها»
وإنّي لأهواها وأهوى لقاءهاكما يشتهي الصادي الشراب المبرّدا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «وإني لأهواها وأهوى لقاءها»
علاقة حبّ لجّ في سنن الصبافأبلى وما يزداد إلّا تجدّدا
سهوب وأعلام تخال سرابهاإذا استنّ في القيظ الملاء المعضّدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أَلاَ لاَ تَلُمْهُ اليَوْمَ أَنْ يَتَلَبَّدَا»

قال: وغنته حبابة منها أيضا:

كريم قريش حين ينسب والذيأقرّت له بالملك كهلا وأمردا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإني لأهواها وأهوى لقاءها»
وليس عطاء كان منه بمانعوإن جلّ من أضعاف أضعافه غدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإني لأهواها وأهوى لقاءها»
أهان تلاد المال في الحمد إنّهإمام هدى يجري على ما تعوّدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وأوقدت ناري باليفاع فلم تدع»
تردّى بمجد من أبيه وأمّهوقد أورثا بنيان مجد مشيّدا

فقال لها يزيد: ويحك يا حبابة، ومن من قريش هذا؟ قالت: أنت. قال: ومن يقول هذا الشعر؟ قالت: الأحوص يا أمير المؤمنين. وقالت سلامة: فليسمع أمير المؤمنين باقي ثنائه عليه فيها. ثم اندفعت فغنته:

ولو كان بذل الجود والمال مخلدامن الناس إنسانا لكنت المخلّدا
فأقسم لا أنفكّ ما عشت شاكرالنعماك ما طار الحمام وغرّدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ولو كان بذل المال والجود مخلدا»

أخبرني إسماعيل قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: علي بن الجعد قال: حدّثني أبو يعقوب الخريمي، عن أبي بكر بن عياش: أن حبابة وسلّامة اختلفتا في صوت معبد:

ألا حيّ الديار بسعد إنّيأحبّ لحبّ فاطمة الديارا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي الديار بسعد إني»

فبعث يزيد إلى معبد فأتى به، فسأل: لم بعث إليه؟ فأخبر، فقال: لأيّتهما المنزلة عند أمير المؤمنين؟

فقيل: لحبابة. فلما عرضتا عليه الصوت قضى لحبابة، فقالت سلامة: واللّه ما قضى إلا للمنزلة، وإنّه ليعلم أنّ الصواب ما غنّيت، ولكن ائذن لي يا أمير المؤمنين في صلته لأنّ له عليّ حقّا. قال: قد أذنت. فكان ما وصلته به أكثر من حبابة.

نسبة هذا الصوت

ألا حيّ الديار بسعد إنّيأحبّ لحبّ فاطمة الديارا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي الديار بسعد إني»
إذا ما حلّ أهلك يا سليمىبدارة صلصل شحطوا مزارا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي الديار بسعد إني»

الشعر لجرير، والغناء لابن محرز، خفيف ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: نزل الفرزدق على الأحوص حين قدم المدينة فقال له الأحوص: ما تشتهي؟ قال: شواء وطلاء وغناء.

قال: ذلك لك. ومضى به إلى قينة بالمدينة فغنته:

ألا حيّ الديار بسعد إنّيأحبّ لحبّ فاطمة الديارا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي الديار بسعد إني»
أراد الظاعنون ليحزنونيفهاجوا صدع قلبي فاستطارا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي الديار بسعد إني»

فقال الفرزدق: ما أرّق أشعاركم يا أهل الحجاز وأملحها! قال: أو ما تدري لمن هذا الشعر؟ فقال: لا واللّه. قال: هو لجرير، يهجوك به. فقال: ويل ابن المراغة ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري، وأحوجني مع شهواتي إلى رقّة شعره.

وقد روى صالح بن حسّان أن الصوت الذي اختلفت فيه حبابة وسلامة هو:

وترى لها دلّا إذا نطقت بهتركت بنات فؤاده صعرا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا عمر حم فراقكم عمرا»

ذكر ذلك حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ: أنهما اختلفتا في هذا الصوت بين يدي يزيد، فقال لهما: من أين جاء اختلافكما، والصوت لمعبد ومنه أخذتماه؟ فقالت هذه: هكذا أخذته، وقالت الأخرى: هكذا أخذته. فقال يزيد: قد اختلفتما ومعبد حيّ بعد؟ فكتب إلى عامله بالمدينة يأمره بحمله إليه.

ثم ذكر باقي الخبر مثل ما ذكره أبو بكر بن عيّاش.

قال صالح بن حسّان: فلما دخل معبد إليه لم يسأله عن الصوت، ولكنه أمره أن يغنّي، فغناه فقال:

فيا عزّ إنّ واش وشى بي عندكمفلا تكرميه أن تقولي له مهلا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «سقى دمنتين لم نجد لهما مثلا»

فاستحسنه وطرب ثم قال: إنّ هاتين اختلفتا في صوت لك فاقض بينهما. فقال لحبابة: غنّي. فغنّت، وقال لسلامة: غنّي. فغنّت، وقال: الصواب ما قالت حبابة. فقالت سلّامة: واللّه يا ابن الفاعلة إنك لتعلم أنّ الصواب ما قلت، ولكنك سألت أيّتهما آثر عند أمير المؤمنين فقيل لك حبابة، فاتّبعت هواه ورضاه! فضحك يزيد وطرب، وأخذ وسادة فصيّرها على رأسه، وقام يدور في الدار ويرقص ويصيح: «السمك الطريّ أربعة أرطال، عند بيطار حبان» حتى دار الدار كلّها ثم رجع فجلس مجلسه وقال شعرا، وأمر معبدا أن يغنّي فيه، فغنّى فيه وهو:

أبلغ حبابة أسقى ربعها المطرما للفؤاد سوى ذكراكم وطر
إن سار صحبي لم أملك تذكّركمأو عرّسوا فهموم النفس والسّهر

فاستحسنه وطرب. هكذا ذكر إسحاق في الخبر. وغيره يذكر أنّ الصنعة فيه لحبابة، ويزعم ابن خرداذبه أن الصنعة فيه ليزيد. وليس كما ذكر، وإنما أراد أن يوالي بين الخلفاء في الصنعة، فذكره على غير تحصيل، والصحيح أنه لمعبد.

قال معبد: فسرّ يزيد لمّا غنيته في هذين البيتين، وكساني ووصلني، ثم لما انصرم مجلسه انصرفت إلى منزلي الذي أنزلته، فإذا ألطاف سلّامة قد سبقت ألطاف حبابة، وبعثت إليّ: إني قد عذرتك فيما فعلت، لكن كان الحقّ أولى بك. فلم أزل في ألطافهما جميعا حتى أذن لي يزيد، فرجعت إلى المدينة.

نسبة الصوت الذي غناه معبد الذي أوّله

فيا عزّ إنّ واش وشى بي عندكم

صوت

ألم يأن لي يا قلب أنّ أترك الجهلاوأن يحدث الشب الملمّ لي العقلا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «سقى دمنتين لم نجد لهما مثلا»
على حين صار الرأس منّي كأنماعلت فوقه نذافة العطب الغزلا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «سقى دمنتين لم نجد لهما مثلا»
فيا عزّ إن واش وشى بي عندكمفلا تكرميه أن تقولي له مهلا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «سقى دمنتين لم نجد لهما مثلا»
كما لو وشى واش بودّك عندنالقلنا تزحزح لا قريبا ولا سهلا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «سقى دمنتين لم نجد لهما مثلا»
فأهلا وسهلا بالذي شدّ وصلناولا مرحبا بالقائل اصرم لها حبلا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «سقى دمنتين لم نجد لهما مثلا»

الشعر لكثير، والغناء لحنين، ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وذكر ابن المكي وعمرو والهشامي أنه لمعبد. وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى ابن سريج، وليس بصحيح.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدّثني الزبير قال: حدّثني ظبية قالت: أنشدت حبابة يوما يزيد بن عبد الملك:

لعمرك إنّني لأحبّ سلعالرؤيتها ومن بجنوب سلع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك أنني لأحب سلعا»

ثم تنفّست تنفّسا شديدا فقال لها: مالك، أنت في ذمة أبي، لئن شئت لأنقلنّه إليك حجرا حجرا. قالت: وما أصنع به، ليس إياه أردت، إنّما أردت صاحبه. وربّما قالت: ساكنه.

نسبة هذا الصوت

لعمرك إنّني لأحبّ سلعالرؤيتها ومن بجنوب سلع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك أنني لأحب سلعا»
تقرّ بقربها عيني وإنّيلأخشى أن تكون تريد فجعي
للشاعر قيس لبنى، من قصيدة «لعمركَ إنَّني لأُحِبُّ سَلعا»
حلفت بربّ مكة والهداياوأيدي السّابحات غداة جمع
لأنت على التنائي فاعلميهأحبّ إليّ من بصري وسمعي
للشاعر قيس لبنى، من قصيدة «لعمركَ إنَّني لأُحِبُّ سَلعا»

الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى، مما لا يشك فيه من غنائه.

قال الزبير: وحدّثتني ظبية أنّ يزيد قال لحبابة وسلّامة: أيتكما غنّتني ما في نفسي فلها حكمها. فغنّت سلّامة فلم تصب ما في نفسه، وغنّته حبابة:

حلق من بني كنانة حوليبفلسطين يسرعون الركوبا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

فأصابت ما في نفسه فقال: احتكمي. فقالت: سلامة، تهبها لي ومالها. قال: اطلبي غيرها. فأبت، فقال: أنت أولى بها ومالها. فلقيت سلّامة من ذلك أمرا عظيما، فقالت لها حبابة: لا ترين إلا خيرا! فجاء يزيد فسألها أن تبيعه إياها بحكمها، فقالت: أشهدك أنّها حرة، واخطبها إليّ الآن حتّى أزوّجك مولاتي.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني إسحاق عن المدائني بنحو هذه القصة.

وقال فيها: فجزعت سلّامة، فقالت لها: لا تجزعي فإنّما ألاعبه.

نسبة هذا الصوت

حلق من بني كنانة حوليبفلسطين يسرعون الركوبا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
هزئت أن رأت مشيبي عرسيلا تلومي ذوائبي أن تشيبا

الشعر لابن قيس الرقيات، والغناء لابن سريج، ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.

قال حمّاد بن إسحاق: حدّثني أبي عن المدائني، وأيوب بن عباية قالا: كانت سلامة المتقدّمة منهما في الغناء، وكانت حبابة تنظر إليها بتلك العين، فلما حظيت عند يزيد ترفّعت عليها فقالت لها سلّامة: ويحك أين تأديب الغناء وحقّ التعليم؟ أنسيت قول جميلة لك: خذي أحكام ما أطارحك إياه من سلّامة؟! فلن تزالي بخير ما بقيت لك وكان أمركما مؤتلفا. قالت: صدقت يا خليلتي، واللّه لا عدت إلى شيء تكرهينه. فما عادت بعد ذلك لها إلى مكروه. وماتت حبابة وعاشت سلّامة بعدها دهرا.

قال المدائني: فرأى يزيد يوما حبابة جالسة فقال: مالك؟ فقالت: أنتظر سلامة. قال: تحبّين أن أهبها لك؟

قالت: لا واللّه، ما أحب أن تهب لي أختي.

قال المدائني: وكانت حبابة إذا غنّت وطرب يزيد قال لها: أطير؟ فتقول له: فإلى من تدع الناس؟ فيقول: إليك. واللّه تعالى أعلم.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني أيوب بن عباية، أن البيذق الأنصاري القارىء كان يعرف حبابة ويدخل عليها بالحجاز، فلما صارت إلى يزيد بن عبد الملك وارتفع أمرها عنده، خرج إليها يتعرّض لمعروفها ويستميحها، فذكرته ليزيد وأخبرته بحسن صوته. قال: فدعاني يزيد ليلة فدخلت عليه وهو على فرش مشرفة قد ذهب فيها إلى قريب من ثدييه، وإذا حبابة على فرش أخر مرتفعة، وهي دونه، فسلّمت فردّ السلام، وقالت حبابة: يا أمير المؤمنين، هذا أبي. وأشارت إليّ بالجلوس، فجلست وقالت لي حبابة: اقرأ يا أبت. فقرأت فنظرت إلى دموعه تنحدر، ثم قالت: إيه يا أبت حدّث أمير المؤمنين، وأشارت إليّ أن غنّه. فاندفعت في صوت ابن سريج:

من لصب مفنّدهائم القلب مقصد

فطرب واللّه يزيد فحذفني بمدهن فيه فصوص من ياقوت وزبرجد، فضرب صدري، فأشارت إليّ حبابة: أن خذه. فأخذته فأدخلته كمي، فقال: يا حبابة ألا ترين ما صنع بنا أبوك، أخذ مدهننا فأدخله في كمه؟ فقالت: يا أمير المؤمنين ما أحوجه واللّه إليه! ثم خرجت من عنده فأمر لي بمائة دينار.

نسبة هذا الصوت

من لصبّ مفنّدهائم القلب مقصد
أنت زوّدته الضّنىبئس زاد المزوّد
ولو أني لا أرتجي- ك لقد خفّ عوّدي
ثاويا تحت تربةرهن رمس بفدفد
غير أنّي أعلّل النفس باليوم أو غد

الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان. وذكر الزبير بن بكار أنه لجعفر بن الزبير، والغناء لابن سريج، خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى.

وقال حمّاد: حدّثني أبي عن مخلد بن خداش وغيره، أن حبابة غنت يزيد صوتا لابن سريج، وهو قوله:

ما أحسن الجيد من مليكة وال- لّبّات إذ زانها ترائبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»

فطرب يزيد وقال: هل رأيت أحدا أطرب مني؟ قلت: نعم، ابن الطّيّار معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، فكتب فيه إلى عبد الرحمن بن الضحاك فحمل إليه، فلما قدم أرسلت إليه حبابة: إنما بعث إليك لكذا وكذا - وأخبرته - فإذا دخلت عليه فلا تظهرنّ طربا حتى أغنيه الصوت الذي غنّيته. فقال: سوأة على كبر سنّي؟ فدعا به يزيد وهو على طنفسة خزّ، ووضع لمعاوية مثلها، فجاءوا بجامين فيهما مسك فوضعت إحداهما بين يدي يزيد والأخرى بين يدي معاوية، فقال: فلم أدر كيف أصنع. فقلت: انظر كيف يصنع فاصنع مثله. فكان يقلّبه فيفوح ريحه وأفعل مثل ذلك، فدعا بحبابة فغنّت، فلما غنّت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه وقام يدور وينادي: «الدّخن بالنوى» يعني اللّوبيا. قال: فأمر له بصلات عدّة دفعات إلى أن خرج، فكان مبلغها ثمانية آلاف دينار.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال: أخبرني الزبير بن أبي بكر، عن ظبية: أنّ حبابة غنّت يوما بين يدي يزيد فطرب ثم قال لها: هل رأيت قطّ أطرب مني؟ قالت: نعم، مولاي الذي باعني. فغاظه ذلك فكتب في حمله مقيّدا، فلما عرف خبره أمر بإدخاله إليه، فأدخل يرسف في قيده، وأمرها فغنّت بغتة:

تشطّ غدا دار جيرانناوللدّار بعد غد أبعد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تشط غدا دار جيراننا»

فوثب حتّى ألقى نفسه على الشمعة فأحرق لحيته، وجعل يصيح: الحريق يا أولاد الزنا! فضحك يزيد وقال: لعمري إنّ هذا لأطرب الناس! فأمر بحلّ قيوده، ووصله بألف دينار، ووصلته حبابة، وردّه إلى المدينة.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال إسحاق: كان يزيد بن عبد الملك قبل أن تفضي إليه الخلافة، تختلف إليه مغنيّة طاعنة في السّن تدعى أمّ عوف، وكانت محسنة، فكان يختار عليها:

متى أجر خائفا تسرح مطيتهوإن أخف آمنا تنبو به الدار
سيروا إليّ وأرخوا من أعنّتكمإنّي لكلّ امرىء من وتره جار

فذكرها يزيد يوما لحبابة، وقد كانت أخذت عنها فلم تقدر أن تطعن عليها إلا بالسنّ، فغنت:

أبى القلب إلّا أمّ عوف وحبّهاعجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أبي القلب إلا أم عوف وحبها»

فضحك وقال: لمن هذا الغناء؟ فقالت: لمالك. فكان إذا جلس معها للشّرب يقول: غنّيني صوت مالك في أمّ عوف.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثني عمر بن شبّة قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن الحارث العدويّ قال: حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي قال: حدّثني أبو غانم الأزدي قال: نزل يزيد بن عبد الملك ببيت رأس بالشام، ومعه حبابة فقال: زعموا أنّه لا تصفو لأحد عيشة يوما إلى الليل إلّا يكدرها شيء عليه، وسأجرّب ذلك. ثم قال لمن معه: إذا كان غدا فلا تحبروني بشيء ولا تأتوني بكتاب. وخلا هو وحبابة فأتيا بما يأكلان، فأكلت رمّانة فشرقت بحبّة منها فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثا حتّى تغيرت وأنتنت، وهو يشمّها ويرشفها، فعاتبه على ذلك ذوو قرابته وصديقه، وعابوا عليه ما يصنع، وقالوا: قد صارت جيفة بين يديك! حتّى أذن لهم في غسلها ودفنها، وأمر فأخرجت في نطع، وخرج معها لا يتكلّم حتّى جلس على قبرها، فلما دفنت قال: أصبحت واللّه كما قال كثيّر:

فإن يسل عنك القلب أو يدع الصبافباليأس يسلو عنك لا بالتجلّد
وكلّ خليل راءني فهو قائلمن اجلك: هذا هامة اليوم أو غد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تظل ابنة الضمري في ظل نعمة»

فما أقام إلّا خمس عشرة ليلة حتى دفن إلى جنبها.

أخبرني أحمد قال: حدّثني عمر قال: حدّثني إسحاق الموصلي قال: حدّثني الفضل بن الربيع عن أبيه عن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة عن أبيه أنّ مسلمة بن عبد الملك قال: ماتت حبابة فجزع عليها يزيد، فجعلت أؤسّيه وأعزّيه، وهو ضارب بذقنه على صدره ما يكلّمني حتّى دفنها ورجع، فلما بلغ إلى بابه التفت إليّ وقال:

فإن تسل عنك النّفس أو تدع الصّبافباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تظلُّ ابنة ُ الضَّمريِّ في ظلِّ نعمة ٍ»

ثم دخل بيته فمكث أربعين يوما ثم هلك.

قال: وجزع عليها في بعض أيامه فقال: انبشوها حتّى أنظر إليها. فقيل: تصير حديثا!! فرجع فلم ينبشها.

وقد روى المدائني أنّه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنه إياها، فقال: لا بدّ من أن تنبش. فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغيّر تغيّرا قبيحا فقيل له: يا أمير المؤمنين، اتّق اللّه، ألا ترى كيف قد صارت؟ فقال: ما رأيتها قطّ أحسن منها اليوم، أخرجوها. فجاءه مسلمة ووجوه أهله، فلم يزالوا به حتّى أزالوه عن ذلك ودفنوها، وانصرف فكمد كمدا شديدا حتّى مات، فدفن إلى جانبها.

قال إسحاق: وحدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الشفافي عن العباس بن محمد، أن يزيد بن عبد الملك أراد الصلاة على حبابة، فكلّمه مسلمة في أن لا يخرج وقال: أنا أكفيك الصلاة عليها. فتخلّف يزيد ومضى مسلمة، حتّى إذا مضى الناس انصرف مسلمة وأمر من صلّى عليها.

وروى الزبير، عن مصعب بن عثمان، عن عبد اللّه بن عروة بن الزبير قال: خرجت مع أبي إلى الشأم في زمن يزيد بن عبد الملك، فلما ماتت حبابة وأخرجت لم يستطع يزيد الركوب من الجزع ولا المشي، فحمل على منبر على رقاب الرجال، فلما دفنت قال: لم أصلّ عليها، انبشوا عنها. فقال له مسلمة: نشدتك اللّه يا أمير المؤمنين، إنّما هي أمة من الإماء، وقد واراها الثرى! فلم يأذن للناس بعد حبابة إلّا مرة واحدة. قال: فو اللّه ما استتمّ دخول الناس حتى قال الحاجب: أجيزوا رحمكم اللّه. ولم ينشب يزيد أن مات كمدا.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني إسحاق قال حدّثني ابن أبي الحويرث الثقفي، قال: لما ماتت حبابة جزع عليها يزيد جزعا شديدا، فضمّ جويرية لها كانت تخدمها إليه، فكانت تحدّثه وتؤنسه، فبينا هو يوما يدور في قصره إذ قال لها: هذا الموضع الذي كنا فيه. فتمثلت:

كفى حزنا للهائم الصبّ أن يرىمنازل من يهوى معطّلة قفرا
للشاعر الحسين بن أحمد السنجاري، اقرأ القصيدة

فبكى حتّى كاد يموت. ثم لم تزل تلك الجويرية معه يتذكّر بها حبابة حتّى مات.

صوت

أيدعونني شيخا وقد عشت حقبةوهنّ من الأزواج نحوي نوازع
للشاعر مسعود بن مَصَاد، اقرأ القصيدة
وما شاب رأسي من سنين تتابعتعليّ ولكن شيبته الوقائع
للشاعر مسعود بن مَصَاد، اقرأ القصيدة

الشعر لأبي الطّفيل صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والغناء لإبراهيم، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، عن عمرو وغيره.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»