من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب الخنساء وخبرها وخبر مقتل أخويها صخر ومعاوية
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هي الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. واسمها تماضر.
والخنساء لقب غلب عليها، وفيها يقول دريد بن الصّمّة، وكان خطبها فردّته، وكان رآها تهنأ بعيرا:
حيّوا تماضر واربعوا صحبيوقفوا فإنّ وقوفكم حسبي
أخناس قد هام الفؤاد بكموأصابه تبل من الحبّ
ما إن رأيت ولا سمعت بهكاليوم طالي أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنهيضع الهناء مواضع النّقب
قال أبو عبيدة ومحمّد بن سلّام: لمّا خطبها دريد بعثت خادما لها وقالت: انظري إليه إذا بال، فإن كان بوله يخرق الأرض ويخدّ فيها ففيه بقيّة، وإن كان بوله يسيح على وجهها فلا بقيّة فيه. فرجعت إليها وأخبرتها، فقالت: لا بقية في هذا. فأرسلت إليه: ما كنت لأدع بني عمّي وهم مثل عوالي الرماح، وأتزوّج شيخا! فقال:
وقاك اللّه يا ابنة آل عمرومن الفتيان أشباهي ونفسي
وقالت إنّني شيخ كبيروما نبّأتها أنّي ابن أمس
فلا تلدي ولا ينكحك مثليإذا ما ليلة طرقت بنحس
تريد شرنبث القدمين شثنايباشر بالعشية كلّ كرس
فقالت الخنساء تجيبه:
معاذ اللّه ينكحني حبركىيقال أبوه من جشم بن بكر
ولو أصبحت في جشم هديّاإذا أصبحت في دنس وفقر
وهذا الشعر ترثي به أخاها صخرا وقتله زيد بن ثور الأسدي يوم ذي الأثل.
أخبرنا بالسبب في ذلك محمد بن الحسن بن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، وأضفت إليه رواية الأثرم عن أبي عبيدة قال: غزا صخر بن عمرو، وأنس بن عبّاس الرّعليّ في بني سليم، بني أسد بن خزيمة، - قال أبو عبيدة: وزعم السّلمي أنّ هذا اليوم يقال له يوم الكلاب ويوم ذي الأثل - في بني عوف وبني خفاف، وكانا متساندين، وعلى بني خفاف صخر بن عمرو الشّريديّ، وعلى بني عوف أنس بن عبّاس. قال: فأصابوا في بني أسد بن خزيمة غنائم وسبيا، وأخذ صخر يومئذ بديلة امرأة. قال: وأصابت صخرا يومئذ طعنة، طعنه رجل يقال له ربيعة بن ثور، ويكنى أبا ثور، فأدخل جوفه حلقا من الدّرع فاندمل عليه حتّى شقّ عنه بعد سنين، وكان سبب موته.
قال أبو عبيدة: وقال غيره: بل ورد هو وبلعاء بن قيس الكناني. قال: وكانا أجمل رجلين في العرب. قال: فشربا عند يهوديّ خمار كان بالمدينة. قال: فحسدهما لما رأى من جمالهما وهيأتهما، وقال: إنّي لأحسد العرب أن يكون فيهم مثل هذين! فسقاهما شربة جويا منها. قال: فمرّ بصخر طبيب بعد ما طال مرضه، فأراه ما به، فقال: أشقّ عنك فتفيق. قال: فعمد إلى شفار فجعل يحميها ثم يشقّ بها عنه، فلم ينشب أن مات.
قال أبو عبيدة: وأمّا أبو بلال بن سهم فإنّه قال: اكتسح صخر أموال بني أسد وسبى نساءهم، فأتاهم الصّريح فتبعوه فتلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ربيعة بن ثور الأسديّ صخرا في جنبه، وفات القوم فلم يقعص وجوي منها، ومرض قريبا من حول، حتّى ملّه أهله. قال: فسمع صخر امرأة وهي تسأل سلمى امرأة صخر: كيف بعلك؟ فقالت سلمى: لا حيّ فيرجى، ولا ميت فينعى، لقينا منه الأمرّين! قال: وزعم آخر أنّ التي قالت هذه المقالة بديلة الأسديّة التي كان سباها من بني أسد فاتّخذها لنفسه. فأنشد هذا البيت:
ألا تلكم عرسي بديلة أوجستفراقي وملّت مضجعي ومكاني
وأمّا أبو بلال بن سهم فزعم أنّ صخرا حين سمع مقالة سلمى امرأته قال:
أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتيوملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةعليك ومن يغترّ بالحدثان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنّزوان
لعمري لقد نبّهت من كان نائماوأسمعت من كانت له أذنان
وللموت خير من حياة كأنّهامحلة يعسوب برأس سنان
وأيّ امرىء ساوى بأمّ حليلةفلا عاش إلّا في شقا وهوان
فلما طال عليه البلاء وقد نتأت قطعة مثل اللّبد في جنبه في موضع الطّعنة، قالوا له: لو قطعتها لرجونا أن تبرأ. فقال: شأنكم. فأشفق عليه بعضهم فنهاهم، فأبى وقال: الموت أهون عليّ مما أنا فيه! فأحموا له شفرة ثم قطعوها فيئس من نفسه.
قال: وسمع صخر أخته الخنساء تقول: كيف كان صبره؟ فقال صخر في ذلك:
أجارتنا إنّ الخطوب تنوبعلى النّاس، كلّ المخطئين تصيب
فإن تسأليني هل صبرت فإنّنيصبور على ريب الزمان صليب
كأنّي وقد أدنوا إليّ شفارهممن الصّبر دامي الصّفحتين ركوب
أجارتنا لست الغداة بظاعنولكن مقيم ما أقام عسيب
عن أبي عبيدة: عسيب: جبل بأرض بني سليم إلى جنب المدينة، فقبره هناك معلم.
وقال أبو عبيدة: فمات فدفن هناك، فقبره قريب من عسيب.
فقالت الخنساء ترثيه:
ألا ما لعينك أم ما لهالقد أخضل الدّمع سربالها
ابعد ابن عمرو من آل الشري- د حلّت به الأرض أثقالها
فإن تك مرّة أودت بهفقد كان يكثر تقتالها
سأحمل نفسي على خطّةفإمّا عليها وإمّا لها
فإن تصبر النّفس تلق السّروروإن تجزع النفس أشقى لها
غنّى فيه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر.
قال السّلمي: ليست هذه في صخر، هذه إنّما رثت بها معاوية أخاها، وبنو مرّة قتلته. ولكنها قالت في صخر:
قذّى بعينك أم بالعين عوّارأم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار
تبكي لصخر، هي العبرى وقد ثكلتودونه من جديد التّرب أستار
لا بدّ من ميتة في صرفها غيروالدّهر في صرفه حول وأطوار
يا صخر ورّاد ماء قد تناذرهأهل الموارد ما في ورده عار
مشى السبنتى إلى هيجاء معضلةله سلاحان أنياب وأظفار
فما عجول على بوّ تطيف بهلها حنينان إصغار وإكبار
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرتفإنّما هي إقبال وإدبار
لا تسمن الدّهر في أرض وإن رتعتفإنّما هي تحنان وتسجار
يوما بأوجد منّي يوم فارقنيصخر وللدّهر إحلاء وإمرار
فإنّ صخرا لوالينا وسيّدناوإنّ صخرا إذا نشتو لنحّار
وإن صخرا لتأتمّ الهداة بهكأنّه علم في رأسه نار
- غنّى في هذين البيتين الأولين ابن سريج، من رواية يونس -:
لم ترأه جارة يمشي بساحتهالريبة حين يخلي بيته الجار
ولا تراه وما في البيت يأكلهلكنّه بارز بالصّحن مهمار
مثل الرّدينيّ لم تنفد شبيبتهكأنّه تحت طيّ البرد أسوار
في جوف رمس مقيم قد تضمّنهفي رمسه مقمطرّات وأحجار
طلق اليدين بفعل الخير ذو فجرضخم الدّسيعة بالخيرات أمّار
ورفقة حار هاديهم بمهلكةكأنّ ظلمتها في الطّخية القار
عروضه ثان من البسيط.
العوّار والعائر: وجع، وهو مثل الرمد. وذرفت: قطرت قطرا متتابعا لا يبلغ أن يكون سيلا. والعبرى، يقال امرأة عبرى وعابر. والعبرة: سخنة العين. والوله: ما يصيب الرجل والمرأة من شدّة الجزع على الولد. حول وأطوار، أي تحوّل وتقلّب وتصرّف. قد تناذره، أي أنذر بعضهم بعضا هوله وصعوبته. ويروى: «تبادره» وقولها «ما في ورده عار» أرادت ما في ترك ورده عار، أي لا يعيّر أحد إن عجز عنه من صعوبة ورده.
العجول: الثّكول. والبوّ: أن ينحر ولد الناقة ويؤخذ جلده فيحشى ويدنى من أمّه فترأمه. إحلاء وإمرار، يقال: ما أحلى ولا أمرّ. أي ما أتى بحلوة ولا مرّة. والمعنى أنّ الدهر يأتي بالمشقّة والمحبة. «كأنه علم في رأسه نار» أي إنّه مشهور. والعلم: الجبل، وجمعه أعلام. «كأنه تحت طيّ البرد أسوار»، أي من لطافة بطنه وهيفه شبيه أسوار من ذهب. والرديني: الرمح منسوب إلى ردينة: امرأة كانت تقوّم الرماح. أي هو معصوب البدن ليس بمهبّج منحلّ. وهذا كلّه من انتفاخ الجلد والسّمن والاسترخاء. وقال أبو عمرو: مقمطرّات: صخور عظام.
والأحجار صغار. ذو فجر: يتفجر بالمعروف. والدّسيعة: العطاء. الطخية، من الطخّاء، وهو الغيم الرقيق الذي يواري النّجوم فيتحيّر الهادي.
وقالت الخنساء أيضا ترثي صخرا:
بكت عيني وعاودها قذاهابعوّار فما تقضي كراها
على صخر وأيّ فتى كصخرإذا ما الناب لم ترأم طلاها
- الطلا: الولد، أي لم تعطف عليه من الجدب -
فتى الفتيان ما بلغوا مداهاولا يكدي إذا بلغت كداها
لئن جزعت بنو عمرو عليهلقد رزئت بنو عمرو فتاها
- غنى في هذه الأبيات ابن جامع ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وذكر حبش أنّ له أيضا فيه خفيف رمل بالبنصر -
ترى الشم الجحاجح من سليموقد بلّت مدامعها لحاها
- إذا وصف السيد بالشمم فإنه لا يدنو لدناءة، ولا يضع لها أنفه -
وخيل قد كففت بجول خيلفدارت بين كبشيها رحاها
- وجول خيل: جولان. ويقال: قطعة خيل تجول، أي تذهب وتجي ء -
ترفّع فضل سابغة دلاصعلى خيفانة خفق حشاها
وتسعى حين تشتجر العواليبكأس الموت ساعة مصطلاها
محافظة ومحمية إذا مانبا بالقوم من جزع لظاها
فتتركها قد اشتجرت بطعنتضمّنه، إذا اختلفت، كلاها
هنا لك لو نزلت بآل صخرقرى الأضياف سخنا من ذراها
فمن للضّيف إن هبّت شمالمزعزعة يجاوبها صداها
وألجأ بردها الأشوال حدباإلى الحجرات بارزة كلاها
أمطعمكم وحاملكم تركتملدى غبراء منهدم رجاها
ليبك عليك قومك للمعاليوللهيجاء إنّك ما فتاها
وقد فوّزت طلعة فاستراحتفليت الخيل فارسها يراها
وقال خفاف بن عمير يرثي صخرا ومعاوية ابني عمرو، ورجالا منهم أصيبوا:
تطاول همّه ببراق سعرلذكراهم وأيّ أوان ذكر
كأنّ النار تخرجها ثيابيوتدخل بعد نوم الناس صدري
لباتت تضرب الأمثال عنديعلى ناب شربت بها وبكر
وتنسى من أفارق غير قالوأصبر عنهم من آل عمرو
وهل تدرين أن ما ربّ خرقرزئت مبرّأ بقصاص وتر
أخى ثقة إذا الضّرّاء نابتوأهل حباء أضياف ونحر
كصخر للسّريّة غادروهبذروة أو معاوية بن عمرو
وميت بالجناب أثلّ عرشيكصخر أو كعمرو أو كبشر
وآخر بالنواصف من هدامفقد أودى وربّ أبيك صبري
فلم أر مثلهم حيّا لقاحاأقاموا بين قاصية وحجر
أشدّ على صروف الدهر إدّاوآمر منهم فيها بصبر
وأكرم، حين ضنّ الناس، خيماوأحمد شيمة ونشيل قدر
إذا الحسناء لم ترحض يديهاولم يقصر لها بصر بستر
قروا أضيافهم ربحا ببحّتجيء بعبقريّ الودق سمر
رماح مثقّف حملت نصالايلحن كأنّهنّ نجوم فجر
جلاها الصّيقلون فأخلصوهامواضي كلّها يفري ببتر
هم الأيسار إن قحطت جمادىبكلّ صبير سارية وقطر
يصدّون المغيرة عن هواهابطعن يفلق الهامات شزر
تعلّم أنّ خير الناس طرّالولدان - غداة الريح - غبر
وأرملة ومعترّ مسيفعديم المال، عجزة أمّ صخر
ومما رثت به الخنساء صخرا وغنّي فيه:
صوت
أعينيّ جودا ولا تجمداألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميلألا تبكيان الفتى السيّدا
طويل النّجاد رفيع العماد ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدّوا بأيديهمإلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهممن المجد ثمّ مضى مصعدا
يحمّله القوم ما عالهموإن كان أصغرهم مولدا
ترى المجد يهوي إلى بيتهيرى أفضل المجد أن يحمدا
وإن ذكر المجد ألفيتهتأزّر بالمجد ثمّ ارتدى
ونذكر الآن ها هنا خبر مقتل معاوية بن عمرو أخيهما، إذ كانت أخبارهما وأخبارها يدعو بعضها إلى بعض.
قال أبو عبيدة: حدّثني أبو بلال بن سهم بن عباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور قال: غزا معاوية بن عمرو أخو خنساء، بني مرة بن سعد بن ذبيان وبني فزارة، ومع خفاف بن عمير بن الحارث، وأمه «ندبة» سوداء، وإليها ينسب، فاعتوره هاشم ودريد ابنا حرملة المرّيّان. قال ابن الكلبيّ: وحرملة هو حرملة بن الأسعر بن إياس بن مريطة بن ضمرة بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان. قال أبو عبيدة: فاستطرد له أحدهما ثم وقف، وشدّ عليه الآخر فقتله، فلما تنادوا: قتل معاوية! قال خفاف: قتلني اللّه إن رمت حتّى أثأر به! فشدّ على مالك بن حمار الشمخي، وكان سيّد بني شمخ بن فزارة، فقتله، قال: وهو مالك بن حمار بن حزن بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن مازن بن فزارة، فقال خفاف في ذلك:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمهافعمدا على عين تيممت مالكا
يعني مالك بن حمار الشّمخي.
قال أبو عبيدة: فأجمل أبو بلال الحديث.
قال: وأما غيره فذكر أنّ معاوية وافى عكاظ في موسم من مواسم العرب، فبينا هو يمشي بسوق عكاظ، إذ لقي أسماء المرّيّة، وكانت جميلة، وزعم أنّها كانت بغيّا، فدعاها إلى نفسه فامتنعت عليه وقالت: أما علمت أنّي عند سيّد العرب هاشم بن حرملة؟! فقال: أما واللّه لأقارعنّه عنك. قالت: شأنك وشأنه. فرجعت إلى هاشم فأخبرته بما قال معاوية وما قالت له، فقال هاشم: فلعمري لا يريم أبياتنا حتّى ننظر ما يكون من جهده. قال: فلما خرج الشهر الحرام وتراجع الناس عن عكاظ، خرج معاوية بن عمرو غازيا يريد بني مرّة وبني فزارة، في فرسان أصحابه من بني سليم، حتى إذا كان بمكان يدعى الحوزة أو الجوزة - والشك من أبي عبيدة - دوّمت عليه طير وسنح له ظبي، فتطيّر منهما ورجع في أصحابه، وبلغ ذلك هاشم بن حرملة فقال: ما منعه من الإقدام إلّا الجبن! قال: فلما كانت السنة المقبلة غزاهم، حتّى إذا كان في ذلك المكان سنح له ظبي وغراب فتطيّر فرجع، ومضى أصحابه وتخلّف في تسعة عشر فارسا منهم لا يريدون قتالا، إنما تخلّف عن عظم الجيش راجعا إلى بلاده، فوردوا ماء وإذا عليه بيت شعر، فصاحوا بأهله فخرجت إليهم امرأة فقالوا: ما أنت ممن أنت؟ قالت: امرأة من جهينة، أحلاف لبني سهم بن مرة بن غطفان. فوردوا الماء يسقون، فانسلّت فأتت هاشم بن حرملة، فأخبرته أنّهم غير بعيد، وعرّفته عدّتهم وقالت: لا أرى إلّا معاوية في القوم. فقال: يا لكاع، أمعاوية في تسعة عشر رجلا، شبّهت أو أبطلت. قالت: بل قلت الحقّ، ولئن شئت لأصفنّهم لك رجلا رجلا. قال: هاتي.
قالت: رأيت فيهم شابا عظيم الجمّة، جبهته قد خرجت من تحت مغفره، صبيح الوجه، عظيم البطن، على فرس غرّاء. قال: نعم هذه صفته. يعني معاوية وفرسه الشّمّاء.
قالت: ورأيت رجلا شديد الأدمة شاعرا ينشدهم. قال: ذلك خفاف بن عمير.
قالت: ورأيت رجلا ليس يبرح وسطهم، إذا نادوه رفعوا أصواتهم. قال: ذاك عباس الأصمّ.
قال: ورأيت رجلا طويلا يكنّونه أبا حبيب، ورأيتهم أشدّ شيء له توقيرا. قال: ذاك نبيشة بن حبيب.
قالت: ورأيت شابّا جميلا له وفرة حسنة. قال: ذاك العباس بن مرداس السّلميّ.
قالت: ورأيت شيخا له ضفيرتان، فسمعته يقول لمعاوية: بأبي أنت أطلت الوقوف! قال: ذاك عبد العزّى زوج الخنساء أخت معاوية.
قال: فنادى هاشم في قومه وخرج، وزعم المريّ أنه لم يخرج إليهم إلا في مثل عدّتهم من بني مرّة. قال: فلم يشعر السّلميون حتّى طلعوا عليهم، فثاروا إليهم فلقوهم فقال لهم خفاف: لا تنازلوهم رجلا رجلا؛ فإنّ خيلهم تثبت للطّراد وتحمل ثقل السلاح، وخيلكم قد أمنّها الغزو وأصابها الحفا.
قال: فاقتتلوا ساعة وانفرد هاشم ودريد ابنا حرملة المريان لمعاوية، فاستطرد له أحدهما فشدّ عليه معاوية وشغله، واغترّه الآخر فطعنه فقتله. واختلفوا أيّهما استطرد له وأيهما قتله، وكانت بالذي استطرد له طعنة طعنه إياها معاوية. ويقال: هو هاشم. وقال آخرون: بل دريد أخو هاشم.
قال: وشدّ خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد على مالك بن حمّار سيّد بني شمخ بن فزارة فقتله. وقال خفاف في ذلك وهو ابن ندبة، وهي أمة سوداء كانت سباها الحارث، بن الشريد حين أغار على بني الحارث بن كعب فوهبها لابنه عمير فولدت له خفافا. ويقال في ندبة إنّها ابنة الشيطان بن بنان، من بني الحارث بن كعب.
فقال:
أقول له والرمح يأطر متنهتأمّل خفافا إنني أنا ذلكا
وقفت له جلوى وقد خام صحبتيلأبني مجدا أو لأثأر هالكا
لدن ذرّ قرن الشّمس حين رأيتهمسراعا على خيل تؤمّ المسالكا
فلمّا رأيت القوم لا ودّ بينهمشريجين شتّى طالبا ومواشكا
تيممت كبش القوم حتّى عرفتهوجانبت شبّان الرجال الصعالكا
فجادت له يمنى يديّ بطعنةكست متنه من أسود اللون حالكا
أنا الفارس الحامي الحقيقة والذيبه أدرك الأبطال قدما كذلكا
فإن ينج منها هاشم فبطعنةكسته نجيعا من دم الجوف صائكا
وقالت الخنساء ترثي أخاها معاوية:
ألا لا أرى في الناس مثل معاويهإذا طرقت إحدى الليالي بداهيه
بداهية يصغي الكلاب حسيسهاوتخرج من سرّ النجيّ علانيه
ألا لا أرى كفارس الورد فارساإذا ما علته جرأة وغلابيه
وكان لزاز الحرب عند شبوبهاإذا شمّرت عن ساقها وهي ذاكية
وقوّاد خيل نحو أخرى كأنّهاسعال وعقبان عليها زبانيه
بلينا وما تبلى تعار وما ترىعلى حدث الأيام إلا كما هيه
فأقسمت لا ينفكّ دمعي وعولتيعليك بحزن ما دعا اللّه داعيه
وقالت الخنساء في كلمة أخرى ترثيه أيضا:
إلا ما لعينيك أم مالهالقد أخضل الدمع سربالها
أبعد ابن عمرو من آل الشري- د حلّت به الأرض أثقالها
وأقسمت آسى على هالكوأسأل نائحة مالها
سأحمل نفسي على آلةفإمّا عليها وإمّا لها
نهين النفوس وهون النّفوس يوم الكريهة أبقى لها
ور جراجة فوقها بيضهاعليها المضاعف زفنا لها
ككرفئة الغيث ذات الصّبي- ر ترمي السحاب ويرمي لها
وقافية مثل حدّ السّنان تبقى ويهلك من قالها
نطقت ابن عمرو فسهّلتهاولم ينطق الناس أمثالها
فإن تك مرّة أودت بهفقد كان يكثر تقتالها
يصغيها: يجعلها تميل رأسها وأذنها للتسمع. وفي أمثالهم: «شر أهر ذا ناب». وللكلاب حس صادق بالعدو، تنذر قومها إذا شعرت به. والحسيس والحس: الحركة.
الورد: فرسه. ما عدا ط، ج، ها: «كالفارس الورد». الغلابية: القهر والغلبة. وفي الأصول ما عدا «ها» علانية.
لزاز الحرب، أي ملازم لها موكل بها.
سعال: جمع سعلاة، وهي الغول.
تعار، بالكسر: جبل في بلاد قيس. وأنثها على أنها جبال.
الرجراجة: الكتيبة تضطرب في سيرها لكثرتها. المضاعف، أي الحديد المصاعف من نسج الدروع ونحوها. زاف يزيف: أسرع.
فزال الكواكب من فقدهوجلّلت الشمس أجلالها
وداهية جرّها جارمتبيل الحواصن أحبالها
كفاها ابن عمرو ولم يستعنولو كان غيرك أدنى لها
وليس بأولى ولكنّهسيكفي العشيرة ما عالها
بمعترك ضيّق بينهتجرّ المنية أذيالها
وبيض منعت غداة الصّباح تكشف للرّوع أذيالها
ومعملة سقتها قاعدافأعلمت بالسيف أغفالها
وناجية كأتان الثّمي- ل غادرت بالخلّ أوصالها
إلى ملك لا إلى سوقةوذلك ما كان إعمالها
وتمنح خيلك أرض العدوّوتنبذ بالغزو أطفالها
ونوح بعثت كمثل الإراخ آنست العين أسبالها
قوله حلّت به الأرض، قال بعضهم: حلت من الحلية أي زيّنت به الأرض موتاها، حين دفن بها. وقال بعضهم: حلّت من حللت الشيء. والمعنى ألقت مراسيها، كأنه كان ثقلا عليها. قال: اللفظ لفظ الاستفهام والمعنى خبر، كما قال جرير:
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
قال: جواب «أبعد» في «آسى» أي أبعد ابن عمرو آسى وأسأل نائحة مالها.
وقال أبو عبيدة: هذا البيت لمية بنت ضرار بن عمرو الضّبيّة ترثي أخاها. قال أبو الحسن الأثرم: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: أمور الناس جارية على أذلالها، أي على مسالكها، واحدها ذل. آلة: حالة. تقول: فإما أن أموت وإما أن أنجو. ولو قالت على ألّة لم تنج؛ لأن الألة هي الحربة.
هممت بنفسي، قال أبو عبيدة: هذا توعد. قال الأصمعي: «كلّ الهموم». قال الأثرم: كأنّها أرادت أن تقتل نفسها.
أبو عبيدة؛ التكدس: التتابع، يتبع بعضها بعضا، أي يغزو ويجاهد في الغزو، كما تتوقّل الوعول في الجبال، عن أبي عبيدة. قال الأصمعي: التكدّس: أن تحرّك مناكبها إذا مشت وكأنّها تنصبّ إلى بين يديها، وإنما وصفتها بهذا. تقول: لا تسرع إلى الحرب، ولكن تمشي إليها رويدا. وهذا أثبت له من أن يلقاها وهو يركض. ويقال: جاء فلان يتكدّس، وهي مشية من مشي الغلاظ القصار. وقال أبو زياد الكلابيّ: الكداس: عطاس الضأن. قال السّلمي: التكدّس: تكدس الأوعال، وهو التقحّم. والتكدس هو أن يرمي بنفسه رميا شديدا في جريه.
نهين النفوس، تريد غداة الكريهة. وقولها: «أبقى لها» لأنها إذا تذامرت وغشيت القتال كان أسلم لها من الانهزام. كقول بشر بن أبي خازم:
ولا ينجى من الغمرات إلّابراكاء القتال أو الفرار
قال بعضهم: أبقى لها في الذّكر وحسن القول. والرجراجة: التي تتمخّض من كثرتها. وقال الأصمعي: الكرفئة، وجمعها كرفي ء: قطع من السحاب بعضها فوق بعض. وقوله: «ترمي السحاب» أي تنضمّ إليه وتتّصل به.
ويرمي لها، أي ينضمّ إليها السّحاب حتى يستوي. مثل حدّ السنان، لأنها ماضية. سهّلتها: جئت بها سهلة. وجلّلت الشمس، أي كسفت الشمس وصار عليها مثل الجلّ. تبيل الحواصن، وهي الحوامل من النّساء، أولادها من شدّة الفزع. أي ما كان وليها ولا دنا إليها، ولكنّه يكفي القريب والبعيد. ما عالها، قال أبو عمرو: عالها: غلبها.
وقال أبو عبيدة: يقال إنّه ليعولني ما عالك، أي يغمّني ما غمّك. ويقال: افعل كذا وكذا ولا يعلك أن تأتي غيره، أي لا يعجزك. ويقال: قد يعولك أن تفعل كذا، أي قد دنا لك أن تفعل ذاك. وأنشد:
ضربا كما تكدّس الوعوليعول أن أنبطها يعول
أي قد دنا ذلك. ويقال: عال كذا وكذا منك، أي دنا منك. ويروى: «وليس بأدنى ولكنّه». وقولها معملة: إبل. وقولها: قاعدا، أي على فرسك. قال النابغة:
قعودا على آل الوجيه ولا حق
والأغفال: ما لا سمة عليها، واحدها غفل. والأتان: الصخرة. والثميل: بقيّة الماء في الصخرة.
والخلّ: الطريق في الرمل. يقول: أعيت فتركتها هنالك. ويروى:
غادرت بالنّخل أوصالها
قال الأصمعيّ: ناجية: سريعة. ويروى: «إلى ملك وإلى شأني ء». تقول: تقود خيلك إلى ملك أو عدوّ.
ويروى: «ما كان إكلالها». ما صلة. الإراخ: بقر الوحش. تقول: خرجت من بيوتهن كما خرجت هذه البقر من كنسها فرحا بالمطر. ومثله في الفرح بالمطر لابن الأحمر قوله:
ماريّة لؤلؤان اللون أوردهاطلّ وبنّس عنها فرقد خصر
أي قوّى أنفسها المطر، لما رأته. ومثله:
ألا هلك امرؤ قامت عليهبجنب عنيزة البقر الهجود
أي لم يقرن في البيوت فتسترهنّ البيوت، بل هنّ ظواهر. وإنما شبه اجتماع هؤلاء النساء باجتماع العين وخروجهنّ للمطر. قال: وبقر الوحش تفرح بالمطر.
وقال دريد يرثي معاوية أخا الخنساء، لمّا قتلته بنو مرة:
ألا بكرت تلوم بغير قدرفقد أحفيتني ودخلت ستري
فإن لم تتركي عذلي سفاهاتلمك عليّ نفسك أيّ عصر
أسرّك أن يكون الدهر هذاعليّ بشرّه يغدو ويسري
وألّا ترزئي نفسا ومالايضرّك هلكه في طول عمري
فقد كذبتك نفسك فاكذبيهافإن جزع وإن إجمال صبر
وإنّ الرزء يوم وقفت أدعوفلم أسمع معاوية بن عمرو
رأيت مكانه فعرضت بدءاوأيّ مقيل رزء يا ابن بكر
إلى إرم وأحجار وصيروأغصان من السّلمات سمر
- صير، الواحدة صيرة، وهي حظيرة الغنم. وقوله: وأغصان من السلمات، أي ألقيت على قبره -
وبنيان القبور أتى عليهاطوال الدّهر من سنة وشهر
ولو أسمعته لسرى حثيثاسريع السّعي أو لأتاك يجري
بشكّة حازم لا عيب فيهإذا لبس الكماة جلود نمر
- أي كأنّ ألوانهم ألوان النمور، سواد وبياض من السلاح. عن أبي عبيدة -
فإمّا تمس في جدث مقيمابمسهكة من الأرواح قفر
فعزّ عليّ هلكك يا ابن عمرووما لي عنك من عزم وصبر
قال أبو الحسن الأثرم: فلمّا دخل الشهر الحرام - فيما ذكر أبو عبيدة عن أبي بلال بن سهم - من السّنة المقبلة، خرج صخر بن عمرو حتّى أتى بني مرّة بن عوف بن ذبيان، فوقف على ابني حرملة، فإذا أحدهما به طعنة في عضده - قال: لم يسمّه أبو بلال بن سهم. فأمّا خفاف بن عمير فزعم في كلمته تلك أنّ المطعون هاشم - فقال: أيّكما قتل أخي معاوية؟ فسكتا فلم يحيرا إليه شيئا، فقال الصّحيح للجريح: ما لك لا تجيبه؟ فقال: وقفت له فطعنني هذه الطعنة في عضدي، وشدّ أخي عليه فقتله، فأيّنا قتلت أدركت ثأرك، إلّا أنا لم نسلب أخاك. قال: فما فعلت فرسه الشّمّاء؟ قال: ها هي تلك خذها. فردّها عليه فأخذها ورجع، فلما أتى صخر قومه قالوا له: اهجهم. قال: إنّ ما بيننا أجلّ من القذع، ولو لم أكفف نفسي إلّا رغبة عن الخنا لفعلت.
وقال صخر في ذلك:
وعاذلة هبّت بليل تلومنيألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا
- قال: أراد تباكره باللوم، لم يرد الليل نفسه، إنّما أراد عجلتها عليه باللوم، كما قال النمر بن تولب العكليّ:
بكرت باللّوم تلحانا
وقال غيره: تلومه بالليل لشغله بالنهار عنها بفعل المكارم، والأضياف، والنظر في الحمالات وأمور قومه، لأنّه قوامهم -
تقول ألا تهجو فوارس هاشموما لي إذ أهجوهم ثم ماليا
أبى الشتم أنّي قد أصابوا كريمتيوأن ليس إهداء الخنا من شماليا
- أي من شمائلي. ويروى: «من فعاليا» -
إذا ذكر الإخوان رقرقت عبرةوحيّيت رمسا عندليّة ثاويا
إذا ما امرؤ أهدى لميت تحيّةفحيّاك ربّ الناس عنّي معاويا
وهوّن وجدي أنّني لم أقل لهكذبت ولم أبخل عليه بماليا
فنعم الفتى أدّى ابن صرمة بزّهإذا الفحل أضحى أحدب الظّهر عاريا
قال أبو عبيدة: ثم زاد فيها بيتا بعد أن أوقع بهم، فقال:
وذي إخوة قطّعت أقران بينهمكما تركوني واحدا لا أخاليا
قال أبو عبيدة: فلما كان في العام المقبل غزاهم وهو على فرسه الشّمّاء، فقال: إنّي أخاف أن يعرفوني ويعرفوا غرّة الشمّاء، فيتأهّبوا. قال: فحمّم غرّتها. قال: فلما أشرفت على أدنى الحيّ رأوها. فقالت فتاة منهم: هذه واللّه الشّمّاء! فنظروا فقالوا: الشماء غرّاء وهذه بهيم! فلم يشعروا إلّا والخيل دوائس، فاقتتلوا فقتل صخر دريدا، وأصاب بني مرة فقال:
ولقد قتلتكم ثناء وموحداوتركت مرّة مثل أمس المدبر
- قال الأثرم: مثنى وثناء لا ينونان. قال ابن عنمة الضّبيّ:
يباعون بالنّغران مثنى وموحدا
لا ينوّنان لأنّهما مما صرف عن جهته، والوجه أن يقول: اثنين اثنين. وكذلك ثلاث ورباع. قال صخر الغيّ:
منت لك أن تلاقيني المناياأحاد أحاد في الشهر الحلال
قال: ولا تجاوز العرب الرّباع، غير أنّ الكميت قال:
فلم يستريثوك حتّى رمي- ت فوق الرجال خصالا عشارا -
ولقد دفعت إلى دريد بطعنةنجلاء تزغل مثل عطّ المنحر
تزغل: تخرج الدم قطعا قطعا. قال: والزّغلة: الدّفعة الواحدة من الدم والبول. قال: فأزغلت في الحلق إزغالة
وقال صخر أيضا فيمن قتل من بني مرّة:
قتلت الخالدين به وبشراوعمرا يوم حوزة وابن بشر
ومن شمخ قتلت رجال صدقومن بدر فقد أوفيت نذري
ومرّة قد صبحناها المنايافروّينا الأسنّة، غير فخر
ومن أفناء ثعلبة بن سعدقتلت وما أبيئهم بوتر
ولكنّا نريد هلاك قومفنقتلهم ونشريهم بكسر
وقال صخر أيضا:
ألا لا أرى مستعتب الدّهر معتباولا آخذ منه الرضا إن تغضّبا
وذي إخوة قطّعت أقران بينهمإذا ما النّفوس صرن حسرى ولغّبا
أقول لرمس بين أجراع بيشةسقاك الغوادي الوابل المتحلّبا
قال أبو عبيدة: ثم إنّ هاشم بن حرملة خرج غازيا، فلما كان ببلاد جشم بن بكر بن هوازن نزل منزلا وأخذ صفنا وخلا لحاجته بين شجر، ورأى غفلته قيس بن الأصور الجشميّ فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية! لا وألت نفسي إن وأل! فلما قعد على حاجته تقتّر له بين الشجر، حتّى إذا كان خلفه أرسل إليه معبلة فقتله.
فقالت الخنساء في ذلك - قال ابن الكلبي: وهي الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن شريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم -:
فدى للفارس الجشمي نفسيوأفديه بمن لي من حميم
أفدّيه بجلّ بني سليمبظاعنهم وبالأنس المقيم
كما من هاشم أقررت عينيوكانت لا تنام ولا تنيم
قال أبو عبيدة: وكان هاشم بن حرملة بن صرمة بن مرّة أسود العرب وأشدّهم، وله يقول الشاعر:
أحيا أباه هاشم بن حرملهيوم الهباتين ويوم اليعمله
يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب لهإذ الملوك حوله مغربله
وسيفه للوالدات مثكله
حدّثني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن الحسن بن الحرون قال: حدّثنا الكسروي عن الأصمعي قال: مررت بأعرابيّ وهو يخضد شجرة وقد أعجبته سماحتها، وهو يرتجز ويقول:
لو كنت إنسانا لكنت حاتماأو الغلام الجشميّ هاشما
قلت: من هاشم هذا؟ قال: أو لا تعرفه؟ قلت: لا. قال: هو الذي يقول:
وعاذلة هبّت بليل تلومنيكأنّي إذا أنفقت مالي أضيمها
دعيني فإنّ الجود لن يتلف الفتىولن يخلد النفس اللئيمة لومها
وتذكر أخلاق الفتى، وعظامهمفرّقة في القبر باد رميمها
سلي كلّ قيس هل أباري خيارهاويعرض عنّي وغدها ولئيمها
وتذكر فتيانيّتي وتكرميإذا ذمّ فتيانيّها وكريمها
قلت: لا أعرفه. قال: لا عرفت، هو الذي يقول فيه الشاعر:
أحيا أباه هاشم بن حرملهيقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له
صوت
تأبد الرّبع من سلمى بأحفاروأقفرت من سليمى دمنة الدّار
وقد تحلّ بها سلمى تحدّثنيتساقط الحلي حاجاتي وأسراري
الشعر للأخطل، والغناء لعمر الواديّ، هزج بالسبابة في مجرى الوسطى، وفيهما رمل بالبنصر يقال إنه لابن جامع ويقال إنه لغيره، وفيهما خفيف رمل بالوسطى، ذكر الهشامي أنه لحكم. وذكر حبش أن فيهما لإبراهيم خفيف ثقيل أوّل بالوسطى.
ومما يغني فيه من هذه القصيدة:
وشارب مربح بالكأس نادمنيلا بالحصور ولا فيها بسّار
نازعته طيّب الراح الشّمول وقدصاح الدّجاج وحانت وقعة الساري
لما أتوها بمصباح ومبزلهمسمت إليهم سموّ الأبجل الضاريّ
الغناء في هذه الأبيات لابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ. وذكر غيره أنّها للدّلال. ومنها:
قرد تغنّيه ذبّان الرّياض كماغنّى الغواة بصنج عند أسوار
كأنّه من ندى القرّاص مغتمربالورس أو خارج من بيت عطّار
غناه ابن سريج، ولحنه من القدر الأوسط، من الثقيل الأوّل، بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
وذكر الهشاميّ أن لمالك فيه ثقيلا أوّلا. ووافقه يونس في نسبته إلى مالك، ولحكم في قوله:
فرد تغنّيه دبّان الرياض كما
وبعده قوله:
صهباء قد عنست من طول ما حبستفي مخدع بين جنات وأنهار
خفيف ثقيل بالبنصر. ومنها:
لسكّنتني قريش في ظلالهموموّلتني قريش بعد إقتار
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهمعن النّساء ولو باتت بأطهار
ليونس فيها لحن من كتابه ولم يجنّسه.
وهذه القصيدة مدح بها الأخطل يزيد بن معاوية لمّا منع من قطع لسانه حين هجا الأنصار، وكان يزيد هو الذي أمره بهجائهم. فقيل: إن السبب في ذلك كان تشبّب عبد الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية، وقيل بل حمي لعبد الرحمن بن الحكم.
أخبرني الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني أبو يحيى الزّهري قال: حدّثني ابن أبي زريق قال: شبّب عبد الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية فقال:
رمل هل تذكرين يوم غزالإذ قطعنا مسيرنا بالتّمنّي
إذ تقولين عمرك اللّه هل شيء وإن جلّ سوف يسليك عنّي
أم هل اطمعت منكم بابن حسّان كما قد أراك أطمعت منّي
قال: فبلغ ذلك يزيد بن معاوية فغضب، فدخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، ألا ترى إلى هذا العلج من أهل يثرب، يتهكّم بأعراضنا ويشبّب بنسائنا؟ قال: ومن هو؟ قال: عبد الرحمن بن حسّان، وأنشده ما قال، فقال: يا يزيد ليست العقوبة من أحد أقبح منها من ذوي القدرة، ولكن أمهل حتّى يقدم وفد الأنصار ثم ذكّرني. قال: فلمّا قدموا أذكره به، فلما دخلوا عليه قال: يا عبد الرحمن، ألم يبلغني أنك تشبّب برملة بنت أمير المؤمنين؟ قال: بلى، ولو علمت أنّ أحدا أشرّف به شعري أشرف منها لذكرته. قال: وأين أنت عن أختها هند؟
قال: وإنّ لها لأختا؟ قال: نعم. قال: وإنما أراد معاوية أن يشبّب بهما جميعا فيكذب نفسه. قال: فلم يرض يزيد ما كان من معاوية في ذلك: أن يشبّب بهما جميعا، فأرسل إلى كعب بن جعيل فقال: اهج الأنصار. فقال: أفرق من أمير المؤمنين؛ ولكن أدلّك على الشاعر الكافر الماهر. قال: ومن هو؟ قال: الأخطل. قال: فدعا به فقال: اهج الأنصار. قال: أفرق من أمير المؤمنين! فقال: لا تخف شيئا؛ أنا لك بذلك. قال: فهجاهم فقال:
وإذا نسبت ابن الفريعة خلتهكالجحش بين حمارة وحمار
لعن الإله من اليهود عصابةبالجزع بين صليصل وصرار
قوم إذا هدر العصير رأيتهمحمرا عيونهم من المصطار
خلّوا المكارم لستم من أهلهاوخذوا مساحيكم بني النجّار
إنّ الفوارس يعلمون ظهوركمأولاد كلّ مقبّح أكّار
ذهبت قريش بالمكارم والعلاواللؤم تحت عمائم الأنصار
فبلغ ذلك النعمان بن بشير فدخل على معاوية فحسر عن رأسه عمامته، وقال: يا أمير المؤمنين: أترى لؤما؟
قال: لا بل أرى كرما وخيرا، ما ذاك؟ قال: زعم الأخطل أن اللؤم تحت عمائمنا. قال: أو فعل؟ قال: نعم. قال: لك لسانه. وكتب فيه أن يؤتى به. فلما أتي به سأل الرسول ليدخل إلى يزيد أوّلا، فأدخله عليه، فقال: هذا الذي كنت أخاف. قال: لا تخف شيئا. ودخل على معاوية فقال: علام أرسل إليّ هذا الرجل وهو يرمي من وراء جمرتنا؟ قال: هجا الأنصار. قال: ومن زعم ذلك؟ قال: النعمان بن بشير. قال: لا تقبل قوله عليه وهو يدّعي لنفسه، ولكن تدعوه بالبيّنة، فإن ثبّت شيئا أخذته به له. فدعاه بالبينة فلم يأت بها، فخلّى سبيله. فقال الأخطل:
وإنّي غداة استعبرت أمّ مالكلراض من السّلطان أن يتهدّدا
ولو لا يزيد ابن الملوك وسعيهتجلّلت حدبارا من الشّرّ أنكدا
فكم أنقذتني من خطوب حبالهوخرساء لو يرمى بها الفيل بلّدا
ودافع عنّي يوم جلّق غمرةوهمّا ينسّيني السّلاف المبرّدا
وبات نجيّا في دمشق لحيّةإذا همّ لم ينم السليم فأقصدا
يخافته طورا وطورا إذا رأىمن الوجه إقبالا ألحّ وأجهدا
وأطفأت عنّي نار نعمان بعدماأعدّ لأمر فاجر وتجرّدا
ولما رأى النّعمان دوني ابن حرّةطوى الكشح إذ لم يستطعني وعرّدا
حدّثنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: حدّثنا المدائني عن أبي عبد الرحمن بن المبارك قال: شبّب عبد الرحمن بن حسّان بأخت معاوية، فغضب يزيد فدخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، اقتل عبد الرحمن بن حسّان. قال: ولم؟ قال: شبّب بعمّتي. قال: وما قال؟ قال قال:
طال ليلي وبتّ كالمحزونومللت الثّواء في جيرون
قال معاوية: يا بنيّ وما علينا من طول ليله وحزنه أبعده اللّه؟ قال: إنه يقول:
فلذاك اغتربت بالشام حتّىظنّ أهلي مرجّمات الظنون
قال: يا بنيّ وما علينا من ظنّ أهله؟ قال: إنّه يقول:
هي زهراء مثل لؤلؤة الغوّاصميزت من جوهر مكنون
قال: صدق يا بنيّ. قال: إنّه يقول:
وإذا ما نسبتها لم تجدهافي سناء من المكارم دون
قال: صدق يا بنيّ، هي هكذا. قال: إنّه يقول:
ثم خاصرتها إلى القبّة الخض- راء تمشي في مرمر مسنون
خاصرتها: أخذت بخصرها وأخذت بخصري. قال: ولا كلّ هذا يا بني! ثم ضحك وقال: أنشدني ما قال أيضا. فأنشده قوله:
قبّة من مراجل نصبوهاعند حدّ الشتاء في قيطون
عن يساري إذا دخلت من الباب وإن كنت خارجا فيميني
تجعل النّدّ والألوّة والعود صلاء لها على الكانون
وقباب قد أشرجت وبيوتنطّقت بالريحان والزّرجون
قال: يا بني، ليس يجب القتل في هذا، والعقوبة دون القتل، ولكنّا نكفّه بالصلة له والتجاوز.
نسبة ما في هذه الأبيات من الغناء
صوت
هي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون
وإذا ما نسبتها لم تجدهافي سناء من المكارم دون
نسخت من كتاب ابن النطاح: وذكر الهيثم بن عدي عن ابن دأب قال: حدّثنا شعيب بن صفوان أنّ عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت كان يشبّب بابنة معاوية، ويذكرها في شعره، فقال الناس لمعاوية: لو جعلته نكالا؟
فقال: لا، ولكن أداويه بغير ذلك. فأذن له وكان يدخل عليه في أخريات الناس، ثمّ أجلسه على سريره معه، وأقبل عليه بوجهه وحديثه ثم قال: ابنتي الأخرى عاتبة عليك. قال: في أيّ شي ء؟ قال: في مدحتك أختها وتركك إياها. قال: فلها العتبى وكرامة، أنا ذاكرها وممتدحها. فلما فعل وبلغ ذلك الناس قالوا: قد كنا نرى أنّ نسيب بن حسّان بابنة معاوية لشيء، فإذا هو عن رأي معاوية وأمره. وعلم من كان يعرف أنه ليس له بنت أخرى، أنّه إنما خدعه ليشبّب بها، ولا أصل لها فيعلم الناس أنه كذب على الأولى لما ذكر الثانية.
وقد قيل في حمل يزيد بن معاوية الأخطل على هجاء الأنصار: إنّه فعل ذلك تعصّبا لعبد الرحمن بن الحكم بن العاص بن أمية، أخي مروان بن الحكم في مهاجاته عبد الرحمن، وغضبا له، لمّا استعلاه ابن حسّان في الهجاء.
ذكر خبرهما في التهاجي والسبب في ذلك
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أبو سعيد السكري قال: حدثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة قال: أخبرني أبو الخطاب الأنصاري قال: كان عبد الرحمن بن حسّان خليلا لعبد الرحمن بن الحكم بن العاص مخالطا له، فقيل له: إن ابن حسان يخلفك في أهلك. فراسل امرأة ابن حسّان فأخبرت بذلك زوجها وقالت: أرسل إليّ: إنّي أحبّك حبّا أراه قاتلي! فأرسل ابن حسّان إلى امرأة ابن الحكم وكانت تواصله وقال للرسول: إذهب إليها وقل لها: إن امرأتي تزور أهلها اليوم فزوريني حتّى نخلو. فزارته فقعد معها ساعة ثم قال لها: قد واللّه جاءت امرأتي. فأدخلها بيتا إلى جنبه وأمر امرأته فأرسلت إلى عبد الرحمن بن الحكم: إنّك ذكرت حبّك إياي وقد وقع ذلك في قلبي، وإنّ ابن حسّان قد خرج اليوم إلى ضيعته فهلمّ فتهيّأ ثمّ أقبل. فإنّه لقاعد معها إذ قالت له: قد جاء ابن حسّان فادخل هذا البيت فإنّه لا يشعر بك. فأدخلته البيت الذي فيه امرأته، فلما رآها أيقن بالسّوأة ووقع الشرّ بينهما، وهجا كلّ واحد منهما صاحبه.
قال أبو عبيدة: هذه رواية أبي الخطّاب الأنصاري، وأمّا قريش فإنّهم يزعمون أنّ مرأة ابن حسّان كانت تحبّ عبد الرحمن وتدعوه إلى نفسها فيأبى ذلك، حفظا لما بينه وبين زوجها، وبلغ ذلك ابن حسان فراسل امرأة ابن الحكم حتّى فضحها، وبلغ ذلك ابن الحكم وقيل له: إنك إذا أتيت ضيعتك أرسلت إلى ابن حسّان فكان معها. فأمر ابن الحكم أهله فقال: عالجوا سفرة حتّى أطالع مالي بمكان كذا وكذا. فخرج وبعثت امرأته إلى ابن حسان فجاء كما كان يفعل، ورجع ابن الحكم حين ظنّ أن ابن حسان قد صار عندها، فاستفتح فقالت: ابن الحكم واللّه! وخبّأته خلفها في بيت، ودخل عبد الرحمن فبعث إلى امرأة ابن حسان: إنه قد وقعت لك في قلبي مقة، فأقبلي إليّ الساعة، فتهيأت وأقبلت حتّى دخلت عليه، فوضعت ثيابها وزوجها ينظر فقال لها: قد كنت أكثرت الإرسال إليّ فما شأنك؟ قالت: إني واللّه هالكة من حبّك. قال: وزوجها يسمع، وإنّما أراد أن يعلمه أنّها قد كانت ترسل إليه ويأبى عليها. وزعم أنها هي التي قالت لابن الحكم إنّ ابن حسّان يخلفك في أهلك. فلما فرغ من كلامه وأسمعه زوجها قال لها: قد جاءت امرأتي. وأدخلها البيت الذي فيه ابن حسّان، فلما جمعهما في مكان واحد خرج عنهما، فخرجا وطلّق امرأته.
أخبرني ابن دريد قال: أخبرني الرياشي قال: حدّثنا ابن بكير عن هشام بن الكلبي عن خالد بن سعيد عن أبيه قال: رأيت مروان بن الحكم يطوف بالبيت ويقول: اللّهم أذهب عني الشّعر! وأخوه عبد الرحمن يقول: اللّهم إني أسألك ما استعاذ منه! فذهب الشعر عن مروان، وقاله عبد الرحمن.
وأمّا هشام بن الكلبيّ فإنه حدث عن خالد وإسحاق ابنى سعيد بن العاصي، أنّ سبب التهاجي بينهما أنّهما خرجا إلى الصيد بأكلب لهما في إمارة مروان، فقال ابن الحكم لابن حسّان:
ازجر كلابك أنها قلطيّةبقع ومثل كلابكم لم تصطد
فردّ عليه ابن حسّان:
من كان يأكل من فريسة صيدهفالتّمر يغنينا عن المتصيّد
إنا أناس ريّقون وأمّكمككلابكم في الولغ والمتردّد
حزناكم للضّبّ تحترشونهوالريف، نمنعكم بكلّ مهنّد
ثم رجعا إلى المدينة فجعلا يتقارضان، فقال عبد الرحمن بن الحكم في قصيدة:
ومثل أمّك أمّ العبد قد ضربتعندي وليّ بفناتي مزهر جرم
وأنت عند ذناباها تعاونهاعلى القدور تحسّى خاثر البرم
فنقضها عبد الرحمن بن حسّان عليه بقصيدته التي يقول فيها:
يا أيّها الراكب المزجي مطيّتهإذا عرضت فسائل عن بني الحكم
القائلين إذا لاقوا عدوّهمفرّوا فكرّوا على النّسوان والنّعم
كم من أمين نصيح الجيب قال لكمألّا نهيتم أخاكم يا بني الحكم
عن رجل لا بغيض في عشيرتهولا ذليل قصير الباع معتصم
وقال ابن حسّان:
صار الذليل عزيزا والعزيز بهذلّ وصار فروع الناس أذنابا
إنّي لملتمس حتّى يبين لكمفيكم متى كنتم للنّاس أربابا
فارقوا على ظلعكم ثمّ انظروا وسلواعنّا وعنكم قديم العلم نسّابا
فسوف يضحك أو تعتاده ذكريا بؤس للدهر للإنسان ريّابا
ولهما نقائض كثيرة لا معنى لذكر جميعها ههنا.
قال دماذ: وحدّثني أبو عبيدة عن أبي الخطاب قال: لما كثر التهاجي بينهما وأفحشا كتب معاوية يومئذ وهو الخليفة، إلى سعيد بن العاص وهو عامله على المدينة، أن يجلد كلّ واحد منهما مائة سوط. قال: وكان ابن حسان صديقا لسعيد، وما مدح أحدا قط غيره، فكره أن يضربه أو يضرب ابن عمّه، فأمسك عنهما، ثم ولي مروان فلما قدم أخذ ابن حسّان فضربه مائة سوط ولم يضرب أخاه، فكتب ابن حسّان إلى النعمان بن بشير وهو بالشأم، وكان كبيرا مكينا عند معاوية:
ليت شعري أغائب أنت بالشام خليلي أم راقد نعمان
أيّة ما يكن فقد يرجع الغائب يوما ويوقط الوسنان
إنّ عمرا وعامرا أبويناوحراما قدما على العهد كانوا
أفهم مانعوك أم قلّة الكتّابأم أنت عاتب غضبان
أم جفاء أم أعوزتك القراطي- س أم أمري به عليك هوان
يوم أنبئت أنّ ساقيّ رضّتوأتاكم بذلك الرّكبان
ثمّ قالوا إنّ ابن عمّك في بل- وى أمور أتى بها الحدثان
فتئطّ الأرحام والودّ والصّح- بة فيما أتى به الحدثان
إنما الرمح فاعلمنّ قناةأو كبعض العيدان لولا السّنان
وهي قصيدة طويلة - فدخل النعمان على معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك أمرت سعيدا أن يضرب ابن حسّان وابن الحكم مائة مائة فلم يفعل، ثم ولّيت مروان فضرب ابن حسّان ولم يضرب أخاه. قال: فتريد ماذا؟
قال: أنت تكتب إليه بمثل ما كتبت إلى سعيد. فكتب إلى معاوية يعزم عليه أن يضرب أخاه مائة، وبعث إلى ابن حسّان بحلّة، فلما قدم الكتاب على مروان بعث إلى ابن حسان: إنّي مخرجك، وإنّما أنا مثل والدك، وما كان ما كان منّي إليك إلا على سبيل التأديب لك. واعتذر إليه، فقال حسان: ما بدا له في هذا إلّا لشيء قد جاءه. وأبى أن يقبل منه، فأبلغ الرسول ذلك مروان فوجّهه إليه بالحلّة فرمى بها في الحشّ. فقيل له: حلّة أمير المؤمنين وترمي بها في الحشّ؟ قال: نعم وما أصنع بها! وجاءه قومه فأخبروه الخبر فقال: قد علمت أنّه لم يفعل ما فعل إلا لأمر قد حدث. فقال الرسول لمروان: ما تصنع بهذا، قد أبى أن يعفو فهلمّ أخاك. فبعث مروان إلى الأنصار وطلب إليهم أن يطلبوا إليه أن يضربه خمسين فإنّه ضعيف. فطلبوا إليه فأجابهم، فأخرجه فضربه خمسين، فلقي ابن حسّان بعض من كان لا يهوى ما ترك من ذلك، فقال له: أضربك مائة ويضربه خمسين، بئس ما صنعت إذ وهبتها له. قال: إنّه عبد وإنّما ضربه ما يضرب العبد نصف ما يضرب الحرّ! فحمل هذا الكلام حتّى شاع بالمدينة وبلغ ابن الحكم فشقّ عليه، فأتى أخاه مروان فخبّره الخبر وقال: فضحتني، لا حاجة لي فيما تركت فهلمّ فاقتصّ.
فضرب ابن الحكم خمسين أخرى، فقال عبد الرحمن يهجو ابن الحكم:
دع ذا وعدّ قريض شعرك في امرىءيهذي وينشد شعره كالفاخر
عثمان عمّكم ولستم مثلهوبنو أميّة منكم كالآمر
وبنو أبيه سخيفة أحلامهمفحش النفوس لدى الجليس الزائر
أحياؤهم عار على أمواتهموالميّتون مسبّة للغابر
هم ينظرون إذا مددت إليهمنظر التيّوس إلى شفار الجازر
خزر العيون منكّسي أذقانهمنظر الذّليل إلى العزيز القاهر
فقال ابن الحكم:
لقد أبقى بنو مروان حزنامبينا عاره لبني سواد
أطاف به صبيح من مشيدونادى دعوة: يا بني سعاد
لقد أسمعت لو ناديت حيّاولكن لا حياة لمن تنادي
قال أبو عبيدة: فاعتنّ أبو واسع أحد بني الأسعر من بني أسد بن خزيمة، لابن حسان دون ابن الحكم، فهجاه وعيّره بضرب ابن المعطل أباه حسّان على رأسه، وعيّرهم بأكل الخصى، فقال:
إنّ ابن المعطّل من سليمأذلّ قياد رأسك بالخطام
عمدت إلى الخصى فأكلت منهالقد أخطأت فاكهة الطعام
وما للجار حين يحلّ فيكملديكم يا بني النجّار حام
يظلّ الجار مفترشا يديهمخافتكم لدى ملث الظّلام
وينظر نظرة في مذرويهوأخرى في استه والطّرف سام
قال: فلما عمّ بني النجّار بالهجاء ولا ذنب لهم دعوا اللّه عزّ وجلّ عليه، فخرج من المدينة يريد أهله فعرض له الأسد فقضقضه، فقال ابن حسّان في ذلك:
أبلغ بني الأسعر إن جئتهمما بال أبناء بني واسع
والليث يعلوه بأنيابهمعتفرا في دمه الناقع
إذ تركوه وهو يدعوهمبالنّسب الداني وبالشاسع
لا يرفع الرحمن مصروعكمولا يوهّي قوّة الصارع
فقالت له امرأته: ما دعا أحد قبلك للأسد بخير قطّ. قال: ولا نصر أحدا كما نصرني.
وقال ابن الكلبيّ: كان الأخطل ومسكين الدارميّ صديقين لابن الحكم، فاستعان بهما على ابن حسّان، فهجاه الأخطل، وقال له مسكين: ما كنت لأهجو أحدا أو أعذر إليه. فكتب إليه مسكين بقصيدته اللامية يدعوه إلى المفاخرة والمنافرة، فقال في أوّلها:
ألا إنّ الشّباب ثياب لبسوما الأموال إلّا كالظّلال
فإن يبل الشّباب فكلّ شيءسمعت به سوى الرحمن بال
وهي طويلة جدا، يفخر فيها بمآثر بني تميم. فأجابه ابن حسّان فقال:
أتاني عنك يا مسكين قولبذلت النّصف فيه غير آل
دعوت إلى التناضل غير قحمولا غمر يطير لدى النضال
وهي أطول من قصيدة مسكين. ثم انقطع التناضل بينهما.
قال دماذ: فحدّثني أبو عبيدة قال: حدّثني أبو حيّة النميري قال: حدّثني الفرزدق قال: كنّا في ضيافة معاوية، ومعنا كعب بن جعيل التّغلبي، فحدّثني أنّ يزيد بن معاوية قال له: إنّ ابن حسّان فضح عبد الرحمن بن الحكم وغلبه، وفضحنا، فاهج الأنصار. قال: فقلت له: أرادّي أنت في الشرك، أأهجو قوما نصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وآله وآووه؟ ولكنّي أدلّك على غلام منا نصرانيّ لا يبالي أن يهجوهم، كأنّ لسانه لسان ثور.
قال: من هو؟ قلت: الأخطل. فدعاه وأمره بهجائهم، فقال: على أن تمنعني؟ قال: نعم.
قال أبو عبيدة: إن معاوية دسّ إلى كعب وأمره بهجائهم، فدلّه على الأخطل، فقال الأخطل قصيدته التي هجا فيها الأنصار، وقد مضت ومضى خبرها وخبر النعمان بن بشير.
وزاد أبو عبيدة عمن روينا ذلك عنه: أنّ النعمان بن بشير ردّ على الأخطل فقال:
أبلغ قبائل تغلب ابنة وائلمن بالفرات وجانب الثّرثار
فاللؤم بين أنوف تغلب بيّنكالرّقم فوق ذراع كلّ حمار
قال: فخافه الأخطل أن يهجوه، فقال فيه:
عذرت بني الفريعة أن هجونيفما بالي وبال بني بشير
أفيحج من بني النجّار شئنشديد القصريين من السّحور
ولم يرد على هذين البيتين شيئا في ذكره.
قال أبو عبيدة في خبره أيضا: إن الأنصار لمّا استعدوا عليه معاوية قال لهم: لكم لسانه إلّا أن يكون ابني يزيد قد أجاره. ودسّ إلى يزيد من وقته: إني قد قلت للقوم كيت وكيت فأجره. فأجاره، فقال يزيد بن معاوية في إجارته إياه:
دعا الأخطل الملهوف بالشّرّ دعوةفأيّ مجيب كنت لمّا دعانيا
ففرّج عنه مشهد القوم مشهديوألسنة الواشين عنه لسانيا
صوت
كان لي يا شقير حبّك حيناكاد يقضي عليّ لمّا التقينا
يعلم اللّه أنكم لو نأيتمأو قربتم أحبّ شيء إلينا
الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لحبابة جارية يزيد بن عبد الملك، ولحنها ثاني ثقيل بالوسطى، وجعلت مكان «يا شقير»: «يا يزيد». وفي هذا الشعر للهذلي خفيف ثقيل أول مطلق بالوسطى. وزعم عمرو بن بانة أنه للأبجر. وقال الهشامي: لحن الأبجر ثقيل أول بالبنصر. وفيه للدارمي وابن فروخ خفيف ثقيل، ولحن الدارمي فيهما مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع